Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش".
قال أحمد: وذلك خمس مائة درهم، وقد كان النبي صلى الله علي وسلم تزوج عائشة وهي صغيرة، ومعلوم أنه لم يكن مهر مثلها خمس مائة درهم، بل أكثر بأضعاف ذلك.
وقد تزوجها النبي ﷺ بهذا المقدار من المهر أو بأقل، وقد كان زوجها إياه أبو بكر ﵁، فدل على جواز تزويج الأب الصغيرة بأقل من مهر مثلها.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ زوج فاطمة من علي ﵄ على أربعمائة درهم، ومعلوم أنه لم يكن ذلك مهر مثلها، بل أكثر منه بأضعاف أضعافه، ولا جائز لأحد أن يقول إنها قد بخست حظها حين زوجت بهذا القدر من المهر؛ لأن الذي حصل لها من الحظ بعلي ﵁، كان أكثر من الدنيا وما فيها.
وهذا يدل على أنه ليس القصد من النكاح تحصيل الأعواض، وإنما المقصد منه أن يضعها في منصب حسن، وفيمن يحسن عشرتها ولا يشينها، ونحوها من المعاني المقصودة بعقد النكاح.
وإذا كان كذلك، فجائز أن يستوفي لها من الحظ من جهة الزوج، ما
стр. 1857
هو أجدى عليها، وأنفع لها من كثير من المال.
وليس النكاح في هذا كالبيع، فلو باع أمة لها بأقل من قيمتها بما لا يتغابن فيه: لا يجوز، من قبل أن المقصد في عقود البياعات تحصيل الأعواض.
وكذلك لا يجوز له تزويج أمتها بأقل من مهر مثلها، لهذه العلة، إذ لا نفع لها فيما يحصل للأمة من حظ الزوج، وإنما منفعتها في تحصيل عوض بضعها.
* وأما أبو يوسف ومحمد، فلم يجيزا العقد عليها إلا أن يكون بمهر المثل، أو أقل أو أكثر مما لا يتغابن الناس فيه.
وذكر هشام عنهما: أن النكاح باطل، لا يجوز إذا زوجها بأقل من مهر المثل بمثل ما لا يتغابن فيه.
مسألة: [تزويج الأولياء الصغار]
قال أبو جعفر: (ولسائر الأولياء تزويج الصغار، ويتوارثان بذلك).
قال أحمد: أما الأب والجد، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن لهما أن يزوجا الصغار، إلا شيء يحكى عن عثمان البتي، وابن
стр. 1858
شبرمة، أنهما قالا: لا يزوج الأب الصغيرة، وهو قول شاذ في الأمة قد سبقهما بخلافه الصدر الأول.
ودليل الكتاب يقضي ببطلانه، وهو قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم يحضن﴾.
فقضى بصحة طلاق الصغيرة، وأوجب عليها العدة إذا كانت مدخولاً بها، والطلاق لا يقع إلا في عقد صحيح.
ومن جهة السنة: أن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂، وهي صغيرة، زوجها إياه أبو بكر.
فصل: [تزويج غير الأب والجد الصغار]
قال أحمد: وأما تزويج غير الأب والجد من الأولياء، فهو على قسمين:
فما كان من تزويج العصبات، فلا خلاف بين أصحابنا في جواز الأقرب فالأقرب، وإنما الخلاف في الخيار بعد البلوغ.
(قال أبو حنيفة ومحمد: لهما الخيار إذا بلغا إذا زوجهما غير الأب والجد من الأولياء، نحو الأخ والعم، وقال أبو يوسف: لا خيار لهما).
стр. 1859
وأما تزويج غير العصبات: فإن أبا حنيفة يجيزه إذا لم يكن عصبة، نحو الأم والأخت والخال، والرجل من عرض العشيرة.
فأما الدليل على جواز تزويج العصبات، وإن لم يكن أبًا أو جدًا: ما روي عن ابن عباس وعائشة ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية.
فالآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، ويريد أن يتزوجها، ولا يقسط لها في صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا بالقسط.
قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾.
قالت: هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط".
فقد دلت هذه الآية على تزويج العصبات للصغار؛ لأن أقرب الأولياء إليها ممن يجوز له نكاحها ابن العم.
стр. 1860
فإن قيل: يحتمل أن يريد الكبيرة، وهو قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾، وقول النبي ﷺ : ﴿اليتيمة تستأمر في نفسها﴾، والمراد: الكبيرة.
قيل له: روى علي بن أبي طالب ﵁ وغيره عن النبي ﷺ قال: "لا يتم بعد الحلم".
فإن سميت الكبيرة يتيمة، فإنما تسمى به مجازًا لا حقيقة؛ لأن الاسم لو كان حقيقة فيها، لما انتفى عنها بحال، إذ من شأن الحقائق أن لا تنتفي عن مسمياتها بحال، وإذا كان كذلك، فحكم اللفظ أن يكون محمولاً على الحقيقة، حتى تقوم الدلالة على المجاز.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾: إنما سماهم يتامى على ما كان عليه حالهم قبل ذلك.
كما "أمر النبي ﷺ بلالاً أن يرجع حين أذن قبل
стр. 1861
الوقت فينادي: ألا إن العبد نام"، وكان حرًا حينئذ.
وقال علي ﵁ لشريح: "ما تقول أيها العبد الأبظر"، وقد كان حرًا في ذلك الوقت، إلا أنه قد كان جرى عليه رق في الجاهلية، فسماه به.
وذلك كله مجاز لا حقيقة.
وأيضًا: قد أخبرت عائشة ﵂ أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها، ولا يقسط لها في صداقها، ومعلوم أن الكبيرة لا تكون في حجر وليها، ويكون الأمر في الصداق إليها، لا إلى الولي.
стр. 1862
فهذا كله يبطل تأويل من تأول الآية على الكبيرة.
فإن قيل: يحتمل أن تكون الآية في اليتيمة تكون في حجر الجد، فخوطب فيها بما خوطب به.
قيل له: قد أخبرت عائشة ﵂ عن سبب نزول الآية، وقالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيريد أن يتزوجها، وذلك يمتنع في الجد.
وأيضًا: فإن الذي هو في حجره، هو المخاطب في الآية بالنكاح على شرائط القسط في الصداق، وذلك لا يكون الجد.
* ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾، والأيم اسم المرأة التي لا زوج لها، وذلك يتناول الصغار والكبار منهن، فاقتضى ظاهر الآية جواز تزويجهن للأب وغيره؛ لأن قوله: ﴿وأنكحوا﴾: خطاب للجميع.
وأيضًا: فإن العلة التي من أجلها جاز تزويج الأب موجودة في غيره من العصبات، وهي كونه من أهل ميراثه.
والدليل على صحة هذه العلة: أن الأب إذا كان عبدًا أو كافرًا، وهي مسلمة: لم يزوجها إذا لم يكن من أهل الميراث، فدل ذلك على أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث، فاستحقها كل من كان من أهل الميراث.
стр. 1863
فإن قيل: فأنتم تجيزون للقاضي تزويج الصغار، وليس هو من أهل الميراث.
قيل له: إنما قلنا إن من كان من أهل الميراث جاز تزويجه، ومن لم يكن من أهل الميراث، فحكمه موقوف على الدلالة.
وأيضًا: فإن القاضي قائم مقام جماعة المسلمين، وجماعة المسلمين من أهل ميراثه، إذا لم يكن وارث عنهم.
وقد روي عن علي، وعمر، وابن مسعود ﵃ أن للولي أن يزوج الصغيرة من نفسه، ولا نعلم عن غيرهم من الصحابة خلافه.
* فأما وجه قول أبي حنيفة ومحمد في وجوب الخيار لهما عند البلوغ إذا زوجهما غير الأب والجد، فهو أن عقد النكاح فيه مال، وغيرهما لا يملك التصرف عليه فيه من المال.
فإن قيل: المال يثبت فيه على جهة البيع من طريق الحكم؛ لأنه يصح من غير تسمية، ولا يجوز إيجاب الخيار من أجله.
قيل له: هذا غلط، لأن المال بدل البضع، ولا جائز أن يقال في أحد البدلين إنه تبع للآخر.
فإن قيل: فلو زوجها العم، وهو وصي أبيها: كان لها الخيار عندك، وإن كانت تملك التصرف في البضع والمال.
стр. 1864
قيل له: لأنه يملك التصرف في المال من غير الجهة التي يملك بها التصرف في البضع، فكان لها الخيار، إذ هو لا يملك التصرف في المال من جهة عقد النكاح.
* ولأبي يوسف: أنه لما ثبتت له الولاية في النكاح، كان بمنزلة الأب، ولم تعتبر فيه جهة المال؛ لأنه يثبت بغير تسمية.
* وإنما قال أبو حنيفة: إن لغير العصبات تزويج الصغار: لقول الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾، وذلك عموم في العصبات وغيرها، وأيضًا: قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾.
وما روي عن عائشة ﵂ فيه من سبب نزوله، لم تفرق فيه بين العصبات وغيرهم، وهو عام في جميع من هي في حجره من القرابات.
وأيضًا: فإن هؤلاء من أهل الميراث، وإن لم يكونوا عصبات، وقد بينا أن الولاية في النكاح مستحقة بالميراث، فوجب أن تثبت لكل من كان من أهل الميراث.
* وأبو يوسف ومحمد: اعتبرا العصبات؛ لأنهم الذين يثبت لهم حق الولاية في تزويج الكبار، ويثبت لهم حق الفسخ إذا زوجت نفسها غير كفؤ.
стр. 1865
وكذلك هم الذين يزوجون الصغار، ولا يثبت هذا الحق لغيرهم.
فإن قال قائل: يدل على أن غير الأب والجد لا يزوجان الصغيرين: ما روي "أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه، فقال النبي صلى الله علي وسلم: هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها".
قيل له: كانت كبيرة، ولم ترض بتزويجه إياها، وذلك لما حدثنا دعلج بن أحمد قال: ثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي قال: ثنا أبو جعفر النفيلي قال: ثنا محمد بن سلمة قال: ثنا محمد بن إسحاق عن عمر بن حسين بن عبد الله مولى آل حاطب عن نافع عن ابن عمر قال:
"توفي عثمان، فأوصى إلى أخيه قدامة، قال: فزوجني قدامة بنت عثمان، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال، فحطت إليه، ورأى الجارية مع أمها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لقدامة، ألحقها بهواها، فإنها أحق بنفسها، فانتزعها، وزوجها المغيرة بن شعبة".
فأخبر أنها كانت كبيرة؛ لأنه قال: ألحقها بهواها، فأجاز نكاحها من المغيرة.
واللفظ الذي ذكر فيه أنها يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها، يدل على ذلك أيضًا، لأنه جعل لها إذنًا في تلك الحال.
стр. 1866
وقوله: يتيمة: سماها به مجازًا، لا حقيقة، كما قال تعالى﴾ وءاتوا اليتامى أموالهم ﴿، وقول النبي ﷺ : "تستأمر اليتيمة في نفسها".
مسألة:
قال: (ولا ولاية للوصي بحق الوصية في النكاح).
وذلك لما وصفنا من أن الولاية في النكاح مستحقة بكونه من أهل الميراث، بدلالة أنه إذا كان من أهل الميراث استحق الولاية، وإذا لم يكن من أهل الميراث بل كان عبدًا أو كافرًا: لم يستحقها.
فإن قيل: فالقاضي يزوج، وليس من أهل الميراث.
قيل له: لأنه قائم مقام المسلمين، وجماعة المسلمين من أهل الميراث، إذ لم يكن أقرب منهم.
فإن قيل: والوصي قائم مقام الأب، والأب كان من أهل الميراث.
قيل له: في حال ثبوت الوصية وصحتها ليس الأب من أهل الميراث، لأنه ميت، والوصية إنما تصح بعد الموت.
وأيضًا: فإن الولاية في النكاح مستحقة بالنسب، وما جرى مجراه من الولاء، وهذا المعنى لا يصح فيه النقل، فلم يستحقها الوصي؛ لأنه لو استحقها، لاستحقها من جهة انتقالها إليه من الأب.
стр. 1867
فإن قيل: فالوكيل يزوج، وكذلك القاضي، وهم يتصرفون في ذلك بنسب، ولا ما قام مقامه من الولاية.
قيل له: الوكيل لا يوجب نقل الولاية إليه؛ لأن ولاية الموكل قائمة، والوكيل والسفير عن الموكل لا يتصرف من جهة نقل الولاية إليه.
وكيف تكون منتقلة إليه، وهي باقية في ملك الموكل، وكذلك القاضي يعبر عمن يستحق الولاية عليه، وهم كافة المسلمين، بمنزلة الوكيل.
وليست الولاية في النكاح، كهي في الشراء والبيع، غير مقصور على النسب، وما قام مقامه.
ألا ترى أنه قد استحق الولاية في النكاح، من لا يستحق التصرف في الشراء والبيع، نحو الأخ والعم، ويدل على الفرق بينهما: أن المتصرف في الشراء والبيع متصرف على نفسه، وبه تتعلق حقوقهما، ثم يلزم الآمر ضمانه بالأمر، والمتصرف في النكاح، متصرف على الزوجين، ويكون فيه بمنزلة السفير، وهذا المعنى لا يستحق إلا من الوجه الذي ذكرنا.
مسألة: [ولاية القاضي في النكاح].
قال أبو جعفر: (وإن زوج القاضي صغيرًا أو صغيرة، فإن محمد بن الحسن قال: هو كتزويج غير الأب، ولهما الخيار بعد البلوغ.
وروى هشام بن عبد الله عن خالد بن صبيح عن أبي حنيفة: أن عقد
стр. 1868
القاضي، كعقد الأب، ولا خيار فيه بعد البلوغ).
وجه قول محمد: أن القاضي لما قام في ذلك مقام كافة المسلمين، وجماعة المسلمين أكثر أحوالهم أن يكونوا في الولاية في ذلك بمنزلة العم والأخ، فيجب فيه الخيار بعد البلوغ.
ووجه قول أبي حنيفة: أن القاضي له ولاية في التصرف في المال من حيث استحق الولاية في النكاح، فوجب أن يكون بمنزلة الأب.
مسألة: [نكاح الفضولي]
قال: (ومن زوج رجلًا بغير إذنه، ثم بلغه، فأجازه، لم يجز إلا أن يكون هناك مخاطب خاطب عنه في القبول، في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: النكاح واقع، وتجوز إجازته إذا بلغه).
وجه قولهما: أن قوله: قد زوجت فلانًا فلانة، نصف عقد، ونصف العقد لا يقف على غائب عن المجلس.
ألا ترى أنه لو خاطب أحد الزوجين بالنكاح، فلم يقبله، حتى قام من المجلس: بطل ما كان زوجه له، ولم يكن له أن يقبله بعد ذلك.
وليس هذا كوليهما أو وكيلهما جميعًا إذا عقد النكاح عليهما، فيجوز في قولهم جميعًا، من قبل أن ذلك جميع العقد منه؛ لأنه يملك الإيجاب والقبول، ولا يقتضي إيجابه قبولًا من غيره، فكان ذلك منه جميع العقد فنفذ، ولم يقف.
وأما إذا كان متبرعًا بالعقد، فهو غير مالك للعقد، ولا يصح منه إلا
стр. 1869
الإيجاب أو القبول ممن أوجبه.
* وجعله أبو يوسف بمنزلة وليهما أو وكيلهما.
مسألة: [تزويج السيد العبيد والإماء].
قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يزوج أمته وإن كانت كارهة، وأما عبده في ذلك فهو كأمته في قول أبي يوسف ومحمد.
وقد اختلف عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، فروى عنه هذا القول، وروى عنه: أنه لا يزوجه إلا برضاه، أو أن يبلغه وقد زوجه بغير رضاه فيجيز ذلك).
قال أحمد: الرواية الأولى صحيحة، وما ذكره من الرواية الثانية في العبد غير صحيح.
وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀ لا ينكرها؛ لأن المشهور عن أصحابنا جميعًا أن العبد والأمة جميعًا سواء، فيجوز للمولى تزويجهما وإن كرها.
وإنما كان العقد عليهما جائزًا وإن كرها: لقول الله تعالى:﴾ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴿.
وظاهرة يقتضي جواز العقد على الجميع، إذ ليس في الآية شرط رضاهم، وخصصنا الأيامى البالغات من الحرائر في امتناع نفاذ العقد
стр. 1870
عليهم بالاتفاق، وبقي حكم اللفظ في الأيامى الصغار والعبيد والإماء.
وأيضًا: فلا خلاف أن العبد والأمة لا يملكان عقد النكاح لأنفسهما، وكل حق لا يملكه العبد من نفسه، فالمولى يملكه منه.
ألا ترى أن العبد لما لم يملك التصرف من نفسه في البيع والإجازة ونحوهما، ملك المولى ذلك منه، وكذلك لما لم يملك الإقرار بالدين على نفسه، ملك المولى ذلك منه، وجاز إقراره عليه، رضي أو سخط، فكذلك عقد النكاح، لما لم يملكه العبد من نفسه، ملكه المولى منه.
ألا ترى أن العبد لما ملك الإقرار بالزنى والقتل والسرقة، لم يملك المولى ذلك منه، ولم يجز إقراره عليه.
مسألة: [تزويج الوليين للمرأة].
قال: (وإذا زوج المرأة ولياها بغير أمرها، فلها أن تجيز أيهما شاءت).
لأنهما جميعًا موقوفان عليهما، إذ ليس يملك أحد الوليين فسخ عقد الآخر، فوقعا جميعًا.
* قال: (وإن كان زوجاها بأمرها، وقد تقدم أحدهما: فالعقد الأول جائز والثاني فاسد، دخل بها الآخر، أو لم يدخل).
وذلك لما روى الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال:
стр. 1871
"إذا نكح الوليان، فالأول أحق".
ولأن العقد الأول صحيح بالاتفاق، والثاني فاسد، والدليل عليه أنه لو ارتفعا إلى القاضي حكم بصحة الأول، وفساد الثاني، فإذا دخل بها الثاني، فإنما كان دخوله على عقد فاسد، والدخول لا يصحح العقد الفاسد، ولا يبطل العقد الصحيح الذي للزوج الأول.
وأيضًا: قد اتفق الجميع على أنه لو تزوج أختين، إحداهما قبل الأخرى، أن نكاح الثانية فاسد، ولا يصححه دخوله بها، دون الأولى، لأنه بها وقع الجمع، كذلك الزوجان إذا عقد لهما على امرأة واحدة.
مسألة: [خيار الزوجة وأهلها في تدليس الزوج في نسبه].
قال أبو جعفر: (ومن انتسب إلى قوم، فزوجوه، ثم علم أنه ليس كما انتسب: فلهم إبطال نكاحه).
قال أحمد: وهذا إذا كان النسب الذي كتمهم دون الذي أظهره، وإن كان مثله إذا وقع منه: فلا خيار لها، ولم يفصله أبو جعفر هذا التفصيل، وهو كذلك عندهم، وذلك لأنها لم ترض به زوجًا إلا بنسب شريف،
стр. 1872
يشرف به ولدها، فإذا لم يوجد ذلك: كان لها الخيار في فسخ النكاح.
ألا ترى أنه لو شطر لها أنه كفؤ، ثم تبين أنه ليس كذلك، كان لها الخيار، كذلك ما وصفنا.
وليس ذلك مثل أن تنتسب إلى قوم، وتزوجها على ذلك، ثم علم أنها دونهم في النسب: فلا يكون للزوج خيار في فسخ العقد؛ لأنها لو شرطت له الكفاءة، ثم لم يكن كذلك، لم يكن له خيار؛ لأن عدم الكفاءة من جهتها لا يثبت به خيار في فسخ العقد، وعدم الكفاءة من جهته يثبت به الخيار للأولياء في الفسخ.
مسألة: [تزوج امرأة على أنها حرة، ثم تبين أنها مملوكة]
قال أبو جعفر: (ومن تزوج امرأة على أنها حرة، فولدت منه، ثم قامت البنية على أنها مملوكة، فقضي عليها بذلك، كان لمولاها أن يجيز نكاحها أو يبطله، وولدها حر، على أبيه قيمته يوم يختصمون بالمستحق، ويرجع الأب بتلك القيمة على من كان غره وزوجه على أنها حرة إن كان غرها، فإن كانت هي غرته: رجع عليها بذلك إذا أعتقت، وعلى المغرور عقرها لمستحقها، ولا يرجع به على أحد).
قال أحمد: لا خلاف بين الصدر الأول وسائر فقهاء الأمصار أن ولد المغرور حر الأصل.
стр. 1873
ولا خلاف أيضًا بين السلف أنه مضمون على الأب، إلا أن السلف اختلفوا في كيفيه ضمانه:
فقال عمر بن الخطاب ﵁: يفك الغلام بغلام، والجارية بجارية، يعني إن كان الولد غلامًا: فعلى الأب غلام مثله، وإن كان جارية: فعليه جارية مثلها.
وقال علي ﵁: عليه قيمته.
وإليه ذهب أصحابنا؛ لأنهم جعلوه جميعًا بمنزلة الولد، وهو عبد فيغرم قيمته.
وله أصل في السنة، وهو "حكم النبي ﷺ في عبد بين رجلين أعنقه أحدهما وهو موسر: أنه يضمن نصف قيمته"، ولم يحكم عليه بنصف عبد مثله.
ويرجع المغرور على الغار بقيمة الولد.
وهو أيضًا اتفاق من الصحابة، وإنما هذا بمنزلة ضمان الدرك في الولد، ولهذا لم يرجع عليهما إلا بعد العتق؛ لأن ضمانها لا يجوز في حال الرق في رق المولى.
стр. 1874
وإنما المعتبر قيمة الولد يوم الخصومة؛ لأنها بمنزلة المغضوب، ولا يصير مضمونًا على الغاضب إلا بالمنع بعد المطالبة برده، وحكم المنع إنما حصل في الولد حين خوصم فيه، وهو قائم.
وكذلك قالوا: إنه لو مات الولد، ثم اختصما: لم يغرم الأب شيئًا، بمنزلة ولد المغضوب إذا مات قبل مجيء المغضوب منه.
ويغرم الواطئ العقر؛ لأنه وطئ ملك الغير بشبهة، ولا يرجع بالعقر على الغار؛ لأن الوطء في هذا بمنزلة شيء أتلفه منها، وتناوله لنفسه، فلا يرجع به على غيره، كما لو قطع يدها، لم يرجع به على غيره.
مسألة: [من أعتق الأمة على أن تزوجه نفسها]
قال: (وإذا أعتق أمته على أن تزوجه نفسها، ثم تزوجه نفسها، فلها مهر مثلها).
وذلك لأن العتق ليس بمال، فلا يستحق به تسليم مال، فلا يكون مالًا، ولا يكون مهرًا، لقول الله تعالى:﴾ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ﴿.
فإن قيل: العتق مال لأنه يحصل لها به رقبتها.
قيل له: لا يحصل لها به مال، ولا تستحق به تسليم مال؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن ينتقل إليها الرق الذي كان يملكه المولى فيها قبل العتق، فتملك من نفسها ما كان المولى يملكها منها قبل العتق، فلما كان الذي يحصل لها بالعتق، سقوط الرق من غير أن تملك رق نفسها، دل
стр. 1875
على أن الذي حصل لها ليس بمال.
وكيف يكون مالًا وهي إنما جعل لها الحرية، ولا جائز أن تكون الحرية مالًا؛ لأنه لو كان كذلك، كانت رقاب الأحرار كلهم أموالًا.
ويدل على صحة الأصل الذي ذكرنا: "أن النبي ﷺ أبطل الشغار"، وهو أن يجعل المهر بضع امرأة أخرى؛ لأن البضع ليس بمال، ولا يستحق به تسليم مال، فلم يجز أن يكون مهرًا، كذلك ما وصفنا، كان في معناه.
فإن قيل: روى "أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها".
قيل له: لأن النبي ﷺ قد كان له أن يتزوج بغير مهر، وكان له أن يجعل ما ليس بمال صداقًا في العقد، ونحن لا يجوز لنا أن نملك البضع بغير بدل يستحق به تسليم مال، فلذلك اختلفا.
* قال: (وروي عن أبي يوسف أنه لا صداق لها إذا أعتقها على أن تزوجه نفسها، فزوجته نفسها).
وذلك لأنه جعل الرقبة مضمونة عليها بالعتق؛ لأنه قد شرط بدلها منفعة هي عقد النكاح، فصارت قيمة رقبتها تسمية في العقد.
стр. 1876
* قال أبو جعفر: (وإن أبت أن تزوجه نفسها: كان عليها أن تسعى له في رقبتها في قولهم جميعًا).
لأنه لو أعتقها على منفعة مشروطة للزوج من قبلها، وهي التزويج، فلما لم تف به: لم يجز أن يسلم لها الرقبة بغير شيء.
قال: (ولا يجمع الحر بين أكثر من أربع زوجات)
وذلك لقوله تعالى:﴾ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴿.
فإن قيل: ظاهر اللفظ يقتضي جواز التسع؛ لأن الواو للجمع.
قيل ليس كذلك؛ لأن قوله:﴾ وثلاث ﴿: يدخل فيه المثنى، و:﴾ ورباع ﴿، يدخل فيه الثلاث، إذ ليس في اللفظ دليل على أن الثلاث غير المثنى، والرباع غير الثلاث؛ لأن صفة الواو للجمع، حتى يقوم الدليل على غيره.
ومن أثبت المثنى غير الثلاث، والثلاث غير الرباع، وقد ألق بالآية ما ليس فيها، وما لا دليل عليه.
وهذا مثل قوله تعالى:﴾ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴿، ثم قال:﴾ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ﴿.
стр. 1877
واليومان الأولان داخلان في الأربعة، لولا ذلك، لحصل العدد ستة أيام.
ثم قال:﴾ فقضاهن سبع سموات في يومين ﴿، فكان يحصل خلق الجميع في ثمانية أيام، وقد أخبر الله في غير هذا الموضع أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فثبت بذلك أن مقتضى اللفظ ومضمونه أن يكون العدد الأول داخلًا في الثاني، والثاني في الثالث، حتى تقوم الدلالة على أن المراد استئناف عدد غير الأول.
وأيضًا: فإن الواو قد تكون بمعنى: "أو": في اللغة، وهو مشهور فيها، وكأنه قال: مثنى، أو ثلاث، أو رباع، وإذا كان هكذا، فلا
стр. 1878
خلاف فيه مع ذلك بين الفقهاء.
مسألة:
قال: (ولا يتزوج العبد أكثر من اثنتين).
وذلك لما روى ليث عن الحكم قال: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين".
وروى سليمان بن سير عن عبد الله بن عتبة قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁: ينكح العبد اثنتين، وتعتد بحيضتين، وتطلق اثنتين".
* ومن جهة النظر: إن العدد حق مقرر من حقوق النكاح، فيثبت له نصف ما يثبت للحر، بدلالة أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة، إذ كانت حقًا مقدرًا من حقوق النكاح.
وكذلك قالوا في قسم الأمة على النصف من قسم الحرة، وليس
стр. 1879
بمنزلة النفقة؛ لأنها غير مقدرة، ولا معلومة المقدار.
فإن قيل: قوله:﴾ فانكحوا ما طاب لكم ﴿، يقتضي دخول العبد فيه.
قيل له: العبد لم يدخل قط في هذا الخطاب، لاتفاق الجميع أنه لا يملك عقد النكاح، وأن المولى هو الذي يملك ذلك عليه.
مسألة: [ليس للعبد أن يتسرى]
(وليس للعبد أن يتسرى وإن أذن له مولاه).
وذلك لأنه لا يملك، وقد قال تعالى:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴿.
والدليل على أنه لا يملك: قول الله تعالى:﴾ ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ﴿، ولا يخلو المراد به من أحد وجهين.
إما نفي قدرة العبد رأسًا، أو نفي الملك، ولا يجوز أن يكون المراد نفي القدرة؛ لأن العبد والحر جميعًا قادران لا يختلفان في القدرة من جهة الرق والحرية، فعلم أن المراد نفي الملك.
وعلى أن ظاهره يقتضي نفي الجميع، إلا أن الدلالة قد قامت على أنه لم يرد القدرة، فبقي حكم اللفظ في نفي الملك.
стр. 1880
فإن قيل: فقد قال:﴾ وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ﴿، والبكم لا ينفي الملك ولا الرق.
قيل له: ظاهرة يقتضي نفي الملك، إلا أنا صرفناه عن الظاهر بدلالة.
وأيضًا: فإن المراد أبكم مملوك.
[فإن قيل: إن الله تعالى يقول:﴾ وانكحوا الأيمي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴿: فأثبت للعبد الغنى والفقر، فدل على أنه يملك، إذ لو لم يملك، لكان أبدًا فقيرًا].
قيل له: المراد الغنى باستباحة البضع، لا بالمال؛ لأنه لو كان المراد الغنى بالمال، لاستغنى كل من تزوج، إذ غير جائز وقوع مخبر الله تعالى
стр. 1881
على خلاف ما أخبر به.
وأيضًا: فإنه راجع إلى الأيامى من الأحرار؛ لأنهم هم الذين يستغنون، ويملكون دون العبد، بالدلائل التي قدمنا.
فإن قيل: قال النبي ﷺ : "من باع عبدًا، وله مال فماله للبيع إلا أن يشترطه المبتاع، فأضاف المال إلى العبد، فدل أنه يملك.
قيل له: ليست هذه الإضافة إلا على وجه اليد أو النسبة، كما قال تعالى:﴾ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴿.
وقال:﴾ وقرن في بيوتكن ﴿، فأضافها تارة إلى النبي ﷺ ، وتارة إليهن، ومعلوم أن الملك لأحدهما.
وهو كقوله ﵊: "من باع نخلًا، وله ثمرة، فثمرته للبيع، إلا أن يشترط المبتاع".
ولم يدل على أن النخل يملك الثمرة، وهو كقولك: هذا سرج الدابة ولجامها.
* ومن وجه النظر: أن العبد لو كان ممن يملك، لوجب أن ينتقل ملك رقبته إليه بالكتابة؛ لأنه قد بذل عنها بدلًا، فكان يجب أن لا يكون
стр. 1882
معتقًا على المولى، وأن لا يكون ولاؤه له، ومتى ملك رقبته انتقل إلى نفسه، فأعتق عليها، فلما اتفق الجميع على أن المكاتب حر على ملك المولى، دل على أن العبد لا يصح أن يملك؛ لأنه لو كان ممن يملك لملك رقبته.
مسألة: [النهي عن تزوج امرأة في عدة أختها]
قال: (ولا يتزوج المرأة في عدة أختها، ولا أربع سواها، بائنًا كانت أو غير بائن).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ وأن تجمعوا بين الأختين ﴿، ويحصل بتزويج أختها ضرر من الجمع؛ لأنه يستلحق نسبها، وتجب نفقتهما جميعًا وسكانهما، وذلك منفي بالعموم.
وأيضًا: قد اتفقنا على أنه لا يجمع بين أختين بملك اليمين في الوطء، والمعنى فيه أن الوطء حكم من أحكام النكاح، فوجب على هذا
стр. 1883
أن لا يجوز له الجمع بينهما في حكم من أحكام النكاح كلا، وهو استلحاق النسب، ووجوب النفقة، والسكنى، وكونها محبوسة عليه بحكم العقد.
وأيضًا: وجدنا العدة تمنعه من الجمع ما يمنعه نفس عقد النكاح، والدليل عليه: أن المرأة لما كان محرمًا عليها الجمع بين زوجين في نكاح، كانت حال العدة كحال النكاح نفسه في باب المنع من زوج آخر، فوجب أن يكون كذلك حكم الزوج في أن تمنعه العدة من الجمع ما يمنعه نفس النكاح.
فإن قيل: إنما منعت المرأة التزويج؛ لأنها معتدة، والرجل ليس عليه عدة، فلا يمنع.
قيل له: والرجل ليس عليه عدة إذا كانت تحته، ومع ذلك هو ممنوع من تزويج أختها، فليس إذًا تحريم الجمع مقصورًا على كونها معتدة.
وروي نحو قولنا عن علي، وابن عباس، وزيد بن ثابت، في آخرين من الصحابة رضوان الله عليهم.
*****
стр. 1884
باب ما يحرم نكاحه وما يحرم الجمع بنسب وغير ذلك
مسألة: [تحريم الزواج بالأمهات]
قال: (وأم الرجل حرام عليه، وكذلك الجدات).
وذلك لأن اسم الأم يجمعهن، وقال الله تعالى:﴾ حرمت عليكم أمهاتكم ﴿، وهو اتفاق من المسلمين.
[يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب]
قال: (والرضاع مثل النسب في ذلك)
لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
قال أحمد: وروي عن ابن عباس في قول الله تعالى:﴾ حرمت
стр. 1885
عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ﴿قال: حرم الله تعالى هذا السبع من النسب، ومن الصهر سبع، يعني به قوله:﴾ وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ﴿،﴾ وحلائل أبنائكم ﴿،﴾ وأن تجمعوا بين الأختين ﴿، وقوله:﴾ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴿،﴾ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴿، فهذه سبعة من جهة النسب، وسبعة من جهة السبب.
وجملة الأمر فيه أن النكاح يحرم لسبعة معاني:
١ - منها: ما يحرم بالوطء دون العقد، مثل الوطء بملك اليمين، وبالزنى.
٢ - ومنها: ما يحرم بالوطء وإن لم يكن عقد، مثل حلائل الأبناء، وأمهات النساء.
٣ - ومنها: ما يحرم بها جميعًا، كالربائب.
٤ - ومنها: ما يحرم بالنسب.
٥ - ومنها: وما يحرم بالرضاع.
٦ -
стр. 1886
ومنها: ما يحرم بجمع بين ذواتي رحم محرم.
٧ - ومنها ما يحرم لأنها تحت زوج.
* وإنما قلنا إن الربائب لا يحرمن إلا بالدخول، ولا يحرمن بالعقد وحده، لقول الله تعالى:﴾ وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴿.
* وأمهات النساء يحرمن بالعقد، لقول الله تعالى:﴾ وأمهات نسائكم ﴿، وذلك عموم في تحريمهن، ودخل بالبنت أو لم يدخل.
وكذا روي عن ابن عباس أنه قال في ذلك: "أبهموا ما أبهم الله".
فإن قيل: قوله﴾ التي دخلتم بهن ﴿، راجع إلى الأمهات، لرجوعه إلى الربائب.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن قوله:﴾ التي دخلتم بهن ﴿: تخصيص
стр. 1887
وحكم، والتخصيص أن يكون موقوفًا على ما صل فيه اليقين، وقد صح رجوعه إلى الربائب، فلا نرده إلى الأمهات إلا بدلالة؛ لأنه لا يجوز تخصيص العموم بالاحتمال.
وأيضًا: فإن شرط الدخول بمنزلة الاستثناء، وحكم الاستثناء أن يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة.
وأيضًا: فإنه لا يصح رجوعه إلى أمهات النساء؛ لأنه لو أظهرت في اللفظ ما أردت إضماره فيه، لم يستقم بالكلام؛ لأنه لا يجوز أن نقول: في أمهات نسائكم من نسائكم: لأن أمهات نسائنا، ليس من نسائنا، والربائب من نسائنا، وهذا اللفظ إنما يستقيم في الربائب، دون أمهات النساء.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مثل قولنا في أمهات النساء والربائب جميعًا.
وروي عن عمر، وعمان بن حصين، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم
стр. 1888
من قولهم مثل ذلك.
وروي عن علي وابن مسعود في قوله:﴾ فإن لم تكونوا دخلتم بهن ﴿: أنه على الربائب والأمهات، لا تحرم واحدة منهن إلا بالدخول.
وروي إبراهيم عن شريح أن ابن مسعود كان يقول في ذلك بقول علي، ويفتي به، فلقى أصحاب رسول الله ﷺ فذاكرهم، فكرهوا أن يتزوجها، فلما رجع ابن مسعود نهى من كان أفتاه بذلك، وقال: إني سألت أصحابي فكرهوا.
وقال زيد: إن طلق فهو كما قال علي، وإن ماتت: لم تحل له أمها، وجعل الموت كالدخول؛ لأنه تستحق به المهر، فكذلك في التحريم.
стр. 1889
مسألة: [حرمة أم وبنت المرأة الموطوءة بحرام]
قال: (ومن وطئ امرأة حرامًا، حرمت عليه أمها وابنتها، وحرمت على أبيه وابنه).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء ﴿، والنكاح اسم للوطء حقيقة، والعقد مجازًا؛ لأن حقيقة النكاح في اللغة هو الجمع بين الشيئين.
أخبرنا بذلك أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب والمبرد جميعًا قالا: وتقول العرب: "أنكحنا الفرا فسنرى"، يعني جمعنا بين الحمار وأنثاه يضربونه مثلًا للأمر مجتمعون عليه، ثم ينتظرون ماذا يصدر عنه.
وإذا كانت حقيقة النكاح الجمع، وكان الجمع إنما يقع بالوطء، دون العقد، دل على أنه حقيقة في الوطء، وأن العقد إنما سمي بذلك لأنه سبب الوطء، كما يسمى الشيء باسم غيره، إذا كان منه السبب.
ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله ناكح البهيمة".
стр. 1890
وقال الشاعر:
ومن أيم قد أنكحتنا رماحنا وأخرى على عم وخال تلهف
وقال الأعشى:
ومنكوحة غير ممهورة وأخرى يقال له فادها
يعني المسبية الموطوءة.
ويدل على أن الحقيقة للوطء: أن عقد النكاح لما كان مخصوصًا بإباحة الوطء، سمي نكاحًا، إذ لم يكن مختصًا بإباحة الوطء.
стр. 1891
وأيضًا: الوطء أكد في إيجاب التحريم من العقد؛ لأنه قد وجدنا عقدًا صحيحًا لا يوجب تحريم الربيبة، ولم نجد وطأ صحيحًا لا يوجب التحريم، ألا ترى أنه على أي وجه وقع الوطء بملك يمين أو نكاح أو شبهة أوجب التحريم، فعلمنا أن الوطء سبب لإيجاب التحريم على أي حال وقع، وأنه لا يختلف فيه حكم المباح والمحظور.
ويدل عليه: أنه لو وطئ جارية له مجوسية، أو حائضًا: كان وطؤه إياها موجبًا لتحريم أمها وابنتها، وهو وطء محظور بالاتفاق.
وكذلك لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا، فوطئها: حرمت عليه أمها وابنتها.
وهذا كله يدل على أن الوطء مراد بقوله:﴾ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴿.
ويصح أيضًا أن يجعل ابتداء دليلا للمسألة، ويرد عليه موضع الخلاف.
وروي نحو قولنا عن عمران بن حصين والحسن والشعبي وإبراهيم
стр. 1892
* ويدل على ذلك من جهة السنة: ما روى جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هاني قال: قال رسول الله ﷺ : من نظر إلى فرج امرأة، لم تحل له أمها ولا ابنتها".
فلم يفرق بين الحلال والحرام.
فإذا كان التحريم واقعًا بالنظر، فبالوطء أحرى أن يقع؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
فإن قيل: روى عبد الله بن نافع عن المغيرة بن إسماعيل عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة "أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يتبع المرأة حرامًا، أينكح ابنتها؟. أو يتبع البنت حرامًا، أينكح أمها؟
قال: لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان نكاحًا حلالًا".
فبين للسائل نفي التحريم لما سئل عنه.
стр. 1893
وقوله: "لا يحرم الحرام الحلال": ينفي وقوع التحريم بالزنى.
قيل له: ليس في سؤال السائل ذكر الوطء، وإنما فيه أنه يتبعها ويراودها عن نفسها، ولا يكون بينهما وطء، فإذا ليس في جوابه للسائل بيان موضع الخلاف.
وأما قوله: "لا يحرم الحرام الحلال": فإنما عنى به ما سأله عنه السائل من إتباعها حرامًا.
ويدل عليه: "إنما يحرم ما كان نكاحًا حلالًا": يعني العقد الحلال. وأن العقد الفاسد لا يحرم، وكذلك نقول.
وأيضًا: فإن الحديث واه جدًا، وإسناده مضطرب مختلف فيه، ومداره على عثمان بن عبد الرحمن الزهري، وهو ضعيف.
وأيضًا: فقد قيل في معنى: "لا يحرم الحرام الحلال": أنه الرجل يزني بامرأة، أنه جائز له أن يتزوجها، وإن وطئها حرامًا لا يمنع عقد نكاحها.
وأيضًا: فلا خلاف أن الحرام يحرم الحلال، وهو وطء أمته في حال الحيض، ووطء الأمة المجوسية، والجارية بين رجلين إذا وطئها أحدهما، فهذا كله وطء حرام، وهو يوجب التحريم، وكذلك الزنى، والمعنى الجامع بينهما حصول الوطء.
فإن قيل: إنما أوجب الوطء التحريم في المسائل التي ذكرت، لما تعلق به من ثبوت النسب، ووطء الزنى لا يتعلق به ثبوت النسب.
стр. 1894
قيل له: هذا لا يعارض اعتلالنا؛ لأن المعنيين جميعًا يوجبان التحريم، فكيف يتنافيان.
وأيضًا: فإن عقد النكاح يتعلق به ثبوت النسب، ولا يحرم البنت، فلا يجوز أن يكون السبب الموجب لإثبات النسب، إيجاب التحريم.
وأيضًا: فإن وطء التي لم تبلغ، لا يتعلق به ثبوت النسب، ويوجب التحريم، فعلمنا أن اعتبارك ساقط.
* واللمس، والنظر بشهوة يوجب من التحريم ما يوجبه الوطء.
وروي نحوه عن عمر، وابن عمر، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمرو، ومسروق.
ويدل عليه حديث النبي ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها".
وكل من أوجب التحريم بوطء حرام، أوجبه باللمس بالشهوة أيضًا.
مسألة: [الجمع بين أختين في عقدة واحدة]
قال: (ومن تزوج أختين من نسب، أو رضاع في عقدة واحدة: فرق بينه وبينهما).
стр. 1895
وذلك لقول الله تعالى:﴾ وأن تجمعوا بين الأختين ﴿، والجمع واقع بهما جميعًا، وليس أحدهما بأولى بفساد النكاح من الأخرى.
مسألة: [لو تزوج أختين في عقدتين]
قال: (وإن تزوجهما في عقدتين: جاز نكاح الأولى منهما، وبطل نكاح الثانية).
وذلك لأن نكاح الأولى وقع صحيحًا، إذ كان مباحًا، ونكاح الثانية وقع فاسدًا؛ لأن الجمع بها وقع وكان محظورًا.
مسألة: [تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها]
قال: (وكذلك المرأة، وعمتها، وخالتها).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متواترة: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أختها، ولا على بنت أخيها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى).
والمعنى في ذلك عندنا: أن كل واحد منهما لو كان رجلًا، والآخر امرأة: لم يجز له أن يتزوج بها، فكذلك لا يجوز له الجمع بينهما.
قال: (ولا يجوز له وطء الأختين بملك اليمين).
следующие страницы →