← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وأيضًا: الوطء أكد في إيجاب التحريم من العقد؛ لأنه قد وجدنا عقدًا صحيحًا لا يوجب تحريم الربيبة، ولم نجد وطأ صحيحًا لا يوجب التحريم، ألا ترى أنه على أي وجه وقع الوطء بملك يمين أو نكاح أو شبهة أوجب التحريم، فعلمنا أن الوطء سبب لإيجاب التحريم على أي حال وقع، وأنه لا يختلف فيه حكم المباح والمحظور. ويدل عليه: أنه لو وطئ جارية له مجوسية، أو حائضًا: كان وطؤه إياها موجبًا لتحريم أمها وابنتها، وهو وطء محظور بالاتفاق. وكذلك لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا، فوطئها: حرمت عليه أمها وابنتها. وهذا كله يدل على أن الوطء مراد بقوله:﴾ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴿. ويصح أيضًا أن يجعل ابتداء دليلا للمسألة، ويرد عليه موضع الخلاف. وروي نحو قولنا عن عمران بن حصين والحسن والشعبي وإبراهيم

стр. 1892

* ويدل على ذلك من جهة السنة: ما روى جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هاني قال: قال رسول الله ﷺ : من نظر إلى فرج امرأة، لم تحل له أمها ولا ابنتها". فلم يفرق بين الحلال والحرام. فإذا كان التحريم واقعًا بالنظر، فبالوطء أحرى أن يقع؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما. فإن قيل: روى عبد الله بن نافع عن المغيرة بن إسماعيل عن عثمان بن عبد الرحمن الزهري عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة "أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يتبع المرأة حرامًا، أينكح ابنتها؟. أو يتبع البنت حرامًا، أينكح أمها؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان نكاحًا حلالًا". فبين للسائل نفي التحريم لما سئل عنه.

стр. 1893

وقوله: "لا يحرم الحرام الحلال": ينفي وقوع التحريم بالزنى. قيل له: ليس في سؤال السائل ذكر الوطء، وإنما فيه أنه يتبعها ويراودها عن نفسها، ولا يكون بينهما وطء، فإذا ليس في جوابه للسائل بيان موضع الخلاف. وأما قوله: "لا يحرم الحرام الحلال": فإنما عنى به ما سأله عنه السائل من إتباعها حرامًا. ويدل عليه: "إنما يحرم ما كان نكاحًا حلالًا": يعني العقد الحلال. وأن العقد الفاسد لا يحرم، وكذلك نقول. وأيضًا: فإن الحديث واه جدًا، وإسناده مضطرب مختلف فيه، ومداره على عثمان بن عبد الرحمن الزهري، وهو ضعيف. وأيضًا: فقد قيل في معنى: "لا يحرم الحرام الحلال": أنه الرجل يزني بامرأة، أنه جائز له أن يتزوجها، وإن وطئها حرامًا لا يمنع عقد نكاحها. وأيضًا: فلا خلاف أن الحرام يحرم الحلال، وهو وطء أمته في حال الحيض، ووطء الأمة المجوسية، والجارية بين رجلين إذا وطئها أحدهما، فهذا كله وطء حرام، وهو يوجب التحريم، وكذلك الزنى، والمعنى الجامع بينهما حصول الوطء. فإن قيل: إنما أوجب الوطء التحريم في المسائل التي ذكرت، لما تعلق به من ثبوت النسب، ووطء الزنى لا يتعلق به ثبوت النسب.

стр. 1894

قيل له: هذا لا يعارض اعتلالنا؛ لأن المعنيين جميعًا يوجبان التحريم، فكيف يتنافيان. وأيضًا: فإن عقد النكاح يتعلق به ثبوت النسب، ولا يحرم البنت، فلا يجوز أن يكون السبب الموجب لإثبات النسب، إيجاب التحريم. وأيضًا: فإن وطء التي لم تبلغ، لا يتعلق به ثبوت النسب، ويوجب التحريم، فعلمنا أن اعتبارك ساقط. * واللمس، والنظر بشهوة يوجب من التحريم ما يوجبه الوطء. وروي نحوه عن عمر، وابن عمر، وعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمرو، ومسروق. ويدل عليه حديث النبي ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها". وكل من أوجب التحريم بوطء حرام، أوجبه باللمس بالشهوة أيضًا. مسألة: [الجمع بين أختين في عقدة واحدة] قال: (ومن تزوج أختين من نسب، أو رضاع في عقدة واحدة: فرق بينه وبينهما).

стр. 1895

وذلك لقول الله تعالى:﴾ وأن تجمعوا بين الأختين ﴿، والجمع واقع بهما جميعًا، وليس أحدهما بأولى بفساد النكاح من الأخرى. مسألة: [لو تزوج أختين في عقدتين] قال: (وإن تزوجهما في عقدتين: جاز نكاح الأولى منهما، وبطل نكاح الثانية). وذلك لأن نكاح الأولى وقع صحيحًا، إذ كان مباحًا، ونكاح الثانية وقع فاسدًا؛ لأن الجمع بها وقع وكان محظورًا. مسألة: [تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها] قال: (وكذلك المرأة، وعمتها، وخالتها). وذلك لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متواترة: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على بنت أختها، ولا على بنت أخيها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى). والمعنى في ذلك عندنا: أن كل واحد منهما لو كان رجلًا، والآخر امرأة: لم يجز له أن يتزوج بها، فكذلك لا يجوز له الجمع بينهما. قال: (ولا يجوز له وطء الأختين بملك اليمين).

стр. 1896

وذلك لقوله تعالى:﴾ وأن تجمعوا بين الأختين ﴿، وعمومه يقتضي النكاح والملك. وروي عن علي ﵁ قال: "أحلتهما آية، وحرمتهما آية، والتحريم أولى". وقال: "يحرم عليك من الإماء ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد". وعن عمار مثله. ويروى عن عثمان أنه قال: "أحلتهما آية، وحرمتهما آية، والتحليل أولى". يعني بالتحليل: قوله:﴾ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴿ والصحيح هو الأول؛ لأن قوله:﴾ إلا ما ملكت أيمانكم ﴿: مبني على ما تقدم ذكره من وجوه التحريم، ألا ترى أنه لم يبح به حلائل الأبناء، ولا أمهات النساء بملك اليمين، فكذلك بين الأختين.

стр. 1897

وإنما يقتضي قوله:﴾ إلا ما ملكت أيمنكم ﴿: يعني بالسبي، أبان عن الفرقة الواقعة بينها وبين زوجها بورود السبي عليها، وانقطاع العصمة بينهما باختلاف الدارين؛ لأن المراد بقوله:﴾ والمحصنات ﴿: ذوات الأزواج. وأيضًا: لو تعارضت الآيتان، وتساويتا فيما يقتضيانه، وفي الاحتمال، لكانت آية الحظر أولى؛ لأن مواقعة المحظور يستحق بها اللوم، وترك المباح لا يوجب اللوم. وأيضًا: فإن الحظر أصل، والإباحة واردة على الأصل، والحظر أولى. * قال أبو جعفر: (فإن وطئ إحدى الأختين: لم يطأ الأخرى حتى يحرم فرج ألأخرى بتزويج أو ملك). وذلك أنه إذا وطئ الثانية، فهو مالك لوطء الأولى، ومع الجمع بوطء الثانية، وذلك محرم. فإن زوج الأولى، أو ملكها غيره، حل له وطء الأخرى؛ لأنه لا يكون جامعًا، إذ لم يكن وطء الأولى في ملكه، ألا ترى أنه إذا طلق امرأته، وانقضت عدتها: حل أن يتزوج أختها؛ لأنه لا يقع به جمع. * قال: (وإن كاتبها: حلت له الأخرى). وذلك لأن وطأها قد خرج عن ملكه، ألا ترى أنه إذا وطئها: لزمه غفرها، وأنها إذا وطئت بشبهة أو نكاح: كانت أولى بمهرها من المولى.

стр. 1898

* قال: (وروي عن أبي يوسف: أنه لا يحل له وطء الأخرى بمكاتبة الأولى). لأن وطأها لم يملكه عليه غيره. قال: (قال أيضًا في هذه الرواية: أنه إن ملك فرج الأولى غيره: لم يكن له أن يطأ الأخرى حتى تحيض الأولى حيضة بعد وطئها). لأنه جائز أن تكون حاملًا منه، فيكون جامعًا لمائة في رحمي أختين، فيستبرئها حتى يعلم أنها ليست بحامل. مسألة: [الجمع بين امرأة مع زوجة أبيها] قال: (ولا بأس بالجمع بين امرأة وبين زوجة أبيها). قال أحمد: وروي نحوه عن عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن صفوان. وروي عن الحسن كراهة ذلك، وهو قول ابن أبي ليلى.

стр. 1899

فإن قيل: لو كنت رجلًا: لم يجز له أن يتزوج امرأة أبيه، فينبغي أن لا يجوز الجمع بينهما. قيل له: إنما قلنا إن كل واحد منهما لو كان رجلًا: لم يجز له تزويج الأخرى، وكذلك لا يجوز الجمع بينهما، وهذا الاعتبار غير موجود في مسألتنا، لأنا إذا جعلنا بنت الزوج رجلًا: لم يصح أن نجعل امرأة الأب رجلًا؛ لأن الأخرى لا تكون بنت الزوج. مسألة: [الزواج بنساء أهل الكتاب] قال: (ويحل تزويج نساء أهل الكتاب). لقوله تعالى:﴾ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴿، وروي إباحته عن جماعة من الصحابة، من غير خلاف من نظرائهم عليهم. فإن قيل: إنما أراد بقوله:﴾ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴿: من قد أسلم منهن، كما قال:﴾ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ﴿. قيل له: إطلاق لفظ أهل الكتاب يقتضي هذين الفريقين من اليهود

стр. 1900

والنصارى، إلا أن يقرن بالأيمان، ولا يجوز لنا صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره إلا بدلالة. وعلى أنه لو كان كذلك، لم يكن في ذكرهن فائدة؛ لأنه قد ذكر المؤمنات قبلهن بقوله:﴾ والمحصنات من المؤمنات ﴿، وهذا ينتظم من كانت كتابية وأسلمت، ومن كانت مسلمة لم تزل، وكل تأويل أدى إلى إبطال حكم الأصل: فهو ساقط. مسألة: قال: (ولا يحل للمسلم تزوج المجوسية) لقول الله تعالى:﴾ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴿، ثم خص الكتابيات، فبقية المجوسيات على حكم الحظر. فإن قيل: قال النبي ﷺ : "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". قيل له: هذا ورد في شأن الجزية، كذا روي في الخبر.

стр. 1901

وهذا الخبر يدل على أنهم ليسوا من أهل كتاب. ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب: قوله تعالى:﴾ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴿، فلو كان المجوس من أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف. ومن جهة النظر اتفاق الجميع على أن عبدة الأوثان لا تنكح نساؤهم، والمعنى فيه: أنهم ليسوا أهل كتاب، والمجوس مثلهم، لهذه العلة. وقد روي عن عبد الله الداناج عن معبد الجهني قال: "رأيت امرأة حذيفة مجوسية يقال لها سايرذخت"، وهذا يحتمل أن تكون كتابية حين كانت تحت حذيفة، ثم تحولت بعد موته إلى المجوسية. وأيضًا: فإن معبدا الجهني لم يدرك حذيفة. مسألة: [الزواج بنساء الصابئين] قال أبو جعفر: (ونساء الصابئين عند أبي حذيفة كسائر أهل الكتاب سواء هن، لا بأس بتزويجهن ووطئهن بملك اليمين، وتؤكل ذبائحهم. وقال أبو يوسف ومحمد: نساء الصابئين في ذلك كالمجوسيات). قال أحمد: كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: لا خلاف بينهم

стр. 1902

في المعنى، وإنما أجاب أبو حنيفة عن صنف من الصائبين ينتحلون دين المسيح، وهم فرقة من النصارى يقرون بالإنجيل في ناحية البطائح في عمل واسط، فهؤلاء حكمهم حكم النصارى وإن خالفوهم في أشياء من أمر دينهم. قال الله تعالى:﴾ ومن يتول منكم فإنه منهم ﴿، فهذا قولهم جميعًا فيمن كان هذا وصفه أنه من أهل الكتاب. وأجاب أبو يوسف ومحمد عن قوم آخرين، يسمون أيضًا صابئين في ناحية حران، يعبدون الأوثان والكواكب، ولا ينتحلون دين المسيح، فهؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يحل أكل ذبائحهم. وإنما جواب أبي حنيفة عن مسألة لا خلاف بينهم فيها، وأجاب أبو يوسف ومحمد عن مسألة أخرى لا خلاف بينهم فيها أيضًا.

стр. 1903

مسألة: قال أبو جعفر: (ومن كان أحد أبويه كتابيًا، والآخر مجوسيًا: كان حكمه حكم أهل الكتاب). وذلك لأن الكتابي له بعض أحكام المسلمين، وهو المناكحة، وجواز الذبيحة، فثبت له هذا الحكم بأحدهما، كما ثبت له أحكام الإسلام إذا كان أحدهما مسلمًا. وإنما كان مسلمًا إذا كان أحد أبويه مسلمًا، لقول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، حتى يعرب لسانه"، فأثبت له حكم الفطرة بنفسه، ونقله عنها بالأبوين جميعًا، فلما لم يجتمعا على الكفر: لم ينقلاه، وكذلك لا ينقلانه عما للكتابي من أحكام الإسلام إلا باجتماعهما على ذلك. مسألة: [ليس للزوج جبر زوجته الكتابية على الغسل من الحيض] قال: (ومن تزوج من المسلمين كتابية: لم يكن له جبرها على الغسل من الحيض). وذلك لأنه ليس عليها غسل، إذ كان الغسل إنما يتعلق وجوبه بوجوب الصلاة، وليست هي مؤاخذة بالصلاة في أحكام الدين. مسألة: [منع الزوجة الكتابية من الخروج إلى الكنائس] قال: (وله منعها من الخروج إلى كنائس النصارى، وأعيادهم).

стр. 1904

وذلك لأنه يستحق عليها تسليم نفسها في بيته، فله أن يمنعها من الخروج كما يمنع المسلمة. مسألة: [تمجس الزوجة الكتابية] (ومن تزوج من المسلمين كتابية، فتمجست: حرمت عليه، وانفسخ نكاحها). وذلك لأنه قد طرأ على العقد ما يوجب التحريم، فصار كالردة. مسألة: [لو تهودت الزوجة النصرانية، أو تنصرت اليهودية] قال: (ولو كانت نصرانية، فتهودت: خلى بينها وبين ما اختارت من اليهودية، وكانت زوجته على حالها، وكذلك لو كانت يهودية فتنصرت). وذلك لأن ما صارت إليه من الدين لا يمنع ابتداء العقد، فأنه لا يمنع البقاء أولى. مسألة: [خطبة المخطوبة] (ومن خطب امرأة، فلم تركن إلى خطبته إياها: لم يكن على غيره بأس في خطبتها، وإنما يكره له خطبتها بعد خطبة غيره إذا كانت قد ركنت إلى خاطبها الأول). قال أحمد: إنما يكره له خطبتها إذا ركنت إلى غيره، لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يخطب الرجل على خطبة أخيه،

стр. 1905

حتى يترك الخاطب الأول، أو يأذن له، فيخطب". فإن هذا الحديث على معنيين: أحههما: النهي عن خطبته على خطبة غيره. والثاني: أن ذلك لحق الخاطب الأول، وأنه متى ترك الخطبة، أو أذن للثاني فيها: جاز وأما إذا لم تركن إليه، فإنما جاز له ذلك وإن لم يأذن الأول، لما روي أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت قيس: إذا انقضت عدتك فآذنيني، فلما انقضت عدتها أعلمته، وقالت: قد خطبني أبو الجهم، ومعاوية. فقال: أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، يعني يضرب النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن عليك بأسامة بن زيد، قالت فتزوجته، فجعل الله فيه خيرًا". فخطبها النبي ﷺ على أسامة بعد ما أعلمته أن أبا الجهم، ومعاوية قد خطبها. وروى أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ باع قبعًا وحلًا لرجل من الأنصار فيمن يزيد".

стр. 1906

مسألة: [الخطبة في العدة] قال: (والتصريح بالخطبة في العدة مكروه، والتعريض بذلك مباح). لقول الله تعالى:﴾ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرًا ﴿: يعني نكاحًا. وقال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إذا انقضت عدتك فآذنيني"، وذلك تعريض منه في العدة. قال ابن العباس: "التعريض أن يقول: إني أريد أن أتزوج". قال مجاهد: "يقول: إنك لحسناء، وإنك لجميلة" قال سعيد بن جبير في قوله:﴾ إلا أن تقولوا قولًا معروفًا ﴿، أن يقول إني فيك لراغب، وإني لأرجو أن نجتمع. *****

стр. 1907

باب نكاح أهل الشرك مسألة: [أحكام الزواج فيما بين أهل الذمة والحرب] قال أبو جعفر: (وإذا تزوج الذميان أو الحربيان بغير مهر وذلك جائز في دينهم: فهو جائز، ولا مهر لها، وقال أبو يوسف ومحمد في الذميين لها المهر). قال أحمد: الأصل في ذلك: أن إثبات المهر في العقد حق لله تعالى، وفي التالي من العقد حق لها، وهم غير مؤاخذين بحقوق الله، فلم يثبت في العقد. والدليل عليه أنه في العقد حق لله تعالى، وفي التالي حق لآدمي: ألا ترى أن المسلمين لا يجوز لهما إسقاطه من العقد، ولها أن تبرئه بعد العقد. وأيضًا: لما لم يكن شرط العقد استصحاب بقاء المهر، صار كالنكاح بغير شهود، لما لم يكن شرط بقاء العقد استصحاب بقاء الشهود، جاز عقدهم بغير شهود، وإن ارتفعوا إلينا: لم تفسخه كذلك المهر. * ولأبي يوسف ومحمد: أن الذميين من أهل دارنا أحكامنا جارية عليهم، فيثبت المهر وإن لم يشترطاه، كالمسلمين. وليسا كالحربيين، لأنهما تعاقدا حيث لا تجرى عليهما أحكامنا، وقد

стр. 1908

تراضيا بأن لا مهر، فلم يجب في العقد، ولا يجب بعده أيضًا. ألا ترى أن الحدود لما كانت حقًا لله تعالى، لم يجب على الحربيين إذا أسلموا بعد ذلك وقد أصابوه في حال الحرب؛ لأنه وجب حيث لابد للإمام فيه، كذلك المهر. وأما الذميان فهما تحت يد الإمام، وبحيث تجري عليهما الأحكام فتثبت كالحدود. * وليس ثبوت المهر كالحد عند أبي حنيفة؛ لأن الحدود عقوبات مستحقة بالإجرام، فلا يختلف فيها حكم أهل الدار، كما لا يختلف في القصاص والتعزيز، والمهر حق لله تعالى في العقد، لا على وجه العقوبة، فأشبه سائر العبادات، فلم يؤاخذوا بها. وأيضًا: فإن الحدود موضوعة لمنع الفساد، والزجر عنه، والذميون ممنوعون من الفساد في دار الإسلام كالمسلمين، لأن إظهار الفساد في دارنا ضرر علينا، فكان مصلحة لنا ونفعًا، فلما كان فيها حق: لم يختلف فيها المسلم والذمي. مسألة: [زواج الذمي بما هو محرم في الإسلام] قال أبو جعفر: (وإذا تزوج الذمي ذمية في عدة من ذمي: جاز نكاحه، وخلي بينه وبين ذلك إذا كانت ذلك من دينهم. وكذلك من تزوج منهم ذات محرم منه وذلك في دينهم جائز: خلي بينهم وبين ذلك. وكذلك لو تزوج خمس نسوة، أو أختين. ما لم يتراض في ذلك بأحكام المسلمين، فإذا تراضيا بها:

стр. 1909

ردًا إليها، ولا يردان إليها برضا أحدهما، وهذا قول أبي حنيفة. قال: وقال أبو يوسف: لا يعترض لهما في شيء من ذلك، ما لم يرفعه أحدهما إلى حاكم المسلمين، فإذا رفعه أحدهما: حكم فيه بينهما بحكم المسلمين، رضي بذلك صاحبه أو كرهه). قال أحمد: مذهب أبي حنيفة في ذلك: أنهم يخلون وأحكامهم في المناكحات، حتى يجتمعا جميعًا على الرضا بحكم الإسلام، فإذا تراضيا بذلك، حملا على أحكام المسلمين، إلا في النكاح في العدة، والنكاح بغير شهود. وقال محمد مثل قول أبي حنيفة، أنهم يخلون وأحكامهم في النكاح، وليس لنا أن نعترض عليهم، إلا أنه يقول: إذا رضي أحدهما بأحكامنا حملا جميعًا على أحكام الإسلام في جميع ذلك، إلا في النكاح بغير شهود، فإنه لا يفسخه. ويخالفنا أبا حنيفة في النكاح في العدة، فيفسخه إذا رضي أحدهما حكمنا. وذكر أبو جعفر أن قول أبي يوسف أنهم يخلون في أحكامهم حتى يرضى أحدهما بحكمنا، فيحملا حينئذ على أحكام الإسلام، وهذا إنما هو قول محمد خاصة. وقول أبي يوسف: أنهم يحملون على أحكامنا، رضوا بها، أم لم يرضوا، إلا أنه لا يفسخ النكاح بغير شهود عليهم. قال أبو يوسف: لو أمكنني أن أتبعهم بأحكامنا في ديارهم فعلت،

стр. 1910

لقول الله تعالى:﴾ وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴿. * يحتج لأبي حنيفة في ذلك بقول الله:﴾ فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴿. وروي أن قوله:﴾ وأن حكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴿نزل بعد قوله:﴾ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴿. فصار التخيير الذي في الآية الأولى منسوخًا بالثانية، إلا أنه لم تقم الدلالة على أن شرط المجيء المذكور بالآية الأولى منسوخ، إذ ليس يمتنع أن تنتظم الآية معنيين، فينسخ أحدهما، ويبقى المعنى الآخر غير منسوخ، فإذا لم تقم الدلالة على أن شرط المجئ منسوخ بقيناه، وجمعنا بينه وبين الآية الثانية، فصار كقوله: فإن جاؤوك فاحكم بينهم بما أنزل الله. وأيضًا: فإنا أعطيناهم العهد على أن نخليهم وشرائعهم وأحكامهم، ما لم يكن فيه فساد على أهل الإسلام. والدليل عليه: أنهم يخلون وعبادة غير الله، وصلواتهم في بيعهم وكنائسهم، وهذا كله كفر وضلال، وقد أقروا عليه، فكذلك نكاح ذوات

стр. 1911

المحارم، ليس بأعظم من ذلك. وأيضًا: فإنه معلوم "إقرار النبي ﷺ قومًا من النصارى واليهود في دار الإسلام على ذمة"، وقد كان يعلم لا محالة أنهم يستبيحون من مناكحاتهم كثيرًا مما هو محظور في شريعة الإسلام، فلم يعترض عليهم في شيء منها، فدل على أنهم مقرون عليها، ما لم يرتفعوا إلينا. فإن قال قائل: فقد منعتهم الزنى والسرقة ونحوها. قيل له: أما الزنى فلا نعلم أحدًا يستبيحه من أهل الملل، وكذلك السرقة أيضًا، فإن فيه إظهار الفساد في دار الإسلام، وهم ممنوعون منه، لما فيه من الضرر على لمسلمين. فإن قيل: قد منعتهم الربا، وسائر البيوع الفاسدة. قيل له: لأن لذلك أصلًا آخر قد ثبت بالسنة، فرددناه إليه، وهو ما روي عن النبي ﷺ : "أنه كتب إلى نصارى نجران: إما أن تذروا الربا، وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله"، فصار ذلك أصلًا في البياعات. وقال الله تعالى:﴾ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم

стр. 1912

وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا (١٦٠) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه ﴿. فأخبر الله تعالى أنهم منهيون عن الربا، ممنوعون منه بالشرع. والذي منعهم التعامل بالربا، هو الذي أقرهم على مناكحاتهم، مع علمه ﷺ بمخالفة كثير منها أحكامنا، فصار كل واحد من ذلك أصلًا في نفسه، لا يعترض عليه بغيره. * وأما أبو يوسف، فذهب إلى ظاهر قوله:﴾ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴿. وروي عن عمر "أنه أمر أن يفرق بين المجوس وبين ذوات محارمهم" * وإنما اعتبر أبو حنيفة مجيئهما جميعًا، ورضاهما بحكمتنا، لقول الله تعالى:﴾ فإن جاءوك فاحكم بينهم ﴿، فشرط مجيئها جميعًا في إيجاب الحكم بينهما. وأيضًا: فإنهما إذا لم يكونا محمولين على حكم الإسلام لو لم يرتفعا إلينا، فغير جائز أن يلزم الذي لم يرض بحكمنا، لأجل رضا الآخر؛ لأن رضاه غير جائز على صحابه.

стр. 1913

* وقال محمد: إذا رضي أحدهما بحكم الإسلام، صار كأنه مسلم فحمل الآخر على حكم الإسلام، كما لو أسلم أحدهما. والانفصال لأبي حنيفة: أن إسلام أحدهما، يوجب حملهما على حكم الإسلام، ولا يصح لهما التراضي على غيره، ورضا أحدهما لا يلزمهما ذلك. ألا ترى أنه لو قال بعد ما رضي: أنا لا أرضى: لم يحكم بينهما فلذلك اختلفا. * وأما النكاح في العدة: فإن أبا حنيفة لم يفسخه وإن رضيا بحكمنا أو أسلما جميعًا، وفرقه بينه وبين نكاح ذوات المحارم من وجهين. أحدهما: أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد، ولا تمنع البقاء، ألا ترى أن المرأة إذا وطئت بشبهة، وهي تحت زوج، فوجبت عليها العدة، لم يمنع ذلك بقاء العقد. ولو أراد أن يبتدئ عليها عقدها في العدة: لم يصح، فلما كان كذلك، وقد وقع العقد بحيث لا اعتراض فيه، ولو فسخناه كنا إنما نمنع البقاء عليه لأجل العدة، وقد بينا أن العدة لا تمنع بقاء النكاح، وإنما تمنع الابتداء، فأشبه من هذا الوجه النكاح بغير شهود، أنه لما كان الشهود شرطًا في ابتداء العقد، لا في البقاء، لم يصح النكاح بعد الإسلام والتراضي بأحكامنا لأجل عدم الشهود في الحال. وفارق نكاح ذوات المحارم، والعقد على خمس نسوة، من جهة أن هذه العقوبة لا يختلف فيها حكم الابتداء والبقاء في الإفساد، فلذلك منع البقاء في هذا الحال. والوجه الآخر: أن مذهب أبي حنيفة: أنه لا يرى عليها عدة إذا لم يكن

стр. 1914

في دينهم وجوب العدة؛ لأن العدة حق لله تعالى، لزومها متعلق بتقدم الإسلام، كالصلاة وسائر العبادات. * وأما أبو يوسف ومحمد جميعًا، فلم يفرقوا بينهما لأجل العدة على حسب اختلافهما في حال التفريق، وذلك لأن النكاح بغير شهود مختلف فيه، فمن الفقهاء من يجيزه، فصار ذلك عقدًا واقعًا، تلحقه الإجازة من قبل حاكم لو حكمه بصحته، وقد وقع في الابتداء غير معرض للفسخ عند الجميع، ما لم يتحاكموا إلينا؛ لأن المسلمين لو عقدا بغير شهود، لم يكن للحاكم أن يعترض عليهما، حتى يحتكما إليه، وإذا وقع في حال الكفر على هذا الوجه: لم يفسخه بعد الإسلام. وأما النكاح في العدة، فقد وقع على فساد لا تلحقه إجازة بحال، فصار بمنزلة نكاح ذوات المحارم. قال أحمد: وقال زفر: يفرق بينهما أيضًا في النكاح بغير شهود؛ لأن العقد وقع على فساد عنده. مسألة: [زواج الذمي ذمية في عدتها من مسلم] (وإذا تزوج ذمية في عدة مسلم، لم يجز نكاحها). لأن عدتها حق للمسلم، فلا سبيل لها إلى أن تدخل عليه فراشًا لغيره، مع بقاء حكم فراشه.

стр. 1915

والدليل على أن فيها حقًا للزوج وإن كانت حقًا لله تعالى: قول الله﴾ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴿، فجعل العدة إذا وجبت حقًا له. مسألة: [مجوسي أسلم وعنده مجوسية] قال: (وإذا تزوج المجوسي امرأة مجوسية، ثم أسلم، عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت: فهي امرأته على حالها، وإن أبت: فرق بينهما). وإنما لم يقرا على النكاح لقوله تعالى:﴾ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴿، وهي مشركة لا يجوز وطؤها. ويدلك عليه: أن ابتداء العقد عليها لا يصح في هذه الحال. * وإنما لم تقع الفرقة بإسلامه؛ لأن المعنى الموجب للتحريم وهو كفرها غير حادث على النكاح، وإسلامه هو الحادث، وليس الإسلام موجبًا للتحريم، ولابد لوقوع الفرقة من سبب حادث على النكاح، فلما لم يكن كفرها حادثًا على العقد، بل كان العقد موجودًا معه، احتجنا إلى سبب تقوية الفرقة، وهو إباؤها الإسلام بعد العرض عليها؛ لأنه لا يجوز لنا تبقيتها على النكاح. وليس إسلام أحد الزوجين فيما يتعلق به من الفرقة، كردة أحدهما؛ لأن الردة سبب موجب للتحريم، حادث على النكاح، فصار كالرضاع، ووطء أم المرأة، وسائر الأسباب الحادثة على العقد الموجبة للتحريم، فوقعت الفرقة عقيبها، فإذا عرضنا للإسلام، فأبت أن تسلم، صار إباؤها

стр. 1916

سببا حادثا على العقد، يتعلق به إيجاب الفرقة، ففرق القاضي بينهما من أجله. مسألة: قال أبو جعفر: (فإن كان قد دخل بها: فلها الصداق الذي تزوجها عليه). وذلك لأن بطلان العقد من جهتها لا يسقط المهر المستحق بالدخول؛ لأن ذلك الدخول لا يرتفع بارتفاع العقد. ويدل عليه: قول النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها: فلها مهر مثلها، بما استحل من فرجها". فحكم بفساد عقد الأمة إذا عقدت بغير إذن مولاها، ولم يحكم ببطلان مهرها. وقال ﵊ لعويمر العجلاني حين لاعن بينه وبين امرأته، فقال عويمر: مالي مالي، يعني المهر الذي أعطاها، فقال النبي ﷺ : "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فبما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها: فذلك أبعد لك". فأخبر ﵊ بأنها مستحقة للمهر وإن كان الزوج صادقا، وهي كاذبة بما استحل من فرجها.

стр. 1917

*قال: (وإن لم يكن دخل بها: لم يكن لها عليه صداق). وذلك لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول، فصارت كالفرقة الحادثة بردتها، فيسقط مهرها. [مسألة:] ولو كانت المرأة هي التي أسلمت، وأبى الزوج الإسلام بعد عرض الحاكم عليه ذلك، ففرق بينهما: كان عليه نصف المهر، إذا كان ذلك قبل الدخول؛ لأن الفرقة جاءت من قبله قبل الدخول، وكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول: فعليه فيه نصف المهر، وإذا جاءت من قبل المرأة: سقط المهر. مسألة: [إذا تزوج الذمي أختين أو خمس نسوة ثم أسلمن] قال أبو جعفر: (وإذا تزوج أختين معا، أو خمس نسوة في دار الحرب، ثم أسلمن جميعا: فرق بينه وبينهن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك لو تزوج أما وابنتها في عقدة. وقال محمد في الأختين: يختار أيتهما شاء، ويختار من الخمس أربعا، وفي الأم والبنت إن لم يدخل بواحدة: حرمت الأم، ويمسك البنت، وإن كان دخل بهما: فرق بينه وبينهما). قال أحمد: الأصل في ذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن كل عقد لا يختلف فيه حكم الابتداء والبقاء للمسلم، فإنه لو عقده في حال الكفر: وقع فاسدا، فإذا أسلم: لم يقر عليه. وذلك نحو عقد الأختين، والخمس النسوة في عقدة، فهذا مما لا يختلف فيه حكم الابتداء والبقاء، ألا ترى انه لا يصح للمسلم البقاء على الأختين، ولا على الخمس النسوة، كما لا يصح له ابتداء العقد.

стр. 1918

ولو تزوج رجل صبيتين ضيعتين، فأرضعتهما امرأة: وقعت الفرقة بينه وبينهما، ولم يصح البقاء على نكاحهما، كما لا يصح الابتداء. والدليل على صحة هذا الأصل، ووجوب اعتباره إذا وقع العقد في حال الكفر: اتفاق الجميع على أنه لو تزوج ذات محرم منه، ثم أسلم: فرق بينهما، وكان عقده في حال الكفر، كهو في حال الإسلام. كذلك العقد على الأختين، والخمس النسوة، والأم، والبنت، إذ كن سواء في تساوي حكم الابتداء والبقاء في حال الإسلام. ولا يلزم على ما ذكرنا: النكاح في العدة، وبغير شهود، من قبل أن حكم الابتداء أو البقاء يختلف في ذلك، إذ ليس شرط بقاء العقد استصحاب الشهود، وخلوها من العدة، ألا ترى أن من طرأت عليها عدة من وطء شبهة، وهي تحت زوج: لم يبطل ذلك نكاح الزوج. وكذلك موت الشهود، وعدمهم، لا يقدح في العقد بخلوها من العدة، ووجود الشهود، إنما هما شرط في صحة وقوع العقد، لا في بقائه، فلذلك اختلفا. *واحتج من خيره فيهن بحديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر "أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي ﷺ : خذ منهم أربعا".

стр. 1919

وبحديث محمد بن عبد الله الثقفي عن عروة بن مسعود قال "أسلمت، وتحتي عشر نسوة، فقال لي رسول الله ﷺ : اختر منهم أربعا، وخل سائرهن". وبحديث ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل عن الحارث بن قيس "أنه أسلم وعنده ثمان نسوة، فقال له النبي ﷺ : اختر منهم أربعا". وبحديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتي أختان قال: طلق أيتهما شئت". قال أحمد: فأما حديث الزهري فإنه يقال: إنه مما أخطأ فيه معمر، وذلك لأنه كان عندهم حديثان في قصة غيلان بن سلمة أحدهما: أن غيلان طلق نساءه، وقسم ماله بين ورثته، فقال له عمر: وايم الله لئن مت

стр. 1920

قبل أن تراجع نساءك لأورثهن من مالك، ثم لأرجمن قبرك، كما رجم قبر أبي رغال. وإسناد هذا الحديث عن الزهري عن سالم عن أبيه قد رواه عنه جماعة. وكان عنده في قصة غيلان حديث آخر عن النبي ﷺ حين أسلم غيلان، وعنده عشر نسوة، فأمر النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا، ولكن إسناده عند الزهري ما ذكره معمر، فجعل معمر إسناد حديث عمر في قصة غيلان لحديث النبي ﷺ في أمره إياه باختياره أربعا منهن. والدليل على ذلك: أن مالك بن أنس وعقيل بن خالد قد رويا عن الزهري أنه قال: بلغني عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ قال لغيلان بن سلمة وقد أسلم، وتحته عشر نسوة: اختر منهن أربعا. فلو كان عند الزهري عن سالم عن أبيه في هذا شيء، لما لجأ إلى

стр. 1921

البلاغ في الرواية، فهذا الذي يبين خطأ معمر في إسناده هذا الحديث. ولأن أحدا لم يتابع معمرا على هذا الإسناد، إلا انه قد روي عن سالم عن أبيه من غير طريق الزهري، رواه سيف بن عبيد الله الجرمي عن سرار بن مجشر العنزي أبو عبيد قال: حدثنا أيوب عن نافع، وسالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا. ولو ثبت هذا الحديث وسائر الأخبار المروية، لم تدل على موضع الخلاف، وذلك أنه لم يثبت أن عقد هؤلاء كان بعد تحريم الخمس، والجمع بين الأختين. وجائز أن يكون عقدهم كان قبل تحريم الجمع بين الخمس نسوة، والأختين، فإن كان كذلك، فقد كان العقد وقع صحيحا في حال الإباحة، ثم طرأ التحريم بعد، فيكون له الخيار. كما نقول في رجل طلق إحدى امرأتيه ثلاثا بغير عينها: أن ذلك لا يفسد عقدهما، ويكون له الخيار في إمساك إحداهما، ويعتبر الطلاق في الأخرى، وإن كان لو ابتدأ العقد عليهما معا، وقد كان طلق إحداهما ثلاثا، ولم يعرفها: لم يصح عقده عليهما، ثم إذا صح العقد لم يكن تحريم إحداهما بغير عينها موجبا لتحريم الأخرى. وإذا احتمل أن يكون العقد الذي أجاب فيه النبي ﷺ كان في حال الإباحة، ولم يكن ذلك عموم لفظ من النبي صلى الله عليه

стр. 1922

وسلم فيمن عقد على هذا الوصف في حال الشرك، فينتظر حال الإباحة والحظر، بل كان حكما في قضية بعينها محتملة لما وصفنا: سقط الاحتجاج به في موضع الخلاف، إذ ليس لأحد من الخصمين أن يدعي وقوعه بعد الحظر إلا ولخصمه أن يدعيه قبله. فإن قيل: ترك النبي ﷺ سؤال السائل عن حال وقوع العقد، يدل على أن الحكم شامل للحالين؛ لأن الحكم لو كان مختلفا لسأله النبي ﷺ . قيل له: يجوز أن يكون تركه المسألة عن ذلك لعلمه وقوع العقد والاحتمال على الوجه الذي ذكرنا. ويدل عليه أن العقد كان في حال الإباحة، وأن النبي ﷺ قد علم ذلك: قوله لفيروز الديلمي في الأختين: "طلق أيتهما شئت"، فهذا يدل على أن العقد كان في حال الإباحة، وأنه ملك بضع الأختين جميعا بالعقد، لولا ذلك لما صح طلاقه في المحرمة منهما. وأيضا: يحتمل أن يكون معني قوله: "اختر منهن أربعا"، و: "اختر أيتهما شئت": بنكاح مستقبل، وعقد جديد. وأيضا: يحتمل قوله: "اختر منهن أربعا" أن يكون مراده الأربع الأوائل. *وأما محمد فذهب إلى ظاهر هذه الأخبار، فإذا تزوج أما وبنتا: حرمت الأم عنده بتزويج البنت، فيفارقها بعد الإسلام، فإن دخل بالأم: حرمت البنت أيضا بوطء الأم. مسألة: قال: (وإذا فرق بين المرأة وزوجها لأجل إسلامها، وإبائه الإسلام:

стр. 1923

فعليها العدة، كعدة المطلقة، ولها السكنى والنفقة على الزوج. وإن فرقنا بينهما لإسلامه، وإبائها الإسلام: فعليها العدة إن كان بعد الدخول، ولا نفقة لها في العدة، ولها السكنى). قال أحمد: الأصل في ذلك: أن كل فرقة جاءت من قبلها بمعصية، وقد دخل بها: فلا نفقة لها، ولها السكنى، والأصل فيه النشوز أنه يبطل النفقة؛ لأن المنع جاء من قبلها بمعصية، وأما السكنى فإنها حق لله تعالى، فلا يسقط بفعلها. ألا ترى أنها لو أبرأت منها: لم تصح. وأما إذا كانت الفرقة من جهة الزوج: فلها السكنى والنفقة، بمنزلة الطلاق، وإن كانت الفرقة من قبلها بغير معصية: فلها نفقة العدة والسكنى؛ لأنها غير عاصية فيه، فلم تسقط نفقتها. مسألة: [الردة سبب الفرقة بين الزوجين] قال: (وأي الزوجين ارتد: وقعت الفرقة بينهما بنفس الردة). وذلك لأن الردة سبب موجب للتحريم، حادث على العقد. والدليل على ذلك: أنها تمنع استئناف العقد عليها، فوجب أن تقع الفرقة عقيبها، كالرضاع، والطلاق الثلاث، ونحوها. وأيضا: لم يختلفوا أنها توجب الفرقة، إلا أن من الناس من يوجبها بمعنى ثلاث حيض، فكان وقوعها في الحال عندنا لما وصفنا.

стр. 1924

وليست الردة كالطلاق الرجعي، لا يوجب التحريم، ولا يمنع صحة ملك البضع. مسألة: قال: (وإن ارتدا معا لم تقع الفرقة). قال أحمد: وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس أن تقع الفرقة، وجهة القياس: أن السبب الموجب للتحريم، وهو الردة، حادث على النكاح على ما بينا، فكانت ردتهما معا، كردة أحدهما، ولكنهم تركوا القياس؛ لأن من أصلهم جواز تخصيص العلة، وترك حكمها مع وجودها، لقيام الدلالة عليه. والدلالة الموجبة لتخصيص علة القياس التي ذكرناها: أن أهل الردة لما أسلم من أسلم منهم في زمن الصحابة ﵃، لم يفرقوا بينهم وبين نسائهم. فإن قال قائل: ومن أين لك أن ردتهم وإسلامهم جميعا كانا من الزوجين معا، ويمتنع مع ذلك في العادة أن يكون كل من ارتد منهم ارتدت امرأته معه في حال ارتداده، لم يسبق أحدهما به صاحبه. قيل له: هو كما قلت، إلا أن كل أمرين لا يعلم تقدم أحدهما على صاحبه، سقط حكم التاريخ فيه، وصارا كأنهما وقعا معا.

стр. 1925

والدليل على ذلك: الغرقى، والقوم يقع عليهم البيت، أنا لا نعلم تقدم موت أحدهم على غيرهم: حكمنا بموتهم جميعا معا. وإن قيدت العلة في الأصل بما يلزمك عليه التخصيص، فقلت: إن الردة عند اختلاف الدينين لما كانت سببا موجبا للتحريم، ثم أشبهت سائر الأشياء الموجبة للتحريم، مثل الرضاع ونحوه، فوقعت الفرقة عقيبهما، فإذا ارتدا معا، فلم يختلف بهما الدينان، فلم يلزم على العلة، وإذا اختلف بهما الدينان، فحكمهما موقوف على دلالة أخرى، وقد قامت الدلالة من إقرار الصحابة من أسلم من أهل الردة على نسائهم، على أنهما لم يختلف بهما الدينان: لم توجب الفرقة. مسالة: [إن أسلم المرتدان كانا على نكاحهما] قال: (فإن أسلما معا: كانا على نكاحهما). لأنهما لم يختلفا في الدينين، ولأن ردتهما لما لم توجب الفرقة، فإسلامهما أحرى أن لا يوجبها. مسالة: [إن أسلم أحد المرتدين قبل الآخر وقعت الفرقة] قال: (وإن أسلم أحدهما قبل صاحبه، وقعت الفرقة). وذلك لأنهما اختلفا في الدينين، فصار كردة أحدهما قبل الآخر، إذا كانت الردة حادثة على النكاح، وقد اختلف بها الدينان، وليس إسلام من أسلم منهما هو الموجب للفرقة، ولكن الموجب لها هو الردة الحادثة على العقد عند اختلاف الدينين. ******

стр. 1926

باب نكاح الشغار مسألة: [نكاح الشغار جائز وفيه مهر المثل] قال: (وإذا زوجه أخته على أن يزوجه أخته، أو زوجه أمته على أن يزوجه أمته، ليس بينهما مهر غير ذلك: فالنكاح جائز، ولكل واحدة منهما مهر مثلها. قال: وهذا الشرط هو الشغار). قال أحمد: هذا العقد قد اشتمل على ثلاثة معان: أحدهما: تمليك البضع بعقد نكاح. والثاني: شرط بضع كل واحدة لولي الأخرى. والثالث: أن لا مهر لهما. وعقد النكاح لا تفسده الشروط، ولا فساد البدل، ولا عدمه. والدليل عليه: أنه لو تزوجها على خمر أو خنزير: جاز النكاح، وبطل الشرط. وكذلك لو تزوجها على أن لا مهر لها: كان لها المهر، وجاز النكاح، وبطل الشرط. وإذا صح ما وصفنا، ولم يكن في هذه المسألة إلا هذه المعاني، وكل

стр. 1927

واحد منها لا تأثير له في فساد العقد، وجب أن يجوز العقد. فإن قيل: "نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار"، فينبغي أن يفسد العقد؛ لعموم النهي. قيل له: إذا ثبت أن نكاح الشغار وصفه ما قدمنا، وهو أن يزوجه أخته على أن يزوجه أخته، أو يزوجه أمته على أن يزوجه أمته، وكذلك روي تفسيره عن السلف، فهذا إنما هو عقد واقع على أحد وجهين: إما أن يكون لم يشرط لها فيه مهر رأسا، ويشرط لوليها منفعة، وهو بضع الأخرى، وذلك لا يفسد العقد؛ لأن عدم تسمية البدل في النكاح لا تأثير له في إفساد العقد. أو أن يكون جعل بضع كل واحدة بدلا لبضع الأخرى، وذلك إذا زوجه أمته على أن يزوجه أمته، فهذا إنما هو فساد في البدل، فلا يفسد العقد من أجله، كما لو تزوجها على خمر أو خنزير، ونحن إذا أجزنا نكاحهما بمهر المثل، فلم نحز الشغار؛ لأن النكاح بمهر المثل ليس بشغار. فإن قيل: فقد أجزت عقدا غير ما تعاقداه. قيل له: كما إذا عقد على نكاح بخمر أو خنزير، أجزنا عليهما عقدا بمهر المثل، وهو غير ما تعاقدا عليه، وكما إذا عقدا بغير مهر، أجزناه بالمهر. والأظهر من معني الشغار، أن يكون نكاحا عاريا من المهر، كما

стр. 1928

يقال: بلد شاغر، إذا كان فارغا من الجند. فإن قيل: لا يشبه النكاح بالخمر أو الخنزير الشغار؛ لأنه جعل في الشغار بضع كل واحدة مهرا للأخرى، وقد أبطلناه أن يكون مهرا، فلا يصح عقد قد أبطلناه من أن يكون معقودا عليه عقدا صحيحا. قيل له: إنما أخرجنا البضع من أن يكون مهرا، ولم نخرجه من أن يكون بعقد النكاح، كما قلنا جميعا إذا تزوجها على خمر أنه قد جعل البضع بدلا من الخمر، فنخرجه من كونه بدلا من الخمر، ولا نخرجه من كونه معقودا عليه عقدا صحيحا، لا بدلا من الخمر. وعلى أن الشافعي ﵁ قد قال: إنه لو زوجه أخته على ألف درهم، على أن يزوجه أخته: جاز النكاح، وكان لها مهر المثل، فقد أخرجنا البضع من أن يكون بدلا لبضع الأخرى، ولم نبطله أن يكون معقودا عليه في نفسه عقدا صحيحا. وهذه المسألة تنقض عليه سائر ما يحتج به في إفساد النكاح المعقود عليه بشغار. فإن قيل: قد قلتم في العبد إذا أذن له مولاه في تزوج حرة على رقبته، فتزوجها: أن النكاح فاسد، وهذا فساد في البدل، أفسدتم من أجله النكاح، فالشغار مثله وإن كان الفساد في البدل.

стр. 1929

قيل له: لم يفسد النكاح لأجل فساد البدل؛ لأن البدل هو رقبة العبد، مما يصح تمليكه، ويجوز أن يكون بدلا للبضع، ومن أجل أنها بدل صحيح، فسد العقد فيه؛ لأنه حين دخل في العقد، وصار بدلا، أوجب أن تملكه المرأة بعقد النكاح، ولا يصح للمرأة بقاء النكاح مع حصول تملكها في رقبة الزوج، فامتنع من ها هنا جواز العقد من أجل صحة البدل، لا من أجل فساده، وليس ذلك من الشغار في شيء. فصل: [جواز عقد النكاح بشرط أن لا مهر] والدليل على جواز عقد النكاح وإن شرط أن لا مهر لها، ويجب لها مهر المثل: قول الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾. فحكم بصحة الطلاق على عقد لم يسم فيه مهرا، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، فثبت بذلك جواز عقد النكاح مع عدم تسمية المهر. فإن قيل: إنما دلت الآية على جوازه إذا سكت عن التسمية، فما الدليل على جوازه إذا شرط أن لا مهر لها؟ قيل له: الآية منتظمة للأمرين؛ لأن شرطه أن لا مهر لها، لا يخرجه من أن يكون عقدا لم يسم فيه مهرا، وقد حكمت الآية بجوازه، فمن خص منها حالا دون حال، لم يثبت له ذلك إلا بإقامة الدليل، وإذا جاز مع شرط أن لا مهر لها، جاز إذا جعل البدل خمرا أو خنزيرا، إذا كان لها مهر المثل، لأنه قد صح أن الشروط لا تفسده.

стр. 1930

وأيضا: فإن فساد البدل ليس بأكثر من عدمه، فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في العقد، ففساده كذلك. ومما يدل على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط: أنه يصح على بدل مجهول، وهو مهر المثل، وكل عقد صحيح مع جهالة البدل، فإن الشروط لا تفسده، ألا ترى أن العتاق والصلح من دم العمد ونحوهما من العقود التي تصح مع جهالة الأبدال، لا تفسدها الشروط. مسألة: [إذا تزوج ذمي ذمية على خمر أو خنزير، ثم أسلما] (وإذا تزوج الذمي ذمية على خمر بعينها، أو خنزير بعينه، ثم أسلما، أو أسلم أحدهما قبل القبض: فلا شيء للمرأة غيرها). وذلك لان ضمان المهر في يد الزوج ضمان بعينه، لا يتعلق بهلاكه قبل القبض فساد العقد، فأشبه الغصب، ولو أن ذميا غصب ذميا خمرا أو خنزيرا، ثم أسلما أو أسلم أحدهما: لم يكن له غير العين، كذلك المهر. (وقال أبو يوسف: لها مهر المثل، سواء كان بعينه أو بغير عينه). وذلك لأن ما يحدث على العقد قبل القبض، بمنزلة الموجود في العقد. والدليل عليه: أنه لو اشترى منه خمرا بعينها، أو خنزيرا بعينه، ثم أسلم أحدهما قبل القبض: بطل العقد، وصار كأنه عقد عليه بعد الإسلام، كذلك حكم ما يطرأ على عقد النكاح قبل القبض، بمنزلة ما عقد عليه في تلك الحال. (وأما محمد: فإنه يسوي بين ما كان من ذلك بعينه أو بغير عينه أيضا). وجعل تعذر تسليمه بعد الإسلام، بمنزلة موت العبد المهر قبل القبض، فيرجع إلى القيمة.
следующие страницы →