← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

باب نكاح الشغار مسألة: [نكاح الشغار جائز وفيه مهر المثل] قال: (وإذا زوجه أخته على أن يزوجه أخته، أو زوجه أمته على أن يزوجه أمته، ليس بينهما مهر غير ذلك: فالنكاح جائز، ولكل واحدة منهما مهر مثلها. قال: وهذا الشرط هو الشغار). قال أحمد: هذا العقد قد اشتمل على ثلاثة معان: أحدهما: تمليك البضع بعقد نكاح. والثاني: شرط بضع كل واحدة لولي الأخرى. والثالث: أن لا مهر لهما. وعقد النكاح لا تفسده الشروط، ولا فساد البدل، ولا عدمه. والدليل عليه: أنه لو تزوجها على خمر أو خنزير: جاز النكاح، وبطل الشرط. وكذلك لو تزوجها على أن لا مهر لها: كان لها المهر، وجاز النكاح، وبطل الشرط. وإذا صح ما وصفنا، ولم يكن في هذه المسألة إلا هذه المعاني، وكل

стр. 1927

واحد منها لا تأثير له في فساد العقد، وجب أن يجوز العقد. فإن قيل: "نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار"، فينبغي أن يفسد العقد؛ لعموم النهي. قيل له: إذا ثبت أن نكاح الشغار وصفه ما قدمنا، وهو أن يزوجه أخته على أن يزوجه أخته، أو يزوجه أمته على أن يزوجه أمته، وكذلك روي تفسيره عن السلف، فهذا إنما هو عقد واقع على أحد وجهين: إما أن يكون لم يشرط لها فيه مهر رأسا، ويشرط لوليها منفعة، وهو بضع الأخرى، وذلك لا يفسد العقد؛ لأن عدم تسمية البدل في النكاح لا تأثير له في إفساد العقد. أو أن يكون جعل بضع كل واحدة بدلا لبضع الأخرى، وذلك إذا زوجه أمته على أن يزوجه أمته، فهذا إنما هو فساد في البدل، فلا يفسد العقد من أجله، كما لو تزوجها على خمر أو خنزير، ونحن إذا أجزنا نكاحهما بمهر المثل، فلم نحز الشغار؛ لأن النكاح بمهر المثل ليس بشغار. فإن قيل: فقد أجزت عقدا غير ما تعاقداه. قيل له: كما إذا عقد على نكاح بخمر أو خنزير، أجزنا عليهما عقدا بمهر المثل، وهو غير ما تعاقدا عليه، وكما إذا عقدا بغير مهر، أجزناه بالمهر. والأظهر من معني الشغار، أن يكون نكاحا عاريا من المهر، كما

стр. 1928

يقال: بلد شاغر، إذا كان فارغا من الجند. فإن قيل: لا يشبه النكاح بالخمر أو الخنزير الشغار؛ لأنه جعل في الشغار بضع كل واحدة مهرا للأخرى، وقد أبطلناه أن يكون مهرا، فلا يصح عقد قد أبطلناه من أن يكون معقودا عليه عقدا صحيحا. قيل له: إنما أخرجنا البضع من أن يكون مهرا، ولم نخرجه من أن يكون بعقد النكاح، كما قلنا جميعا إذا تزوجها على خمر أنه قد جعل البضع بدلا من الخمر، فنخرجه من كونه بدلا من الخمر، ولا نخرجه من كونه معقودا عليه عقدا صحيحا، لا بدلا من الخمر. وعلى أن الشافعي ﵁ قد قال: إنه لو زوجه أخته على ألف درهم، على أن يزوجه أخته: جاز النكاح، وكان لها مهر المثل، فقد أخرجنا البضع من أن يكون بدلا لبضع الأخرى، ولم نبطله أن يكون معقودا عليه في نفسه عقدا صحيحا. وهذه المسألة تنقض عليه سائر ما يحتج به في إفساد النكاح المعقود عليه بشغار. فإن قيل: قد قلتم في العبد إذا أذن له مولاه في تزوج حرة على رقبته، فتزوجها: أن النكاح فاسد، وهذا فساد في البدل، أفسدتم من أجله النكاح، فالشغار مثله وإن كان الفساد في البدل.

стр. 1929

قيل له: لم يفسد النكاح لأجل فساد البدل؛ لأن البدل هو رقبة العبد، مما يصح تمليكه، ويجوز أن يكون بدلا للبضع، ومن أجل أنها بدل صحيح، فسد العقد فيه؛ لأنه حين دخل في العقد، وصار بدلا، أوجب أن تملكه المرأة بعقد النكاح، ولا يصح للمرأة بقاء النكاح مع حصول تملكها في رقبة الزوج، فامتنع من ها هنا جواز العقد من أجل صحة البدل، لا من أجل فساده، وليس ذلك من الشغار في شيء. فصل: [جواز عقد النكاح بشرط أن لا مهر] والدليل على جواز عقد النكاح وإن شرط أن لا مهر لها، ويجب لها مهر المثل: قول الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾. فحكم بصحة الطلاق على عقد لم يسم فيه مهرا، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، فثبت بذلك جواز عقد النكاح مع عدم تسمية المهر. فإن قيل: إنما دلت الآية على جوازه إذا سكت عن التسمية، فما الدليل على جوازه إذا شرط أن لا مهر لها؟ قيل له: الآية منتظمة للأمرين؛ لأن شرطه أن لا مهر لها، لا يخرجه من أن يكون عقدا لم يسم فيه مهرا، وقد حكمت الآية بجوازه، فمن خص منها حالا دون حال، لم يثبت له ذلك إلا بإقامة الدليل، وإذا جاز مع شرط أن لا مهر لها، جاز إذا جعل البدل خمرا أو خنزيرا، إذا كان لها مهر المثل، لأنه قد صح أن الشروط لا تفسده.

стр. 1930

وأيضا: فإن فساد البدل ليس بأكثر من عدمه، فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في العقد، ففساده كذلك. ومما يدل على أن عقد النكاح لا تفسده الشروط: أنه يصح على بدل مجهول، وهو مهر المثل، وكل عقد صحيح مع جهالة البدل، فإن الشروط لا تفسده، ألا ترى أن العتاق والصلح من دم العمد ونحوهما من العقود التي تصح مع جهالة الأبدال، لا تفسدها الشروط. مسألة: [إذا تزوج ذمي ذمية على خمر أو خنزير، ثم أسلما] (وإذا تزوج الذمي ذمية على خمر بعينها، أو خنزير بعينه، ثم أسلما، أو أسلم أحدهما قبل القبض: فلا شيء للمرأة غيرها). وذلك لان ضمان المهر في يد الزوج ضمان بعينه، لا يتعلق بهلاكه قبل القبض فساد العقد، فأشبه الغصب، ولو أن ذميا غصب ذميا خمرا أو خنزيرا، ثم أسلما أو أسلم أحدهما: لم يكن له غير العين، كذلك المهر. (وقال أبو يوسف: لها مهر المثل، سواء كان بعينه أو بغير عينه). وذلك لأن ما يحدث على العقد قبل القبض، بمنزلة الموجود في العقد. والدليل عليه: أنه لو اشترى منه خمرا بعينها، أو خنزيرا بعينه، ثم أسلم أحدهما قبل القبض: بطل العقد، وصار كأنه عقد عليه بعد الإسلام، كذلك حكم ما يطرأ على عقد النكاح قبل القبض، بمنزلة ما عقد عليه في تلك الحال. (وأما محمد: فإنه يسوي بين ما كان من ذلك بعينه أو بغير عينه أيضا). وجعل تعذر تسليمه بعد الإسلام، بمنزلة موت العبد المهر قبل القبض، فيرجع إلى القيمة.

стр. 1931

(قال أبو حنيفة: لو تزوجها على خمر بغير عينها أو خنزير بغير عينه، ثم أسلما: فلها في الخنزير مهر المثل، وفي الخمر القيمة). وذلك لأن الثابت كان في ذمته إلى وقت الإسلام هو الخمر، وقد تعذر تسليمها بعد الإسلام؛ لأن المسلم لا يجوز له تمليك الخمر، فصار بمنزلة من غصب شيئا له مثل، نحو الرطب والعنب، فاستهلكه، ثم انقطع من أيدي الناس: أنه يغرم قيمته يوم الخصومة على أصله، وكذلك عنده أن الخمر كانت في الذمة إلى أن أسلم، فتعذر تسليمها، فنقلناها إلى القيمة. وأما الخنزير، فكان القياس فيه ذلك، إلا أنه ترك القياس، وجعل فيه مهر المثل، وذلك لأن ثبوت الخنزير في الذمة، ليس هو ثبوتا صحيحا، ألا ترى أنه لو جاء بالقيمة بدءا: قبلت منه، ولم يجبر على تسليم الخنزير، كمن تزوج منا امرأة على شاة بغير عينها، فله أن يعطيها القيمة، فلما لم يكن ثبوت الخنزير في الذمة ثبوتا صحيحا، ثم طرأ الإسلام، فأسقط التسمية: عاد إلى مهر المثل. وأيضا: فلو أوجبنا القيمة، لأوجبناها بالعقد، والعقد يوجب مهر المثل، ما لم يكن فيه تسمية صحيحة، فإذا اجتمع في العقد قيمة الخنزير، ومهر المثل، كان مهر المثل أولى بالثبات، إذ كان مهر المثل دينا صحيحا، وقيمة الخنزير ليست بدين صحيح، ألا ترى أن له أن يعدل عن الخنزير إلى القيمة، فكان ثبوت مهر المثل أولى، وبالله التوفيق.

стр. 1932

مسألة: [نكاح المتعة] قال أبو جعفر: ونكاح المتعة غير جائز، وهو أن يتزوج الرجل المرأة وقتا معلوما). قال أحمد: المتعة المتفق عليها أن يقول: أعطيك كذا على أتمتع فيك يوما، أو نحو ذلك، وهذا لا خلاف بين الفقهاء في فساده. وقد روي عن النبي ﷺ النهي عنها في أخبار مستفيضة شائعة، وأنه حرمها بعد ما كان أباحها. ويدل على تحريمهما قول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون*إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. فحظر الوطء إلا من أحد الوجهين، والمتعة خارجة عنهما. فإن قيل: قد صحت إباحتها عن النبي ﷺ بالاتفاق، والحظر بعد الإباحة مختلف فيه، فلا يثبت باتفاق. قيل له: هذه قضية فاسدة؛ لأنها توجب أن لا يثبت شيء من الأحكام إلا من طريق الاتفاق، وهذا فاسد عند الجميع. وأيضا: لم تثبت الإباحة إلا من حيث يثبت الحظر؛ لأن كل خبر ورد في إباحتها، ففيه ذكر حظرها بعد الإباحة، فإن لم يثبت الحظر، لم تثبت الإباحة.

стр. 1933

فإن قيل: قال الله تعالى: "فما استمتعتم به منهم فأتوهن أجورهن إلى أجل مسمى". قيل له: هو شاذ لم يثبت عندنا، ولو ثبت كان التأجيل مذكورا للبدل، أخبر أن عقد النكاح جائز على مهر مؤجل، وأنه متى حل الأجل لزمه تسليمه. وإما إذا قال: أتزوجك عشرة أيام، فإن زفر بن الهذيل بقول: هذا نكاح جائز، والشرط باطل، وقال سائر أصحابنا هو فاسد، وهي متعة، من قبل أن جعل النكاح مؤقتا، والمتعة كذا هي نكاح مؤقت. وأيضا: فإنه إذا عقد على عشرة أيام، لم يخل من أن يملك بضعها على التأبيد، ويبطل التوقيت، أو يملك بضعها ملكا مؤقتا يرتفع بمضي الوقت. فالأول فاسد؛ لأنه إذا عقد على عشرة أيام: لم يجز أن يملك بضعها بعد المدة، كما إذا عقد أجارة على نفسه عشرة أيام، لم يكن على ما بعد العشرة عقد، وكما لو قال: اشتريت منك قفيزا من هذه الصبرة، كان المعقود منها هو القفيز، وما عداه غير داخل في العقد. وكذلك النكاح المؤقت، يقتضي توقيته أن لا يكون هناك عقد على ما

стр. 1934

بعد المدة، ولا جائز أن يستبيح وطأها فيها، وإن جعلنا النكاح مؤقتا كان متعة. ويدل على ذلك: أن عقد النكاح بمنزلة عقد تمليك الأعيان في جوازه غير مؤقت، وهو مفارق للعقد على المنافع، إذا لا يصح إلا مؤقتا، وهو الإجارات. ولما كان كذلك، ووجدنا تمليك عقود الأعيان يبطلها التوقيت، نحو أن يقول: قد بعتك هذا العبد عشرة أيام، وحب أن يكون النكاح مثله. فإن قال قائل: قوله تزوجتك: عقد صحيح، وذكر العشرة الأيام إنما هو شرط يلحق به، والشروط الفاسدة لا تقدح في عقد النكاح. قيل له: قد بينا أن التوقيت فيه يقضي وقوع العقد على المدة، وليس هو بمنزلة قوله: تزوجتك على أن أطلقك بعد عشرة أيام، فيجوز النكاح، ويبطل الشرط؛ لأن هذا عقد واقع على التأبيد، وشرط قطعه بالطلاق، فلذلك صح العقد. مسألة: [نكاح المحرم] قال: (ولا بأس بنكاح المحرم، ولا يطأ). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، وقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وقوله تعالى: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾،

стр. 1935

وقال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهم﴾، وقال: ﴿حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ ـ وعموم هذه الآيات يقتضي جواز نكاح المحرم. ومن جهة السنة: ما رواه سفيان عن عمرو بن دينار قال: أخبرني أبو الشعثاء جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس يقول: "تزوج رسول الله ﷺ وهو محرم. قال عمرو: فقلت لجابر بن زيد: من تراها يا أبا الشعثاء؟ قال: ميمونة بنت الحارث، فقال له: إن ابن شهاب أخبرني عن يزيد بن الأصم أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. فقال لي جابر بن زيد: إنها خالة ابن عباس، وهو أعلم بها، فقلت له: وهى خالة يزيد بن الأصم، فقال لي: وأين تجعل يزيد بن الأصم أعرابيا يبول على عقبيه إلى ابن عباس". فإن قيل: قد روى يزيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حلال، فكيف جعلت حديث ابن عباس أولى؟

стр. 1936

قيل له: من وجوه: أحدها: أن يزيد بن الأصم لا يقرب إلى ابن عباس، ولا يوازن به، كما قال جابر بن زيد. والثاني: أن من أخبر أنه تزوجها وهو حلال، إنما أخبر عن ظاهر ما كان علمه من حاله بدءا، ولم يعلم بحدوث الإحرام، ومن قال تزوجها وهو حرام، علم حدوث الإحرام، فكان أولى، ولم يقض عليه جهل من جهل حدوث إحرامه. وأيضا: فإن رواية من روى أنه تزوجها وهو حلال، لا يفيد حكما، ورواية من روى انه تزوجها وهو محرم، قد أفاد حكما، وأثبت فائدة، فكان أولى بالقبول. فإن قيل: قد روي في بعض أخبار يزيد بن الأصم عن ميمونة أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ بسرف، ونحن حلالان. قيل له: لا فرق بين رواية ميمونة وغيرها؛ لأنه يجوز أن يكون لم تعلم بحدوث إحرامه قبل ذلك.

стр. 1937

فإن قيل: روى نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان بن عفان قال: لا ينكح الحرام ولا ينكح، ولا يخطب". قيل له: حقيقة النكاح في اللغة هو الوطء، فهو محمول عليها، كأنه قال: لا يطأ، ولا يوطئ، يعني لا يمكن من الوطء. ومن جهة النظر: إن الإحرام معني عارض في معني الوطء، فأشبه النفاس والحيض، يمنعان الوطء، ولا يمنعان العقد. وأيضا: كما جاز له أن يراجع امرأته وهو محرم، جاز له أن يتزوج، والعلة الجامعة بينهما أن الرجعة لاستباحة الوطء كالعقد. فإن قيل: لما كان ممنوعا من الاستمتاع، منع العقد، كذوات المحارم. قيل له: الأجنبي ممنوع من الاستمتاع بالأجنبية، ولا يمنع العقد عليها. وأيضا: المحرم ممنوع من الاستمتاع بالطيب، ولا يمنع العقد عليه في حال الإحرام، والصوم والصلاة يمنعان الاستمتاع، ولا يمنعان العقد، لو زوجها وكيله وهو في الصلاة: جاز. فإن قيل: لما كان ممنوعا من الطيب، وجب أن يمنع العقد، كالمعتدة لما كانت ممنوعة من الطيب، منعت عقد النكاح. قيل له: هذه علة منتقضة؛ لأن المعتدة من تطليقة ثانية ممنوعة من

стр. 1938

الطيب، ويجوز لها أن تعقد على نفسها عقد نكاح لزوجها الذي طلقها، مع كونها ممنوعة من الطيب: يدل على فساد اعتلالك. مسألة: [فسخ عقد النكاح إذا كان بأحد الزوجين عيب] (ولا يفسخ النكاح بعيب في المرأة في قول أصحابنا جميعا) وروي نحوه عن علي ﵁. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: "يرد من أربع: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق، فيما أحسب". والحجة لقولنا: أن المعقود عليه من جهة المرأة هو التسليم، وهو موجود مع هذه العيوب، والدليل على صحة ذلك: جواز نكاح المجبوب، مع عدم الوطء رأسا، وفساد نكاح ذوات المحارم، لأجل عدم التسليم. فلما كان التسليم موجودا من جهتها مع العيوب التي ذكرناها، لم يكن له خيار فسخ العقد مع وجود ما تعلقت به صحة العقد.

стр. 1939

وأيضا: قد اتفقوا على أنها لا ترد من الشمط، والبخر ونحوهما، فكذلك ما وصفنا. *وأما إذا كان ذلك بالرجل: فلا خيار لها أيضا، إلا فيما يمنع الوطء، مثل العنة، والجب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: إذا كان به داء لا يمكنها المقام معه، مثل الجذام ونحوه: خيرت. وجه قول أبي حنيفة ﵀: أن المعنى المستحق من جهة الرجل، هو تصحيح المهر لها، وهو موجود بوطئه إياها، ولا اعتبار بسائر العيوب معه، وذلك لأن البرص والجذام ونحوهما إنما هو الشيء تكرهه النفس، وينفر منه الطبع، كما تكرهه إذا كان قبيح المنظر، سيء الصورة، ومع ذلك لا يجب به خيار في فسخ العقد من أجل ذلك. قال أحمد: وليس وجوب خيار امرأة العنين والمجبوب متعلقا بعدم الوطء، وإنما وجب لأن عقد النكاح يقتضي تسليم كل واحد من البدلين اللذين تناولهما عقد النكاح الذي وقع له. فكما استحق الزوج عليها أن تسلم نفسها تسليما صحيحا، استحقت هي عليه تصحيح البدل لها، وهو المهر، وهي لا تستحقه استحقاقا صحيحا إلا بالوطء؛ لأن الخلوة وإن كانت عندنا تمنع سقوط شيء منه

стр. 1940

بالطلاق بعدها، فإن من الناس من لا يرى استحقاق كمال المهر بالخلوة إذا وجد الطلاق بعدها، فلا بأس أن ترفع إلى قاض لا يرى استحقاق المهر بالخلوة، لا يوجب لها كمال المهر، فلما كان كذلك: وجب لها الخيار في فسخ العقد، إذ لم يسلم لها بدل ما تعلقت به صحة العقد من جهتها. والدليل على صحة ما قلنا: أنه لو وطئها مرة، ثم جب: لم يكن لها خيار فسخ العقد. مسألة: [أثر قتل الحرة نفسها قبل الدخول] قال: (وإذا قتلت الحرة نفسها قبل الدخول: فالصداق كله واجب لورثتها). وذلك لأنها في حال ما صارت مانعة من البضع بالموت، كان المهر لغيرها، وهم الورثة، فصار قتلها نفسها، وقتل أجنبي لها سواء، في أنه لا يسقط شيء من مهرها، إذ كان الموت بمنزلة الدخول في استحقاق كمال المهر. *قال: (ولو كانت أمة، فقتلها مولاها قبل الدخول: لم يكن لها مهر في قول أبي حنيفة). لأن الذي له المهر، وهو المولى منع البضع، فصار كردة المرأة قبل الدخول، أنه يسقط مهرها، وليست كالحرة، لما وصفنا، أن المانع من البضع غير الذي استحق المهر. قال أحمد: وقد حكى هشام عن محمد عن أبي حنيفة في الأمة إذا قتلت نفسها، أن مهرها يسقط. ووجه ذلك: أن جنايتها تلزم المولى في باب استحقاق رقبتها لها لو

стр. 1941

كانت على أجنبي، فلم يختلف من أجل ذلك قتلها نفسها، وقتل مولاها إياها. وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فالمهر في الأمة للمولى؛ لأن الموت على وجه وجد: كان بمنزلة الدخول. مسألة: [حق الأمة في فسخ نكاحها إذا أعتقت] قال: (وإذا أعتقت الأمة، ولها زوج: فلها الخيار في فسخ النكاح، حرا كان زوجها أو عبدا). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة "أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت، فخيرها رسول الله ﷺ ". وروى عباد بن العوام قال: حدثنا سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود قال: سألت عائشة عن زوج بريرة فقالت: كان حرا. فإن قيل: روى عكرمة عن ابن عباس" أن زوج بريرة كان عبدا". وروى عروة عن عائشة ﵂ "أن زوج بريرة كان عبدا، ولو

стр. 1942

كان حرا لما خيرها رسول الله ﷺ ". قيل له: لم تختلف الرواية أن زوج بريرة كان عبدا في وقت، وإنما يحتاج إلى معرفة حاله عند عتق بريرة، ففي أخبارنا تاريخ حرية زوج بريرة، وليس في خبرهم ذكر تاريخها، فكان خبرنا أولى؛ لأن من قال: كان عبدا، إنما أخبر عما كانت عليه حاله بدءا، ومن قال: كان حرا حين أعتقت، فقد وقت، فهو أولى. وأيضا: لو تساوى الخبران في الاحتمال، كان خبر الحرية أولى، من قبل أن المخبر بالحرية، أخبر عن حال علم حدوثها بعد الرق، ومن أخبر بالرق، فإنما أخبر عما عهده من حاله بدءا، ولم يعلم حدوث الحرية، فلا يقضي على خبر من علم حدوثها. ألا ترى أن شاهدين لو شهدا أن هذا عبد زيد، وشهد آخران أن زيدا أعتقه: أن شهادة العتق أولى. وأما ما روي في خبر عروة عن عائشة أن زوج بريرة كان عبدا، فلا ينافي خبر الأسود عنها؛ لأن الأسود أخبر عن تاريخ الحرية, وعروة أخبر عن عبدة متقدمة للحرية، فلا يتعارضان. وأما قوله: "ولو كان حرا ما خيرها رسول الله ﷺ ": فإنا لا ندري من القائل لذلك، ويجوز أن يكون قائله عروة، ومن دونه، إذ ليس في اللفظ دلالة على أنه من قول عائشة، إذ قد وجدنا الرواة

стр. 1943

يسندون الحديث إلى غيرهم، ثم يقطعون عليه كلامهم، ويدرجونه في الخبر، فإذا لم يثبت أن قوله: "ولو كان حرا ما خيرها رسول الله ﷺ ": من قول عائشة. وعلى أنه لو ثبت ذلك عن عائشة: لم يناف ما قلنا، إذ لا يمتنع أن تكون عائشة قد كانت علمت رق زوج بريرة، فأخبرت بذلك عما كانت علمته، وكان عندها أن المعنى الموجب لخيارها عند العتق كون زوجها عبدا، ثم ثبت عندها أنه كان قد أعتق قبل ذلك، فأخبرت عن صحة علمها بحدوث حريته قبل عتق بريرة، وليس يسوغ [رد] مثل هذا التأويل لمخالفنا؛ لأن الحرية الثابتة لا يطرأ عليها رق في دار الإسلام، وتطرأ الحرية على الرق. فإن قيل: روى القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ "أن بريرة كانت تحت عبد، فلما أعتقت، قال رسول الله ﷺ : إن شئت تمكثين تحت هذا العبد، وإن شئت فارقيه". فأخبرت عائشة أنها كانت تحت عبد، ثم أخبرت أن النبي ﷺ قال لها بعد عتقها: إن شئت تمكثين تحت هذا العبد، فسماه

стр. 1944

عبد بعد عتقها، وهذا القول من النبي ﷺ لم يعارضه شيء، فهو أولى من جميع ما روي فيه من حريته عند عقتها، إذ ليس في جميع ما رويتموه لفظ من النبي ﷺ يوجب أن يكون حرا في وقت عتقها. قيل له: أما قول عائشة أنها كانت تحت عبد، فليس فيه دلالة على موضع الخلاف بيننا؛ لأنا نقول إنها قد كانت تحت عبد، والخلاف في وقت وقوع عتقها. وقد رواه الأسود على الوجه الذي ذكرنا بحيث لا يحتمل تأويلا. وأما قول النبي ﷺ : "إن شئت تمكثين تحت العبد": فإنما هو كأمره ﷺ بلالا حين أذن قبل طلوع الفجر، يرجع فينادي: ألا إن العبد نام"، وقد كان بلال حرا في ذلك الوقت. وكما قال علي ﵁ لشريح: "ما تقول أيها العبد الأبظر في قضية قضى بها". وشريح كان حرا في ذلك الوقت، وإنما سماه بذلك؛ لأنه قد كان جرى عليه رق في الجاهلية. وكما قال الله تعالى: ﴿وأتوا اليتامى أموالهم﴾، ولا يؤتونها في حال اليتم، وسماهم يتامى لقرب عهدهم باليتم.

стр. 1945

وقال النبي ﷺ : "اليتيمة تستأمر في نفسها"، ومعلوم أنها لا تستأمر وهي صغيرة. فعلى هذا المعنى أجرى النبي ﷺ لفظ العبودية على زوج بريرة إن صح الخبر. وأيضا: لو صح أنه كان عبدا حين أعتقت، كانت دلالة قائمة على وجوب الخيار إذا أعتقت وهو حر؛ لأن ذلك حكم وقع في شخص بحدوث معنى، وهو العتق، وهو موجود مع كون الزوج حرا، فالواجب أن لا يختلفا حتى تقول الدلالة على أن هناك معنى آخر، وهو شرط مع العتق في إيجاب الخيار؛ لأن كل حكم حكم به النبي ﷺ في شخص بحدوث معني، فكذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلا أن تقوم الدلالة على وجوب الاقتصار به على بعض دون بعض. ألا ترى "أن النبي ﷺ لما حكم في فأرة ماتت في سمن: إن كان مائعا بالإراقة، وإن كان جامدا بإلقائها وما حولها"، علقنا

стр. 1946

به حكم الزيت إذا مات فيه عصفور. وأنه لما "حكم في ماعز بالرجم حين زنى وهو محصن"، كان ذلك حكما لازما في غيره إذا وجد فيه مثل ذلك. وأيضا: فلما ثبت لها إذا أعتقت، وزوجها عبد، كذلك حكمها إذا كان زوجها حرا، والعلة الجامعة بينهما، أنها أعتقت وهي تحت زوج. فإن قيل: المعنى في العبد أنه غير كفؤ. قيل له: لا يعارض ذلك اعتلالنا؛ لأنك تصيبه لإيجاب الخيار، وكذلك اعتلالنا، فكيف يتعارضان وهما يوجبان حكما واحدا؟ لأن اعتلالنا أعم في إيجاب الحكم، ولم يرد عليه ما يعارضه. وعلى أن من اعتبر الكفاءة، فإنما يعتبرها في حال العقد، فلا اعتبار بزوال الكفاءة بعد العقد. وأيضا: روي "أن النبي ﷺ قال لبريرة حين أعتقت: ملكت بضعك، فاختاري". فجعل العلة الموجبة لخيارها أنها ملكت بضعها، وهي موجودة في حال كون زوجها حرا، وكل علة عارضوا بها هذه العلة فهي ساقطة، وعلتنا أولى؛ لأنها منصوص عليها، واعتلالهم مستنبط، ولا يعارض

стр. 1947

النص بالاستنباط. وأيضا: إنها لما لم تملك بدل بضعها بعقد النكاح، وجب أن يكون لها الخيار، كهي إذا كان زوجها عبدا، ألا ترى أن العقد لما اوجب للمرأة الوطء من جهة الزوج إذا كان مجبوبا، وكان الوطء من قبله معدوما، أن لها الخيار، كذلك إذا عدت ملك المهر بالعقد. فإن قيل: فالمكاتبة قد ملكت بضعها بالعقد إذا تزوج بإذن المولى، فينبغي أن لا يكون لها خيار في فسخ النكاح بعد العتق. قيل له: إنما عللنا المسألة بأنها لم تملك بدل بضعها، فلم تلزم علتها من ملكت بضعها، إذ لا يمتنع أن يتفق الحكم مع اختلاف العلتين. وأيضا: فإن المكاتبة لم تملك بدل بضعها بعد النكاح، وإنما ملكته بمعنى آخر، وهو عقد الكتابة، فعلة إيجاب الخيار موجودة. فإن قيل: روى القاسم عن عائشة قال: "كان عندي غلام وجارية زوج، فأردت أن أعتقهما، فقال النبي ﷺ : ابدئي بالرجل قبل المرأة". وهذا يدل على أنه إنما أمرها بأن تبدأ بالرجل؛ لأنه لو بدأت بها، لوجب لها الخيار إذا كان زوجها عبدا، وإذا بدأت به: لم يكن له الخيار؛

стр. 1948

لأنه حر، إذ لو لم يثبت هذا المعنى، لما كان في أمره بالابتداء بالرجل فائدة. قيل له: وأي غرض للنبي ﷺ في التوصل إلى إسقاط خيراها، حتى يحمل معنى الخبر عليه. وعلى أنه لو كان المقصد فيه ما قلت، لقال لها: أعتقيهما معا، وكان لا يجب لها الخيار على قولك. فإن قيل: فما الفائدة؟ قيل له: يحتمل أن يكون أراد أن فضيلة الرجل في الابتداء على المرأة، اقتداء بقول الله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾. مسألة: [حق المكاتبة في فسخ نكاحها إذا أعتقت﴾ قال: (وإذا أعتقت المكاتبة، وقد كان مولاها زوجها بأمرها في حال كتابتها: فإن لها الخيار في ذلك، كخيار الأمة سواء). وذلك لما بينا من أنها ملكت بضعها بالعتق. وإن شئت قلت: لأن بدل البضع لم يحصل لها بعقد النكاح، وإنما حصل لها بغيره، فكانت كالأمة غير المكاتبة. ********

стр. 1949

باب أجل العنين مسألة: [أجل العنين] قال: (وإذا ادعت المرأة أنها لا يصل إليها، وصدقها الرجل بذلك، وطلبت الواجب لها فيه: فإنه يؤجل حولا، فإن وصل إليها، كانت زوجته على حالها، وإن لم يصل إليها: خيرت بين المقام معه، وبين فراقه). قال أحمد: روي تأجيل العنين سنة عن علي، وعمر، والمغيرة بن شعبة، وعامة التابعين، وذلك من يوم رافعته. ويروى عن الحارث بن أبي ربيعة عشرة أشهر، وروي نحوه عن إبراهيم النخعي ولا نعلم خلافا عن السلف في تأجيل العنين، وأن عجزه عن الوطء في المدة، يوجب للمرأة الخيار في فراقه. وإنما اختلفوا في مقدار مدة التأجيل على ما بينا. فإن قال قائل: روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "جاءت امرأة

стр. 1950

رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! كنت عند رفاعة القرظي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: ترتدين إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي من عسيلته، ويذوق من عسيلتك". ورواه مالك عن المسور بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير أن رفاعة بن سموءل طلق امرأته في عهد رسول الله ﷺ ثلاثا، فنكحها عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها، فلم يستطع أن يغشاها، ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الأول، فقال النبي ﷺ : "لا يحل لك حتى تذوقي العسيلة". ولم يؤجل النبي ﷺ عبد الرحمن بن الزبير، ولو كان ذلك حكما لأخبرها النبي ﷺ بما لها من الحق في تأجيله، وإثبات الخيار لها عن عجزه عن الوصول إليها. قيل له: أما حديث مالك هذا، ففيه أنه فارقها. وهذا الحديث في سنن ابن قانع، وقد روى لنا أنه كان وصل إليها مرة. حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يحيى بن محمد البختري قال:

стр. 1951

حدثنا هدبة بن خالد قال: حدثنا وهب عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي ﷺ ، وذكر الحديث إلى قوله: فلا تحلين له حتى يذوق من عسيلتك، وتذوقي من عسيلته، فقالت: يا رسول الله! قد جاء هنة واحدة. قال هشام: مرة واحدة". ففي هذا الحديث أنه قد وصل إليها مرة واحدة، وكذلك قولنا فيمن وصل إلى امرأته مرة واحدة، ثم عجز عن وطئها: أنه لا خيار لها. قال أحمد: وإنما لم تخير المرأة ي بدء ما تصادقنا أنه لم يصل إليها، من قبل أنه يعجز عن الوصول إليها لعلة عارضة، لا لعيب في العضو، وهذا المعنى لا يعلمه من نفسه، وإنما يعلمه باستبراء حاله في فصول السنة الأربعة، فإن كان لعلة عارضة، فتسترجع في بعض مدة الفصول، أو تخف، وإن كان عيبا في العضو لم ترتفع، فلذلك احتجنا فيه إلى التأجيل لاستبراء حاله على الوصف الذي ذكرنا. ولا معنى لاعتبار العشرة الأشهر؛ لأن المعنى إذا كان في التأجيل ما وصفنا، لم يتبين حاله إلا بمضي فصول السنة. وأيضا: فإنا لم نجد العشرة الأشهر يتعلق فيها حكم في الأصول، وقد يتعلق بالحول مثل الزكاة واللقطة.

стр. 1952

فصل: [خيار زوجة العنين بالرضا أو الفراق] قال أبو جعفر: (فإن اختارت المقام معه: كانت زوجته على حالها، ولم يكن لها خيار بعد ذلك، وإن اختارت فراقه: فرق بينهما، وكانت تطليقة بائنة). وذلك أن عجزه عن الوصول إليها في المدة، بمنزلة عيب يجده المشتري بالمبيع، فيكون له الخيار في فسخ البيع فيه، فإن رضي به: لم يكن له بعد ذلك الرد، كذلك المرأة إذا اختارت المقام معه، ورضيت به: لم يكن لها بعد ذلك أن تفسخ النكاح. والمعنى في ثبوت خيارها هو الفرقة: أنها لما ملك عليها بضعها، وجب أن تملك هي المهر، وتستحقه استحقاقا صحيحا، ولا يحصل ذلك لها إلا بالوطء؛ لأن من الناس من لا يرى إيجاب كمال المهر مع الخلوة إذا طلق قبل الدخول. *وإنما كانت تطليقة بائنة، أما البينونة فلأنا لو جعلناها رجعية، لكان له أن يراجعها، فيبطل حقها في الفرقة، وقد بينا أن لها حق التفريق. وإنما كان طلاقا؛ لأن سببها من قبل الزوج، بمعنى يختص بعقد النكاح؛ لان ذلك صفة الطلاق. [مسألة: ادعاء العنين أنه وصل إليها] (وإن ادعى أنه وصل إليها، وكانت بكرا: رجع إلى قول النساء فيه). وذلك لأن كل معني لا يطلع عليه الرجال كالولادة، قبلت فيه شهادة

стр. 1953

النساء، لتعذر حصول الرجال. *قال: (فإن قلن: هي بكر على حالها: خيرت) لما وصفنا من ثبوت عجزه عن الوصول إليها في المدة، وكون العضو معيبا بذلك. *قال: (وإن كانت ثيبا في الأصل: فالقول قول الزوج مع يمينه، أنه قد وصل إليها في المدة). لأن المرأة تدعي أنه معيب بذلك، فهي كالمشتري إذا ادعى عيبا باطنا لعبد، مثل الإباق والسرق ونحوه، فالقول قول البيع أنه غير معيب بذلك، وذلك لأن المشتري يدعي ثبوت الخيار في الفسخ بمعنى لا نعلمه، فلا يصدق إلا ببينة، كما لو ادعى شرط الخيار ثلاثا لما يصدق. كذلك المرأة في مسألتنا مدعية لثبوت حق الفسخ لسبب لا نعلمه، فلا تصدق. *قال: (ووصوله إلى امرأة أخرى لا يبطل حق هذه المرأة إذا لم يصل إليها). من قبل أنه وصوله إلى غيرها لا يوفيها حقها، إنما يجب لها. مسألة: [خيار زوجة المجبوب] قال: (لو وجدته مجبوبا: كان لها الخيار في الفرقة، ولا يؤجل). وذلك لأن العيب قد صح، فلا معنى للتأجيل، لأن تأجيل العنين

стр. 1954

إنما هو لاستبراء حاله، هل هو عيب أم لا؟ مسألة: [التفريق للعنة بعد الخلوة] قال: (وإذا فرق فين العنين وبين امرأته بعد الخلوة: فلها الصداق كاملا، وعليها العدة). قال أحمد: وروي هذا القول عن علي، وعمر، وزيد بن ثابت، قالوا: إذا أغلق بابا، وأرخى سترا: فقد وجب المهر، ووجب العدة والصداق، دخل بها، أو لم يدخل. وقال الحسن: قال المسلمون: إذا أغلق بابا، وأرخى سترا فقد وجب المهر، ووجبت العدة ولو لم يجامعها. والحجة للقول الأول: قول الله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا *وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾. وهذه الآية تدل من وجهين على ما قلنا:

стр. 1955

أحدهما: قوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾، وعمومه يقتضي منع الأخذ في سائر الأحوال، إلا أن تقول الدلالة على خصوص شيء منه. والوجه الآخر: قوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾. قال الفراء في كتابه معاني القرآن: "الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها"، والفراء إمام في اللغة غير مدافع، مقبول القول فيما قاله في اللغة". وكذلك ينبغي أن تكون حقيقته، لأنه مأخوذ من الفضاء، وهو الأرض التي ليس فيها ساتر ولا حاجز يمنع نفاذ البصر فيها، فسميت الخلوة التي ليس معها فيها حاجز ولا مانع يمنع الاستمتاع بها إفضاء. فتضمنت الآية منع أخذ شيء من مهرها بعد الخلوة والطلاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾، بغير حال الفرقة.

стр. 1956

ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وهي عموم في سائر الأحوال، فلما قال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، اقتضى ظاهره أنه متى مسها بيده استحق كمال المهر بعد الطلاق؛ لأن ذلك حقيقة المس، فإذا خلى بها، ومسها بيده، ثم طلق: لم يسقط شيء من مهرها. ثم ثبت ذلك لنا بثبوت الآيتين، ولم يفرق أحد بين الخلوة التي يكون معها المس، وبين الخلوة التي لا يوجد ذلك معها، ويصح في أحد الوجهين استحقاق كمال المهر بعد الطلاق، فكانت الأخرى مثلها؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما. وأيضا: روى عوف زرارة بن أوفى قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا، وأرخى سترا، فقد وجب عليه المهر، ووجبت العدة". وقال النبي ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ".

стр. 1957

فلم تجز مخالفتهم مع أمر النبي ﷺ باتباعهم. "قال الحسن: قال المسلمون: إذا أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر، ووجبت العدة". فإن قال قائل: فقد حكي عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ خلاف ذلك، فكيف يثبت مع وجود الخلاف؟ قيل له: طريق هذه الرواية عنهما واهية ضعيفة، ولو ثبتت أيضا: كان ما ثبت عن الخلفاء الراشدين أولى بالاتباع، ولا يلتفت بعد اتفاقهم إلى خلاف من خالف. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثننا محمد بن شاذان قال: أخبرنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من كشف عن خمار امرأة، ونظر إليها: وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل".

стр. 1958

*ومن جهة النظر: إن المعنى الذي تعلقت به صحة العقد من جهتها، هو وجود التسليم، والدليل على أن صحة العقد متعلقة بالتسليم دون الوطء: اتفاق الجميع على جواز نكاح المجبوب، مع عدم الوطء، فلو كانت صحة العقد متعلقة بالوطء، لما صح مع عدمه من المجبوب، فدل على أن صحته متعلقة بوجود التسليم من جهتها، فإذا حصل له ذلك: استحقت كمال المهر. كما أن المشتري متى حصل المبيع: استحق عليه الثمن، هلكت السلعة أم لم تهلك. وأيضا: لو استأجر دارا، كان المعنى الذي به يستحق الأجر هو التخلية وإن لم يسكنها المستأجر، كذلك الخلوة في النكاح. فإن قيل: فإذا خلا بها وهى حائض أو صائمة في شهر رمضان، أو هو محرم، أو صائم: لم تستحق كمال المهر مع وجود التسليم. قيل له: ليست الخلوة في هذه الحال تسليما؛ لأن هناك مانعا، والتسليم لا يصح مع وجود المانع، كما أنه لو قال: قد خليت بينك وبين الدار، وهي في يد غاصب يمنعها: لم يكن ذلك تسليما، وكذلك لو قال: قد خليت بينك وبين المبيع، وهو في يد غاصب: لم يكن ذلك تسليما وإن بحضرتهما، كذلك ما وصفنا

стр. 1959

فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، والطلاق بعد الخلوة مثل الوطء يطلق. قيل: المسيس هو المس باليد، فلو خلا بها، ومسها بيده: استحقت كمال المهر بعد الطلاق بالظاهر، فتستحقه أيضا وإن لم يمس؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما. وأيضا: روي عن علي وعمر ﵄ أن المراد بالمسيس: الخلوة، فكان المسيس عندهما اسما للخلوة، فلزم اعتبارهما؛ لأنهما حجة في اللغة. وأيضا: هو القرب مع ارتفاع الموانع، قال الله تعالى: ﴿فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾، يعني والله أعلم: لا قرب، وتقول: بيني وبين فلان رحم ماسة، يعني: قريبة. وأيضا: قد اتفق الجميع على أن المواد ليس هو حقيقة اللفظ؛ لأن قائلا يقول: الجماع، وآخر يقول: الخلوة، فصار اللفظ مجازا بالاتفاق، فاحتاج إلى دلالة من غيره في إيجاب الحكم؛ لأن المجاز لا يستعمل إلا في موضع تقوم الدلالة عليه.

стр. 1960

وأيضا: ليس يمتنع أن يكون المراد المسيس، أو ما يقوم مقامه من الخلوة، كما قال تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾، والمعنى الطلاق، أو ما يقوم مقامه من الفرقة. مسألة: [طلاق المجبوب امرأته بعد الخلوة] قال: (وإذا خلا المجبوب بامرأته، ثم طلقها قبل الدخول: فلها المهر كاملا في قول أبي حنيفة). لأن المعنى الذي تتعلق به صحة عقده هو وجود التسليم من جهتها على هذا الوجه، وقد وجد. والدليل على ذلك: أنه ليس هناك تسليم غيره فينتظر وجوده. وليس هذا كالمريض والصغير وغيرهما؛ لأن هناك تسليما صحيحا مستحقا في حالة الصحة والكبر، فلا تستحق كما المهر بعد الطلاق. فإن قيل: فإن خلا بها وهي رتقاء: لزم على قضيتك أن تستحق كمال المهر، إذ ليس هناك تسليم غيره. قيل: ليس كذلك؛ لأن الرتق قد يزول، فهناك تسليم منتظر غير موجود. وأيضا: فإن المجبوب قد ينزل ويواريه، فصار كالفحل، وقد اتفق الجميع على أن امرأة المجبوب لو ولدت: لزمه نسب ولدها،

стр. 1961

واستحقت كمال المهر لو طلقها وإن لم يوجد منه وطء، لأجل وجود التسليم، كذلك إذا لم تلد. وجعله أبو يوسف ومحمد كالمريض والصغير. مسألة: [ليس لامرأة المجبوب خيار إذا وطئها مرة واحدة] قال: (وإذا وطئها مرة، ثم جب: لم يكن لها خيار). لأن الوطء مرة تستحق به كمال المهر استحقاقا صحيحا، حتى لا يرد عليه البطلان بورود الطلاق، وكان بمنزلة حدوث العيب بالسلعة بعد قبض المشتري، فلا يوجب للمشتري خيارا في الفسخ. *****

стр. 1962

باب الأصدقة مسألة: [لأولياء المرأة التفريق إن زوجت نفسها بأقل من مهر المثل] قال: (وإذا زوجت المرأة البالغة نفسها كفؤا، وقصرت في المهر: فللأولياء أن يفرقوا بينهما، أو يبلغ به مهر مثلها في قول أبي حنيفة, وقال أبو يوسف: ليس لهم ذلك). وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أدوا العلائق، قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون". فشرط رضا الأهلين مع رضا الزوجين، فدل على أن لهم حقا في استيفاء مهر المثل. وأيضا: فإن الأولياء تلحقهم غضاضة بتقصيرها في المهر، كما يلحقهم لو وضعت نفسها في غير كفؤ. وأيضا: فإن مهر نسائهم يعتبر بها، فيلحقهم ضرر بنقصان مهرها. *وقال أبو يوسف: ليس لهم ذلك؛ لأن المهر حق لها، لا حق لغيرها فيه، ألا ترى أن لها أن تبرئ من المهر بعد العقد.

стр. 1963

وذكر أبو جعفر محمدا مع أبي يوسف، وهو غلط؛ لأن محمدا لا يجيز النكاح بغير ولي، وإذا كان بولي لم يعتبر سائر الأولياء الباقين، وإنما هو قول أبي يوسف الأول الذي كان يقول قديما في جواز النكاح بغير ولي، ثم رجع، فقال: لا يجوز النكاح بغير ولي. إلا أنه على قوله الثاني أيضا في امتناعه من تجويز النكاح بغير ولي، يصح جواب هذه المسألة؛ لأنه يقول إذا زوجها بعض الأولياء غير كفؤ: فللباقين أن يفرقوا بينهما، ورضا بعض الأولياء لا يجوز على الباقين، ولم يعتبر نقصان المهر في حق الباقين من الأولياء، فيكون معنى المسألة صحيحا على هذا القول في فرقه بين الكفاءة والتقصير في المهر وإن كان من أصله أن النكاح لا يجوز إلا بولي. مسألة: قال: (ولا صداق أقل من عشرة دراهم). لقول الله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾، فأباح عقد النكاح بشرط أن يكون البدل أموالا، وما دون العشرة لا يتناوله اسم الأموال. فإن قيل: فالعشرة أيضا لا تسمى أموالا، فالواجب أن لا تكون العشرة مهرا على هذه القضية.

стр. 1964

قيل له: كذلك هو، إلا أنا خصصنا العشرة بالإجماع، وإلا فالظاهر منعه. ومن جهة السنة: حديث حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما عن النبي ﷺ قال: "لا صداق أقل من عشرة دراهم". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن الشاذي الكشي قال: حدثنا على بن حجر قال: حدثنا بقية قال: حدثنا مبشر يعني ابن عبيد عن الحجاج عن عطاء وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا مهر دون عشرة دراهم". وأيضا: روي عن علي ﵁ من قوله: "لا صداق أقل من عشرة دراهم". وهذا عندنا لم يقله إلا توقيفا؛ لأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباته من طريق الاجتهاد والمقاييس، وإنما طريقها التوقيف؛ لأنها من الأمور المبتدأة التي هي حقوق لله تعالى. ومن هذا الضرب ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا قعد الرجل في آخر صلاته مقدار التشهد، فقد تمت صلاته".

стр. 1965

فكان ذلك توقيفا. وكذلك ما روي عن أنس ﵁ في الحيض: أن أقله ثلاثا، وأكثره عشرة. وما روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن أكثر النفاس أربعون. جميع ذلك عندنا توقيف من النبي ﷺ . وأيضا: قد صح عندنا أن اليد لا تقطع في أقل من عشرة. والمعنى فيه: أنه عضو محظور لا يستباح إلا بمال، فكذلك البضع لما كان هذا المعنى موجودا فيه، وجب أن لا يستباح بأقل من عشرة. فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
следующие страницы →