Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
واستحقت كمال المهر لو طلقها وإن لم يوجد منه وطء، لأجل وجود التسليم، كذلك إذا لم تلد.
وجعله أبو يوسف ومحمد كالمريض والصغير.
مسألة: [ليس لامرأة المجبوب خيار إذا وطئها مرة واحدة]
قال: (وإذا وطئها مرة، ثم جب: لم يكن لها خيار).
لأن الوطء مرة تستحق به كمال المهر استحقاقا صحيحا، حتى لا يرد عليه البطلان بورود الطلاق، وكان بمنزلة حدوث العيب بالسلعة بعد قبض المشتري، فلا يوجب للمشتري خيارا في الفسخ.
*****
стр. 1962
باب الأصدقة
مسألة: [لأولياء المرأة التفريق إن زوجت نفسها بأقل من مهر المثل]
قال: (وإذا زوجت المرأة البالغة نفسها كفؤا، وقصرت في المهر: فللأولياء أن يفرقوا بينهما، أو يبلغ به مهر مثلها في قول أبي حنيفة, وقال أبو يوسف: ليس لهم ذلك).
وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أدوا العلائق، قيل: وما العلائق؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون".
فشرط رضا الأهلين مع رضا الزوجين، فدل على أن لهم حقا في استيفاء مهر المثل.
وأيضا: فإن الأولياء تلحقهم غضاضة بتقصيرها في المهر، كما يلحقهم لو وضعت نفسها في غير كفؤ.
وأيضا: فإن مهر نسائهم يعتبر بها، فيلحقهم ضرر بنقصان مهرها.
*وقال أبو يوسف: ليس لهم ذلك؛ لأن المهر حق لها، لا حق لغيرها فيه، ألا ترى أن لها أن تبرئ من المهر بعد العقد.
стр. 1963
وذكر أبو جعفر محمدا مع أبي يوسف، وهو غلط؛ لأن محمدا لا يجيز النكاح بغير ولي، وإذا كان بولي لم يعتبر سائر الأولياء الباقين، وإنما هو قول أبي يوسف الأول الذي كان يقول قديما في جواز النكاح بغير ولي، ثم رجع، فقال: لا يجوز النكاح بغير ولي.
إلا أنه على قوله الثاني أيضا في امتناعه من تجويز النكاح بغير ولي، يصح جواب هذه المسألة؛ لأنه يقول إذا زوجها بعض الأولياء غير كفؤ: فللباقين أن يفرقوا بينهما، ورضا بعض الأولياء لا يجوز على الباقين، ولم يعتبر نقصان المهر في حق الباقين من الأولياء، فيكون معنى المسألة صحيحا على هذا القول في فرقه بين الكفاءة والتقصير في المهر وإن كان من أصله أن النكاح لا يجوز إلا بولي.
مسألة:
قال: (ولا صداق أقل من عشرة دراهم).
لقول الله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾، فأباح عقد النكاح بشرط أن يكون البدل أموالا، وما دون العشرة لا يتناوله اسم الأموال.
فإن قيل: فالعشرة أيضا لا تسمى أموالا، فالواجب أن لا تكون العشرة مهرا على هذه القضية.
стр. 1964
قيل له: كذلك هو، إلا أنا خصصنا العشرة بالإجماع، وإلا فالظاهر منعه.
ومن جهة السنة: حديث حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما عن النبي ﷺ قال: "لا صداق أقل من عشرة دراهم".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حامد بن الشاذي الكشي قال: حدثنا على بن حجر قال: حدثنا بقية قال: حدثنا مبشر يعني ابن عبيد عن الحجاج عن عطاء وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا مهر دون عشرة دراهم".
وأيضا: روي عن علي ﵁ من قوله: "لا صداق أقل من عشرة دراهم".
وهذا عندنا لم يقله إلا توقيفا؛ لأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباته من طريق الاجتهاد والمقاييس، وإنما طريقها التوقيف؛ لأنها من الأمور المبتدأة التي هي حقوق لله تعالى.
ومن هذا الضرب ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا قعد الرجل في آخر صلاته مقدار التشهد، فقد تمت صلاته".
стр. 1965
فكان ذلك توقيفا.
وكذلك ما روي عن أنس ﵁ في الحيض: أن أقله ثلاثا، وأكثره عشرة.
وما روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن أكثر النفاس أربعون.
جميع ذلك عندنا توقيف من النبي ﷺ .
وأيضا: قد صح عندنا أن اليد لا تقطع في أقل من عشرة.
والمعنى فيه: أنه عضو محظور لا يستباح إلا بمال، فكذلك البضع لما كان هذا المعنى موجودا فيه، وجب أن لا يستباح بأقل من عشرة.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد
стр. 1966
فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، فإذا فرض خمسة دراهم، لم تستحق بالطلاق قبل الدخول إلا نصفها بظاهر الكتاب.
قيل له: لم يختلف في استحقاق نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول، وإنما الخلاف فيما زاد، إذا كانت التسمية أقل من عشرة دراهم، وليس في الآية نفيه ولا إثباته، فحكمه موقوف على الدلالة، وقد قامت الدلالة على وجوبه، فصارت الآية موجبة لنصف المسمى، والدلالة موجبة للزيادة إلى تمام خمسة دراهم إذا طلق قبل الدخول.
*فإن احتجوا من جهة الثار بحديث أبي حازم عن سهل بن سعد "أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي لك، فقال رسول الله ﷺ : ما لي في النساء من حاجة.
فقام رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله، فقال: ما عندك؟ قال: ما عندي شيء، قال: أعطها ولو خاتما من حديد، قال: ما عندي، قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، قال: فإنا قد زوجناكها بما معك من القرآن".
وبحديث عامر بن ربيعة "أن رجلا تزوج امرأة على نعلين، فأجاز النبي ﷺ النكاح".
стр. 1967
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: "من أعطى في صداق ملء هذا برا، أو دقيقا، أو سويقا: استحل".
وبحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليس على امرئ جناح أن يتزوج من ماله بقليل أو كثير، إذا أشهد".
قيل له: أما حديث سهل بن سعد، فإنما أراه تعجيل شيء من المهر؛ لأنه لو كان مراده ما يصح العقد عليه، لزوجه مهر في ذمته.
وقوله: "زوجناكها بما معك من القرآن": معناه: لأجل ما معك من القرآن؛ لأن ما معه من القرآن لا يكون مهرا.
فإن قيل: إنما أراد: تعليمه إياها يكون مهرا لها.
قيل له: ليس ذاك في الخبر، ولا فيه ما يدل عليه.
стр. 1968
وأيضا: حديث عامر بن ربيعة في إجازة النجاح على نعلين، فإن "نعلين": قد تكونان قيمة عشرة أو أكثر، فلا دلالة فيه على قول المخالف.
وأيضا: فإن فه إجازة النكاح بهذه التسمية، ونحن نجيزه أيضا، وليس في الخبر دلالة على أن الزيادة لا تجب إلى تمام العشرة إذا كانت قيمته أقل من ذلك.
وأما حديث جابر، فلم يشر فيه إلى شيء بعينه يعرف مقداره، وقد روي في بعض الأخبار: ملء كف، وإن ثبت: فمعناه ما وصفنا.
وأما حديث أبي سعيد: "ليس على امرئ جناح أن يتزوج من ماله بقليل أو كثير": فإنما هو إجازة النكاح بقليل التسمية، ونحن نجيزه، ولا دلالة فيه على ما يجب بالعقد وإن كان أقل من عشرة.
وأيضا: فلقد كان النكاح جائزا بغير مهر إلى أن "نهى النبي ﷺ عن الشغار".
فيجوز أن يكون جميع ما روي في هذه الأخبار- وإن صح- أن المراد به التزويج على أقل من عشرة في حال جوازه بغير مهر، أو أن يكون المراد استحباب تعجيل شيء من قبل الدخول، كما "أمر النبي ﷺ عليا كرم الله وجهه أن يعجل لفاطمة ﵍ درعه الحطمية."
стр. 1969
مسألة: [جواز النكاح على غير صداق، ووجوب مهر المثل]
قال: (وإذا تزوج امرأة على غير صداق: فالنكاح جائز، ولها مهر مثلها).
لقول الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾.
فحكم بصحة الطلاق في نكاح لا مهر فيه، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، فدل أن عدم التسمية لا يمنع صحة عقد النكاح.
*ولها مهر مثل نسائها؛ لما روى علقمة عن ابن مسعود "أنه أتى في امرأة مات عنها زوجها، ولم يكن فرض لها شيئا، فقال عبد الله: لها مهر مثل نسائها، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في تزويج بنت واشق بمثل ما قضيته، ففرح بذلك ابن مسعود".
وأيضا: فإن البضع لا تجوز استباحته بغير مال، فإذا استباحه بغير بدل مسمى: وجب لها قيمة البضع، وهو مهر المثل.
стр. 1970
*ومهر المثل معتبر بنسائها من قبل أبيها؛ لأنها من قوم الأب منسوبة إليهم، دون قوم الأم، ألا ترى أنها تشرف بشرف أبيها دون شرف أمها.
*قال: (ويعتبر بنسائها من أهل بلدها).
لأن ذلك تقويم للبضع، وتقويم الأشياء يقع في الموضع الذي يجب فيه البدل، كما في تقويم السلع المستهلكة.
مسألة: [وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول ولم يسم لها مهر]
(وإذا طلقها قبل الدخول، ولم يسم لها مهرا: فلها المتعة واجبة).
قال أحمد: لا متعة واجبة عند أصحابنا غير هذه، وهي مستحبة لكل مطلقة غيرها.
ولا خلاف بين الفقهاء أن المطلقة قبل الدخول إذا كان قد سمي لها في العقد: أنه لا متعة لها.
وقال مالك بن أن: لا متعة واجبة بحال، وهي مستحبة.
стр. 1971
وقال الشافعي: هي واجبة لكل مطلقة، إلا أن يسمى لها، وطلقت قبل الدخول.
*فأما الدلالة على وجوب المتعة لمن طلقت قبل الدخول والتسمية: فقول الله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾.
فدلت الآية على وجوب المتعة لمن كانت حاله ما وصفنا من وجهين:
أحدهما: قوله: ﴿ومتعوهن﴾: والأمر للوجوب حتى تقوم الدلالة على غيره.
والثاني: قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾، وها آكد ما يكون من ألفاظ الإيجاب.
ألا ترى أن الشهادات لا يقبل فيها الألفاظ المحتملة للمعاني، ولو شهد شاهدان على رجل بمال فقالا: نشهد أن له حقا عليه، وهو ألف درهم، كان الشهادة مقبولة في إثبات المال.
стр. 1972
ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾.
فإن قيل: لما خص المتقين والمحسنين بالذكر في إيجاب المتعة عليهم، دل على أنها غير واجبة، وأنها ندب؛ لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم.
قيل له: تخصيص المحسنين والمتقين: فإنما فيه إيجابها عليهما، فنحن نوجبها عليهما، ثم إذا وجبت على المحسنين والمتقين: وجبت على غيرهم، إذ لم يفرق واحد بينهم في وجوبها.
وأيضا: قوله: حقا على المتقين والمحسنين: يدل على الوجوب؛ لأنه جعل شرط كونه محسنا أو متقيا: إعطاء المتعة، وعليه أن يكون متقيا محسنا.
وهو كقوله تعالى فيما حكى عن مريم ﵍: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، يعني أن المتقي هو الذي يقبل الاستعاذة بالله تعالى.
وهو كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾، وهو هدى لغيرهم أيضا.
стр. 1973
ومن جهة النظر: إن البضع لا يخلو من بدل يجب عنه وإن ورد الطلاق قبل الدخول.
والدليل عليه: أنه إذا سمى لها مهرا، ثم طلقها قبل الدخول: استحقت نصف المسمى، فوجب أن لا يخلو من أن يسمى لها من بدل تستحقه عند الطلاق، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما يتعلق حكمه بالطلاق قبل الدخول: فوجب أن يكونا جميعا واجبين، وأما إذا دخل بها، فإنها قد استحقت مهر المثل، فلا يجتمع عليه وجوب مهر ومتعة.
والدليل على ذلك: على أنه إذا طلقها قبل الدخول، وقد سمى لها مهرا: أنها لا تستحق المتعة على الوجوب؛ لأنها قد استحقت شيئا من المهر، فكذلك إذا طلق.
فإن قيل: عموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾: يوجب المتعة لسائر المطلقات.
قيل له: يخصه ما ذكرنا من الدلالة.
مسألة: [موت أحد الزوجين قبل الدخول ولم يسم المهر]
قال: (وإن مات أحدهما قبل الدخول، ولم يسم لها مهرا: فلها مهر مثلها من نسائها).
وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود "أنه سئل عن ذلك فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان: لها مثل مهر نسائها، وذلك بعد أن ردهم شهرا.
فقام ناس من أشجع، منهم معقل بن يسار في بعض الأخبار، وفي
стр. 1974
بعضها: أبو سنان وأبو الجراح، فشهدوا أن رسول الله ﷺ قضى بذلك في امرأة منهم، يقال لها بروع بنت واشق.
فسر عبد الله بذلك سرورا شديدا، حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله ﷺ " رواه جماعة منهم علقمة ومسروق وعبد الله بن عتبة، والأسود بن يزيد في آخرين.
فإن قال قائل: هؤلاء الأشجعيون الرواة لهذا الخبر قوم مجهولون، لا تثبت بمثلهم حجة في إثبات الأحكام.
قيل له: كونهم مجهولين عندك لا يوجب رد خبرهم؛ لأن أخبار الآحاد مقبولة عندنا جميعا وإن وردت من جهة الأفراد الذين لم يرووا خبرا غيره، ولاسيما صحابة النبي ﷺ ؛ لأن الأصل فيهم الصحة والعدالة حتى يثبت غيرها.
ومع ذلك فإنا لا نعرف عدالة من لم نشاهده إلا بتحمل الثقات عنه، وقد قبل عبد الله خبر هؤلاء وسر به، إذ وافق قضاؤه قضاء رسول الله ﷺ .
وقد قبل مخالفنا من أخبار الأفراد ما يكثر ذكره وتعداده.
منها: ما روي أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب عليكم
стр. 1975
السعي فاسعوا"، وهو مما روته امرأة لم ترو غيره.
وخبر: "الرطب بالتمر". رواه أبو عياش، ولا يدرى من هو؟
وخبر: "إفراد الإقامة" يرويه أبو جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى، وهما جميعا مجهولان.
في أخبار من نحو ذلك، قد قبلها عن رواة مجهولين من التابعين وغيرهم، فكيف يرد خبر صحابيين قد شهدا عند عبد الله على النبي ﷺ فأقنعه خبرهم؟
стр. 1976
*ودليل آخر من طريق النظر: وهو أم مهر المثل لما كان واجبا بالعقد، وجب أن يؤكده الموت، كالمسمى لما وجب بالعقد، أكده الموت، ولم يسقط منه شيئا.
والدلالة على أن مهر المثل يستحق بالعقد من وجوه:
أحدهما: أن الزوج قد ملك البضع بالعقد لا محالة، وغير جائز استباحة البضع بغير بدل، فإذا
قد ملك عليه البدل من ملك، هو المبدل عنه.
وجهة أخرى: وهي أنهما لو ارتفعا إلى القاضي، لحكم لها بمهر المثل قبل الدخول، ولولا أنها
قد استحقته، ما حكم لها به، لأن القاضي لا يبتدئ إثبات شيء لم يستحق إثباته قبل حكمه.
وأيضا: فإن لها أن تمنعه نفسها حتى تستوفي مهر المثل، فلولا أنها قد استحقته، لما كان لها منع نفسها منه.
وأيضا: لو دخل بها لاستحقته استحقاقا صحيحا، فمعلوم أن الدخول تصرف في بضع ملك استباحة قبل ذلك، وتصرف الإنسان فيما يملكه لا يوجب عليه البدل.
ألا ترى أن قبض المشتري للمبيع، وتصرفه فيه لا يوجب عليه بدلا؛ لأنه تصرف في ملكه، وكذلك الدخول لا يوجب المهر في العقد الصحيح، فدل على أنها قد كانت استحقت المهر بالعقد، لا بالدخول.
وإذا ثبت ذلك: لم يختلف حكمه وحكم المسمى في باب استحقاقهما جميعا بالموت، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما مستحق بالعقد، فالموت فيهما بمنزلة الدخول.
فإن قال قائل: لو كان كذلك، لوجب أن لا يسقط مهر المثل بالطلاق
стр. 1977
قبل الدخول، وكان يجب أن يكون لها نصف مهر المثل، كما كون لها نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول، فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول يسقط جميع مهر المثل، ولم يسقط جميع المسمى، دل ذلك على أنهما مختلفان في تعلق وجوبهما بالعقد.
قيل له: لا فرق بينهما في باب سقوطهما بالطلاق قبل الدخول، وذلك لأن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع المهر، مسمى كان الواجب أو مهر المثل؛ لأن الطلاق قبل الدخول بمنزلة هلاك المبيع قبل القبض في إسقاط الثمن.
وإنما تجب المتعة إذا لم يكن مسمى حقا مبتدأ، وإذا كان هناك مسمى: سقط جميع المهر، ونصف المهر هو متعتها على وجه الابتداء، فأما ما وجب بالعقد، فقد سقط في الحالين، ثم تكون زيادة متعتها مقدرة بنصف المهر، وتارة غير مقدرة، والكلام في جهة اختلافهما ليس هو كلاما في أصل المسألة، وإنما هو كلام في كيفية المتعة في الحالين.
وقد روي هذا المعنى عن إبراهيم أنه قال في الذي طلق قبل الدخول، وقد سمى لها: أن لها نصف المهر، وذلك متعتها.
ويدل من جهة النظر أيضا: أن الموت بمنزلة الدخول في باب إيجاب العدة، فوجب أن يكون كالدخول في استحقاق كمال المهر، كالمسمى لها صار الموت فيه بمنزلة الدخول، لأجل ما وجب من العدة، فكان كذلك في استحقاق كمال المهر.
стр. 1978
مسألة: [المتعة للمطلقة قبل الدخول وقد فرض لها القاضي مهرا]
قال: (فإن تزوجها على غير مهر، ففرض لها القاضي مهر المثل، أو تراضيا به، ثم طلقها قبل الدخول: فلها المتعة، وبطل ما فرض لها).
وذلك لأن هذه التسمية لم تكن موجودة في العقد، فكانت بمنزلة مهر المثل، لما لم يكن مسمى في العقد، أسقطه ورود الطلاق قبل الدخول، كذلك ما سمي بعد العقد.
وأيضا: فإن المفروض بعد العقد هو تقدير لمهر المثل، لا على معنى البدل عنه، بل كأنه هو، ألا ترى أنه لو فرض لها دارا: لم يجب للشفيع فيها الشفعة، ولم تكن بمنزلة ما أخذ بدلا عن مهر المثل، فكان المسمى هو نفس مهر المثل، فلذلك سقط بالطلاق قبل الدخول.
وأيضا: فإن فرض القاضي أو تراضيا عليه: ليس هو ابتداء إيجاب، بل هو الذي كان واجبا بالعقد من غير تسمية.
وأيضا: فإن هذه التسمية ملحقة بالعقد، وقد بطل العقد، فيبطل ما أحلق به.
مسألة: [مقدار المتعة]
قال: (وأدنى المتعة درع، وخمار، وملحفة إلا أن يكون صداق مثل المرأة أقل من عشرة دراهم، فيكون لها خمسة دراهم).
قال أحمد: أما تقدير المتعة فموكول إلى اجتهادنا، وقدرها ثلاثة
стр. 1979
أثواب؛ لأنها أقل ما يسترها بين الناس.
فأما قوله: "فإن كان صداق مثلها أقل من عشرة دراهم، فيكون لها خمسة دراهم": فإن الأصل عندهم في ذلك أن المتعة، إن كانت أكثر من نصف مهر المثل: لم يزد على نصف مهر مثلها؛ لأن مهر المثل ليس بآكد ي الوجوب من المسمى، فإذا لم تستحق في المسمى أكثر من نصفه إذا ورد الطلاق قبل الدخول على مهر المثل، أحرى أن لا تستحق أكثر من نصفه.
فإذا كان مهر مثلها أقل من عشرة دراهم: أكمل لها خمسة دراهم؛ لأن العشرة مستحقة بالعقد لا محالة، إذ غير جائز استباحة البضع بأقل منها، فلا ينقص قبل الدخول من نصفها.
مسألة: [اختلاف الزوجين في قدر الصداق والنكاح قائم بينهما]
قال: (وإذا اختلف الزوجان في الصداق، والنكاح قائم بينهما، فإن أبا حنيفة ومحمدا قالا: القول قول المرأة إلى مهر مثلها، والقول قول الزوج فيما زاد.
وقال أبو يوسف: القول قول الزوج في المهر، طلق أو لم يطلق، إلا أن يأتي بشيء مستنكر، فلا يصدق).
لأن كل واحد منهما غير مصدق على صاحبه، ألا ترى المتبايعين إذا اختلفا في الثمن، كان اختلافهما فيه مانعا من صحة تسمية الثمن، ولذلك وجب فسخ البيع إذا تحالفا، فكذلك اختلافهما في المهر، إلا أن عقد النكاح إذا لم تكن فيه تسمية صحيحة، أوجب مهر المثل، فالظاهر أنها قد استحقت مهر المثل بالعقد، فالقول قول من يدعيه، لأن الظاهر معه، والآخر مدع بخلاف الظاهر.
стр. 1980
وأيضا: لما لم تصدق المرأة على الزيادة، كذلك لا يصدق الزوج على أن يستحق بضعها بما يقول من النقصان؛ لأن كل واحد منهما ليس بأولى بالتصديق من صاحبه، فإذا لم يصدق واحد منهما: أوجبنا مهر المثل، كأنه لم يسم شيئا.
وليس هذا بمنزلة اختلافهما في الجعل الذي وقع عليه الجعل، ولا كالعتق على مال، والصلح من دم العمد على مال إذا اختلفا فيه، فيكون القول قول من لزمه المال عندهم جميعا؛ لأن هذه العقود إذا عريت من التسمية: لم يجب بها شيء، وعقد النكاح إذا خلا من التسمية أوجب مهر المثل.
فإن قال قائل: فهلا كان اختلافهما في المهر بعد صحة العقد، كاختلاف البيع والمشتري في الثمن بعد هلاك السلعة، وذلك لأنه لا يلحقه الفسخ بالاختلاف، كما لا يلحق الهالك.
قيل له: البضع بمنزلة السلعة القائمة، لا المستهلكة، والدليل على ذلك: أن لها أن تمنع نفسها بالمهر، كما يمنع البيع السلعة لاستيفاء الثمن.
وأيضا: فإن البضع بحيث يجوز أن يؤخذ عنه بدل في رده إلى ملكها في الخلع، فكان بمنزلة السلعة القائمة التي يجوز أخذ البدل عنها، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا.
*وجعله أبو يوسف بمنزلة اختلاف البيع والمشتري في الثمن بعد هلاك السلعة، فكان القول قول المشتري في الثمن، كذلك النكاح.
وقد روى هشام عن أبي يوسف أن المشتري لا يصدق أيضا بعد هلاك المبيع على شيء مستنكر من الثمن، كما قال في النكاح.
стр. 1981
فصل: [اختلاف الزوجين في قدر المهر وقد طلقها قبل الدخول]
قال: (وإن طلقها قبل الدخول، فالقول قول الزوج في نصف المهر في قولهم جميعا).
وذلك لأن مهر المثل لا يثبت مع الطلاق قبل الدخول، فسقط اعتباره، وصارت المرأة مدعية للفضل، فالقول قول الزوج فيه كالخلع والعتق على مال.
ولما لم يكن هناك مال واجب في الظاهر بالعقد، كان القول قول من لزمه المال، وكلف الآخر البينة على الفضل، إذ ليس هناك ظاهر يرجع إليه، فحصلا مدعيا ومدعية عليه.
*قال: (والقول قول المرأة إلى متعة مثلها في هذا الحال، ولا يصدق عنها).
لأنها في الظاهر مستحقة بهذا العقد بالطلاق قبل الدخول، كما تستحق مهر المثل قبل الطلاق.
مسألة: [دخول الزوج بامرأته لا يكون إقرارا منها بقبض الصداق]
قال: (ولا يكون دخول الزوج بامرأته إقرارا منها بقبض الصداق).
وذلك لأن المهر قد ثبت في ذمة الزوج، ولا يبرأ منه، أو تقوم البينة على وقوع الاستيفاء والبراءة، والدليل على ذلك: أن قبض المشتري للسلعة لا يكون إقرارا من البيع بقبض الثمن.
стр. 1982
مسألة: [ادعاء ورثة المرأة الصداق وقد مات الزوجان]
قال: (وإذا مات الزوجان ثم ادعى ورثة المرأة الصداق، فإن أبا حنيفة لا يقضي بالمهر).
قال أحمد: المسألة مبنية على أن الأمر قد تقادم، حتى لم يبق من نسائها من يعتبر به مهر مثلها، وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀.
وإذا كان كذلك، واحتجنا إلى القضاء بمهر المثل، ولا سبيل إلى القضاء إلا من جهة نسائها، واعتبار مهورهن، فإذا لم يكن كذلك هناك منهن من يعتبر ذلك به: لم يمكن القضاء به، فلم يقض بشيء.
فإن قال قائل: هلا حكت بعشرة دراهم، إذ هي متيقنة، لأن عقد النكاح لا يخلو من إيجاب عشرة وإن خلا من التسمية.
قيل له: لا يجوز ذلك، وذلك لأن العشرة يختلف حكمها في ثبوتها من مهر المثل أو المسمى، ولا يجوز أن يحكم بها، أو يعلم من جهتها التي منها يثبت.
وأما إذا كان أحد الزوجين باقيا، فقد علمنا أن الأمر لم يتقادم، وأنه قد بقي من النساء من يعتبر به مهرها.
*وأما أبو يوسف ومحمد، فيوجبان لورثتها المهر وإن ماتا جميعا، وذلك لأنا قد تيقنا وجوب المهر، فيحكم لورثتها بالمقدار المتيقن.
مسألة:
قال: (ومن تزوج امرأة على أقل من عشرة دراهم: فلها عشرة دراهم).
стр. 1983
وذلك لأن العشرة لا يتبعض ثبوتها في العقد، فتسميته لبعضها تسمية لجميعها، كسائر الأشياء التي لا تتبعض، مثل الطلاق، والعفو من دم العمد، ونحوهما، إذا وقع بعضه وقع جميعه.
قال أحمد: وقال زفر: لها مهر المثل، وجعل تسمية ما دون العشرة، كلا تسمية؛ لأن مثله لا يكون مهرا، فصار كتسمية الخمر والخنزير.
والانفصال لأبي حنيفة عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن ما دون العشرة مما يصح أن يكون مهرا مع غيره، والخمر والخنزير لا يكونا مهرا للمسلمة بحال.
والوجه الآخر: أن تسميته لبعضها تسمية لجميعها، ولا فرق بين تسمية الخمسة والعشرة، كما لا فرق بين إيقاع نصف تطليقه، وإيقاع تطليقة كاملة.
مسألة:
قال: (والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج).
قال أحمد: وروي عن علي وابن عباس وشريح ومجاهد في آخرين، أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج.
وقال بعضهم: هو ولي البكر الذي يملك تزويجها، وهو قول مالك.
стр. 1984
والحجة للقول الأول: قول الله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾، وذلك يمنع جواز إبرائه لمالها.
وأيضا: قال الله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، فلا تجوز هبته لمهرها إلا برضاها.
وقال النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه".
واتفق الجميع على أن هبة الولي غير جائزة، كسائر مالها، فكذلك المهر.
وإذا صح ذلك، وجب أن يكون معنى الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾، محمولا على موافقة الأصول.
ولأن أقل أحوال هذا اللفظ أن يكون متشابها، وحكم المتشابه أن
стр. 1985
يرد إلى المحكم، ويحمل على معناه.
قال الله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، فجعل المحكم أما للمتشابه، كم حيث أوجب رده إليه، وحمله عليه، لأن أم الشيء ما منه ابتداؤه، وإليه مرجعه.
وعلى أن في لفظ الآية ما يدل على أن المراد به الزوج؛ لأنه قال: ﴿وإن تعفوا أقرب للتقوى﴾، والولي لا يستحق بعفوه عن مال الغير فضيلة ولا ثوابا.
قال: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، ولا يكون للولي متفضلا بهبة مالها.
وأيضا: فإن الولي ليس بيده عقدة النكاح، ولا كانت بيده أيضا فيما سلف، وذلك لأن قول القائل: بيد فلان كذا، يقتضي أن يكون واقعا حاصلا في يده، وهذه صفة الزوج دون الولي.
فإن قيل: فالزوج ليس بيده عقدة النكاح بعد الطلاق.
قيل له: قد كان بيده، فيجوز أن يكون المراد: الذي كان بيده، ولو حملناه على الولي، لم يصح بحال؛ لأنه ليست العقدة في يده، ولا كانت
стр. 1986
في يده قط، لأن عقدة النكاح بيد من ملك البضع، ويملك إبطاله، كما ملك عقده، والولي لا يملك شيئا من ذلك.
وأيضا: قوله: ﴿الذي بيده عقدة النكاح﴾: المراد به النكاح المتقدم، ودخول الألف واللام على النكاح يدل على أنه تعريف أراد به النكاح المتقدم، وهو الزوج، لا الولي.
وأيضا: قد أجاز عفوها في حال إجازة عفو الذي بيده عقدة النكاح، وإذا أجازها عفوها، لم يجز عفو غيرها عليها، لأنها غير مولى عليها.
فإن قيل: فما معنى عفو الزوج؟
قيل له: إن كان قد أعطاها المهر: فعفوه أن لا يأخذ منها، ويتركه لها، وإن لم يكن أعطاها: فعفوه إكمال الصداق لها، وقد سمى ذلك عفوا؛ لأن العفو هو الترك في مثل ذلك، كما قال النبي ﷺ : "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى".
وروي "أن جبير بن مطعم طلق امرأته ولم يمسها، وقد فرض لها صداقا، فأكمل لها الصداق، وقال: نحن أحق بالعفو"، فسمى إكمال الصداق لها عفوا.
مسألة:
قال: (وللمرأة أن تهب مهرها للزوج، دخل بها أو لم يدخل).
стр. 1987
لقول الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾.
وكما جازت هبتها في سائر مالها، جازت في مهرها.
مسألة:
قال: (ولأبي البكر قبض صداقها، ويبرأ الزوج).
قال أحمد: وهذا استحسان، وذلك لأنها لما كان من عادتها أنها تستحيي من المطالبة به، صار سكوتها فيه رضا بقبض الأب، كما كان سكوتها رضا بالنكاح؛ لأنها تستحيي أن تتكلم به.
قال: (وكذلك الجد بمنزلة الأب، وليس سائر الأولياء كذلك).
وذلك لأن سائر الأولياء لا يستحقون التصرف في المال بوجه، والأب والجد يستحقان التصرف في المال في حال الصغر، فبقيت ولا يتهما في التصرف بعد الكبر في قبض مهر البكر ما لم يتهما، لما وصفنا.
مسألة: [ظهور العيب في العبد المهر]
قال: (وإذا تزوجت المرأة على عبد، فوجدته معيبا، فإن كان عيبا فاحشا: ردته، وأخذت قيمته، وإن كان غير فاحش: لم ترده، ولم ترجع بشيء).
وذلك لأن العيب إذا كان فاحشا، فقد علمنا أنه يستدرك بالرد حقا، وهو تمام قيمته صحيحا.
стр. 1988
وإنما رجع بالقيمة بعد الرد؛ لأن العقد لم ينفسخ بالرد، بل هو قائم، فوجب تسليم العبد لما وصفنا، مثل العبد المغصوب، والمقبوض عن عقد فاسد، أن القبض الموجب لضمان القيمة لما كان قائما، لم يكن فوت العين مسقطا لضمان القيمة.
وأما إذا كان عيبا غير فاحش: فإنها لا ترجع بشيء؛ لأن هذا القدر مما يدخل بين تقويم المقومين، فلا يعلم أنها تستدرك بالرد حقا، فكذلك لم يكن لها الرد إذا كانت العين أعدل من القيمة.
*وإنما لم يكن لها أن تمسك العبد، وترجع بنقصان العيب إذا كان العيب فاحشا؛ لأن الأتباع لا تضمن بالعقود، وتضمن بالقبوض؛ لأنها لا يصح إقرارها بالعقد، وقد يصح إقرارها بالقبض.
مسألة: [ظهور حرية العبد المهر]
(ولو تزوجها على عبد بعينه، فوجدته حرا، ففي قول أبي حنيفة ومحمد: لها مهر مثلها).
وذلك لأنه لا حظ للتسمية مع التعيين، والدليل على ذلك: أنه لو قال: تزوجتك على هذا الكلب، أو على هذا الحمار، وأشار إلى عبد بعينه: يصح العقد عليه، ولم تكن تسميته إياه بالكلب والحمار مانعة من صحة العقد عليه، وصار بمنزلة قوله: تزوجتك على هذا العبد.
وقد قالوا جميعا: لو قال لها: تزوجتك على هذا الخمر، فإذا هو خل: أن العقد جائز على الخل، ولم يكن للتسمية حكم، فكذلك إذا كانت العين المشار إليها مما لا يصح دخوله تحت العقد بحال، لم تصح تسميته، ووجب لها مر المثل، كأن قال: تزوجتك على هذا الحر.
стр. 1989
*وقال أبو يوسف: لها قيمته لو كان عبدا؛ لأنه لما لم يصح دخول العين تحت العقد، وكان عقد النكاح مما يصح على عبد بغير نفسه، صار كأنه قال: قد تزوجتك على عبد مثل ها الحر.
مسألة: [لو استحق العبد المهر]
قال: (ولو استحق، ولم يكن حرا: فلها القيمة في قولهم جميعا).
من قبل أن ورود الاستحقاق لا يمنع دخوله تحت العقد، ألا ترى أن المالك لو أجازه: جاز، فلما صح العبد تسمية، ثم تعذر التسليم بالاستحقاق: وجبت القيمة، مثل موته في يد الزوج.
قال أحمد: ولو تزوجها على هذا الدن الخل، فإذا هو خمر، وعلى هذه الشاة المذبوحة، فإذا هي ميتة: كان الجواب فيه كهو في الحر في قول أبي حنيفة.
وفي قول أبي يوسف: لها مثل الدن خلا، ولها قيمة شاة مذبوحة.
وأما محمد: فإنه فرق بين الخمر وبين الشاة والحر، فقال: إذا وجد الجن خمرا: فلها دن خل، وإذا وجد العبد حرا، أو الشاة ميتة: فلها مهر المثل.
وأصله في ذلك: أن المشار إليه إذا كان من جنس المسمى، أسقط اعتبار التسمية، واعتبر العين، فإذا كانت العين مما لا يصح دخوله تحت العقد، أوجب مهر المثل، والحر من جنس العبد، وكذلك الميتة من جنس الذكية، وإنما اختلاف الحر والعبد والذكية من طريق
стр. 1990
الحكم، لا لاختلافهما في أنفسهما، وإذا كان كذلك اعتبر العين، وألغيت التسمية، كأنه قال: تزوجتك على هذا الحر، وهذه الميتة.
وأما إذا كان المشار إليه من غير جنس المسمى: فإنه يلغي العين، إذ لم يصح دخولها تحت العقد، ويعتبر التسمية، مثل الخمر والخل، لأن الخمر من غير جنس الخل، فعلق الحكم المسمى، وأغلى حكم العين، وصار أنه قال: تزوجتك على هذا الدن خلا.
مسألة: [جواز كون المهر وصيفا]
قال: (وإذا تزوج المرأة على وصيف: فهو جائز، ولها الوسط من ذلك).
قال أحمد: الأصل في ذلك أن عقد النكاح جائز على مهر المثل، فهي تسمية صحيحة، وما كان جهالته أكثر من جهالة مهر المثل، فمهر المثل أولى منه؛ لأن الذي أجيز من الجهالة فيه، وإنما هو مقدار جهالة مهر المثل، فما كان فوق ذلك من الجهالة فهي منتفية.
وهذا الضرب من الجهالة جائز في كل عقد لا يمنع فساد البدل من وقوعه، نحو العتق، والطلاق، ودم العمد، لأن هذه الأشياء ليست بمال، ولا حقا في مال، وفساد البدل لا يمنع صحة وقوعه، فجاز من أجل ذلك هذا الضرب من الجهالة فيه.
وقد يمكن أن يرد ذلك إلى أصل قد ثبتت صحته، وهو النكاح، لما كان فساد البدل فيه غير قادح في صحته، جاز على مهر المثل، فقسنا عليه كل ما كان في معناه.
стр. 1991
وإن شئت جعلت وجوب دية الخطأ، وهو مجهولة أيضا للصلح من دم العمد، والخلع، والنكاح، والعتق، وجمعت بينهما بالعلة التي ذكرنا، وهي أن فساد البدل لا يمنع صحة وقوعه؛ لأنه لو صالحه من دم العمد على خمر أو خنزير، لصح العفو، وكذلك العتق والطلاق والنكاح.
فإذا صح هذا الأصل، قلنا: إن عقد النكاح جائز على وصيف؛ لأنه أقل جهالة من مهر المثل، لأن الواجب لها الوسط من ذلك، والوسط منه أقل جهالة من مهر المثل؛ لأن تقويم الأموال جهالة أيسر من تقويم الأبضاع.
والأصل في إيجاب الوسط منه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة نكحت بغير أذن مواليها، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها مهر مثل نسائها، لا وكس ولا شطط".
"وقضى ﵊ لبروع بنت واشق، وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها، أن لا مهر مثل نسائها، لا وكس ولا شطط".
فأوجب الوسط من ذلك، فلذلك قلنا في الوصيف إذا أطلق، أن لها الوسط منه.
*قال: (وقيمة الوصيف الأبيض خمسون دينارا في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد، على قدر الغلاء والرخص).
قال أحمد: ليس هذا الذي ذكره اختلافا بينهم، قولهم جميعا في ذلك واحد، ولكن أبا حنيفة أجاب بما كانت عليه قيمة الوصيف في وقته،
стр. 1992
ولم يقل لا يجوز غيرها إن زادت القيمة أو نقصت، وأجاب أبو يوسف ومحمد عن الواجب منه في سائر الأوقات.
مسألة: [زواج المسلم امرأة على خمر أو خنزير]
قال: (ومن تزوج وهو مسلم امرأة على خمر أو خنزير، فالنكاح جائز، ولها مهر المثل).
وإنما جاز النكاح؛ لأن عدم البدل لا يقدح في عقد النكاح، ففساده أحرى أن لا يقدح فيه.
وأيضا: النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة، لأن كل عقد يصح على بدل مجهول: لا يفسده الشرط؛ لأن الشرط الفاسد ليس بأكثر غررا من جهالة البدل.
ووجب مهر المثل؛ لأن عقد المسلم لا يصح على الخمر بحال، فلم تثبت تسمية، إذ لم بدخل تحت العقد، ألا ترى أنه لا يجوز أن تلحقه إجازة.
مسألة: [لو تزوج امرأتين على مهر معين]
(ومن تزوج امرأتين على ألف درهم: قسم على مهر مثلهما).
وذلك لأنه جعل الألف بدلا من بضعيهما، فوجب أن يقسم على قيمتهما، وهو مهر المثل، كما لو اشترى عبدين بألف درهم: قسم الثمن على قيمتهما.
مسألة: [إذا اختلف مهر السر والعلانية: أخذ بمهر السر]
قال: (ومن تزوج امرأة على صداق في السر، وأسمع في العلانية أكثر منه، وانفقا على ذلك: فالمهر مهر السر، وما أظهراه في العلانية فهو
стр. 1993
كذب ليس بتسمية، فإن اختلفا: أخذ بالعلانية).
لأنا لا نعلم ما كان في السر.
مسألة: [لو تصرفت المرأة في المهر باستغلال ونحوه]
قال: (وإذا أغل العبد المهر عند المرأة، ثم طلقها قبل الدخول: فله نصف العبد، والغلة كلها للمرأة).
لما روي عن النبي ﷺ "أنه قضى فيمن اشترى عبدا، فأغل عبده، ثم وجد به عيبا أنه يرده، وتكون الغلة له الضمان".
[مسألة:]
قال: (ولو نقص العبد عندها قبل الطلاق، ثم طلقها: فهو بالخيار، إن شاء أخذ نصفه ناقصا، ولا شيء له غيره، وإن شاء ضمنها نصف قيمته يوم القبض).
وذلك لأنها قد لزمها رد نصفه إليه صحيحا كما قبضت، كما يلزم الزوج تسليمه إليها كما اقتضاه العقد من الصحة، فإذا نقص: فللزوج أن
стр. 1994
يعدل إلى القيمة، ليستوفي القيمة التي استحق ردها إليه، وليس له أن يضمنها النقصان ويأخذ نصف العبد، من قبل أن النقصان حدث ولا حق فيه لأحد، فلم يكن مضمونا.
[مسألة:]
قال: (ولو أحدثت في الدار المهر بناء، ثم طلقها قبل الدخول: لم يكن له سبيل على الدار).
وذلك لأنها بنت ولا حق لأحد فيها، فليس للزوج أن ينقضه، ولا يمكنه أخذ نصف الدار دون البناء؛ لأن فيه إيجاب نقض البناء، وقد بينا أنه لا سبيل له إلى نقضه، ولا يمكنه أخذها مع البناء؛ لأنه ملكها، فلما تعذر الرد من جميع الوجوه: ضمنت القيمة.
وأيضا: فالبناء مع الأصل بمنزلة الولد.
*ولو كان المهر جارية، فولدت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول: كان له نصف قيمتها لا غير، وكان حدوث الولد مانعا من فسخ العقد في الأصل، كذلك البناء.
مسألة: [زيادة الأمة الجارية المهر]
قال: (وإذا زادت الجارية في بدنها في يد المرأة، ثم طلقها قبل الدخول: فلا سبيل على الجارية، ويأخذ نصف قيمتها يوم قبضت، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف).
وذلك لأن هذه الزيادة حادثة في ضمان المرأة، في حال لم يكن لأحد فيها حق، فصارت كالولد، ومنعت الرجوع في الأصل.
ولم يفرق أبو حنيفة بين الزيادة المتصلة والمنفصلة؛ إذ كل واحدة
стр. 1995
منهما حادثة في ضمان المرأة وملكها، من غير حق لأحد فيها.
وأما محمد فإنه فرق بين الزيادة المتصلة والمنفصلة، فقال في الزيادة المنفصلة: إنها تمنع الرجوع في الأصل، كما قال أبو حنيفة.
وقال في الزيادة المتصلة: إنها لا تمنعه؛ لأن المتصلة تابعة للأصل، لا حكم لها في نفسها، والمنفصلة منفرة بحكمها بعد مباينتها للأصل، ألا ترى أنها لو زادت في بدنها عند الزوج، ثم قبضها، ثم ارتفعت الزيادة، ثم طلق قبل الدخول: أنه يأخذ نصفها لا غير، ولو كانت ولدت في يده، ثم قبضها، فهلك الولد، ثم طلقها: أنه يضمنها نصف قيمة الولد، فاختلف حكم الزيادة المتصلة والمنفصلة.
والولد الحادث في يدها يقطع حق الزوج في أخذها بالطلاق قبل الدخول، من قبل أن الولد غير داخل في العقد، وهو مع ذلك موجب بالعقد، على ما بينا في الرد بالعيب في أبواب البيوع.
مسألة: [طلاق المرأة قبل الدخول وقد سلمها العبد المهر]
قال: (ومن تزوج امرأة على عبد، وسلمه إليها، فقبضته منه، ثم طلقها قبل الدخول: فإن نصف العبد في يدها على حكم ملك فاسد، حتى تسلمه إلى الزوج، أو يقضي به القاضي له).
وذلك لأن العقد الموجب كان للملك بدءا، وقد ارتفع بالطلاق، فوجب فسخ الملك في المهر، ولم ينفسخ ملكها بنفس الطلاق، من قبل أن التسليط الذي به صح لها الملك قائم مع القبض، والتسليط عن العقد متى اتصل به القبض: أوجب الملك مع فساد العقد، كالمقبوض عن بيع
стр. 1996
فاسد، لما اتصل القبض بتسليط عن عقد، وقع به الملك مع فساد العقد، وكذلك ما وصفنا، لما كان التسليط الواقع عن العقد بدءا مع القبض، فإنما وجب أن يكون الملك باقيا حتى ينفسخ.
مسألة: [للمرأة منع نفسها حتى تستوفي مهرها العاجل]
قال: (ومن تزوج امرأة على صداق عاجل: فلها أن تمنعه نفسها حتى يوفيها جميع الصداق).
كما للبيع منع المبيع حتى يستوفي الثمن، إذ كان المهر بدل البضع، كالثمن بدل المبيع.
* (وإن دخل بها برضاها: فلها أن تمنعه نفسها أيضا حتى يوفيها المهر في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن دخل بها برضاها: فليس لها أن تمنعه نفسها بعد ذلك).
وجه قول أبي حنيفة: أن المهر بدل عن كل وطء يقع في النكاح، ولا يجوز أن يقال إنه بدل عن بعض ما يقع من الوطء فيه دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك، لكان مستبيحا للوطء الثاني بغير بدل، وهذا فاسد، فلما كان المهر بدلا عن الوطء الثاني، كهو الوطء الأول، وكان لها أن تمنعه الوطء الأول بالمهر، كذلك الثاني.
وليس كالمبيع إذا رضي البيع بتسليمه إلى المشتري قبل قبض الثمن، فلا يكون له بعد ذلك حبسه، ولا أخذه من يد المشتري، من قبل أن المبيع ليس له إلا تسليم واحد، والنكاح تستحق به عن كل وطء يقع فيه.
ويفارق الإجارة أيضا، من قبل أنه لا يستحق الأجر إلا بعد التسليم واستيفاء جميع المنافع.
стр. 1997
ويدل على صحة ما ذكرنا أن المهر بدل عن كل وطء يقع في النكاح: أنه لو دخل بها وهي مكرهة، كان لها أن تمنعه وطأ آخر حتى تستوفي المهر، فدل على أن المهر بدل عن الوطء الثاني كهو عن الأول.
مسألة:
قال: (وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها).
لقول الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾، وظاهر هذا اللفظ يقتضي جواز الزيادة والنقصان.
وأيضا: فإنهما يملكان العقد، فجاز أن يزيدا فيه، كما جاز أن يتساهلا فيه بدءا في حال وقوعه إذ كانا مالكين للعقد.
والدليل على أنهما مالكان للعقد قبل وقوعه: أنه جائز للزوج أن يعاوضها على البضع، فيأخذ منها بدله بالخلع.
مسألة: [بطلان الزيادة على المهر بالطلاق قبل الدخول]
قال: (فإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة).
وذلك لأنها تلحقه بالعقد، والعقد قد بطل، فبطل ما ألحق به.
ولأن هذه الزيادة لم تكن مسماة بالعقد، وكل ما لم يكن مسمى في العقد، فإن ورود الطلاق قبل الدخول يبطله.
والدليل على ذلك: أنه لو تزوجها على غير مهر: وجب لها مهر المثل، ويسقطه الطلاق قبل الدخول إذا لم يكن مسمى في العقد.
стр. 1998
مسألة: [بطلان الزيادة في المهر إن كان مما يثبت في الذمة]
قال: (ومن تزوج امرأة على دنانير أو دراهم بأعيانها: كان له أن يعطيها غيرها، وكذلك الفلوس النافقة، فأما ما سوى ذلك إذا عقد عليه بعينه: فليس له أن يعطيها غيره).
وذلك لأن هذه الأصناف الثلاثة لما كانت أثمان الأشياء، وصح العقد عليها في البيوع على الإطلاق من غير ذكر صفة، دل على أن العقد يقتضي ثبوتها في الذمة، وتعيينها يمنع ثبوتها في الذمة، وقد بينا أن ثبوتها في الذمة من موجب العقد، فلا ينتفي موجبه مع وجوده، فلذلك ثبتت في الذمة مع التعيين، وإذا ثبتت في الذمة امتنع وقوع الملك في العين بالعقد؛ لأنه لا يجوز أن يستحق ملك العين، وما في الذمة.
وأما ما سوى هذه الأصناف التي ذكرنا، فإنه لا يصح فيه عقود البياعات وإثباته في الذمة إلا مضبوطا بصفة، فعمل التعيين في استحقاق عينه، إذ ليس يقتضي العقد ثبوته في الذمة.
فإن قال قائل: إنما جاز عقد البيع على دراهم في الذمة على الإطلاق، لجريان العادة فيها بنقد معلوم، فصار جريان العادة فيه بمنزلة اللفظ، وما سواها لم يجر من الناس به عادة في شيء موصوف معلوم، فعمل بإطلاق اللفظ عليه.
قيل له: فلهذه العلة بعينها اختلف حكمها، وحكم غيرها من سائر العروض، إذ جاز أن تكون من الناس عادة تقتضي إثبات الدراهم والدنانير والفلوس في الذمة على الإطلاق، ولم يجر منهم عادة في
стр. 1999
غيرها، وقد بينا هذه المسألة في غير هذا الموضع.
مسألة: [طلاق المرأة قبل الدخول وقد وهبته مهرها]
قال: (وإذا وهبت المرأة المهر للزوج قبل القبض، ثم طلقها قبل الدخول: فلا شيء له عليها).
لأن الذي كان يستحقه الزوج بالطلاق قد رجع إليه بعقد لا يوجب ضمانا عليه، وهو عقد الهبة؛ لأن عقد الهبة لا يوجب ضمانا على الواهب.
ولو قبضته، ثم وهبته له، ثم طلق فبل الدخول: فإن كان مما لم يكن يستحق الزوج عينه بالطلاق: فعليها فيه ضمان نصف المهر، وما كان يستحقه الزوج بعينه: فلا ضمان عليها فيه.
فالدراهم والدنانير والمكيل والموزون إذا عقد عليها في الذمة، ثم سلمها إليها، ثم طلق قبل الدخول: فإن الزوج لا يستحق عينها، وإنما يستحق الزوج عليها نصفها في الذمة، كما استحقتها هي على الزوج بالعقد في الذمة، فلا تسقط عنها الهبة ضمان ما يستحقه الزوج في ذمتها.
وأما الثياب والعبيد ونحوها، فإن الزوج كان يستحق نصفها بعينه في الطلاق قبل الدخول، وقد رجعت إليه بعقد لا يوجب ضمانا عليها، فلذلك لم تضمنها.
مسألة: [من تزوج امرأة على مهر تقدره هي أو هو]
قال: (وإذا تزوج المرأة على حكمه أو على حكمها: فهو بمنزلة من لم يسم مهرا).
وذلك لأن جهالته أكثر من جهالة مهر المثل، وكان مهر المثل أعدل منه.
стр. 2000
مسألة: [لا نفقة على الزوج للصغيرة]
قال: (ولا نفقة على الزوج للصغيرة التي لا يدخل بمثلها).
لأن النفقة إنما تستحق بتسليمها نفسها في بيت زوجها، بدلالة أن الناشز لا نفقة لها، لعدم التسليم، والصغيرة لا يصح منها التسليم.
مسألة: [وجوب النفقة على الزوج الصغير للمرأة الكبيرة]
(ولو كان الزوج صغيرا والمرأة كبيرة: فلها النفقة إذا انتقلت إلى بيته).
لأن التسليم في بيت الزوج قد صح من جهتها، والله أعلم.
следующие страницы →