← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فاسد، لما اتصل القبض بتسليط عن عقد، وقع به الملك مع فساد العقد، وكذلك ما وصفنا، لما كان التسليط الواقع عن العقد بدءا مع القبض، فإنما وجب أن يكون الملك باقيا حتى ينفسخ. مسألة: [للمرأة منع نفسها حتى تستوفي مهرها العاجل] قال: (ومن تزوج امرأة على صداق عاجل: فلها أن تمنعه نفسها حتى يوفيها جميع الصداق). كما للبيع منع المبيع حتى يستوفي الثمن، إذ كان المهر بدل البضع، كالثمن بدل المبيع. * (وإن دخل بها برضاها: فلها أن تمنعه نفسها أيضا حتى يوفيها المهر في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إن دخل بها برضاها: فليس لها أن تمنعه نفسها بعد ذلك). وجه قول أبي حنيفة: أن المهر بدل عن كل وطء يقع في النكاح، ولا يجوز أن يقال إنه بدل عن بعض ما يقع من الوطء فيه دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك، لكان مستبيحا للوطء الثاني بغير بدل، وهذا فاسد، فلما كان المهر بدلا عن الوطء الثاني، كهو الوطء الأول، وكان لها أن تمنعه الوطء الأول بالمهر، كذلك الثاني. وليس كالمبيع إذا رضي البيع بتسليمه إلى المشتري قبل قبض الثمن، فلا يكون له بعد ذلك حبسه، ولا أخذه من يد المشتري، من قبل أن المبيع ليس له إلا تسليم واحد، والنكاح تستحق به عن كل وطء يقع فيه. ويفارق الإجارة أيضا، من قبل أنه لا يستحق الأجر إلا بعد التسليم واستيفاء جميع المنافع.

стр. 1997

ويدل على صحة ما ذكرنا أن المهر بدل عن كل وطء يقع في النكاح: أنه لو دخل بها وهي مكرهة، كان لها أن تمنعه وطأ آخر حتى تستوفي المهر، فدل على أن المهر بدل عن الوطء الثاني كهو عن الأول. مسألة: قال: (وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها). لقول الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾، وظاهر هذا اللفظ يقتضي جواز الزيادة والنقصان. وأيضا: فإنهما يملكان العقد، فجاز أن يزيدا فيه، كما جاز أن يتساهلا فيه بدءا في حال وقوعه إذ كانا مالكين للعقد. والدليل على أنهما مالكان للعقد قبل وقوعه: أنه جائز للزوج أن يعاوضها على البضع، فيأخذ منها بدله بالخلع. مسألة: [بطلان الزيادة على المهر بالطلاق قبل الدخول] قال: (فإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة). وذلك لأنها تلحقه بالعقد، والعقد قد بطل، فبطل ما ألحق به. ولأن هذه الزيادة لم تكن مسماة بالعقد، وكل ما لم يكن مسمى في العقد، فإن ورود الطلاق قبل الدخول يبطله. والدليل على ذلك: أنه لو تزوجها على غير مهر: وجب لها مهر المثل، ويسقطه الطلاق قبل الدخول إذا لم يكن مسمى في العقد.

стр. 1998

مسألة: [بطلان الزيادة في المهر إن كان مما يثبت في الذمة] قال: (ومن تزوج امرأة على دنانير أو دراهم بأعيانها: كان له أن يعطيها غيرها، وكذلك الفلوس النافقة، فأما ما سوى ذلك إذا عقد عليه بعينه: فليس له أن يعطيها غيره). وذلك لأن هذه الأصناف الثلاثة لما كانت أثمان الأشياء، وصح العقد عليها في البيوع على الإطلاق من غير ذكر صفة، دل على أن العقد يقتضي ثبوتها في الذمة، وتعيينها يمنع ثبوتها في الذمة، وقد بينا أن ثبوتها في الذمة من موجب العقد، فلا ينتفي موجبه مع وجوده، فلذلك ثبتت في الذمة مع التعيين، وإذا ثبتت في الذمة امتنع وقوع الملك في العين بالعقد؛ لأنه لا يجوز أن يستحق ملك العين، وما في الذمة. وأما ما سوى هذه الأصناف التي ذكرنا، فإنه لا يصح فيه عقود البياعات وإثباته في الذمة إلا مضبوطا بصفة، فعمل التعيين في استحقاق عينه، إذ ليس يقتضي العقد ثبوته في الذمة. فإن قال قائل: إنما جاز عقد البيع على دراهم في الذمة على الإطلاق، لجريان العادة فيها بنقد معلوم، فصار جريان العادة فيه بمنزلة اللفظ، وما سواها لم يجر من الناس به عادة في شيء موصوف معلوم، فعمل بإطلاق اللفظ عليه. قيل له: فلهذه العلة بعينها اختلف حكمها، وحكم غيرها من سائر العروض، إذ جاز أن تكون من الناس عادة تقتضي إثبات الدراهم والدنانير والفلوس في الذمة على الإطلاق، ولم يجر منهم عادة في

стр. 1999

غيرها، وقد بينا هذه المسألة في غير هذا الموضع. مسألة: [طلاق المرأة قبل الدخول وقد وهبته مهرها] قال: (وإذا وهبت المرأة المهر للزوج قبل القبض، ثم طلقها قبل الدخول: فلا شيء له عليها). لأن الذي كان يستحقه الزوج بالطلاق قد رجع إليه بعقد لا يوجب ضمانا عليه، وهو عقد الهبة؛ لأن عقد الهبة لا يوجب ضمانا على الواهب. ولو قبضته، ثم وهبته له، ثم طلق فبل الدخول: فإن كان مما لم يكن يستحق الزوج عينه بالطلاق: فعليها فيه ضمان نصف المهر، وما كان يستحقه الزوج بعينه: فلا ضمان عليها فيه. فالدراهم والدنانير والمكيل والموزون إذا عقد عليها في الذمة، ثم سلمها إليها، ثم طلق قبل الدخول: فإن الزوج لا يستحق عينها، وإنما يستحق الزوج عليها نصفها في الذمة، كما استحقتها هي على الزوج بالعقد في الذمة، فلا تسقط عنها الهبة ضمان ما يستحقه الزوج في ذمتها. وأما الثياب والعبيد ونحوها، فإن الزوج كان يستحق نصفها بعينه في الطلاق قبل الدخول، وقد رجعت إليه بعقد لا يوجب ضمانا عليها، فلذلك لم تضمنها. مسألة: [من تزوج امرأة على مهر تقدره هي أو هو] قال: (وإذا تزوج المرأة على حكمه أو على حكمها: فهو بمنزلة من لم يسم مهرا). وذلك لأن جهالته أكثر من جهالة مهر المثل، وكان مهر المثل أعدل منه.

стр. 2000

مسألة: [لا نفقة على الزوج للصغيرة] قال: (ولا نفقة على الزوج للصغيرة التي لا يدخل بمثلها). لأن النفقة إنما تستحق بتسليمها نفسها في بيت زوجها، بدلالة أن الناشز لا نفقة لها، لعدم التسليم، والصغيرة لا يصح منها التسليم. مسألة: [وجوب النفقة على الزوج الصغير للمرأة الكبيرة] (ولو كان الزوج صغيرا والمرأة كبيرة: فلها النفقة إذا انتقلت إلى بيته). لأن التسليم في بيت الزوج قد صح من جهتها، والله أعلم.

стр. 2001

باب الوليمة وعشرة النساء مسألة: [حكم إجابة الدعوة إلى وليمة العرس] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي التخلف عن إجابة الدعوة إلى وليمة العرس). وذلك لما روى مالك عن نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها". وروى مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء، ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله". وروى أبان بن طارق عن نافع قال: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "من دعي فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله".

стр. 2002

[مسألة: عدم لزوم الأكل في الوليمة:] قال أبو جعفر: (ومن أجاب إليها، فقد فعل ما عليه، أكل أو لم يأكل). لما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليدع". مسألة: [حكم حضور الدعوة التي فيها لهو] قال: (وإن أجاب إليها فرأى هناك لهوا: لم يكن عليه أن ينصرف عنها لذلك). وذلك أن إجابة الدعوة سنة، فلا ينبغي أن يتركها لباطل هؤلاء. وقد روي أن الحسن وابن سيرين كانا في جنازة، وهناك نوح، فانصرف ابن سيرين، فقيل ذلك للحسن، فقال: إن كنا متى رأينا باطلا، تركنا حقا، أسرع ذلك في دينا".

стр. 2003

مسألة: [نثار العروس] (ولا بأس بنثار العروس، وليس بنهبة، إنما النهبة ما انتهبه بغير طيب أنفس أهله). وذلك لما روى حماد بن زيد عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة قال: "شهدت رسول الله ﷺ ، وقد دعي إلى وليمة رجل من الأنصار، فأجاب، وكان خاطبهم، فلما فرغ من خطبته قال: دففوا على رأس صاحبكم، فضرب بالدف على رأسه، ثم أتوا بنهب، فأنهب عليه، ونظرت إلى رسول الله ﷺ يزحم الناس، ويحثو ذلك النهب. فقلت: يا رسول الله! أو ما نهيتنا عن النهبة؟ قال: نهيتكم عن نهبة العساكر". وروى ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل نحو هذه القصة: ونثر على الرجل فاكهة وسكر، وكف الناس أيديهم. فقال رسول الله ﷺ : "ما لكم لا تنتهبون؟

стр. 2004

قالوا: يا رسول الله! ألم تنهنا عن النهبة؟ فقال: إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، وأما العرسات فلا". مسألة: [العدل بين الزوجات في القسم] قال: (وإذا كان للرجل زوجتان حرتان: فعليه أن يعدل بينهما في القسم). لقول الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾، يعني في محبة القلب، ثم قال: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾، يعني بأن تظهروا ذلك بالفعل. وروي أن النبي ﷺ كان يعدل بين نسائه في القسم، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني يما تملك ولا

стр. 2005

أملك"، يعني ميل القلب. وقال النبي ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقه مائل". مسألة: [قسم الأمة مع الحرة] قال: (وإن كانت إحداهما أمة: فلها مثل نصف قسم الحرة). وذلك لما روى الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: "تنكح الحرة على الأمة، وللحرة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث".

стр. 2006

وروي نحوه عن علي كرم الله وجهه. وأيضا: فإن القسم حق مقدر من حقوق النكاح، فللأمة منه نصف ما للحرة، كما أن عدتها على النصف من عدة الحرة. مسألة: [قسم المرأة الواحدة] قال أبو جعفر: (وإن كانت له زوجة واحدة، فطالبته بالقسم: فلها يوم وليلة، ثم ينصرف في أمر نفسه ثلاثة أيام وثلاث ليال). وذلك لما روي "أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر كعب بن سور أن يقضي في ذلك، فقضى بأن لها يوما من أربعة أيام، قسم واحد من أربع، فاستحسن عمر قضاءه، وولاه قضاء البصرة". *قال أبو جعفر: (وإن كانت زوجته أمة، لا زوجة له غيرها: فلها يوم من سبعة أيام). لأن له أن يتزوج ثلاث حرائر، لكل واحدة يومان، فذلك ستة، ولها يوم واحد. [مسألة:] (والكافرة والمسلمة في القسم سواء)؛ لأنهما لا يختلفان في حقوق النكاح.

стр. 2007

مسألة: [إباحة زوجة قسمها لغيرها] قال: (ومن أباحته منهن قسمها، وجعله لسائر أزواجه سواها أو لبعضهن: كان ذلك على ما جعلت عليه). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا﴾، فإنها نزلت في مثل ذلك. "وسألت سودة بنت زمعة النبي ﷺ وقد كان طلقها أن يراجعها، ويجعل يومها لعائشة ﵂، ففعل ذلك". مسألة: [البكر والثيب والجديدة والعتيقة في القسم سواء] قال: (ومن نزوج بكرا أو ثيبا، فإنه إن أقام عندها وقتا: أقام عند غيرها مثل ذلك، لا يفضلها في ذلك على واحدة منهن). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل﴾.

стр. 2008

وقال النبي ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقه مائل". فلم تفرق الآية، ولا السنة بين المحدثة والقديمة. وأيضا: "قال النبي ﷺ لأم سلمة حين بنى عليها: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وسبعت لهن، وإن شئت ثلثت، ودرت". فأخبر أنه إذا سبع لها: سبع لهن، ولو كانت مستحقة لشيء من القسم دونهن لاستثنى لها مقدار ما تستحقه، وأوجب الزيادة للباقيات منهن. ولو كانت مستحقة إذا كانت ثيبا أن يخصها بثلاث، ثم سبع لها، لا تسقط منها الثلاث التي تستحقها، وبقي لكل واحدة أربع، فلما سوى بينها وبينهن في السبع، دل على أنهن في الثلاث سواء أيضا، وأنها ليست تخص بقسم دون الباقيات. فإن قيل: قوله: "وإن شئت ثلثت لك، ودرت": يدل على أنها مستحقة الثلاث. قيل له: هي مستحقة الثلاث على شرط أن يقسم للباقية ثلاثا أيضا، كما قال في السبع.

стр. 2009

مسألة: قال: (وله أن يسافر ببعض نسائه دون بعض). قال أحمد: وذلك لأنه ليس لهن حق القسم في السفر، ألا ترى أنه له أن يسافر دونهن. وأيضا: "روت عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها: أخرجها". *قال: (والأحسن أن يقرع بينهن). وذلك لما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها أخرجها". وأيضا: فإذا أخرجها بغير قرعة، كان فيه إظهار الميل إلى بعضهن دون بعض، وهو منهي عنه. مسألة: [حكم العزل] قال: (وليس للرجل أن يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، وإن كانت أمة: فالإذن في العزل إلى المولى). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال: حدثنا حميد بن عثمان قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن المحرر بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن العزل

стр. 2010

عن الحرة إلا بإذنها". وأيضا: قال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾، قيل في التفسير: يعني من الولد. وأيضا: فإن الولد يكون لها إذا كانت حرة، فليس له أن يمنعها حقها من الولد. *وأما الزوجة الأمة، فالإذن في العزل إلى مولاها؛ لأنه هو المستحق للولد دونها. *قال: (وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: أن الإذن في العزل عن الزوجة الأمة إليها دون مولاها كالحرة، وإذا كانت أمته بملك اليمين: فله أن يعزل عنها). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال: حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا زهير عن أبي الزبير عن جابر قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي جارية وهي خادمتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحبل. فقال: اعزل عنها إن شئت، فسيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل، ثم

стр. 2011

أتاه، فقال: قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها". مسألة: [حكم من تزوج حرة وأمة في عقدة واحدة] قال: (ومن تزوج حرة وأمة في عقدة واحدة، جاز نكاح الحرة، وبطل نكاح الأمة). قال أحمد: وذلك أنه إذا جمعهما في عقدة واحدة، صارت كل واحدة منهما منكوحة على الأخرى. فقلنا على هذا في مسألتنا: إن الأمة منكوحة على الحرة، فلا يصح نكاحها؛ لأن من كان تحته حرة: لم يجز أن يتزوج عليها أمة، والحرة أيضا منكوحة على الأمة، ويجوز نكاحها؛ لأن من كان تحته أمة جاز أن يتزوج عليها حرة. مسألة: [حكم الزواج من أمة في عدة حرة منه] قال أبو جعفر: (ومن تزوج أمة في عدة حرة منه من طلاق بائن: لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة، وجاز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد). وجه قول أبي حنيفة: أن العدة تمنع من الجمع ما يمنعه نفس النكاح، والدليل على ذلك: أن حال العدة بمنزلة حال النكاح في منع نكاح أختها؛ لأن تحريمها من طريق الجمع، كذلك في نكاح الأمة؛ لأن نكاحها محرم مع الحرة من طريق الجمع.

стр. 2012

فإن قيل: إنما يمنع من نكاح الأمة على الحرة؛ لأنه أدخل عليها في القسم من لا يساويها فيه، وهذا المعنى غير موجود بعد البينونة. قيل له: فهو لو تزوجهما معا لم يجز نكاح الأمة وإن لم يكن هناك للحرة قسم، فدل ذلك على أن تحريم جمع الأمة إلى الحرة غير مقصور على ما ذكرت في المعنى، وأنه قد يجوز تحريم جمعها إليها بمعنى سواه. *وذهب أبو يوسف ومحمد إلى منع تزويج الأمة على الحرة، لأجل إدخال الضرر عليها في القسم بمن لا يساويها فيه، وذلك غير موجود بعد بينونة الحرة. مسألة: قال أحمد: وإنما جاز تزويج الأمة، مع وجود الطول إلى الحرة لقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، إلى قوله: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾، وهذه الآية تنتظم الدلالة على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: عموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. والثاني: قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، فاقتضى اللفظ التخيير بين تزويج الأمة والحرة؛ لأن ابتداء الخطاب وارد في جواز عقد النكاح، وهو

стр. 2013

قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وهو مضمر في قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾، فكأنه فال: فاعقدوا عقد النكاح إن شئتم على حرة أو أمة؛ لأن قوله: ﴿أو ملكت أيمانكم﴾: لا يقوم بنفسه في إيجاب الحكم، إذ لا يصح ابتداء الخطاب به، فلا محالة هو مضمر فيما تقدم ذكره من عقد النكاح. فإن قيل: ما ذكرت يحتمل أن يكون المراد التخيير بين تزويج الحرة، أو وطء ملك اليمين. قيل له: ليس في الآية ذكر الوطء، وإنما فيها ذكر العقد، فلا يجوز إضمار ما ليس بمذكور فيها، لأن كل مضمر فلا بد له من مظهر قد تقدم ذكره. فإن قيل: لما كان معلوما امتناع جواز عقده على ملك يمينه لنفسه، لاستحالة استباحة الوطء بملك يمينه والنكاح معا، علمنا أن الوطء مضمر في الآية. قيل له: لما أضاف ملك اليمين إلى الجماعة، كان المراد: أن يتزوج ملك يمين غيره، كما قال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾، والمراد أن ينكح بعضنا ملك يمين البعض. ودليل آخر: وهو قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا

стр. 2014

بأموالكم﴾، ولم يفرق بين الأمة والحرة، ولا بين حال الطول وغيرها. ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾، فضمنت الآية الندب إلى نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول إلى الحرة المشركة؛ لأنه لا يصح أن يقال: وتزويج أمة مؤمنة خير من تزويج مشركة حرة، وهو غير قادر على تزويج المشركة. فلما كان ذلك كذلك، أفادت التخيير بين الأمة المؤمنة والحرة المشركة، ومعلوم أن واجد الطول إلى الحرة المشركة، فهو واجد إلى الحرة المسلمة؛ لأن وجود الطول إنما هو وجود المهر الذي يتزوج عليه، والمشركة والمسلمة لا يختلفان في مقادير المهر، فدلت الآية على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة. فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾، فأباح نكاح الأمة عند عدم الطول إلى الحرة، فدل على حظر نكاحها إلى وجود الطول إلى الحرة. قيل له: ليس في الآية حظر شيء، وإنما فيها إباحة معقودة بالشرط المذكور، ولم يحظر بها ما عدا المذكور؛ لأن المخصوص بالذكر لا يدل

стр. 2015

على أن ما عداه فحكمه بخلافه، فكيف تخص به الإباحة العامة التي في سائر الآية التي ذكرنا؟ وأيضا: قال: ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾، ولو وجد الطول إلى المشركة الحرة، لما جاز له عند خصمنا تزويج أمة مسلمة، ولم يكن تخصيصه المحصنات المؤمنات بالذكر دليلا على مخالفة حكم ما عداهن. وأيضا: لو كان هذا الشرط موجبا لحظر ما عداه، لم تدل الآية على موضع الخلاف بيننا، من قبل أنا نحمل لفظها على الحقيقة وهو الوطء، فكأنه قال: ومن لم يصل إلى وطء حرة، لأنها ليست زوجته، فليتزوج الإماء، وكذلك نقول: إذا كانت تحته حرة: لم يجز له أن يتزوج عليها أمة. فإن قيل: لم نمنع الإطعام مع إمكان الصيام، لقوله: ﴿فمن لم يستطيع﴾ فحسب، وإنما منعناه لأنه أوجب بدءا الصيام، وظاهر ذلك يمنع العدول عنه إلا على الشرط المذكور فيه، وليس معناه منع العقد على الأمة مع وجود الطول إلى الحرة. *ومن جهة النظر: لما اتفق الجميع على جواز نكاح الأمر عند عدم الطول إلى الحرة، وكان المعنى هو أنه غير مالك لفراش حرة، وهو

стр. 2016

موجود في حال وجود الطول إلى الحرة: وجب أن يجوز تزويجها. مسألة: [تزوج الأمة الكتابية] قال أحمد: ولا يختلف عندنا حكم الأمة الكتابية والمسلمة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وهو عموم في جواز نكاح الجميع. وقال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾، ولم يفرق بين الكتابية والمسلمة. وقال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾، وعمومه يقتضي جواز الجميع. وأيضا: قال الله تعالى: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، والأمة تسمى محصنة إذا كانت عفيفة، ومتى حصلت لها صفة من صفات الإحصان: استحقت اسم إطلاق الإحصان عليها، فجاز العقد عليها بعموم الآية. ألا ترى أن قوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾، قد تناول الحرائر والإماء، كذلك قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: يتناول الصنفين.

стр. 2017

فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾، وهو عموم في حظر الجميع، ثم قال: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، والمراد به الحرائر؛ لأن اسم الإحصان يتناول الحرة. قيل له: وقوع اسم الإحصان على الحرة، لا ينفي أن يكون غيرها إحصانا. قال الله تعالى في شأن الإماء: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، فسماها محصنة مع الرق، فإذا كان كذلك، دخلت في حكم الآية متى تناولها اسم الإحصان بحال. وأيضا: قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾: لا يتناول إطلاقه الكتابيات؛ لأن المشرك اسم واقع في الشرع على عبدة الأوثان، ولا يتناول أهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾. وقال: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾، ففرق بين الفريقين في اللفظ، فدل على أن كل واحد من اللفظين يختص عند

стр. 2018

الإطلاق بضرب دون غيره، وإن كان الجميع مشركين في الحقيقة وكفارا، كما اختص المنافقون باسم النفاق وإن كانوا مشركين، ولا يتناولهم مع ذلك إطلاق لفظ المشركين. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، فدل على أن جواز النكاح منهن مقصور عليهن. قيل له: قد بينا أن تخصيصه المؤمنات غير دال على حظر غيرهن في المسألة التي قبلها، بتخيير نكاح المؤمنات منهن بهذه الآية، وتخيير نكاح الكتابيات بالآيات الأخر. *ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على جواز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، كما جاز وطء الأمة المسلمة، فدل على أن دينها لا يحظر نكاحها؛ لأن حظر النكاح إذا كان من طريق الدين: منع الوطء، كما يمنع النكاح، ألا ترى أن الأمة المجوسية والوثنية لما لم يجز عقد النكاح عليهما، لم يجز وطؤهما بملك اليمين، فدل وطؤهما بملك اليمين على جواز عقد النكاح عليهما، كالأمة المسلمة. فإن قيل: قد يجوز له الوطء بملك اليمين من غير عدد، ولا يجوز عقد النكاح إلا على أربع. قيل له: إنما يختلفان في باب العدد فحسب، فأما في سائر الأحكام فلا.

стр. 2019

ولذا قال علي وعمار بن ياسر ﵄: "ما حرم الله من الحرائر شيئا إلا حرم من الإماء مثله، إلا رجل يجمعهن". ومن منع نكاح الأمة الكتابية فإنما منعه من جهة دينها، وقد بينا أن دينها من حيث لم يمنع الوطء، وجب أن لا يمنع النكاح كالمسلمة سواء. مسألة: [الخلع] قال أبو جعفر: (ومن وقع بينه وبين زوجته شقاق: فله أن يطلقها على جعل يأخذه منها، بعد أن لا يتجاوز به ما أعطاها، وإن كان النشوز من قبله: لم ينبغ له أن يأخذ منها شيئا، وجاز في القضاء إن فعل ذلك. وكذلك إن كان النشوز من قبلها، فأعطته أكثر مما أخذت: كره ذلك، وجاز في القضاء). قال أحمد: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. فاقتضى ظاهر الآية جواز خلعها عند الخوف أن لا يقيما حدود الله على الكثير والقليل، إلا أن الدلالة قد قامت على أن النشوز إذا كان من قبله: كره له أخذ شيء منها، وهو قول الله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال

стр. 2020

زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾. فمنع أخذ شيء منها إذا كان النشوز من قبله، وهو أن يريد استبدال زوج مكانها. ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن﴾، فدل ذلك على أن قوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾: المراد منه: حال كون النشوز من قبلها. ثم يكره له مع ذلك أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، لما روى سعيد بن أبي عروة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعبت على ثابت بن قيس في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا. فقال لها النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداده". وروى ابن جبير عن عطاء عن ابن عباس "أن رجلا وامرأة اختصما

стр. 2021

إلى رسول الله ﷺ فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وأزيده، قال: أما الزيادة فلا". فمنعه النبي ﷺ أخذ الزيادة مع كون النشوز من قبلها، فعلمنا أن مراد الآية في قوله: ﴿فيما افتدت به﴾: ما بينه وبين ما أعطاها من المهر. *وإنما جازت الزيادة في القضاء، وجاز جعلها وإن كان النشوز من قبله في الخلع، من قبل أن النهي عن أخذ الجعل في كونه ناشزا، وعن أخذه الزيادة إذا كانت هي الناشزة، لم يتناول معنى في نفس العقد، وإنما يتناول معنى في غيره، فلا يمنع صحة وقوعه. ألا ترى أنه لو كان تزوجها بدءا على هذا القدر: جاز له أن يأخذ منها، فعلمنا أن النهي إنما تناوله؛ لأنه لم يعطها ذلك، لا لمعنى في نفس العقد، فصار كالبيع عند أذان الجمعة، وكتلقي الجلب، وبيع الحاضر للبادي. مسألة: [ليس للحكمين في الشقاق التفريق إلا بالتفويض] قال: (وليس للحكمين في الشقاق أن يفرقا إلا أن يجعل ذلك إليهما الزوجان). قال أحمد: وروي عن علي ﵁ مثل ذلك.

стр. 2022

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾: أن ما حكم به الحكمان جاز على الزوجين. والقول الأول أصح، وذلك لأنهما وكيلان، ولا يجوز تصرف الوكيل إلا في ما جعل إليه، ووكل به، فإذا لم يوكلا بالفرقة والخلع: لم يجز لهما فعل ذلك. مسألة: قال أبو جعفر: (والخلع تطليقة بائنة). وذلك لأنه مختص بالنكاح، موجب بإيجاب الزوج، لا بمعنى في العقد، ولا يوجب تحريما مؤبدا، وهذه صفة الطلاق. قال أحمد: وقال ابن عباس: ليس بطلاق، وهو فسخ، فإن الله تعالى أدخله بين طلاقين، ثم حكم بصحة الثالثة بعده بقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾.

стр. 2023

قال أحمد: وهذا غير دال على ما قال؛ لأنه قال: ﴿الطلاق مرتان﴾، بين به حكم التطليقتين على غير وجه الخلع، قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ على التطليقتين، ثم قال: ﴿فإن طلقها﴾ وهي الثالثة، فلا دلالة فيه على جواز خلع بعد التطليقتين قبل تطليقة ثالثة. ويدل على صحة قولنا: أن الخلع كناية عن الطلاق، كالخلية، والبرية، وهو من جهة الزوج، فهو طلاق؛ لأنه لو لم يكن طلاقا لما وقعت به فرقة، لأن كل لفظ قصد به الفرقة، وليس بكناية عن الطلاق: أنه لا يقع به طلاق، نحو قوله: اسق ماء. وأيضا: لم يختلفوا أن الخلع إذا أريد به الطلاق كان طلاقا، فعلمنا أن الفرقة قد تعلقت من حيث كان طلاقا.

стр. 2024

مسألة: [عدة الخلع كعدة الطلاق] قال أبو جعفر: (والعدة في الخلع، كهي في الطلاق). لقول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، ولم يفرق بين الخلع وغيره. وقد روي عن عثمان بن عفان أن المختلعة تعتد بحيضة واحدة. قال أحمد: ولما ثبت أن ما على المختلعة من ذلك يمنعها التزوج، دل على أنها عدة، وليست باستبراء، فكانت كسائر العدد الواجبة عن الفرقة الواقعة في حال الحياة. *قال: (وللمرأة فيه النفقة والسكنى كسائر المطلقات). مسألة: [أثر الخلع في الحقوق التي بين الزوجين] قال: (وإن كان لواحد من الزوجين على صاحبه حق بسبب النكاح الذي كان بينهما، من صداق أو نفقة: فالخلع براءة منه في قول أبي حنيفة). قال أحمد: هي ثلاث مسائل: الخلع، والمبارأة، والطلاق على مال. ولا خلاف بينهم أنه إذا قال: قد طلقتك على ألف درهم: أنه لا يبرأ من سائر الحقوق التي كانت وجبت لها بسبب النكاح. وأما المبارأة: فإن أبا حنيفة وأبا يوسف اتفقا أنه توجب البراءة من

стр. 2025

سائر الحقوق الواجبة بينهما بسبب النكاح. وأما الخلع على مال: فإن أبا حنيفة أوجب به البراءة، ولم يوجبها أبو يوسف، وجعله بمنزلة الطلاق على مال. وأما محمد: فإنه لا يوجب البراءة من شيء، وإنما يتناول ما وقع عليه من التسمية في عقد الخلع، والمبارأة كالطلاق على المال المتفق عليه. فأما وجه قول أبي حنيفة: فهو أن المبارأة تقتضي وقوع البراءة من كل واحد منهما لصاحبه فيما يتعلق بالنكاح من الحقوق؛ لأن المبارأة وقوع البراءة لكل واحد منهما، فهي شاملة لجميع الحقوق الواجبة بالنكاح. وإذا ثبت ذلك في المبارأة، جعل أبو حنيفة الخلع كهي؛ لأن لفظ الخلع تضمن البراءة هكذا بموضوعه، لأنه مأخوذ من: خلع الشيء من الشيء. ويدل عليه قول النبي ﵊: "من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"، يعني أنه قد برئ منه. ويقال: خلع الخليفة: إذا برئ من الخلافة، وخرج منها، ولا جائز

стр. 2026

أن يكون مخلوعا، وقد بقي له شيء من أحكامه، فدل على أن لفظ الخلع يتضمن البراءة. وأما أبو يوسف فقال: المبارأة لفظ موضوع للبراءة، ولا يعقل به غيرها، فأوجبنا البراءة، والخلع بمنزلة الطلاق على مال. وأما محمد: فجعلهما جميعا كالطلاق على المال. * * * * *

стр. 2027

كتاب الطلاق مسألة: [طلاق المكره] قال أبو جعفر: (وطلاق المكره لازم له، كطلاق من ليس بمكره). قال أحمد: قد تكلمنا في هذه المسألة في غير هذا الموضع من هذا الكتاب من جهة الأثر والنظر، ولكني أحببت أن لا أخلي هذا الموضع من ذكر شيء من طريق الظاهر والأثر مما لم يوجد هناك. وقد روي نحو قولنا عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والنخعي ﵃. * وقال ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وطاوس ﵃: لا يجوز طلاقه. * وقال الشعبي: إن أكرهه السلطان: فهو جائز، وإن أكرهه لص: فلا شيء.

стр. 2028

فأما الدليل على صحة قولنا من جهة الظاهر: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾، وعمومه يوجب وقوع طلاق المكره وغيره، إذ ليس في اللفظ دلالة على الفرق بينهما. فإن قال قائل: دل على أن المكره مطلق. قيل له: لا يمتنع أحد أن يقول: طلق مكرهًا، و: أكره على الطلاق، وإذا تناوله الاسم: لزم حكمه بعموم الآية. ويدل على صحة قولنا من الأثر: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا الغازي بن جبلة الجيلاني عن صفوان بن عمران الطائي "أن رجلًا كان نائمًا مع امرأته، فأخذت سكينًا، فجلست على صدره، ووضعت السكين على حلقه، وقالت: طلقني ثلاثة ألبتة، أو لأذبحنك، فناشدها الله، فأبت عليه، فطلقها ثلاثًا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا قيلولة في الطلاق".

стр. 2029

وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا مطير قال: حدثنا حسين بن يوسف التميمي قال: حدثنا محمد بن مروان عن عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله". ويدل عليه: حديث عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة". فسوى ﵊ بين حكم الجاد والهازل، مع اختلافهما في كون أحدهما قاصدًا لإيقاع حكم اللفظ، والآخر غير قاصد له، فدل ذلك على أن كل مكلف وجد إيقاع الطلاق في لفظه، فحكمه لازم له، وأن لا تأثير لعدم إرادته في ارتفاع حكم لفظه. * واحتج مخالفنا في ذلك بحديث عائشة ﵂ عن النبي

стр. 2030

صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق في إغلاق". وبما روي عن ابن عباس وأبي الدرداء وثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". وفي بعض الألفاظ: "عفا لكم عن ثلاث". وفي بعضها: "رفع عن أمتي". قالوا: فعموم هذه الألفاظ ينفي وقوع طلاق المكره. قال أبو بكر: أما قوله ﵊: "لا طلاق في إغلاق": فلا دلالة فيه على حكم طلاق المكره؛ لأن المكره غير مغلق عليه، وإنما المعني فيه المجنون؛ لأنه مغلق عليه في التصرف من سائر الوجوه. وهو مأخوذ من: أغلق عليه بابه، ومنع من التصرف من سائر الوجوه،

стр. 2031

وهذا هو صفة المجنون. فأما المكره فتصرفه جائز في سائر ما يتصرف فيه في غير ما أكره عليه، فلا يقال: إنه مغلق عليه، كما لا يقال لمن أغلق عليه أحد أبواب البيت، وهو يمكنه الخروج من سائر الأبواب: إنه مغلق عليه ممنوع من الخروج. وأما قوله ﵊: "تجاوز الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه": فإنه غير صحيح عند أهل النقل. حدثنا أبو الحسين عبد الرحمن بن سيما المحسن قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن حديث رواه شيخ عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه، وعن الخطأ، والنسيان". وعن الوليد عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله. فقال: إن هذا كذب وباطل، ليس يروى إلا عن الحسن عن النبي ﷺ . ومخالفونا لا يقبلون المراسيل، فسقط احتجاجهم به.

стр. 2032

وعلى أنه لو ثبت الحديث وصح، لما دل على نفي طلاق المكره، وذلك لأن قوله ﵊: "رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه"، و"تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا عليه"، "وعفا لأمتي عن ذلك". لو استعمل على حقيقته: اقتضى نفي وقوع الفعل المكره عليه، ومعلوم وقوع الفعل بالمشاهدة والعيان، وأن ما صح وقوعه لا يصح رفعه؛ لأنه لا يصح أن يرفع المفعول حتى يصير غيره مفعولًا؛ لأن ذلك محال. فإذا كان كذلك، وكان مقتضى اللفظ رفع الفعل الواقع على الإكراه، وقد علم أنه لم يرده، ثبت أن هناك إضمارًا إياه أراد النبي ﷺ ، فاحتجنا إلى دلالة في إثبات المراد من وجهين: أحدهما: أن المضمر ليس بعموم، فيحتج فيه بظاهر اللفظ، إذ هو غير ملفوظ به، والعموم والخصوص إنما يكونان في الألفاظ. والثاني: أن اللفظ قد حصل مجازًا، والمجاز لا يجوز استعماله إلا في موضع يقوم الدليل عليه. وأيضًا: فإذا ثبت أن في اللفظ ضميرًا، والضمير يجوز أن يكون للحكم، ويجوز أن يكون للمأثم، لم يكن لأحد صرفه إلى أحد الوجهين دون الآخر إلا بدلالة من غيره.

стр. 2033

ولا يجوز أن يقال فيه: إنه قد عنى الأمرين؛ لأن ذلك مما يسوغ فيما كان ملفوظًا به، فيستعمل فيه عموم اللفظ، فأما ما لم يكن ملفوظًا به: فلا يصح ذلك فيه. وعلى أن قوله ﵊: "تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا عليه": لا يجوز استعماله في رفع الحكم؛ لأن هذا اللفظ إنما يستعمل في رفع المأثم، كقولك: غفر الله لفلان، وعفا الله عن فلان: بمعنى نفي حكم المأثم. ويدل على أن المراد رفع المأثم: أن الناسي والمخطئ بالطلاق يلزمهما طلاقهما. وقوله ﵊: "تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان": لم ينف طلاقهما، وكذلك المكره. ودل ذلك على أن المراد رفع المأثم، كما قال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾: يعني في المأثم، لا في حكم الفعل؛ لأن الله تعالى قد ألزمه حكم فعله إذا قتل خطأ.

стр. 2034

مسألة: [طلاق الصبي والمجنون] قال أبو جعفر: (وطلاق الصبي والمجنون باطل). قال أبو بكر: يروى ذلك عن ابن عباس والحسن وابن سيرين ﵃. وقد روي عن النبي ﷺ : "أن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، وقد تقدم ذكر سنده. وروي عن علي بن أبي طالب نحو ذلك من قوله. * وروي عن ابن عمر ﵄ أن طلاق الصبي جائز؛ لأن الله تعالى لم يستثنه. * وقال سعيد بن المسيب: إذا كان الصبي يعقل الصلاة: جاز طلاقه. والأصل فيه: قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن

стр. 2035

الصبي حتى يحتلم". وهذا الظاهر ينفي وقوع طلاقه؛ لأن رفع القلم يقتضي رفع الحكم عنه، فلا تحرم عليه امرأته بطلاقه إياها. وأيضًا: لم يختلفوا في النائم أن طلاقه لا يجوز، وكذلك الصبي، والمجنون، لاستوائهم في زوال التكليف عنهم. فإن قيل: فقد يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضرب عليها إذا بلغ عشرًا. قيل له: إنما يؤمرون بها للاعتبار، لا على وجه التكليف. مسألة: [طلاق السكران] قال أبو جعفر: (وطلاق السكران جائز).
следующие страницы →