Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
وهذا هو صفة المجنون.
فأما المكره فتصرفه جائز في سائر ما يتصرف فيه في غير ما أكره عليه، فلا يقال: إنه مغلق عليه، كما لا يقال لمن أغلق عليه أحد أبواب البيت، وهو يمكنه الخروج من سائر الأبواب: إنه مغلق عليه ممنوع من الخروج.
وأما قوله ﵊: "تجاوز الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه": فإنه غير صحيح عند أهل النقل.
حدثنا أبو الحسين عبد الرحمن بن سيما المحسن قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن حديث رواه شيخ عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما استكرهوا عليه، وعن الخطأ، والنسيان".
وعن الوليد عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله.
فقال: إن هذا كذب وباطل، ليس يروى إلا عن الحسن عن النبي ﷺ .
ومخالفونا لا يقبلون المراسيل، فسقط احتجاجهم به.
стр. 2032
وعلى أنه لو ثبت الحديث وصح، لما دل على نفي طلاق المكره، وذلك لأن قوله ﵊: "رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه"، و"تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا عليه"، "وعفا لأمتي عن ذلك".
لو استعمل على حقيقته: اقتضى نفي وقوع الفعل المكره عليه، ومعلوم وقوع الفعل بالمشاهدة والعيان، وأن ما صح وقوعه لا يصح رفعه؛ لأنه لا يصح أن يرفع المفعول حتى يصير غيره مفعولًا؛ لأن ذلك محال.
فإذا كان كذلك، وكان مقتضى اللفظ رفع الفعل الواقع على الإكراه، وقد علم أنه لم يرده، ثبت أن هناك إضمارًا إياه أراد النبي ﷺ ، فاحتجنا إلى دلالة في إثبات المراد من وجهين:
أحدهما: أن المضمر ليس بعموم، فيحتج فيه بظاهر اللفظ، إذ هو غير ملفوظ به، والعموم والخصوص إنما يكونان في الألفاظ.
والثاني: أن اللفظ قد حصل مجازًا، والمجاز لا يجوز استعماله إلا في موضع يقوم الدليل عليه.
وأيضًا: فإذا ثبت أن في اللفظ ضميرًا، والضمير يجوز أن يكون للحكم، ويجوز أن يكون للمأثم، لم يكن لأحد صرفه إلى أحد الوجهين دون الآخر إلا بدلالة من غيره.
стр. 2033
ولا يجوز أن يقال فيه: إنه قد عنى الأمرين؛ لأن ذلك مما يسوغ فيما كان ملفوظًا به، فيستعمل فيه عموم اللفظ، فأما ما لم يكن ملفوظًا به: فلا يصح ذلك فيه.
وعلى أن قوله ﵊: "تجاوز الله لأمتي عما استكرهوا عليه": لا يجوز استعماله في رفع الحكم؛ لأن هذا اللفظ إنما يستعمل في رفع المأثم، كقولك: غفر الله لفلان، وعفا الله عن فلان: بمعنى نفي حكم المأثم.
ويدل على أن المراد رفع المأثم: أن الناسي والمخطئ بالطلاق يلزمهما طلاقهما.
وقوله ﵊: "تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان": لم ينف طلاقهما، وكذلك المكره.
ودل ذلك على أن المراد رفع المأثم، كما قال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾: يعني في المأثم، لا في حكم الفعل؛ لأن الله تعالى قد ألزمه حكم فعله إذا قتل خطأ.
стр. 2034
مسألة: [طلاق الصبي والمجنون]
قال أبو جعفر: (وطلاق الصبي والمجنون باطل).
قال أبو بكر: يروى ذلك عن ابن عباس والحسن وابن سيرين ﵃.
وقد روي عن النبي ﷺ : "أن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه"، وقد تقدم ذكر سنده.
وروي عن علي بن أبي طالب نحو ذلك من قوله.
* وروي عن ابن عمر ﵄ أن طلاق الصبي جائز؛ لأن الله تعالى لم يستثنه.
* وقال سعيد بن المسيب: إذا كان الصبي يعقل الصلاة: جاز طلاقه.
والأصل فيه: قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن
стр. 2035
الصبي حتى يحتلم".
وهذا الظاهر ينفي وقوع طلاقه؛ لأن رفع القلم يقتضي رفع الحكم عنه، فلا تحرم عليه امرأته بطلاقه إياها.
وأيضًا: لم يختلفوا في النائم أن طلاقه لا يجوز، وكذلك الصبي، والمجنون، لاستوائهم في زوال التكليف عنهم.
فإن قيل: فقد يؤمر الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضرب عليها إذا بلغ عشرًا.
قيل له: إنما يؤمرون بها للاعتبار، لا على وجه التكليف.
مسألة: [طلاق السكران]
قال أبو جعفر: (وطلاق السكران جائز).
стр. 2036
قال أحمد: يروى ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وابن عباس، وسليمان بن يسار، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعامر، وإبراهيم، والضحاك، ومجاهد، والزهري رحمة الله عليهم.
وروي عن علي بن أبي طالب قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه".
فهذا يدل على أنه يرى طلاق السكران جائزًا.
ويروى عن عثمان، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وعكرمة، والقاسم بن محمد: أنه لا يجوز طلاق السكران.
والدليل على صحة قولنا من جهة الظاهر: قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾.
وهو عام في السكران وغيره.
стр. 2037
ومن جهة السنة: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قيلولة في الطلاق"، وقد تقدم ذكر سنده.
وقوله ﵊: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه".
وقوله ﵊: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد": يدل على ذلك أيضًا؛ لأنه ﵊ سوى بين الجاد والهازل، مع وجود الإرادة من أحدهما في إيقاع حكم اللفظ، وعدمها من الآخر، مع كونهما من أهل التكليف، وهذا المعنى موجود في السكران.
ويدل عليه: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه استشار الصحابة في حد الخمر، فقال علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف ﵄: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى وجب عليه الحد ثمانون".
وكان ذلك بحضرة الصحابة ﵃ من غير نكير من أحد منهم.
فاقتضى ذلك وجود الاتفاق منهم على وجوب الحد عليه بالقذف، فإذا لزمه الحد الذي من شأنه أن يسقط بالشبهة في حال سكره، فالطلاق الذي لا تسقطه الشبهة أحرى أن يلزمه.
وأيضًا: يلزمه الحد بنفس السكر، كما يلزم الزاني الحد بالزنى،
стр. 2038
والسارق بالسرقة، فإذا لزمه حد السكر في حال سكره، فالطلاق أحرى أن يلزمه.
فإن قال قائل: هو كالمجنون والمغمى عليه والنائم، لعلة فقد العقل.
قيل له: فقد العقل لم يسقط عنه الحد، فكذلك لا يسقط حكم طلاقه، والنائم، والمجنون، والمغمى عليه، لا يلزمهم حد في هذه الأحوال، ولا يتعلق عليهم حكم التكليف بحال، ولذلك فارقوا السكران.
قال أبو بكر: وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يخالف أصحابنا في هذه المسألة، ويذهب إلى أن طلاق السكران لا يقع، وأنه بمنزلة المجنون، والنائم؛ لأنهم متفقون جميعًا أنه لو شرب دواء، فذهب منه عقله أو أغمي عليه منه: أنه لا يقع طلاقه، وكذلك السكران من الشرب.
ولا ينبغي أن يختلف حكمه لأجل كونه عاصيًا في شرب ما يوجب السكر، غير عاص في تناوله الدواء لمصلحة البدن؛ لأنهم لا يفرقون بين من أكره على شرب الشراب الموجب للسكر، وبين شربه مختارًا لشربه من غير إكراه في باب وقوع طلاقه، فعلمنا أن الحظر والإباحة لا تأثير لهما في ذلك.
مسألة: [طلاق السنة]
قال: (وطلاق السنة لمن تحيض، ودخل بها: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، واحدة).
стр. 2039
وذلك لقول الله : ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
"وطلق ابن عمر ﵄ امرأته وهي حائض، فسأل عمر ﵁ النبي ﷺ عن ذلك، فقال ﵊: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها، فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء".
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها"، تركت ذكر أسانيده خوف الإطالة.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا شعيب بن رزيق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر "أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرءين الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق
стр. 2040
لكل قرء، فأمرني رسول الله ﷺ مراجعتها، وقال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك، أو أمسك.
فقلت: يا رسول الله! أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثًا، أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، فتكون معصية".
وقد انتظم هذا الخبر معاني:
منها: أن الطلاق في الحيض لغير السنة.
وأنه واقع كونه لغير السنة؛ لأنه ﵊ أمره بمراجعتها، ولو لم يكن واقعًا، لما احتاج إلى رجعة.
وأن من السنة فيمن طلق للحيض: أن يراجع حتى يبتدئ الطلاق للسنة.
وأن الرجعة تصح بغير شهادة؛ لأنه ﵊ أمره بالرجعة، ولم يأمره بالإشهاد.
وأن من السنة طلاقها في الطهر قبل الجماع؛ لأنه ﵊ قال: "والسنة أن تستقبل الطهر": يعني في أول الطهر قبل الجماع.
стр. 2041
وأن الثلاث قد تكون للسنة إذا فرقها في الأقراء؛ لقوله ﵊: "فطلق لكل قرء".
وأن من السنة تفريقها؛ لأنه ﵊ قال: "فطلق لكل قرء".
وأنه إذا طلق ثلاثًا في طهر واحد: كان طلاقه واقعًا؛ لأنه قال: "أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين".
وأن جمع الثلاث معصية؛ لقوله ﵊: "فتكون معصية".
* ووجه الأمر بالمراجعة: أنه لما أوقع طلاقًا منهيًا عنه، والعدة موجبة عنه، أمره ﵊ بإبطال العدة بالرجعة، إذ أمكنه إبطالها، ولم يكن إبطال الطلاق ليبتدئ طلاقًا مسنونًا، فيكون ابتداء العدة على الوجه المسنون.
* ووجه أمره ﵊ بالطلاق في الطهر قبل الجماع، ليعلم أنه مطلق حائلًا دون حامل، وإذا جامعها لا يدري لعلها قد حملت، فلا يدري ما طلاقها، أطلاق الحامل أم الحائل؟
وأيضًا: فعسى أن لا يريد طلاقها بعد الحبل فتطلق، ثم يندم إذا علم بالحبل.
стр. 2042
وقد قيل: إنه أمر بالثاني فيه، وترك العجلة؛ لئلا تتبعها نفسه، وإذا جامعها كان أزهد له فيها، فلا يأمن أن يندم بعد ذلك، فأمر بطلاقها بعد استبراء أمرها، ولذلك أمرنا بالواحدة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾.
فصل: [ألفاظ الطلاق الرجعي، وحكمه]
قال أبو جعفر: (وإذا طلقها بأن قال لها: أنت طالق، أو: قد طلقتك: فإنه يملك رجعتها، فإن شاء راجعها قبل انقضاء العدة، وإن شاء تركها حتى تنقضي عدتها".
وذلك لقول الله : ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، ثم قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾.
وقال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾.
وقال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾، ثم قال جل وعلا: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من
стр. 2043
بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾: يعني أن يندم فيراجع.
ثم قال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾، فأثبت له الرجعة فيما دون الثلاث من الطلاق ما دامت في العدة.
وقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾: معناه: فإذا قاربن من بلوغ الأجل؛ لأنه لا خلاف أنه لا رجعة له بعد انقضاء العدة.
مسألة: [بانقضاء عدة الرجعية تحل للأزواج]
قال: (فإذا انقضت عدتها: حلت للأزواج).
وذلك لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾، فأباح نكاحها بعد انقضاء العدة.
стр. 2044
مسألة: [الإشهاد في الرجعة]
قال: (والمراجعة بأن يشهد على رجعتها، كان ذلك برضاها أو بغير رضاها).
وذلك لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، فلم يجعل لها حقًا معه إذا أراد رجعتها.
وقال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾، فأجاز سبحانه له إمساكها ولم يشترط رضاها.
* قال: (ولا ينبغي له أن يراجعها بما سوى ذلك من جماع أو قبلة).
وذلك لأنه مندوب إلى الإشهاد على الرجعة، وهذه الأحوال يتعذر الإشهاد فيها.
مسألة: [ما تتم به المراجعة من الأفعال]
قال: (فإن جامعها، أو قبلها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة: كان مراجعًا لها بذلك، وهو مسيء لتركه الإشهاد).
стр. 2045
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، والجماع رد منه لها إلى حال التبقية على النكاح؛ لأن عقد النكاح يختص بإباحة الوطء والاستمتاع، فصار ذلك ردًا لها إلى النكاح.
وأيضًا: قوله سبحانه: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، وهذه الأفعال إمساك لها على النكاح، إذ كان عقد النكاح مختصًا باستباحة ذلك منها.
وأيضًا: قال النبي ﷺ لبريرة حين أعتقت، وخيَّرها في فراق زوجها: "إن وطئك فلا خيار لك"، فجعل رضاها بالوطء بمنزلة قولها: قد رضيت بالبقاء على النكاح، إذ كان الوطء مختصًا بالنكاح، لا يصح استباحته إلا من هذا الوجه، فدل ذلك على أن كل ما لا يصح من الزوج إلا مع البقاء على النكاح، هو بمنزلة قوله لها: قد اخترت مراجعتك في تبقيتك على النكاح.
وأيضًا: قد اتفق الجميع على من اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثًا، فوطئها: أن ذلك اختيار منه لإجازة البيع؛ لأنه قد فعل ما لا يجوز له فعله إلا مع الإجازة، والتبقية على الملك، كذلك الوطء لما لم يصح للمطلقة إلا مع التبقية على النكاح، وجب أن
стр. 2046
يعتبر كقوله: قد راجعتك.
وأيضًا: فإن للوطء من التأثير في تبقية النكاح ما ليس للقول، والدليل على ذلك: أن الطلاق إذا ورد على العقد قبل الدخول أبطله، وإذا ورد بعد الدخول لم يبطله، وكان العقد باقيًا إلى انقضاء العدة، فكان للوطء من التأثير في تبقية النكاح ما ليس للقول، فكان وقوع الرجعة بالوطء أولى منه بالقول، إذ كانت الرجعة موضوعها لتبقية النكاح، ومنع الفرقة.
فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون مراد الآية مقصورًا على الرجعة بالقول دون الوطء؛ لأنه قد عقب ذكر الرجعة بما لا يصح معه أن يكون الوطء مرادًا، وهو قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، والوطء لا يصح الإشهاد عليه.
قيل له: ليس في الآية دليل على أن الإشهاد حكمه أن يكون واقعًا في حال الرجعة، وليس يمنع أن يكون المراد القول والوطء جميعًا، فيكون الإشهاد بعدهما، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾: عائد على الفراق كعوده على الرجعة، ولم يقتض وقوع الإشهاد في حال الفرقة غير متأخر عنها، كذلك في الرجعة؛ لأنه تعالى
стр. 2047
قال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وأشهدوا﴾.
وأيضًا: لو كان الإشهاد مندوبًا إليه في حال الرجعة، لم يمتنع أن يكون المراد الرجعة بالقول والفعل جميعًا، كما قال تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، وذلك حكم عام في الرجعي، والبائن، والواحدة، والثلاثة، ثم قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، ومراده فيما دون الثلاث.
كذلك قوله : ﴿فأمسكوهن﴾: لا يمنع أن يكون مراده الإمساك بالقول والفعل جميعًا، ثم قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾: فيما يصح الإشهاد عليه منهما.
وقد روي وقوع الرجعة بالوطء عن عمران بن حصين من غير مخالف من الصحابة ﵃، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي وطاووس رحمة الله عليهم.
* والنظر إلى الفرج واللمس بمنزلة الوطء في ذلك؛ لأن عموم الآية
стр. 2048
ينتظم جميع ذلك، ولأن أحدًا لم يفرق بينهما وبين الوطء في وقوع الرجعة بها، فلما صح ذلك عندنا في الوطء: كان اللمس والنظر بمثابته بالاتفاق.
وأيضًا: فلأنه يتعلق بهما من الحكم في إيجاب التحريم ما يتعلق بالوطء.
مسألة: [ما لا تكون به الرجعة]
قال: (ولا يكون النظر إلى غير الفرج من شهوة رجعة).
وذلك لأنه لا يتعلق به حكم التحريم، فصار كالنظر إلى الوجه وسائر الأعضاء.
مسألة: [طلاق السنة حال كونه بعد الجماع]
قال أبو جعفر: (وإذا جامعها، ثم أراد أن يطلقها للسنة: فصل بين الجماع والطلاق بحيضة).
وذلك لقول النبي ﷺ : "فليطلقها طاهرًا من غير جماع أو حاملًا".
ولأنه إذا جامعها: لا يدري لعلها قد حملت، فلا يدري أيطلقها طلاق الحائل أو طلاق الحامل؟
стр. 2049
مسألة: [الطلاق في الحيض]
قال: (ولو طلقها وهي حائض: وقع طلاقه، وكان مسيئًا في ذلك، ويراجعها).
فأما وجه الإساءة: فلقول النبي ﷺ لابن عمر ﵄ حين طلق في الحيض: "ما هكذا أمرك الله". قال: "فتطلقها طاهرًا من غير جماع".
وأما وجه وقوعه: فقول الله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾، وعمومه يقتضي وقوعه، وثبوت حكمه في حال الطهر، والحيض، وكذلك قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾.
فإن قيل: هو محمول على ما في الآية الأخرى، وهو قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾.
قيل له: نستعمل اللفظين، ولا نخص أحدهما دون الآخر مع إمكان الجمع، فنقول:
قوله سبحانه: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾: المندوب إليه، والمختار والمستحسن منه.
وقوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وقوله تعالى: ﴿فإن طلقها﴾: وارد في حكمه إذا وقع للعدة، أو لغير العدة فينفذ عليه.
стр. 2050
وأيضًا: من جهة السنة: ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه ذكر طلاقه لامرأته في الحيض، وأن النبي ﷺ أمره بمراجعتها.
قال أنس ومحمد بن سيرين وجابر الحذاء ويونس بن جبير: قلنا لابن عمر ﵄: فاعتددت بتلك الطلقة؟ قال: نعم. أرأيت إن عجز واستحمق".
وفي بعض الألفاظ: "فمة".
وأيضًا: أمره ﵊ إياه بمراجعتها، إخبار منه بوقوع طلاقها؛ لأن الرجعة لا تصح في غير مطلقة.
فإن قال قائل: قد روى سعيد بن منصور وغيره عن خديج بن معاوية أخي زهير بن معاوية قال: حدثنا أبو إسحاق عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر ﵄ "أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك بشيء".
قيل له: لم يرو عن أبي إسحاق غير خديج بن معاوية، وخديج:
стр. 2051
ضعيف عند أهل النقل، وعبد الله بن مالك: مجهول لا يدرى من هو؟ ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي.
وعلى أنه لو ثبت، احتمل أن يريد: أنه ليس بشيء: يعني في قطع النكاح، وإيقاع البينونة، وأن له الرجعة معه.
ويحتمل أن يريد: ليس بشيء صواب، كما قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾: يعني على شيء هو حق وصواب.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا زكريا بن يحيى الشامي قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أمية الذراع قال: حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلق في بدعة ألزمناه بدعته".
стр. 2052
مسألة: [إذا راجعها في الحيض بعد طلاقه لها فيه]
قال: (وقال أبو حنيفة: إذا راجعها بعد ما طلقها في الحيض: جاز له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة).
قال أبو بكر: قال محمد في كتاب الطلاق: وإذا طلقها في الحيض: راجعها، فإذا طهرت من حيضة أخرى: طلقها واحدة قبل أن يجامعها، ولم يذكر فيه خلافًا بين أصحابنا ﵏.
وروى أبو الحسن ﵀ الخلاف بينهم على ما ذكرنا، إلا أنه ذكر أن محمدًا مع أبي يوسف في ذلك.
* قال: "وقال أبو يوسف في الإملاء: لا يطلقها حتى يفصل بين الطلاق الأول والثاني بحيضة".
وجه قول أبي حنيفة: أن العدة قد بطلت بالرجعة، ولا تحتاج إلى الفصل بين التطليقتين بحيضة، وإنما تحتاج إلى الفصل بينهما مع بقاء العدة.
стр. 2053
والدليل على ذلك: أنه لو طلق امرأته قبل الدخول، ثم تزوجها في الحال: جاز له أن يطلقها أيضًا، إذ لم تكن هناك عدة باقية من التطليقة الأولى.
وقد روى شعبة عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر ﵄ "أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فقال ﵊: "ليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها".
وكذلك روى قتادة عن يونس بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
وهذا يدل على صحة قول أبي حنيفة: لأنه أباح طلاقها بعد ما طهرت من الحيضة التي طلقها فيها.
وروى عبد الله بن عمر، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، وابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد، كلهم عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ أمره في هذه القصة أن يراجعها، ثم يدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة مستقبلة سوى الحيضة التي طلقها فيها، ثم يطلقها إن شاء".
ففي هذا الخبر إيجاب الفصل بين الطلاق الذي قد راجع فيه، وبين الطلاق الثاني بحيضة مستقلة، وفي الخبر الأول إباحة الطلاق في الطهر
стр. 2054
الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها، فنستعمل الخبرين جميعًا، ونقول أيهما فعل جاز.
* وذهب أبو يوسف ومحمد إلى قوله ﵊: "دعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم طلقها إن شئت".
مسألة: [طلاق الآيسة والحامل]
قال: (وإذا كانت ممن لا تحيض: طلقها متى شاء وإن كان بعد الجماع، فلا يحتاج إلى الفصل بين الجماع والطلاق بحيضة، وكذلك الحامل".
قال أبو بكر: وقال زفر: لا يطلقها حتى تحيض حيضة بعد الجماع، كما قالوا جميعًا في ذات الحيض إذا جامعها: أنه لا يطلقها حتى يفصل بين الجماع والطلاق بحيضة.
ووجه القول الأول: أن الفصل بين الجماع والطلاق إنما يحتاج إليه ليعلم أهي حامل أم لا؟ فتطلق طلاق الحامل أو طلاق الحائل، ويدل على ذلك: ما روي عن النبي ﷺ : "أنه أمر ابن عمر ﵄ أن يطلقها طاهرًا من غير جماع أو حاملًا".
فلم يوجب الفصل بين الطلاق والجماع عند علمنا بالحمل، كذلك
стр. 2055
إذا علمنا براءة رحمها من الحمل بالصغر أو الإياس، استغنينا عن اعتبار الحيضة في إيجاب الفصل.
مسألة: [وقوع طلاق السنة بلفظ واحد]
قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا للسنة: وقعن في ثلاثة أطهار).
قال أبو بكر: وذلك لأن هذه صفة طلاق السنة.
قال أبو بكر: من أصل أصحابنا أن الجمع بين تطليقتين أو ثلاث في طهر واحد مع بقاء العدة: ليس من السنة، وقد تكون الثلاث للسنة إذا فرقهن في ثلاثة أطهار.
وقال مالك بن أنس: لا تطلق للسنة إلا واحدة، ثم يدعها إن شاء حتى تنقضي عدتها.
وقال الشافعي: جمع ثلاث في كلمة واحدة من السنة.
وأما الحجة في أن الثلاث قد تكون للسنة: فقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وقد أفادت هذه اللفظة إباحة إيقاع الثنتين.
стр. 2056
وقال سبحانه: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، والأمر لا يختص بعدد دون عدد، وقد أفاد إباحة إيقاع الثلاث للعدة.
ويدل عليه من جهة السنة: قول النبي ﷺ في قصة ابن عمر: "فليطلقها طاهرًا من غير جماع أو حاملًا"، وذلك يقتضي إباحة إيقاع الثلاث في كل طهر.
ويدل عليه أيضًا: ما روي في حديث الحسن عن ابن عمر، وقد تقدم ذكر سنده: أن النبي ﷺ قال له: "يا ابن عمر! ما هكذا أمرك الله، إنك أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء".
وقوله ﵊: "فتطلق لكل قرء": يقتضي إباحة الطلاق الثلاث في الأطهار المختلفة؛ لأن قوله ﵊: "فتطلق لكل طهر": لا يجوز أن يكون مراده تطليقة واحدة؛ لأن: "كل": موضوعة للجمع.
ومن جهة النظر: أنه لما جاز له أن يطلقها في الطهر الأول؛ لأنها طاهرة من غير جماع، كان كذلك حكم الطهر الثاني لوجود العلة.
وأيضًا: لو راجعها جاز له أن يطلقها كذلك قبل الرجعة.
فإن قيل: إيقاع الثانية قبل الرجعة لعب بآيات الله، قال الله تعالى:
стр. 2057
﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾، وذلك لأنه ليس في إيقاعها فائدة، فإن أراد البينونة تركها حتى تنقضي عدتها، وإن أراد الإمساك: راجعها، فلا معنى للثانية.
قيل له: بلى، له في هذا فائدة، وهي أن الثانية والثالثة تبينها قبل انقضاء العدة، والأولى لا تبينها إلا بعد انقضاء العدة، فلما كان له في الثانية والثالثة فائدة حكم، وهي البينونة قبل انقضاء العدة، جاز له أن يطلق كالأولى.
* وأما قول الشافعي في إيقاع الثلاث في كلمة واحدة أنه من السنة، فإنه خلاف الكتاب والسنة والإجماع.
فأما مخالفته للكتاب: فقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، ومعلوم أن هذا أمر وإن كان في صورة الخبر، كقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾، وكأنه سبحانه قال: طلقوهن مرتين، وهذا اللفظ يقتضي إيقاع الثنتين في دفعتين لا في دفعة واحدة؛ لأنه إن أوقعهما في كلمة واحدة، كان كأنما أوقع الثنتين في مرة واحدة، وذلك خلاف موجب الآية، ولما اقتضي اللفظ إيقاع الثنتين في دفعتين، وجب الفصل بينهما، وحظر جمعهما، وإذا وجب الفصل، كان الفصل واقعًا بحيضة، لأن أحدًا ممن أوجب الفصل بين التطليقتين لم يوجبه إلا بحيضة.
فإن قال قائل: لما كان قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾: يقتضي
стр. 2058
إيقاعهما في دفعتين من غير فصل بينهما بحيضة، فقد تضمن ذلك إيقاعهما في طهر واحد، وإذا جاز ذلك، جاز له الجمع؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما.
قيل له: كل تأويل يؤدي إلى رفع حكم اللفظ رأسًا فهو ساقط، وهذا المعنى يؤدي إلى إسقاط فائدة الأمر بالثنتين، حتى يكون وجوده وعدمه سواء فيما تضمنه من إيجاب الفصل بين التطليقتين.
وأما إيجابنا الفصل بينهما بحيضة، فليس يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ؛ لأن إيجاب الفصل بين الثنتين قائم.
وأيضًا: لم يبح الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونًا بذكر الرجعة منه، فقد قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ يعني أن يندم فيراجعها، ثم قال تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، وقال في موضع آخر: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. ثم قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾.
وقال: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن
стр. 2059
بمعروف﴾.
فلما كانت إباحة الطلاق المبتدأ في المدخول بها مقرونة بذكر الرجعة في سائر ما ورد فيه ذلك، علمنا أن ذلك شرط الإباحة، وأنه غير جائز له إيقاع الثلاث ابتداء.
فإن قيل: إنما دلت هذه الآيات على ثبوت الرجعة فيما دون الثلاث، فما الدلالة على حظر ما يوجب البينونة من الطلاق ابتداء؟
قيل له: لأنا إنما استفدنا إباحة الطلاق من هذه الآيات، وإلا فالأصل الحظر في الطلاق؛ لأنه يتعلق به إيجاب التحريم.
وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾، وظاهره يقتضي حظر الطلاق، لما فيه من إيجاب التحريم، ثم أباح تحريمها بالطلاق من الوجوه التي ذكرنا، فما عداه فهو باق على حكم الحظر.
وهذه الآية يجوز الاحتجاج بعمومها في حظر الثلاث؛ لأن فيها تحريم ما أحل الله لنا.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾: لفظ مقصور
стр. 2060
على المأكولات، كقوله تعالى: ﴿والطيبات من الرزق﴾، و ﴿كلوا من طيبات﴾.
قيل له: المأكولات المباحة من الطيبات، وكذلك جميع ما أحل الله تعالى، وليس في تخصيصه المأكول المباح بذكر الطيبات نفي لغيره أن يكون من الطيبات لا محالة.
وقال الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وما طاب لنا فهو من الطيبات لا محالة.
وقوله: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾: ينتظم سائر المباحات.
فإن قيل: فقد يجوز أن تكون الثالثة للسنة عندكم، إذا أوقعها في الطهر الثالث، أو راجعها في الثنتين، ثم أوقعها.
قيل له: أخذنا ذلك بالاتفاق، والآيات التي ذكرنا إنما وردت في ابتداء الطلاق، لا فيمن طلق بعد ذلك.
* ومن جهة السنة: حديث ابن عمر الذي قدمنا ذكره أنه قال: "يا رسول الله! أرأيت إن طلقتها ثلاثًا أكان لي أن أراجعها؟ فقال: لا، كانت تبين، وتكون معصية".
стр. 2061
ويدل عليه قوله ﵊ في قصة ابن عمر لعمر ﵁: "مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، وأمره ﵊ أن يفصل بين التطليقتين بحيضة.
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المنقري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن القاسم الصنعاني قال: حدثنا عمرو بن عبد الله بن فلاح الصنعاني قال: حدثنا محمد بن عيينة أخو سفيان بن عيينة ثقة عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، وصدقة بن أبي عمران عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال:
"طلق بعض آبائي امرأته، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق أمنا ألفًا، فهل له من مخرج؟
قال ﵊: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه".
* وأما ما ذكرنا من طريق الإجماع، فهو ما روي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وأبي موسى، وغيرهم ﵃ من الصحابة، والتابعين النكير على موقع الثلاث معًا، في أخبار مشهورة، تركت أسانيدها، وسياقة متونها
стр. 2062
خوف الإطالة.
قال أنس بن مالك: "كان عمر ﵁ إذا أتي برجل قد طلق امرأته ثلاثًا في مجلس: أوجعه ضربًا، وفرق بينهما".
وقال علي بن أبي طالب: "لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق، ما تتبع رجل نفسه امرأة يطلقها تطليقة، فيتربص بينه وبين أن تنقضي عدتها ثلاث حيض، ثم راجعها متى شاء".
وحدثنا محمد بن زكريا قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: "كنت عن ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا.
قال: فسكت حتى طننت أنه رادها إليه، ثم قال: يطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، وإن الله تعالى قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾، فإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك".
وقال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج، وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن
стр. 2063
عباس ﵄، وروي عنه من طرق آخر.
فإن قال قائل: قد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثًا بكلمة واحدة، فلم يبلغنا أن رسول الله ﷺ عاب ذلك.
وطلق عبد الرحمن بن عوف أم أبي سلمة، وهي تماضر ثلاثًا، فلم يبلغنا أن أحدًا عاب ذلك.
قيل له: أما حديث فاطمة بنت قيس، فلم يشهده أبو سلمة، وهو مرسل؛ لأنه كان في زمن النبي ﷺ ، فلا يصح لمخالف الاحتجاج به.
وعلى أنه قد روي عن فاطمة بنت قيس أن زوجها قد طلقها آخر تطليقة بقيت لها، فهو أولى من قول أبي سلمة أنه طلقها في كلمة واحدة.
حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا يزيد بن خالد
стр. 2064
الرملي قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وطلقها أخر ثلاث تطليقات، وذكر الحديث.
قال أبو بكر: قال أبو داود: وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري.
قال: حدثنا مخلد بن خالد قال: حدثنا عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن مروان أرسل إلى فاطمة.
وفي غير هذا الحديث: "أرسل قبيصة بن ذؤيب، فسألها، فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص، وكان النبي ﷺ أمر عليًّا ﵇ على بعض اليمن، فخرج معها زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها".
فقد بين في هذه الأخبار عن فاطمة كيفية طلاقها.
وقد روى الشعبي عن فاطمة: "أن زوجها طلقها ثلاثًا"، ولم يبين كيفيته، وهو على ما بين حكمه في الأخبار التي ذكرنا، أنها ثلاث متفرقات، وأن آخرها كانت الثالثة.
وعلى أنه لو ثبت أنه كان طلقها ثلاثًا، لم تثبت حجته في إباحة الثلاث؛ لأنه ليس فيه أن النبي ﷺ علم أنه طلقها ثلاثًا،
стр. 2065
فترك النكير عليه؛ لأن في أكثر الأخبار: أنها قالت: "يا رسول الله! إن زوجي طلقني، فأبت طلاقي".
وقد تكون: ألبتة: للسنة، وهي الثلاث، والواحدة إذا وقعت على وجه الخلع.
وعلى أنه لو ثبت أنها قالت للنبي ﷺ : "طلقني زوجي ثلاثًا"، لما كان يستحق النكير عليه؛ لأنه يجوز أن يطلقها في ثلاثة أطهار، ولا يستحق اللوم، ولا يجب النكير عليه.
ولأنا لو سمعنا من يقول: طلقت امرأتي ثلاثًا، كان الواجب علينا أن نحمل أمره على ما يجوز من الطلاق، ولا نحمله على أنه واقع المحظور بجمع الثلاث؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة.
وعلى أنه لو ثبت أنها قالت للنبي ﷺ : طلقني ثلاثًا في كلمة واحدة _وإن لم يروه أحد_، لم يكن فيه دلالة على قولهم؛ لأن إيقاع الثلاث إذا كان محظورًا، لم يكن تصديق المرء عليه في مواقعة المحظور جائزًا، والزوج كان غائبًا باليمن ولم يكن حاضرًا فيسأله.
* فأما قصة عبد الرحمن بن عوف، فإن الليث يروي عن ابن شهاب عن طلحة بن عبيد الله أن عثمان ﵁ ورث تماضر من عبد الرحمن بن عوف ﵁، وكان عبد الرحمن طلقها تطليقة في آخر تطليقاتها الثلاث في مرضه.
стр. 2066
فإن قيل: قد روي عن ابن سيرين إباحة الطلاق الثلاث.
قيل له: يحتمل أن يكون أراد ثلاثًا متفرقة في أطهار.
وعلى أنه لو ثبت ما ادعاه المخالف، لما كان قوله مخالفًا على الصدر الأول.
فإن قال قائل: روي أن عويمر العجلاني لما لاعن رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته قال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثًا".
ولم ينكر النبي ﷺ طلاقه إياها ثلاثًا.
قيل له: لا يصح لمخالفنا الاحتجاج به؛ لأنه يزعم أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعانها، وأن الطلاق الثلاث لم يقع عليها، لأنه صادفها وهي بائنة منه، والبائن لا يلحقها الطلاق، فكيف يدل على أن إيقاع الثلاث معًا من السنة بطلاق لم يقع؟
فإن قيل: فيلزمك ذلك على أصلك.
قيل له: فيه وجهان:
أحدهما: أنه جائز أن يكون قبل أن يبين الطلاق للعدة، ومنع الجمع بين الثلاث في الإيقاع.
стр. 2067
ووجه آخر: أنها قد كانت استحقت الفرقة والبينونة باللعان الذي كان منها، فلما كانت البينونة مستحقة: جاز ترك النكير عليه في إبانتها بالثلاث.
فإن قال قائل: لما قال النبي ﷺ لابن عمر ﵄: "فإذا طهرت فطلقها"، ولم يقل: واحدة ولا ثلاثًا، اقتضى العموم الجميع.
قيل له: هو مرتب على ما قدمه من إيقاع الفصل بين التطليقتين بحيضة؛ لأنه معلوم أنه لم يرد به فسخ الأول، لاستحالة جواز الفسخ قبل استقرار الحكم، ألا ترى أنه لم يبح بذلك إيقاع التطليقة الثانية في الحيض، بل كان مرتبًا على ما بينه في النهي عن إيقاعها في الحيض، كذلك في حكم التفريق بين التطليقات.
مسألة:
قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا للسنة: وقعن في ثلاثة أطهار).
وذلك لأن هذه صفة لطلاق السنة، فإن أراد وقوعهن معًا: وقعن معًا"، وذلك لأن قوله: أنت طالق ثلاثًا: يقتضي وقوعهن معًا.
وقوله: للسنة: كناية عن أوقات السنة.
فإذا قال: لم أرد بقولي: للسنة: ما صار اللفظ كناية عنه: كان كما قال؛ لأن الواجب الرجوع إلى قوله في الكنايات.
وأيضًا: فإن هذه "اللام": تدخل في الكلام لمعان مختلفة: تارة
стр. 2068
للماضي، وتارة للمستقبل، فاحتمل أن يريد لسنة ماضية، كقوله ﵊: "صوموا لرؤيته"، يعني لرؤية ماضية.
واحتمل أيضًا: لأجل السنة.
فلما كان اللفظ محتملًا لهذه الوجوه، عملت نيته فيه.
وأيضًا: السنة في الطلاق من وجهين:
أحدهما: الوقت، والآخر العدد.
وقد كانوا يطلقون أكثر من ثلاث، فقصر الله تعالى عدد الطلاق على ثلاث، فكان مصيبًا لوجه من السنة في اقتصاره على الثلاث، وإن خالف السنة في جمعها.
فإذا أراده: صح معنى اللفظ، وكان كما أراد، ووقع الثلاث في الحال.
مسألة: [طلاق السنة فيمن لا تحيض]
(وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا للسنة، وهي ممن لا تحيض: فإنها تطلق واحدة الساعة، وبعد شهر أخرى، وبعد شهر أخرى، إذا كانت مدخولًا بها".
وذلك لأن عدتها لما كانت بالشهور، وقامت الشهور مقام الحيض، وجب أن يفصل بين كل تطليقتين بشهر، كما فصل لذوات الحيض بينهما
стр. 2069
بحيضة، إذ ليس من السنة جمع الثلاث في الإيقاع.
مسألة: [طلاق الحامل للسنة]
قال: (وتطلق الحامل ثلاثًا بالشهور، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال زفر ومحمد: لا تطلق الحامل للسنة إلا واحدة).
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وهو عموم في الحامل والحائل.
وقال تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾،وظاهره يقتضي الواحدة، والثلاث، إذ لم يختص اللفظ بعدد دون غيره.
وأيضًا: قول النبي ﷺ في قصة ابن عمر: "تطلقها طاهرًا من غير جماع أو حاملًا"، فأباح طلاقها حاملًا من غير ذكر عدد، فهو على جميع الأعداد.
ومن جهة النظر: أن عدة الحامل لما كانت طهرًا واحدًا، أشبهت اليائسة والصغيرة، في أن عدتها لما كانت طهرًا واحدًا، طلقت بالشهور ثلاثًا، كذلك الحامل.
стр. 2070
* ووجه قول محمد وزفر: أنه لابد من الفصل بين تطليقتين في إصابة السنة، وما يفعل به بين تطليقتين هو ما تنقضي به العدة، بدلالة أن ذوات الحيض يفصل بين تطليقاتها بالحيض، واليائسة يفصل بين تطليقاتها بالشهور، ولأن عدة ذات الحيض تنقضي بالحيض، وعدة اليائسة تنقضي بالشهور، وشهور الحامل لا تنقضي بها عدتها، فلم يجز أن يفصل بينها بالشهور، إذ لا تأثير لشهورها في انقضاء العدة.
وإذا لم يكن هناك ما يفصل به بين التطليقتين، وكان جمعهما لغير السنة، وجب أن لا تطلق الحامل للسنة إلا واحدة.
قال أحمد: والانفصال لأبي حنيفة ﵀ من ذلك: أن هذه القاعدة منتقضة على أصل محمد؛ لأنه يقول: لو طلقها وهي حامل، ثم راجعها، ثم طلقها آخر للسنة، لم تطلق حتى تلد، وتطهر من نفاسها، ثم يطلقها متى شاء، ففصل بين التطليقتين بالنفاس، والنفاس ليس هو معنى تنقضي به العدة، ولذلك لو طلقها واحدة، ثم جامعها في ذلك الطهر، لم يطلقها في قول محمد تطليقة أخرى حتى تحيض حيضة، فإن هي حبلت من ذلك الجماع، جاز له أن يطلقها، لأجل حدوث الحمل، ففصل بين التطليقتين بحدوث الحمل، وذلك معنى لا يتعلق به انقضاء العدة.
следующие страницы →