← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فإن قيل: قد روي عن ابن سيرين إباحة الطلاق الثلاث. قيل له: يحتمل أن يكون أراد ثلاثًا متفرقة في أطهار. وعلى أنه لو ثبت ما ادعاه المخالف، لما كان قوله مخالفًا على الصدر الأول. فإن قال قائل: روي أن عويمر العجلاني لما لاعن رسول الله ﷺ بينه وبين امرأته قال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثًا". ولم ينكر النبي ﷺ طلاقه إياها ثلاثًا. قيل له: لا يصح لمخالفنا الاحتجاج به؛ لأنه يزعم أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعانها، وأن الطلاق الثلاث لم يقع عليها، لأنه صادفها وهي بائنة منه، والبائن لا يلحقها الطلاق، فكيف يدل على أن إيقاع الثلاث معًا من السنة بطلاق لم يقع؟ فإن قيل: فيلزمك ذلك على أصلك. قيل له: فيه وجهان: أحدهما: أنه جائز أن يكون قبل أن يبين الطلاق للعدة، ومنع الجمع بين الثلاث في الإيقاع.

стр. 2067

ووجه آخر: أنها قد كانت استحقت الفرقة والبينونة باللعان الذي كان منها، فلما كانت البينونة مستحقة: جاز ترك النكير عليه في إبانتها بالثلاث. فإن قال قائل: لما قال النبي ﷺ لابن عمر ﵄: "فإذا طهرت فطلقها"، ولم يقل: واحدة ولا ثلاثًا، اقتضى العموم الجميع. قيل له: هو مرتب على ما قدمه من إيقاع الفصل بين التطليقتين بحيضة؛ لأنه معلوم أنه لم يرد به فسخ الأول، لاستحالة جواز الفسخ قبل استقرار الحكم، ألا ترى أنه لم يبح بذلك إيقاع التطليقة الثانية في الحيض، بل كان مرتبًا على ما بينه في النهي عن إيقاعها في الحيض، كذلك في حكم التفريق بين التطليقات. مسألة: قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا للسنة: وقعن في ثلاثة أطهار). وذلك لأن هذه صفة لطلاق السنة، فإن أراد وقوعهن معًا: وقعن معًا"، وذلك لأن قوله: أنت طالق ثلاثًا: يقتضي وقوعهن معًا. وقوله: للسنة: كناية عن أوقات السنة. فإذا قال: لم أرد بقولي: للسنة: ما صار اللفظ كناية عنه: كان كما قال؛ لأن الواجب الرجوع إلى قوله في الكنايات. وأيضًا: فإن هذه "اللام": تدخل في الكلام لمعان مختلفة: تارة

стр. 2068

للماضي، وتارة للمستقبل، فاحتمل أن يريد لسنة ماضية، كقوله ﵊: "صوموا لرؤيته"، يعني لرؤية ماضية. واحتمل أيضًا: لأجل السنة. فلما كان اللفظ محتملًا لهذه الوجوه، عملت نيته فيه. وأيضًا: السنة في الطلاق من وجهين: أحدهما: الوقت، والآخر العدد. وقد كانوا يطلقون أكثر من ثلاث، فقصر الله تعالى عدد الطلاق على ثلاث، فكان مصيبًا لوجه من السنة في اقتصاره على الثلاث، وإن خالف السنة في جمعها. فإذا أراده: صح معنى اللفظ، وكان كما أراد، ووقع الثلاث في الحال. مسألة: [طلاق السنة فيمن لا تحيض] (وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا للسنة، وهي ممن لا تحيض: فإنها تطلق واحدة الساعة، وبعد شهر أخرى، وبعد شهر أخرى، إذا كانت مدخولًا بها". وذلك لأن عدتها لما كانت بالشهور، وقامت الشهور مقام الحيض، وجب أن يفصل بين كل تطليقتين بشهر، كما فصل لذوات الحيض بينهما

стр. 2069

بحيضة، إذ ليس من السنة جمع الثلاث في الإيقاع. مسألة: [طلاق الحامل للسنة] قال: (وتطلق الحامل ثلاثًا بالشهور، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر ومحمد: لا تطلق الحامل للسنة إلا واحدة). وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، وهو عموم في الحامل والحائل. وقال تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾،وظاهره يقتضي الواحدة، والثلاث، إذ لم يختص اللفظ بعدد دون غيره. وأيضًا: قول النبي ﷺ في قصة ابن عمر: "تطلقها طاهرًا من غير جماع أو حاملًا"، فأباح طلاقها حاملًا من غير ذكر عدد، فهو على جميع الأعداد. ومن جهة النظر: أن عدة الحامل لما كانت طهرًا واحدًا، أشبهت اليائسة والصغيرة، في أن عدتها لما كانت طهرًا واحدًا، طلقت بالشهور ثلاثًا، كذلك الحامل.

стр. 2070

* ووجه قول محمد وزفر: أنه لابد من الفصل بين تطليقتين في إصابة السنة، وما يفعل به بين تطليقتين هو ما تنقضي به العدة، بدلالة أن ذوات الحيض يفصل بين تطليقاتها بالحيض، واليائسة يفصل بين تطليقاتها بالشهور، ولأن عدة ذات الحيض تنقضي بالحيض، وعدة اليائسة تنقضي بالشهور، وشهور الحامل لا تنقضي بها عدتها، فلم يجز أن يفصل بينها بالشهور، إذ لا تأثير لشهورها في انقضاء العدة. وإذا لم يكن هناك ما يفصل به بين التطليقتين، وكان جمعهما لغير السنة، وجب أن لا تطلق الحامل للسنة إلا واحدة. قال أحمد: والانفصال لأبي حنيفة ﵀ من ذلك: أن هذه القاعدة منتقضة على أصل محمد؛ لأنه يقول: لو طلقها وهي حامل، ثم راجعها، ثم طلقها آخر للسنة، لم تطلق حتى تلد، وتطهر من نفاسها، ثم يطلقها متى شاء، ففصل بين التطليقتين بالنفاس، والنفاس ليس هو معنى تنقضي به العدة، ولذلك لو طلقها واحدة، ثم جامعها في ذلك الطهر، لم يطلقها في قول محمد تطليقة أخرى حتى تحيض حيضة، فإن هي حبلت من ذلك الجماع، جاز له أن يطلقها، لأجل حدوث الحمل، ففصل بين التطليقتين بحدوث الحمل، وذلك معنى لا يتعلق به انقضاء العدة.

стр. 2071

مسألة: [طلاق غير المدخول بها] قال: (ويطلق غير المدخول بها متى شاء). لأنه ليس عليها عدة، فيعتبر طلاقها للعدة. مسألة: قال: (ومن طلق امرأته ثلاثًا للسنة، وهي مدخول بها، فطلقت واحدة، ثم راجعها: وقعت أخرى في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: حتى تحيض حيضة بعد الطلاق الأول). قال أبو بكر: ذكر أبو جعفر محمدًا مع أبي حنيفة، وهو مع أبي يوسف. فأما أبو حنيفة، فلأن من أصله أنه إذا بطلت العدة بالرجعة، جاز له أن يطلقها أخرى قبل الحيضة، ويكون للسنة، فتقع الثانية بقوله: أنت طالق ثلاثًا للسنة. ومن أصل يوسف ومحمد: أنه لا فرق بين أن يراجعها أو لا يراجعها، في أنه لا يجوز له أن يطلقها أخرى حتى يفصل بينهما بحيضة. قال أبو جعفر: (ولو كان راجعها بعد الطلاق الأول بالوطء: لم تقع

стр. 2072

التطليقة الثانية بالمراجعة في قولهم جميعًا". لأنه يحتاج أن يفصل بين الجماع والطلاق بحيضة. مسألة: [قال: أنت طالق للبدعة] قال: (ومن قال لزوجته وهي في حال سنة، أو في حال بدعة: أنت طالق للبدعة، أو قال: أنت طالق، ولم يقل للبدعة ولا للسنة: فهي طالق ساعتئذ). وذلك أن ذكر البدعة لغو، إذ ليس للبدعة وقت معروف ينصرف الطلاق إليه، وليس كذلك قوله: أنت طالق للسنة؛ لأن قوله: أنت طالق للسنة، بمنزلة قوله: أنت طالق لأوقات السنة، فكأن الوقت ملفوظ به في اليمين. *****

стр. 2073

باب صريح الطلاق مسألة: [متعة المطلقة] قال أبو جعفر: (ونفتي المطلق لزوجته بعد دخولها أن يمتعها، ونحضه على ذلك، ولا نجبره عليه كما نجبر المطلق لها قبل الدخول ولم يسم لها صداقًا). قال أبو بكر: قد بينا وجه المسألتين فيما تقدم. مسألة: [ألفاظ صريح الطلاق] قال أبو جعفر: (ومن قال لزوجته وقد دخل بها: أنت طالق، أو: أنت واحدة، أو: اعتدي، أو: استبرئي رحمك، وأراد الطلاق في هذه الألفاظ الثلاثة، طلقت واحدة يملك فيها الرجعة، ولا يقع بهذا القول أكثر من واحدة وإن أراد ذلك". قال أبو بكر: الطلاق على أربعة أنحاء: أحدهما: صريح الطلاق، وهو قوله: أنت طالق، و: طلقتك، ونحوه

стр. 2074

مما كان هذا وصفه من الألفاظ، فإن الإيقاع متعلق به بوجود اللفظ من مكلف. والثاني: وقوع الطلاق بالكنايات التي تصح أن تكون عبارة عن الطلاق، نحو قوله: أنت خلية، و: برية، و: بتة، و: بائن، و: حرام، ونحوها من الألفاظ التي هي كنايات عن الطلاق، من حيث كان اللفظ مفيدًا للبينونة، والتحريم، وقطع الزوجية، ونحو ذلك. والثالث: قوله: اعتدي، و: استبرئي رحمك، و: استري، و: تقنعي، وما جرى مجرى ذلك، فإن هذه الألفاظ ليست كناية عن الطلاق نفسه، وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ؛ لأن الطلاق لما تعلق به وجوب العدة، صار قوله: اعتدي: دلالة على الطلاق، لا أن العدة نفسها طلاق، ولا عبارة عنه، وكذلك استبراء الرحم، وكذلك الاستتار، والتقنع، والخروج، ونحوها، وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ، غير ملفوظ به، ولا بما هو كناية عنه. والرابع: ما ليس بكناية، ولا مدلول عليه باللفظ، وإنما يقع به من طريق الحكم، وهو قوله: اختاري؛ لأن التخيير ليس من ألفاظ الطلاق، ولا هو مدلول عليه به، ألا ترى أنه لو قال لها: اختاري، أو قال: قد خيرتك، ونوى به إيقاع الطلاق: لم يقع به شيء، ما لم تقل هي: قد اخترت نفسي، أو طلقتها، ومن أجل ذلك لم يوقعوا به الثلاث وإن أراد بها.

стр. 2075

فهذه جملة ما تنصرف عليه ألفاظ الطلاق. * وأصل آخر يجب اعتباره في ذلك: وهو أنه لا يجوز إيقاع الطلاق بنية لا لفظ معها، وكذلك البينونة المتعلقة بالطلاق لا يجوز إيقاعها بنية عارية من لفظ يقتضيها ويوجبها. والدليل على صحة هذا الأصل: حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم به". وأيضًا: فلا خلاف أن سائر العقود لا يصح إيقاعها بالنية دون اللفظ، كالنكاح والبيع والهبة والصدقة، ونحوها، فكذلك الطلاق. ومما يجب اعتباره: أن كنايات الطلاق الموجبة للبينونة، لا يصح إيقاع الطلاق فيها عاريًا من البينونة التي يقتضيها اللفظ، لما فيه من إسقاط اللفظ، وحصول الطلاق بنية عارية من اللفظ. وأصل آخر: وهو أن كل لفظ احتمل الطلاق، واحتمل غيره: لم يجز لنا إيقاع الطلاق به إلا باعترافه بنية الطلاق، أو بدلالة الحال عليه. وكذلك كل لفظ احتمل الثلاث والواحدة: لم نلزمه به الثلاث إلا بالنية. والأصل في ذلك: ما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ألبتة،

стр. 2076

فاستحلفه النبي صلى الله ﵊: "ما أردت إلا واحدة؟ ". لما احتمل قوله: "ألبتة": الثلاث، واحتمل الواحدة، جعل النبي ﷺ القول قوله فيما أراد، فصار ذلك أصلًا في نظائر ذلك من المسائل. وإذا صح ما وصفنا، قلنا في قوله: أنت طالق: إنه صريح الطلاق، واللفظ الموضوع في الشرع لإيقاع الطلاق، معلق وقوعه بوجود لفظه به. * وهو رجعي؛ لقوله الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف﴾، وقال: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾. وقال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾. فأثبت تعالى الرجعة في إيقاع ما دون الثلاث، إذ كان موقعًا بصريح اللفظ. * وأما قوله: اعتدي، و: استبرئي رحمك: فإن الأصل في صحة إيقاع الطلاق به وبنظائره من الألفاظ: ما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 2077

قال لسودة: اعتدي، ثم راجعها"، فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أن قوله: اعتدي: ليس بكناية عن الطلاق، ولا عبارة عنه، وإنما الطلاق مدلول عليه باللفظ، فصار ذلك أصلًا في إيقاع الطلاق بالألفاظ الدالة عليه، نحو قوله: استبرئي رحمك، و: اخرجي، و: اذهبي، و: حبلك على عاتقك، ونظائرها من الألفاظ. والمعنى الثاني: أن اللفظ الذي ليس فيه دلالة على البينونة، لا يوجب البينونة؛ لأن لفظ العدة ليس من ألفاظ البينونة، ولا هو دلالة عليها؛ لأن العدة تجب في الطلاق الرجعي كوجوبها من البائن، فإذا لم يخص اللفظ بالبينونة، لم يجب إيقاع البينونة بها، فمن أجل ذلك قلنا في قوله: استبرئي رحمك: إنه رجعي؛ لأن استبراء الرحم، هو العدة في مثل ذلك، فصار كقوله: اعتدي. * وقوله: أنت واحدة: كناية عن الطلاق نفسه، والمعنى فيه: أنت طالق تطليقة واحدة، ومع ذلك فليس في اللفظ دلالة على البينونة. ولا يقع به إلا رجعيًا؛ لأن الواحدة لا تختص بالبينونة، ولا يدل عليها، لأن الواحدة تكون بائنًا، وتكون رجعيًا، فلم يجز إيقاع البينونة بها، فهو في هذا الوجه بمنزلة قوله: اعتدي وإن خالفه في موضوع معنى اللفظ؛ لأن الطلاق مدلول عليه في قوله: اعتدي، ويكنى عنه في قوله: أنت واحدة.

стр. 2078

مسألة: [ألفاظ الطلاق البائن] قال أبو جعفر: (ومن قال لزوجته: أنت خلية، أو: برية، أو: بائن، أو: بتة، أو: حرام، أو: اعتدي، أو: أمرك بيدك، أو: اختاري، فقالت قد اخترت نفسي، فقال الزوج: لم أرد بذلك طلاقًا، فإن كان في ذكر طلاق: لم يقبل قوله، وكان ذلك طلاقًا بائنًا، غير اعتدي: فإنه رجعي". قال أبو بكر: إذا لم يكن في ذكر الطلاق: فالقول قوله؛ لأن اللفظ المحتمل للطلاق وغيره لا يوقع به الطلاق إلا بالنية، لما في حديث يزيد بن ركانة من الدلالة عليه، وقد بيناه. فإن كان في ذكر الطلاق: لم يصدق، نحو أن تقول له: طلقني، فأجابها بشيء من هذه الألفاظ. وذلك لأن دلالة الحال في مثل ذلك قائمة مقام النطق به، ألا ترى أن رجلًا لو قال لآخر: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، كان ذلك كقوله: نعم طلقتها، وإن كانت: "نعم": ليست عبارة عن الطلاق، ولا فيها دلالة عليه. وقال الله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم﴾، فقام ذلك مقام قولهم: وجدنا. * وإنما كان سائر الألفاظ التي ذكرنا بائنًا، غير: "اعتدي"؛ لأن الرجل يملك إبانتها، ويقطع ما بينه وبينها من الزوجية، والدليل على

стр. 2079

ذلك: أنه يجوز أن يأخذ منها عوضًا، ولولا أنه يملك البينونة، لما جاز أخذ البدل عنها؛ لأنه لا يجوز أن يستحق بدل ما لا يملكه. فإن قال قائل: لو قال: أنت طالق، ونوى البينونة: لم تبن، ومع ذلك يجوز له أخذ البدل، بأن يقول لها: أنت طالق على ألف درهم، فيستحق عنه العوض، ومع ذلك لا يصح منه إيقاع البينونة بهذا اللفظ، إذ لم يعقده بشرط العوض. قيل له: إنما يقع الطلاق باللفظ المقتضي للبينونة، فأما اللفظ الذي لا دلالة له فيه على البينونة، فلا يصح إيقاع البينونة به. وقوله: أنت طالق: إذا أفرده عن ذكر المال: لم يدل على البينونة، فإذا عقده بالمال، فقد دل على البينونة بذكره البدل، وشرط استحقاق البدل، فصار كقوله: أنت طالق بائن إن حصل لي البدل، فإذا لم يحصل لي البدل لم تكن بائنًا. * وأما قوله: أنت بائن: ونظائره من الألفاظ المقتضية للبينونة، فإن البينونة موجودة في اللفظ، فوجب إيقاعها به. ودليل آخر: وهو أن قوله: أنت بائن، ونحوه: لا يقع بها الطلاق إلا بانضمام النية إلى اللفظ، ومتى انفرد أحدهما عن الآخر لم يقع به طلاق، ونحن فمتى لم نوقع البينونة بها، فقد أسقطنا اللفظ، ومتى عريت النية من اللفظ لم يقع بها طلاق. وأيضًا: فقد اتفق الجميع على أنه لو نوى بها ثلاثًا كانت ثلاثًا، من

стр. 2080

حيث اقتضى اللفظ بينونة الثلاثة، ودل عليها، فينبغي أن تقع به واحدة بائنة من حيث دل اللفظ عليها. فصل: [أثر النية في ألفاظ الطلاق] قال أبو جعفر: (وإن أراد بهذه الألفاظ ثلاثًا: كانت ثلاثًا إلا في: اعتدي، واختاري، فإن قوله: اختاري: لا يقع به إلا واحدة بائنة). قال أبو بكر: أما قوله: اعتدي: فلما قلنا إنه ليس فيه دلالة على البينونة؛ لأن النبي ﷺ قال لسودة: "اعتدي، ثم راجعها". وأما: اختاري: فليس من ألفاظ الطلاق؛ لأن الزوج لا يمكنه إيقاع الطلاق بها لو قال لها: خيرتك، وأراد الإيقاع بنفس اللفظ: لم يقع، وإنما يقع به الطلاق من جهة الحكم تشبيهًا بسائر أنواع الخيارات الحادثة على الزوجية في إيجاب الفرقة، ولا يقع به أكثر من واحدة، نحو خيار امرأة المجبوب، والعنين. مسألة: [أثر النية في الفاظ الطلاق حال الغضب] قال أبو جعفر: (وإن كان ذلك منه في غضب، وقال: لم أرد به طلاقًا، لم يصدق في: اعتدي، و: اختاري، و: أمرك بيدك، وصدق في الخمس البواقي).

стр. 2081

قال: (وروي عن أبي يوسف أن قوله: قد خليت سبيلك، و: لا ملك لي عليك، و: لا سبيل لي عليك: بمنزلة هذه الخمس التي أوقع أبو حنيفة الطلاق بها). قال: (وروي عن أبي يوسف أيضًا أنه قال: قد فارقتك، و: قد خلعتك: بمنزلتهن أيضًا). قال أبو بكر: أما قوله في الخمس البواقي، فإنه يحتمل وجهين: يحتمل الشتيمة والسب، ويحتمل الطلاق، وليست دلالة الحال بأظهر في الطلاق منها في الشتيمة، فصدق على ما نوى. وأما قوله: اعتدي، و: اختاري، و: أمرك بيدك: فلا يحتمل السب والشتيمة، وحال الغضب يدل على قصد الطلاق والبينونة بهذه الألفاظ، فكذلك لم يصدق على أنه لم يرد الطلاق. قال أبو بكر: وأما قوله لها: اذهبي، و: قومي، أو: استتري، أو: تقنعي، أو: تخمري: فإنه إن نوى بها الطلاق: كان طلاقًا بائنًا، إلا أن ينوي ثلاثًا: فيكون ثلاثًا، وسواء كان في ذكر غضب، أو طلاق، فهو مصدق في أنه لم يرد الطلاق. وهو مفارق لجميع ما قدمنا ذكره من الألفاظ، من قبل أن البينونة مدلول عليها بهذه الألفاظ، وليست الألفاظ كناية عنها، فهو مصدق

стр. 2082

على ما نوى بها في الغضب وذكر الطلاق، وغيره. فإن قيل: فقوله: اعتدي: ليس من ألفاظ الطلاق، فلم لا نصدقه على نفي إرادة الطلاق في حال الغضب؟. قيل له: إنما اختلفنا من جهة أن قوله: اعتدي: فيما يتعلق به من حكم الطلاق، بمنزلة صريح الطلاق، ألا ترى أنه لا يقع به إلا رجعي، وليس كذلك سائر ما وصفنا. وأيضًا: فإن قوله: اعتدي: قد وردت به السنة في إيقاع الطلاق به، ولم ترد في سائر ما ذكرنا من الألفاظ. وأيضًا: فإن دلالة: اعتدي: على الطلاق، أظهر من دلالة اللفاظ التي ذكرنا؛ لأن العدة موجبة عن الفرقة، مختصة بها. والتقنع، والاختمار، والتستر، لا تدل بأنفسها على الطلاق، إذ ليست مختصة بها. وأيضًا: فإن هذه الألفاظ قد تحتمل معاني غير الطلاق مع ذكر الطلاق والغضب، وهو الإقصاء، والإعراض، بأن يقول لها: اخرجي: على جهة الطرد والإبانة، و: استتري: يريد به الإعراض عنها في ترك النظر إليه، فصدق من أجل احتمال اللفظ لذلك على ما أراد.

стр. 2083

مسألة: [حكم طلاق الثلاث في كلمة واحدة] قال أبو جعفر: (ومن طلق امرأته ثلاثًا في كلمة واحدة، وقد دخل بها، أو لم يدخل: طلقت ثلاثًا، ولا تحل له إلا بعد زوج يدخل بها). قال أبو بكر: أما وقوع الثلاث معًا على المدخول بها، فهو إجماع السلف من الصدر الأول، ومن بعدهم من التابعين، وفقهاء الأمصار. ولم يجعل أصحابنا قول من نفى من وقوع الثلاث معًا خلافًا؛ لأنهم قالوا فيمن طلق امرأته ثلاثًا معًا، ثم وطئها في العدة: أن عليه الحد، ولم يجعلوا قول من نفى وقوعه بشبهة في سقوط الحد عنه. * وأما طلاق الثلاث معًا لغير المدخول بها، ففيه خلاف بين السلف. قال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مغفل، وأنس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب: إنه تقع الثلاث معًا إذا قالهن في كلمة واحدة. وقال الحسن، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد: إذا طلقها ثلاثًا قبل

стр. 2084

الدخول: فهي واحدة، وروي عن ابن عباس مثله في إحدى الروايتين. * والدليل على وقوع الثلاث على المدخول بها في الطهر الواحد قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، وظاهره يقتضي وقوع الثلاث في الطهر الواحد، بأن تطلق ثنتين، ثم واحدة. فإن قيل: هذا محمول على قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾. قيل له: نستعمل الآيتين جميعًا، فنقول: إن المأمور به هو الإيقاع للعدة بهذه الآية، فإن لم يفعل وطلق لغير العدة، جاز بالآية الأخرى. ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾، ولولا وقوع طلاقه لغير السنة، لما كان ظالمًا لنفسه، ولا متعديًا لحدود الله، وكان بمنزلة من تكلم بكلمة لغو، لا حكم لها، ولا يصير بها ظالمًا لنفسه. وأيضًا: كونها منهيًا عنها، لا يمنع وقوعها؛ لأن الله تعالى جعل الظهار منكرًا من القول وزورًا، وألزمه مع ذلك حكم التحريم. ويدل عليه من جهة السنة: قصة يزيد بن ركانة حين طلق امرأته ألبتة،

стр. 2085

فحلفه رسول الله ﷺ ما أراد إلا واحدة، فلولا أن الثلاث كانت تقع بإرادته، ما كان لتحليفه عليها معنى. ويدل عليه حديث ابن عمر، وقد ذكرنا إسناده، أنه قال: "يا رسول الله! أرأيت إن طلقتها ثلاثًا؟ فقال: إذا عصيت ربك، وبانت منك امرأتك". وحديث أنس عن النبي ﷺ : "من طلق امرأته للبدعة، ألزمناه بدعته". وأيضًا: في حديث عبادة الذي قدمناه عن النبي ﷺ : "إن أباكم لم يتق الله، فلم يجعل له مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السنة". ومن جهة النظر: إن الزوج قد ملك الثلاث بعقد النكاح، فمن حيث ملك التفريق، وجب أن يملك الجمع، كما أن من له تزويج أربع نسوة متفرقات، جاز له أن يجمعهن في عقدة. فإن قال قائل: إنما ملك بعقد النكاح ثلاثًا يوقعهن في أطهار متفرقة، مثل الوكيل بإيقاع الثلاث في أطهار، ولا يجوز له جمعهن. قيل له: الوكيل لا يملك الطلاق بحال، وإنما هو معبر عن غيره، غير مطلق لنفسه، والزوج مالك للطلاق، ويطلق لنفسه، ألا ترى أن أحكام

стр. 2086

الطلاق تتعلق به، ولا تتعلق بالوكيل، فدل أنه مالك يوقع ما أوقعه من الثلاث المملوكة بالعقد. فإن قال قائل: روي عن ابن عباس "أن الثلاث كن على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر: واحدة، فلما رأى عمر الناس قد تتابعوا في الطلاق، أجاز ذلك عليهم". قيل له: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون لما رأى الناس يطلقون ثلاثًا في أطهار متفرقة قال: هذه الثلاث التي توقعونها، كان الناس في زمن النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر إنما يطلقون واحدة، ثم إن عمر أجاز عليهم، ولم ينكره؛ لأنه جائز لهم أن يطلقوا ثلاثًا للسنة. والوجه الآخر: أن يكون مراده في الطلاق الثلاث قبل الدخول، وقد روي ذلك عنه على هذا الوجه، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان قال: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس عن ابن عباس قال: "كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها: جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى عمر الناس قد تتابعوا فيها، فقال: أجيزوهن عليهم". ووجه ذلك عندنا: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق، فتقع

стр. 2087

الأولى، وتبين بها، ولا يقع ما بعدها؛ لأنه صادفها وهي أجنبية. فصل: وأما وجه إيقاع الطلاق الثلاث على غير مدخول بها: فهو أنه قد ملك الثلاث بعقد النكاح، وله إيقاعها مع بقاء الملك، إذ لا فرق بين الواحدة وبين الثلاث في أنه مالك للجميع، وإيقاعه صادف ملكا. والدليل على أنه قد ملك الثلاث بعقد النكاح: أنه لو طلقها واحدة فبانت منه، ثم تزوجها، ثم طلقها، ثم تزوجها فطلقها أخرى، أنها تبين بثلاث، فعلمنا أنه ملك الثلاث بالنكاح الأول، ألا ترى أنه لم يجعل الطلاق الثاني طلاقًا مستأنفًا، فدل ذلك على أنه قد ملك الثلاث بالنكاح الأول، ولا يختلف فيها حكم المدخول، وغير المدخول، كما لا يختلف حكمها في إيقاع الواحدة. وأيضًا: فإن الدخول لا يحدث له ملك طلاق، ولو دخل بها ثم طلق ثلاثًا معًا: وقعن كذلك قبل الدخول. فإن قيل: لما قال: أنت طالق: فقد بانت قبل أن يقول ثلاثًا، فلا يقع إلا واحدة. قيل له: هذا فاسدًا؛ لأن الكلام إنما يتعلق حكمه بآخره، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق على ألف درهم: لم يجز لنا إفراد الطلاق عن المال، وكذلك لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فإنا نعلق طلاقه بالشرط وإن لم يدخل بها، كذلك قوله: أنت طالق ثلاثًا.

стр. 2088

مسألة: [خيار المجلس في الطلاق] قال: (ومن خير امرأته، أو جعل أمرها بيدها: فإن لها الخيار ما دامت في مجلسها وإن مكثت يومًا، ما لم يقم، أو يأخذ في عمل آخر). قال أبو بكر: الأصل في تعلق الخيار على المجلس: ما روي عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، في آخرين من التابعين، ولم يرو عن أحد من نظرائهم خلافه من وجه صحيح، فصار إجماعًا من السلف، وصار ذلك أصلًا في نظائره من سائر ألفاظ التمليك أنها على المجلس. * وما جعل إلى المرأة من أمرها منه، فإنه سواء كان على وجه التمليك أو التوكيل: فهو على المجلس، ما لم يكن في اللفظ دليل على ما بعد المجلس. وذلك لأنها لا تكون وكيلًا في أمر نفسها، فسواء قال لها: أمرك بيدك، أو: طلقي نفسك إن شئت، أو: إن أحببت: فإن ذلك لا يختلف حكمه في تعلقه بالمجلس. والمعنى في جميع ذلك: أنه تمليك للطلاق يتعلق على المجلس، والأصل فيه ما ثبت عن السلف من تعلق الخيار على المجلس.

стр. 2089

* ويجوز أن نرده إلى أصل آخر، وهو قول النبي ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فأوجب لكل واحد منهما خيار القبول في المجلس الذي أوجبه له فيه. والمعنى فيه: أن قوله: قد بعتك هذا العبد بألف درهم: يوجب له تمليك القبول، إذ لا يجوز أن يكون توكيلًا، فلما تعلق تمليك القبول على المجلس، اعتبرنا ذلك في سائر ألفاظ التمليك، كالذي يقول لامرأته: طلقي نفسك، أو: أمرك بيدك، و: اختاري، ونحو ذلك. * وقال أصحابنا في الرجل يقول للرجل: طلق امرأتي، أو: اعتق عبدي: أن له أن يطلق، ويعتق بعد القيام من المجلس وقبله، وذلك لأن هذا التوكيل، والوكالة لا تتعلق على المجلس، وفرقوا بينه، وبين قوله للمرأة: طلقي نفسك، وللعبد: أعتق نفسك، في تعلقه على المجلس، وبين قوله ذلك لأجنبي؛ لأنهما لا يكونان وكيلين فيما جعل إليهما من الطلاق والعتق، والأجنبي يكون وكيلًا في ذلك. وإنما يكونا وكيلين في ذلك؛ لأنهما يوقعان ذلك لأنفسهما، ولا يكون الإنسان وكيلًا لغيره فيما يوقعه لنفسه.

стр. 2090

ألا ترى أن المشتري لا يكون وكيلًا فيما ملك من القبول؛ لأنه قبله لنفسه، كذلك المرأة والعبد فيما ملكا من العتق والطلاق، وأما إذا فوض ذلك إلى الأجنبي بألفاظ التمليك، فإنه يتعلق على المجلس أيضًا، نحو قوله: طلق امرأتي إن شئت، أو: أحببت، أو: هويت، أو نحو ذلك، أو قال له: أمرها بيدك، أو قد خيرتك في طلاقها، فإن جميع ذلك يتعلق على المجلس، لأنه من ألفاظ التمليك. [مسألة:] قال أبو جعفر: (فإن كانت قائمة فجلست: فهي على خيارها، وكذلك لو كانت متكئة فجلست، أو قاعدة فاتكأت، أو كانت تسير على دابة أو محمل فوقفت: فهي على خيارها). قال أبو بكر: الأصل فيه: أن كل ما دل من فعلها على الإعراض عن الجواب، وترك الإيقاع: فإنه ببطل الخيار، وما لم يدل على ذلك: فإنه لا يبطل الخيار. فقلنا على ذلك: إن جلوسها وهي قائمة لا يدل على الإعراض عن الجواب؛ لأنها يجوز أن تعقد لتتروى في أمر الخيار؛ لأن حال العقود أجمع للرأي والفهم. وكذلك لو كانت متكئة فقعدت، أو قاعدة فاتكأت؛ لأن الإنسان قد ينتقل إلى هذه الأحوال قاصدًا به اجتماع رأيه وفكره، ولينظر فيما جعل إليه من ذلك، فلم يكن في ذلك دليل على الإعراض عن الجواب.

стр. 2091

* قال: "إن كانت راكبة، فسارت فلا خيار لها". وذلك لأن سيرها يدل على الإعراض عن الجواب، كالمشي. * (وأما السفينة فهي بمنزلة البيت): لا يبطل خيارها بسيرها، والفرق بينها وبين الدابة: أن راكب الدابة هو الذي يسيرها، وراكب السفينة ليس هو الذي يسيرها. * قال: (وإذا قالت: ادع أبي أستشيره، أو ادع لي شهودًا أشهدهم على اختيار نفسي: فهي على خيارها). وذلك لأن هذا من أمر الخيار، فلا دلالة فيه على ترك الجواب. مسألة: [ما يتضمنه تخيير الزوجة في الطلاق] قال أبو بكر: واختلف السلف فيما يتضمنه الخيار من الإيقاع. فقال عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن يسار: إذا اختارت نفسها: فواحدة رجعية، وإن اختارت زوجها: فلا شيء. وقال علي بن أبي طالب: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها: فواحدة رجعية. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت نفسها: فثلاثًا، وإن اختارت زوجها:

стр. 2092

فواحدة رجعية، وهو قول الحسن. قال أبو بكر: قالت عائشة: "خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعده طلاقًا"، فهذا هو الأصل في أن الخيار ليس بطلاق ما لم تختر نفسها. فإن قال قائل: تخيير النبيىي ﷺ نساءه لم يكن في الطلاق، وإنما كان بين الدنيا والآخرة. قيل له: هذه خطأ، من قبل أن عائشة سئلت عن الرجل يخير امرأته؟ فقالت: "خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعده طلاقًا"، فأخبرت أن تخيير النبي ﷺ كان في الطلاق. وأيضًا: فإن تخييره إياهن بين الدنيا والآخرة، كان تخييرًا في الطلاق، لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾. فأخبر أن من اختارت الدنيا منهن، فقد اختارت الفراق. * ولو يوجب أصحابنا به أكثر من واحدة، لما ثبت أن التخيير ليس من ألفاظ الطلاق، وأن وقوع الطلاق به من طريق الحكم، تشبيه بسائر الخيارات الحادثة في الأصول، فدل على أن ما كان فيه خيار لا يكون أكثر

стр. 2093

من واحدة. فإن قال قائل: قوله: أمرك بيدك: ليس من ألفاظ الطلاق؛ لأنه لو أراد به الإيقاع قبل اختيارها نفسها، لم يقع، فوجب على قضيتك أن لا يقع به أكثر من واحدة. قيل له: ليس كذلك، من قبل أن قوله: أمرك بيدك: كناية عن الطلاق، كقوله: طلاقك بيدك، والخيار ليس كذلك. وإنما لم يقع به طلاق إذا قال: أمرك بيدك؛ لأنه لم يوقع شيئًا، وإنما ملكها أمرها، ألا ترى أنه لو قال: طلاقك بيدك: لم يقع به شيء؛ لأنه لم يوقعه، وإنما ملكها الطلاق. ولو أنه قال: قد أوقعت أمرك، وأراد الطلاق: طلقت بذلك؛ لأنه من ألفاظ الإيقاع، ولو قال: قد أوقعت خيارك: لم يقع به شيء، فعلم أنه ليس من ألفاظ الطلاق. فصل: وإنما قلنا إن الذي يقع بالخيار بائن ليس برجعي، من قبل أن سائر الخيارات الحادثة في الأصول مما يوجب الطلاق، فإنه يوجبه بائنًا، وهذا شبيه بها. وأيضًا: فلو كان رجعيًا، لم يكن للخيار معنى؛ لأن التخيير إنما وقع في أن تملك نفسها به، والطلاق الرجعي لا تملك به نفسها.

стр. 2094

مسألة: [ألفاظ لا يقع بها الطلاق] قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: بارك الله فيك، أو: أطعميني، أو: اسقيني، ونوى به الطلاق: لم يقع). لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، وليس هذا القول من ألفاظ الطلاق، لا صريحًا ولا كناية. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعلموا به". مسألة: [خيار المرأة في الطلاق] (ومن قال لامرأته: طلقي نفسك، أو قال: طلقي نفسك إن شئت: فهو سواء، وذلك على المجلس، وليس للزوج أن يرجع فيه). وذلك لما بينا من أن ذلك تمليك الطلاق على الوجهين، فتعلق على المجلس. وإنما لم يكن للزوج الرجوع فيه؛ لأنه بمنزلة الطلاق المتعلق بشرط، لأن ما كان تمليكًا، فإن وقوع الطلاق به متعلق بالمشيئة في المجلس، فصار كقوله: أنت طالق إن شئت، فلا يكون له الرجوع فيه، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، لم يكن له الرجوع فيه، كذلك كل ما كان

стр. 2095

تمليكًا على المشيئة. مسألة: [التوكيل في الطلاق] قال: (ولو قال لأجنبي: طلق امرأتي: كان له أن يطلقها في المجلس وبعده ما لم ينهه، فإن نهاه قبل أن يطلق: لم يكن له أن يطلق). وذلك لأن هذه وكالة، والوكالة لا تتعلق بالمجلس، كالوكالة بالبيع، والعتق، ونحوهما، وله أن ينهاه؛ لأن له عزل الوكيل متى شاء. مسألة: [خيار المجلس في التوكيل] قال أبو جعفر: (ولو قال لأجنبي: طلق امرأتي إن شئت: كان ذلك على المجلس، وليس له أن ينهاه). لأن ذكر المشيئة دلالة التمليك، وجواب التمليك يتعلق بالمجلس، كخيار القبول في البيع، ونحوه على ما بينا فيما تقدم. ولا يصح نهيه عنه؛ لأن ما كان تمليكًا للطلاق، لا يصح فيه النهي، كالرجل يقول لامرأته: أنت طالق بألف درهم، فيتعلق قبولها

стр. 2096

على المجلس، وليس للزوج الرجوع فيه قبل قبولها. وكقوله: هي طالق إن شئت في المجلس، وإن تكلمت في المجلس ونحوه من الكلام، وكذلك: هي مخيرة. فالتمليك يخالف التوكيل من وجهين: أحدهما: أن التمليك يتعلق بالمجلس، والوكالة ليس كذلك. والثاني: أنه لا يصح له الرجوع في التمليك، ويصح في الوكالة قبل الإيقاع. مسألة: [حكم اختيار نفسها] (ومن قال لامرأته: اختاري، فقالت: أنا اختار نفسي: كانت طالقًا). وذلك لأن قولها: أنا أختار نفسي، يصلح للحال وللاستقبال، والدليل على ذلك: قولك: أنا أعتقد الإسلام، معناه أنا معتقد له. وقال الله تعالى: ﴿والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك﴾، والمعنى أنهم مؤمنون به. وأما احتماله للاستقبال، فهو كقولك: أنا أدخل الدار، وأنا أصلي،

стр. 2097

ونحو ذلك، فلما احتمل اللفظ الأمرين جميعًا، كان قول الزوج مقتضيًا منها جوابًا في الحال، والاختيار لا يثبت حكمه إلا على وجه الجواب، فحملنا لفظه على الجواب، ليصح معناه، ونوفيه حظه من مقتضي الحال، فلذلك أوقعنا به الطلاق. مسألة: [لو قال: طلقي نفسك] قال أبو جعفر: (ولو قال لها: طلقي نفسك، فقال: أنا أطلق نفسي: لم تكن طالقًا). وذلك لأن قولها: أنا أطلق نفسي: مما يثبت حكمه على غير وجه الجواب؛ لأن لفظ الطلاق، وحكمه قائم بنفسه، لا يفتقر في صحة حكمه إلى كونه جوابًا، ألا ترى أنها إذا قالت: قد طلقت نفسي مبتدئة: صح حكمه، ووقف على إجازة الزوج، ولو قال لها الزوج: قد طلقتك: وقع به الطلاق. فلما كان لفظ الطلاق مما يثبت به حكمه بنفسه على غير وجه الجواب، لم نجعله جوابًا لاحتمال قولها: أنا أطلق نفسي، فلذلك لم يقع شيء. مسألة: [وصف الطلاق بصيغة المصدر] (وإذا قال لامرأته: أنت طالق طلاقًا: فإن نوى بواحدة فهي واحدة، يملك الرجعة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين فواحدة، يملك

стр. 2098

الرجعة). وذلك لأن قوله: طلاقًا: مصدر، والمصدر لا يختص بعدد دون عدد، ولا يصلح للواحد والجماعة، فهو في هذا الوجه يشبه لفظ الجنس والدليل على أن المصدر لا يختص بعدد: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾، فوصف الذكر بالكثرة، وهو مصدر، وإذا كان كذلك، صلح للواحد ولجميع عدد الطلاق. فإذا نوى واحدة: كانت واحدة، بمنزلة قوله: أنت طالق تطليقة. وإن نوى ثلاثًا: فثلاث؛ لأنه أراد جميع أعداد الطلاق. فإذا نوى اثنتين: فهي واحدة، من قبل أنه ليس في اللفظ عدد بعينه، وإنما فيه جملة عدد الطلاق أو أدناه، فأما عدد بعينه فليس يقتضيه اللفظ، فإذا لم ينو جملة الطلاق: كانت واحدة؛ لأن اللفظ محتمل لجماعة عدد الطلاق، وللواحدة، ولا يلزم به إلا واحدة؛ لأنها متيقنة، ولا نصرفه إلى الجماعة إلا بالنية، لأن النبي ﷺ لم يجعل ألبتة ثلاثًا إلا بالنية في قصة يزيد بن ركانة. وكذلك قوله: أنت طالق طلاق، وهو بهذه المنزلة؛ لأن قوله: الطلاق: اسم للجنس، والجنس لا يختص بعدد دون عدد، إنما يتناول

стр. 2099

جميع ما يشتمل عليه الجنس أو على الواحد منه، كقوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾، وقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾، ونحوهما من ألفاظ الأجناس، وقد بينا ذلك في الجامع الكبير عند قوله: إن تزوجت النساء. مسألة: [لو قال لها: أنت الطلاق] قال أبو جعفر: (ولو قال لها: أنت الطلاق: كان كذلك أيضًا". لأنه قد يعبر عن المفعول بالفعل، وعن الموصوف بالصفة، فيقام أحدهما مقام الآخر، كقول الشاعر: "خيل صيام وخيل غير صائمة". والصيام: فعل هو مصدر، كقولك: صمت صيامًا. وكما قال الآخر: ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت .... فإنما هي إقبال وإدبار

стр. 2100

يعني مقبلة ومدبرة، وهو مشهور في اللغة. وأيضًا: يجوز أن يكون قوله: أنت الطلاق، معناه: أنت طالق الطلاق، فيكون قوله: أنت طالق، مضمرًا فيه، لدلالة اللفظ عليه. مسألة: [لو قال لها: أنت طالق] قال أبو جعفر: (ولو قال: أنت طلاق: لم يكن أكثر من واحدة). وفرق بينه وبين قوله: أنت الطلاق. قال أبو بكر: وهذا الذي ذكره أبو جعفر من الفرق بينهما، لا نعرفه إلا على رواية رواها بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في قوله: أنت طالق طلاقًا: أنه لا يكون إلا واحدة وإن نوى أكثر منها. وأما على الرواية المشهورة في التسوية بين قوله: أنت طالق الطلاق، وأنت طالق طلاقًا، فإنه لا يبين وجه الفرق بين قوله: أنت طلاق، وبين قوله: أنت الطلاق. وحكي لنا أن الكسائي سأل محمد بن الحسن عو قول الشاعر:

стр. 2101

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن .... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشام فأنت طلاق والطلاق عزيمة .... ثلاث، ومن يخرق أعق وأظلم قال: فقال محمد: إن قال: والطلاق عزيمة ثلاث: طلقت واحدة بقوله: أنت طالق، وصار قوله: والطلاق عزيمة ثلاث: ابتداء وخبر غير متعلق بالأول، وإن قال: والطلاق عزيمة ثلاثًا: طلقت ثلاثًا، كأنه قال: فأنت طالق ثلاثًا، والطلاق عزيمة؛ لأن: "ثلاثًا": في هذه الحال تفير الموقع، فاستحسن الكسائي جوابه. مسألة: [تفويض الطلاق للزوجة بصيغة الأمر] قال: (وإذا قال لامرأته: طلقي نفسك، ينوي ثلاثًا، فطلقت نفسها: كانت طلاقًا ثلاثًا). وذلك لأن هذا أمر، والأمر لا يختص بعدد دون عدد، ألا ترى أمر الله إيانا بالصلاة، والصيام، وسائر الفروض لم يختص بعدد محصور، وجاز أن يريد به العدد الكثير، فصلح من أجل ذلك أن ينوي بقوله: "طلقي نفسك": ثلاثًا. مسألة: [قال: طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي] (وإذا قال لامرأته: طلقي نفسك، فقال: قد أبنت نفسي: كانت طالقًا).

стр. 2102

وذلك لأن البينونة تصح أن تكون طلاقًا؛ لأنه لو قال لها: قد أبنتك، ينوي الطلاق: طلقت، فجاز من أجل ذلك أن يكون قولها: قد أبنت نفسي: جوابا في إيقاع ما جعل إليها من الطلاق. * (ولو قالت: قد اخترت نفسي: لم يقع شيء). لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق. ألا ترى أنه لا يصح من الزوج إيقاع الطلاق بلفظ الخيار على ما بينا فيما سلف، ألا ترى أنه لو قال لها: قد خيرتك ونوى الإيقاع: لم يقع حتى تختار نفسها. مسألة: [تكرار لفظ الطلاق بلفظ الواو] (ولو قال لامرأته: أنت طالق، وطالق، وطالق، ولم يدخل بها: وقعت الأولى، ولم تقع غيرها). من قبل أنها قد بانت بالأولى قبل ذكر الثانية، فصادفتها الثانية وهي أجنبية، فلم تقع. وهذا هو عندنا معنى ما روي عن ابن عباس "أن طلاق الثلاث للتي لم يدخل بها: كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر: واحدة".

стр. 2103

فإن قيل: هل وقفت حكم الكلام على آخره، كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا. قيل له: لأن قوله: ثلاثًا: ليس بكلام مستقل، وإنما هو تفسير للفظ الأول، كقوله: أنت طالق بائن ونحوه، فوقف الكلام عليه. وقوله: "أنت طالق، وطالق، وطالق":الطلاق الثاني ليس بتفسير للأول، ولا هو مجموع إلى الأول في سبب جمعهما، فكان كلاما مستقلًا غير متعلق بالأول، فلم يقف أول الكلام عليه. مسألة: [تعليق الطلاق الثلاث بدخول الدار] قال أبو جعفر: (ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق إن دخلت الدار، فدخلت الدار: طلقت ثلاثًا وإن لم يكن مدخولا بها). وذلك لأن الواو للجمع، وقد ذكر في آخر الكلام ما يوجب تعلق الجميع مجموعا به، وهو الشرط، فصار كقوله: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار، ولم تكن الواو للاستقبال في هذا الموضع، لما دل عليه بآخر الكلام. مسألة: قال: (ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وطالق، وطالق، ولم يدخل بها، ثم دخلت الدار: طلقت واحدة بالدخول، ولا يقع مـ

стр. 2104

بعدها في قول أبي حنيفة". لأنه يصير عند الدخول كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت، فتقع الأولى، وتبين بها، ولم يقع ما بعدها. "وفي قول أبي يوسف ومحمد يقع ثلاثًا". لأن الجميع متعلق بالدخول، والدخول شرط في وقوعهن، فصارت الثلاث مجموعة معلقة بالدخول. قال أبو بكر: قد قالوا جميعًا: إنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم طالق، ثم طالق: أنها إذا دخلت الدار وقعت الأولى قبل الثانية وإن كان الجميع معلقًا بالدخول، وجعلوه كأنها دخلت، ثم قال الزوج ذلك، وهذا يشهد لأبي حنيفة عليهما. * قال أبو جعفر: (والفاء مثل الواو في جميع ذلك). وذلك لأن: "الفاء": تقتضي الجمع، وهي كالواو من هذا الوجه وإن كانتا تختلفان من وجه آخر. مسألة: [استعمال لفظ: "ثم": في الطلاق] قال: (ولو قال: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق إن دخلت الدار،

стр. 2105

وهي غير مدخول بها: فإنه تقع الأولى، وتبين في الحال، ويبطل ما بعدها في قول أبي حنيفة". لأن: "ثم": لما كانت للتراخي، فصلت بين الأولى والشرط، فوقعت في الحال، لأنه كالبادئ بإيقاعها. قال أبو بكر: وفي قول أبي يوسف ومحمد تتعلق الثلاث بالدخول، إلا أنها إذا دخلت: وقعت الأولى وبانت، ولم تقع الثانية والثالثة. فإن كانت مدخولًا بها: وقعت الثلاث واحدة بعد أخرى عندهما. وجه قول أبي حنيفة: أن: "ثم": للتراخي، وليست للجمع، فتقع الأولى وتبين، ويبطل ما بقي. وجعلها أبو يويف ومحمد للجمع، فتعلق الجميع بالدخول، إلا أنها وقعت على الترتيب. مسألة: [تعليق الطلاق بالشرط] قال أبو جعفر: (ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم طالق، ثم طالق: وقعت الثانية عند القول، وبانت، وبطلت الثالثة، ولا تقع أبدًا، والأولى معلقة بالدخول). وذلك لأن الأولى معلقة بالدخول، فلا تقع أو يوجد شرطها، والثانية مقطوعة عن الأولى: فتقع في الحال؛ لأنه طلاق مبتدأ، والثالثة
следующие страницы →