← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن .... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشام فأنت طلاق والطلاق عزيمة .... ثلاث، ومن يخرق أعق وأظلم قال: فقال محمد: إن قال: والطلاق عزيمة ثلاث: طلقت واحدة بقوله: أنت طالق، وصار قوله: والطلاق عزيمة ثلاث: ابتداء وخبر غير متعلق بالأول، وإن قال: والطلاق عزيمة ثلاثًا: طلقت ثلاثًا، كأنه قال: فأنت طالق ثلاثًا، والطلاق عزيمة؛ لأن: "ثلاثًا": في هذه الحال تفير الموقع، فاستحسن الكسائي جوابه. مسألة: [تفويض الطلاق للزوجة بصيغة الأمر] قال: (وإذا قال لامرأته: طلقي نفسك، ينوي ثلاثًا، فطلقت نفسها: كانت طلاقًا ثلاثًا). وذلك لأن هذا أمر، والأمر لا يختص بعدد دون عدد، ألا ترى أمر الله إيانا بالصلاة، والصيام، وسائر الفروض لم يختص بعدد محصور، وجاز أن يريد به العدد الكثير، فصلح من أجل ذلك أن ينوي بقوله: "طلقي نفسك": ثلاثًا. مسألة: [قال: طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي] (وإذا قال لامرأته: طلقي نفسك، فقال: قد أبنت نفسي: كانت طالقًا).

стр. 2102

وذلك لأن البينونة تصح أن تكون طلاقًا؛ لأنه لو قال لها: قد أبنتك، ينوي الطلاق: طلقت، فجاز من أجل ذلك أن يكون قولها: قد أبنت نفسي: جوابا في إيقاع ما جعل إليها من الطلاق. * (ولو قالت: قد اخترت نفسي: لم يقع شيء). لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق. ألا ترى أنه لا يصح من الزوج إيقاع الطلاق بلفظ الخيار على ما بينا فيما سلف، ألا ترى أنه لو قال لها: قد خيرتك ونوى الإيقاع: لم يقع حتى تختار نفسها. مسألة: [تكرار لفظ الطلاق بلفظ الواو] (ولو قال لامرأته: أنت طالق، وطالق، وطالق، ولم يدخل بها: وقعت الأولى، ولم تقع غيرها). من قبل أنها قد بانت بالأولى قبل ذكر الثانية، فصادفتها الثانية وهي أجنبية، فلم تقع. وهذا هو عندنا معنى ما روي عن ابن عباس "أن طلاق الثلاث للتي لم يدخل بها: كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر: واحدة".

стр. 2103

فإن قيل: هل وقفت حكم الكلام على آخره، كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا. قيل له: لأن قوله: ثلاثًا: ليس بكلام مستقل، وإنما هو تفسير للفظ الأول، كقوله: أنت طالق بائن ونحوه، فوقف الكلام عليه. وقوله: "أنت طالق، وطالق، وطالق":الطلاق الثاني ليس بتفسير للأول، ولا هو مجموع إلى الأول في سبب جمعهما، فكان كلاما مستقلًا غير متعلق بالأول، فلم يقف أول الكلام عليه. مسألة: [تعليق الطلاق الثلاث بدخول الدار] قال أبو جعفر: (ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق إن دخلت الدار، فدخلت الدار: طلقت ثلاثًا وإن لم يكن مدخولا بها). وذلك لأن الواو للجمع، وقد ذكر في آخر الكلام ما يوجب تعلق الجميع مجموعا به، وهو الشرط، فصار كقوله: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار، ولم تكن الواو للاستقبال في هذا الموضع، لما دل عليه بآخر الكلام. مسألة: قال: (ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وطالق، وطالق، ولم يدخل بها، ثم دخلت الدار: طلقت واحدة بالدخول، ولا يقع مـ

стр. 2104

بعدها في قول أبي حنيفة". لأنه يصير عند الدخول كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت، فتقع الأولى، وتبين بها، ولم يقع ما بعدها. "وفي قول أبي يوسف ومحمد يقع ثلاثًا". لأن الجميع متعلق بالدخول، والدخول شرط في وقوعهن، فصارت الثلاث مجموعة معلقة بالدخول. قال أبو بكر: قد قالوا جميعًا: إنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم طالق، ثم طالق: أنها إذا دخلت الدار وقعت الأولى قبل الثانية وإن كان الجميع معلقًا بالدخول، وجعلوه كأنها دخلت، ثم قال الزوج ذلك، وهذا يشهد لأبي حنيفة عليهما. * قال أبو جعفر: (والفاء مثل الواو في جميع ذلك). وذلك لأن: "الفاء": تقتضي الجمع، وهي كالواو من هذا الوجه وإن كانتا تختلفان من وجه آخر. مسألة: [استعمال لفظ: "ثم": في الطلاق] قال: (ولو قال: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق إن دخلت الدار،

стр. 2105

وهي غير مدخول بها: فإنه تقع الأولى، وتبين في الحال، ويبطل ما بعدها في قول أبي حنيفة". لأن: "ثم": لما كانت للتراخي، فصلت بين الأولى والشرط، فوقعت في الحال، لأنه كالبادئ بإيقاعها. قال أبو بكر: وفي قول أبي يوسف ومحمد تتعلق الثلاث بالدخول، إلا أنها إذا دخلت: وقعت الأولى وبانت، ولم تقع الثانية والثالثة. فإن كانت مدخولًا بها: وقعت الثلاث واحدة بعد أخرى عندهما. وجه قول أبي حنيفة: أن: "ثم": للتراخي، وليست للجمع، فتقع الأولى وتبين، ويبطل ما بقي. وجعلها أبو يويف ومحمد للجمع، فتعلق الجميع بالدخول، إلا أنها وقعت على الترتيب. مسألة: [تعليق الطلاق بالشرط] قال أبو جعفر: (ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم طالق، ثم طالق: وقعت الثانية عند القول، وبانت، وبطلت الثالثة، ولا تقع أبدًا، والأولى معلقة بالدخول). وذلك لأن الأولى معلقة بالدخول، فلا تقع أو يوجد شرطها، والثانية مقطوعة عن الأولى: فتقع في الحال؛ لأنه طلاق مبتدأ، والثالثة

стр. 2106

صادفتها وهي أجنبية، فلم تعمل. وفي قولهما: يتعلق الجميع بالدخول على وجه الترتيب، كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق تطليقة، وبعدها أخرى، وبعدها أخرى. مسألة: [اقتران الطلاق بلفظ بعد] قال أبو جعفر: (وإذا قال لها ولم يدخل بها: أنت طالق واحدة بعدها واحدة: وقعت الأولى وحدها). وذلك لأن المذكور أولًا هو الموقع أولًا، ألا ترى أنه لو قال: لقيت زيدا بعد عمر: أن زيدا هو المرئي أولًا. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قال: أنت طالق واحدة قبل واحدة: وقعت واحدة). للعلة التي ذكرناها، ألا ترى أنه لو قال: رأيت زيدًا قبل عمر: أن زيدًا هو المرئي أولًا. مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة: طلقت ثنتين". من قبل أن المذكور أولًا هو الموقع آخرًا، فيقع معه، ولا يقع قبله؛

стр. 2107

لأنه لو قال: أنت طالق أمس، وقد تزوجها قبل أمس: طلقت الساعة، ولم تقع في الوقت الماضي، ألا ترى أنه لو قال: رأيت زيدا قبله عمرو: أن زيدا المذكور أولًا هو المرئي آخرًا. مسألة: قال: "ولو قال: أنت طالق واحدة مع واحدة: طلقت اثنتين". لأن: "مع": للمقارنة، حتى يقوم الدليل على غيرها، كقوله: لقيت زيدًا مع عمرو، وكذلك قوله: أنت طالق واحدة معها واحدة. مسألة: [تعليق الطلاق بالموت] قال: (ولو قال: أنت طالق مع موتي أو موتك: لم يقع شيء). لأن: "مع": في هذا الموضع للتعقيب، لدخولها على الشرط، وهي وإن كانت في الحقيقة للمقارنة، فإنها تدخل على الكلام، ويراد بها التعقيب. والدليل عليه: قول الله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرًا﴾، ومعلوم أنهما لا يكونان معًا، وإنما يكون أحدهما عقيب الآخر، فإذا دخلت على الشرط، كانت بمعنى: بعد، لدلالة اللفظ عليه، وذلك أن حكم الشرط أن يتقدم، فيكون الجواب بعده؛ لأنه جعله سببًا لوقوع الجواب، وحكم السبب أن

стр. 2108

يتقدم المسبب. وإذا صح ذلك، صار قوله: أنت طالق مع موتي: بمنزلة قوله: أنت طالق بعد موتي. وكقوله: أنت طالق مع دخولك الدار، معناه: بعد دخولك الدار. مسألة: [تعليق الطلاق بشرط مستقبل] قال: (وإذا علق طلاقها بشرط مستقبل، سواء مما قد يكون، أو لا يكون: فإنه لا يقع شيء حتى يوجد الشرط، وليس عليه أن يعتزل امرأته". وذلك لأنه علق الطلاق بالشرط، ولم يوقعه في الحال، فلا يجوز إيقاعه دون وجود الشرط، كما لو قال: أنت طالق غدًا: لم يقع في الحال. وذلك لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، وهذا عقد. وقال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم". مسألة: [تعليق الطلاق على الغد] قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق في غد: طلقت إذا طلع الفجر من

стр. 2109

غد". وذلك لأن: "في": ظرف يجعل غدًا ظرفًا، لوقوع الطلاق فيه، فإذا وجد أول جزء منه: وقع، لوجود ما يقتضيه اللفظ. قال: "فإن قال: عنيت آخر النهار: دين في القضاء في قول أبي حنيفة". وذلك لأن لفظه مطابق لنيته، إذ كان وقوعه في آخر النهار، لا يخرج الوقت من أن يكون ظرفًا. وليس هذا بمنزلة قوله: أنت طالق غدًا؛ لأن هذا يقتضي أن تكون موصوفة بالطلاق في سائر أجزاء غد، لأن: "غدًا": اسم لجميع اليوم، وأما قوله: "في غد": فليس يقتضي ذلك، ألا ترى أنه لو قال: صمت شعبان: كان المعقول منه صوم جمعيه، ولو قال: صمت في شعبان: لم يعقل منه صوم جميع الشهر. مسألة: [تعليق الطلاق بمشيئة الله] قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: لم يقع به شيء).

стр. 2110

وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من خلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى". وفي بعض الأخبار: "فلا حنث عليه"، وقد بينا وجه ذلك فيما تقدم. مسألة: [تنصيف الطلاق] قال: (وإذا قال: أنت طالق نصف تطليقة: طلقت واحدة). وذلك لأن النصف يثبت حكمه في الأصول، كقولك: بعتك نصف هذا العبد، وأوصيت له بنصفه، فوجب أن يثبت النصف المذكور من التطليقة، ثم لما استحال وقوع النصف دون الباقي، وقع الجميع. ويحتج فيه أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾، ولم يذكر نصفها الله تعالى ولا غيره، فعمومه يقتضي وقوع الجميع. وكذلك قوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾، وسائر الآية الواردة في أحكام الطلاق.

стр. 2111

مسألة: [لو قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين] قال: (وإذا قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين: طلقت ثلاث). لأن نصف التطليقتين واحدة، فصار كقوله: أنت طالق ثلاثًا. مسألة: [لو قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك] قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: أنت طالق قبل أن أتزوجك: لم يقع شيء). لقول النبي ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح". * (وكذلك إذا قال: أنت طالق أمس، وإنما تزوجها اليوم). من قبل أن الوقت المضاف إليه الطلاق، لما لم يصح وقوع الطلاق فيه، لم يكن مطلقًا. * قال: "ولو كان تزوجها أول من أمس: وقع الطلاق الساعة". وذلك لأن الوقت المضاف إليه الطلاق، لما كان مما يصح أن يكون

стр. 2112

مطلقًا فيه، فتكون طالقًا في الحال بطلاق موقع في ذلك الوقت، فتضمن هذا القول منه إيقاعًا في الحال. مسألة: [إضافة الطلاق إلى الأعضاء] قال: "ومن قال لزوجته: رأسك طالق: طلقت". قال أبو بكر: هذه المسائل على ثلاثة أنحاء: أحدها: إيقاع الطلاق بذكر عضو يعبر في العادة به عن سائر البدن: وقع به الطلاق، نحو قوله: رأسك طالق، أو: فرجك، أو: رقبتك، أو: وجهك. وذلك لأن الرأس يعبر به عن جميع البدن، كقولك: عندي كذا وكذا رأسًا من الرقيق، وعندي كذا وكذا فرجًا. وقال الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وأراد الشخص. وقال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، وأراد ذاته. فما كان بهذا الوصف من الألفاظ فهو بمنزلة قوله: أنت طالق. والثاني: ما كان عبارة عن جزء شائع في جميع البدن، مثل النصف، والربع: فيقع به الطلاق، وذلك لأن الجزء الشائع في الجميع يثبت حكمه

стр. 2113

في الأصول، فوقع به الطلاق، ووقوعه في البعض، يقتضي وقوعه في الكل. والثالث: أن يذكر عضوًا بعينه لا يعبر به عن جميع البدن، مثل اليد، والرجل، والشعر: فلا يقع به شيء. لأن هذه الأعضاء لا يثبت حكمها في الأصول إلا على الوجه التبع، فلا يجوز إيقاع الطلاق فيه، ثم إلحاق الأصل به، لأنا لو فعلنا ذلك كنا قد أثبتنا حكمه لا على وجه التبع، وهذا لا يجوز. ألا ترى أنه ليس شيء من العقود يحتمل من الجهالة ما تحتمله الوصايا. ولا يصح مع ذلك في عضو بعينه من أعضاء الإنسان، فثبت أنه لا يتعلق به حكم في الأصول، فلم يتعلق به حكم فيما وصفنا. قال أبو بكر: وقال زفر: يقع الطلاق في قوله: يدك أو: رجلك طالق؛ لأن الطلاق في هذه الأعضاء لا يصح إلا بطلاق الأصل، فصار موقعا للطلاق في الأصل. قال أبو بكر: وهذا غير واجب؛ لأن الطلاق ينبغي أن يثبت في الموقع فيه، ثم يتبعه غيره، فأما أن يوقعه في الأصل الذي ليس بمذكور، ويتبعه المذكور، فهذا ضد مقتضي اللفظ.

стр. 2114

مسألة: [الشك في الطلاق] قال: (ومن شك في طلاق امرأته: فهي امرأته حتى يتيقن). وذلك لأن أصل النكاح يقين، فلا يزول بالشك، ألا ترى أن من كان على يقين من الطهارة لم تزل طهارته بالشك، وكذلك من كان حدثه يقينه لم يرتفع إلا بيقين. مسألة: [قال لامرأتيه: إحداكما طالق] قال: (ومن قال لامرأتيه: إحداكما طالق ثلاثًا، ولم ينو واحدة بعينها: فإنه قد طلقت إحداهما بغير عينها، ويؤخذ بإيقاعها على إحداهما بعينها). وذلك لأن جهالة المطلقة لا يمنع صحة الإيقاع، كما أن جهالة القفيز المبيع من هذه الصبرة لا يمنع صحة البيع، ويكون الزوج مخيرا في تعيينه في أيتهما شاء، كما أنه لو باع قفيزًا من صبرة كان عليه تعيين قفيز منها من أي جوانبها شاء. ويدل عليه حديث الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه "أنه أسلم وتحته أختان، فقال النبي ﷺ : طلق أيتهما شئت". فلما لم يكن يد من فراق إحداهما: جعل الخيار إليه فيهما.

стр. 2115

مسألة: قال أبو جعفر: (فإن مات الزوج قبل أن يبين، وهما غير مدخول بهما: فلهما جميعًا الصداق، ونصف بينهما نصفين، والميراث بينهما نصفين". وذلك لأن إحداهما قد طلقت، وسقط نصف مهرها، ولا نعرفها بعينها، فيدخل ضرره عليهما، فيكون المهر والنصف بينهما نصفين، لتساويهما فيه. وكذلك الميراث بينهما؛ لأن إحداهما امرأته مستحقة للميراث، والأخرى أجنبية لا شيء لها، فلما لم تعرف بعينها: تساويا جميعًا في دعوى الميراث، فكان بينهما. مسألة: [تشبيه الطلاق بالجبل] قال: (وإذا قال لها: أنت طالق مثل الجبل: طلقت تطليقة بائنة في قول أبي حنيفة). لأن تشبيهه إياها بالجبل يقتضي أن يكون المراد في عظم الجبل. ولم يختلفوا أنه لو قال: أنت طالق مثل عظم الجبل: أنها بائن. (وقال أبو يوسف ومحمد في قوله: أنت طالق مثل الجبل: أنه

стр. 2116

رجعي". إذ ليس في اللفظ ما يقتضي البينونة. مسألة: [الطلاق بملء الكون] قال: (ولو قال: أنت طالق ملء هذا الكون: فهي تطليقة بائنة في قول أبي حنيفة". لأنه قد وصف الطلاق بضرب من العظم، وإذا وصفه بضرب من العظم كان بائنًا. وفي قولهما: هو رجعي، كقوله: أنت طالق من هاهنا إلى الشام، ونحوه؛ لأنه لم يصف الطلاق بشيء، وإنما جعله في موضع دون موضع. وفي قولهما أيضًا: إن أراد ثلاثًا: كان ثلاثًا؛ لأنه يصح أن يريد به صفة التطليقة، فيكون واصفًا لها بضرب من العظم، فيصح إرادة البينونة العظمى. * قال: "ولو قال: أنت طالق تطليقة تملأ الكون: كانت طالقًا تطليقة بائنة في قولهم جميعًا". لأن هذه صفة راجعة إلى التطليقة، يقتضي لها زيادة عظم، وتلك

стр. 2117

الزيادة لا تكون إلا بينونة. مسألة: [من طلق كألف طلاق] قال: "ومن قال لامرأته: أنت طالق كألف: فهي واحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثًا". وذلك لأن: "الكاف": حرف تشبيه يقتضي المساواة بينهما من وجه دون وجه. ثم لا يخلو من أن يكون تشبيهه بالألف من طريق البينونة، أو العدد، فلو جعلنا من جهة العدد: لسقط معنى التشبيه، وصار كقوله: أنت طالق ألفًا، وفي وجوب إثبات حكم اللفظ ما يوجب أن يكون التشبيه واقعًا من جهة البينونة دون العدد. مسألة: [مشيئة المرأة في الطلاق] قال: (ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت، إن كان كذا لشيء ماض: وقع). لأنه موقع في الحال؛ لأن الماضي لا تنعقد به اليمين، وإنما هو الإيقاع في الحال، إذ كانت الأيمان إنما تنعقد على شروط مستقبلة، وما علقه بفعل ماض فليس بيمين، وإنما هو إيقاع في الحال. ولو قالت ذلك لشيء مستقبل: لم يقع، وخرج الأمر عن يدها؛ لأن

стр. 2118

ذلك عقد يمين، ولم يجعل إليها عقد اليمين، وإنما جعل إليها الإيقاع. مسألة: [التعبير عن الطلاق بالشديد والطويل وغيره] قال: (ومن طلق امرأته تطليقة شديدة، أو طويلة، أو عريضة: كانت طالقًا تطليقة بائنة). وذلك لأنه وصف التطليقة بضرب من العظم، وتلك الزيادة التي وصفها به ينبغي أن يكون بينونة، إذ لو لم تثبت البينونة كنا قد ألغينا الصفة مسألة: [الطلاق من ههنا إلى الشام] قال: (ولو قال أنت طالق من ههنا إلى الشام: كانت طالقًا تطليقة رجعية). لأنه لم يصف التطليقة بشيء، وإنما وصف المرأة بأنها طالق في مكان دون مكان، وهي متى طلقت في موضع: طلقت في سائر المواضع، وتخصيصه لبعض المواضع بكونها طالق فيه لغو لا معنى له. مسألة: [الطلاق بلفظ أقبح الطلاق] قال: "ولو قال: أنت طالق أقبح الطلاق: فهو بائن، إلا أن ينوي ثلاثًا".

стр. 2119

وذلك لأن أقبح الطلاق: أن يكون لغير السنة، ويكون منهيًا عنه، وذلك قد يكون واحدة بائنة، ويكون ثلاثًا، فيلزمه الأقل، ولا يلزمه الأكثر إلا باعترافه. مسألة: [الطلاق بلفظ أحسن الطلاق] قال: (ولو قال: أنت طالق أحسن الطلاق: كان للسنة). لأن أحسنه أن يكون للسنة، وهذا إنما أقع ضربًا من الطلاق دون ضرب، فيقع على ما أوقع. مسألة: [الطلاق بلفظ حسنة وجميلة] قال: "ولو قال: أنت طالق تطليقة حسنة، أو جميلة: وقعت واحدة في الحال وإن كانت حائضًا". وذلك لأنه لم يصف الطلاق إلى وقت، ولم يعلقه بشرط، وما كان هذا وصفه من الطلاق: فهو واقع في الحال. وليس هذا كقوله: أحسن الطلاق؛ لأنه موقع في هذا ضربًا من الطلاق دون ضرب، وقوله: تطليقة حسنة: إيقاع في الحال؛ لأن التطليقة لا توصف بأنها حسنة. وجعل أبو يوسف قوله: تطليقة حسنة: بمنزلة قوله: أحسن الطلاق،

стр. 2120

فتقع للسنة. مسألة: [طلاق المخيرة] قال: "إذا قال لامرأته: اختاري، اختاري، اختاري، فقالت: قد اخترت نفسي بالأولى، أو الوسطى، أو الأخرى: فهي طالق ثلاثًا، وقال أبو يوسف ومحمد: هي واحدة. ولو قالت: قد طلقت نفسي واحدة: كانت طالقًا واحدة بائنًا في قولهم جميعًا". مسألة: "ولو قالت: قد اخترت نفسي بواحدة، أو قالت: قد اخترت نفسي واحدة: كانت طالقًا ثلاثًا في قولهم جميعًا". قال أبو بكر: هاتان المسألتان لا خلاف فيهما، وذلك لأن قولها: قد اخترت نفسي بتطليقة، أو: طلقت نفسي واحدة: لا إشكال فيه أنه اختيار منها لتطليقة واحدة مما ملكت من التطليقات الثلاث بالتخييرات المختلفة، وقولها: قد اخترت نفسي بواحدة، بمنزلة قولها: بمرة واحدة. وكذلك قولها: قد اخترت نفسي واحدة، كأنها قالت: مرة واحدة،

стр. 2121

وهي تكتفي باختيار واحدة في إيقاع الثلاث؛ لأنها لو قالت: قد اخترت نفسي: لوقع الثلاث في قولهم جميعًا، وكان ذلك جوابًا لجميع الكلام. وذلك لأن الجواب بالواحدة يجوز أن يحصل به اختيار الثلاث، بمنزلة الشرط الواحد، يجوز أن يحنث به في أيمان كثيرة. ألا ترى أنه لو قال لها: أنت طالق إن شئت، أنت طالق إن شئت، أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت: أنها تطلق ثلاثًا، ويكون قولها: قد شئت: جوابا عن جميع ما ملكت من مشيئة الطلاق. وإذا صح هذا، قلنا في قوله: قد اخترت نفسي بالأولى التي ملكتها، يحتمل أن يكون راجعًا إلى الاختيار، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى التطليقة الأولى، وكان صرفه إلى الاختيار أولى منه إلى التطليقة؛ لأن التخيير موجود في لفظ الزوج، والطلاق غير موجود فيه، وإنما يقع من جهة الحكم، فكان صرفه إلى ما اقتضاه لفظ الزوج من الاختيار أولى من صرفه إلى الطلاق. ومن جهة أخرى: إنها لو قالت: قد اخترت نفسي: كان ذلك جوابا للتخييرات الثلاث، فإذا قالت: بالأولى، واحتمل أن يكون راجعًا إلى التطليقة الأولى، واحتمل الاختيار الأول: لم يغير حكم قولها: اخترت نفسي بالاحتمال، ولم يخرجه عن حد الجواب لجميع الكلام بالجواب، فوقعت الثلاث، وأقل أحواله حين احتمل الأمرين جميعًا، أن يسقط حكمه، ويبقى قولها: اخترت نفسي، فيقع به الثلاث. * (وأبو يوسف ومحمد صرفاه إلى التطليقة).

стр. 2122

لأنه لما احتمل صرفه إلى التطليقة، واحتمل صرفه إلى الاختيار لم يلزماه الثلاث بالشك. فصل: [صورة جديدة للمسألة السابقة المخيرة] قال: (ولو كان يشترط في الآخرة ألف درهم، فقالت: قد اخترت نفسي بالأولى: وقع الثلاث، ولزمها ألف في قول أبي حنيفة). لأن ذلك عنده اختيار الثلاث، فقد اختارت التطليقة الأخيرة المشروط فيها الألف. (وفي قول أبي يوسف ومحمد: يقع واحدة بغير مال). لأنهما رداه إلى التطليقة الأولى، وليس فيها مال. * وإن اختارت نفسها بالآخرة: لزمها ألف في قولهم جميعًا، ويقع الثلاث في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: تقع الأخيرة فحسب. مسألة: [صورة جديدة لمسألة المخيرة] قال: (ولو قال: اختاري، واختاري، واختاري بألف درهم، فاختارت نفسها بالأولى: طلقت ثلاثًا، وعليها ألف درهم، في قول أبي حنيفة).

стр. 2123

لأنه لما أدخل: "الواو": عليها، و"الواو" بابها الجمع، صار كقوله: اختاري ثلاثًا بألف درهم، واختيارها للأولى اختيار الثلاث في قول أبي حنيفة، فطلقت في قوله ثلاثًا بألف. "وأما قول أبي يوسف ومحمد: فإنها لا تطلق". لأن عندهما: أن اختيارها للأولى، إنما هو اختيار تطليقة واحدة من الثلاث، فلو جاز لوقعت بثلث الألف، وهو لم يرض بأن تملك بضعها إلا بحصول الألف له، فلا يجوز أن تملكه بثلث الألف، كرجل قال لامرأته: طلقي نفسك ثلاثًا بألف درهم، فطلقت نفسها واحدة: فلا يقع شيء. مسألة: [اقتران الطلاق بحرف: "الباء"] قال: " (إذا قالت له امرأته: طلقني ثلاثًا بألف درهم، فطلقها واحدة: طلقت واحدة بثلث الألف). لأن: "الباء": تصحب الأبدال، وليس فيها معنى الشرط، فجعلت الألف بدلا من الثلاث، لكل واحدة ثلث الألف، فلا يكون إيقاع الثلاث شرطًا في استحقاق المال؛ لأنه ليس في اللفظ ما يوجب أن يكون بعضها شرطًا في بعض، وقد رضي الزوج بأن يملكها نفسها بثلث اللف، فوقعت الواحدة. وليس ذلك مثل قول الزوج لها: طلقي نفسك ثلاثًا بألف، فتطلق نفسها واحدة؛ لأن الزوج لم يرض أن تملك بضعها إلا بالألف كلها، فلو

стр. 2124

أوقعنا الواحدة: طلقت ثلاثًا بثلث الألف. [مسألة: اقتران الطلاق بحرف: "على"] * قال: (ولو قالت: طلقني ثلاثًا على ألف درهم، فطلقها واحدة طلقت واحدة بغير شيء في قول أبي حنيفة). وذلك لأن: "على": شرط، فقد جعلت وقوع الثلاث شرطًا في استحقاق المال. والدليل على أن: "على":شرط، أنك تقول: أعطيك هذا المال على أن تدخل الدار، و: على أن تكلم فلانا، فيكون ذلك شرطًا. وليس كذلك: "الباء"، لأن: "الباء": تصحب الأبدال في الأثمان، وليس فيها معنى الشرط. "وفي قول أبي يوسف ومحمد: تطلق واحدة بثلث الألف، كقولها: بألف". لأن الألف قد جعلت بدلا من الثلاث في المسألتين جميعًا. مسألة: [اقتران الطلاق بحرف: "من"، و: "إلى"]

стр. 2125

(وإذا قال لها: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث: طلقت اثنتين قي قول أبي حنيفة). وذلك لأن الغاية لما كان من شأنها أنها تدخل في الكلام تارة، ولا تدخل أخرى، ولم يكن في اللفظ دلالة على دخولها وخروجها: لم نثبتها بالشك. فإذا كان أصل اليقين بقاء الزوجية، صارت الثلاثة مشكوكا فيها، فلم نوقعها بغير دلالة. (وفي قولهما: يقع ثلاثًا)؛ لوجودها في لفظ الإيقاع، ولا يخرج منه شيء بغير دلالة، وقد بينا هذه المسألة في مواضع. مسألة: [اقتران الطلاق بلفظ: "ما لم"] قال: (وإذا قال لامرأته: أنت طالق ما لم أطلقك، ثم سكت: طلقت). وذلك لأن: "ما": في هذا الموضع بمعنى الوقت، كأنه قال: أنت طالق وقتًا لم أطلقك، فإذا وجد بعد اليمين وقت لم يطلقها فيه: طلقت باليمين. [مسألة:] قال: (ولو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك: لم تطلق باليمين حتى

стр. 2126

يموت، ولم يطلقها قبل ذلك، فتطلق في آخر أجزاء حياته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: تطلق إذا سكت بعد اليمين). قال أبو بكر: لم يختلفوا أنه إذا قال: أنت طالق إن لم أطلقك: أنه على المهلة، وعلى أنه لا يحكم بتطليقها حتى يموت. ولم يختلفوا أيضًا أنه لو قال: أنت طالق متى لم أطلقك: أنه على الفور، فإن سكت عقيب اليمين: طلقت. واختلفوا في: "إذا": على الوجه الذي قدمنا، فجعل أبو حنيفة: "إذا": بمعنى: "إن"، وجعلها أبو يوسف ومحمد بمعنى: "متى". والأصل في ذلك أن: "إن": شرط محض، ليس فيه وقت، وأن: "متى": وقت، و: "إذا": شرط فيه معنى الوقت. ألا ترى أنه لو أراد أن تكون: "إذا": على الفور، كانت على الفور عندهم جميعًا، وأنه لو أراد أن تكون على المهلة: كانت على المهلة في قولهم. * وإذا كانت: "إذا": واسطة بين: "متى"، و: "إن": يحتمل أن يراد بها كل واحد من المعنيين في الحال: حملها أبو حنيفة على المهلة، وذلك لأن وقوع الطلاق في الحال مشكوك فيه، فلم يوقع فيه الطلاق إلا بيقين، ولم يوقعه بالاحتمال.

стр. 2127

ومما يدل على أن: "إذا": ليست بوقت محض: أنها لو كانت كذلك، لجاز أن تقوم مقام: "متى": في سائر الأحوال، إذ كانت مثل: "متى" وقتًا. وقد علمنا أنه قد يصح أن نقول: متى لقيت زيدًا؟ ولا يجوز أن نقول: إذا لقيت زيدًا؟ وهو يريد به استفهام الوقت. ولو كانت بمنزلة: "متى"، لجاز أن يستفهم بها الأوقات، فصح أنها مفارقة لـ: "متى": من هذا الوجه، وأن: "إذا": واسطة بين الوقت والشرط، فجاز أن تلحق بها تارة، وتفارقها تارة. ويدل على أن: "إذا": قد تكون بمعنى: "إن"، وهي شرط محض: قول الشاعر: وإذا تصبك خصاصة فتجمل معناه: "وإن تصبك"، ولولا ذلك لما جزم الفعل. * و: "إن": قد تكون بمعنى: "إذا": أيضًا، نحو قوله تعالى: ﴿متاعًا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾. معناه: إذا خرجن، يعني به مضي الوقت، وهو الحول المؤقت به للعدة، إذ لو كان المراد: الشرط، لكان جائزا لها أن تتزوج أي وقت خرجت فيه.

стр. 2128

وأيضًا: فإن الناس لا يفرقون في العادة بين: "إذا"، و: "إن": في مثل ذلك، كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار، و: إذا دخلت الدار. فإن قيل: فلو قال لها: أنت طالق إن شئت: كان على المجلس، وإذا شئت: على المجلس وبعده. قيل له: لأن: "إذا": لها حظ من الوقت، ومن الشرط، وليست هي شرطًا محضًا، ولا وقتًا محضًا، وإنما تكون تارة في معنى الشرط، وتارة في معنى الوقت، على حسب قيام الدلالة عليه، لما بينا، فلذلك كانت حالها على ما وصفنا. * وإذا قال: أنت طالق إذا شئت: فقد ثبتت لها المشيئة في الإيقاع، فلم نبطلها بالقيام عن المجلس إذا كانت: "إذا": محتملة للوقت والشرط؛ لأنه كما لا يجوز الإيقاع بالشك، لم يجز إبطال ما ثبت لها من حق الإيقاع بالاحتمال، فحملناه على سائر الأوقات، كما قلنا في قوله: أنت طالق إذا لم أطلقك: أنا لا نوقعه بالاحتمال. مسألة: [اقتران الطلاق بلفظ: "كم"، و: "ما"] قال: (ومن قال لامرأته: أنت طالق كم شئت، أو: ما شئت: لم تطلق إلا ما شاءت من الطلاق في مجلسها). لأن لفظ المشيئة يقتضي تعلقه بالمجلس، ما لم يكن فيه دلالة

стр. 2129

على غيره. أما قوله: "كم": فهو للعدد، كقولك: كم معك من درهم؟ ومن ثوب؟ وأما: "ما": فإنها بمعنى: "الذي"، كأنه قال: الذي شئت من الطلاق، فيتناول الجميع. مسألة: [اقتران الطلاق بلفظ: "كلما"] قال: (ولو قال لها: طلقي نفسك كلما شئت: كان لها أن تطلق نفسها وإن قامت من مجلسها واحدة بعد واحدة حتى تبين منه بثلاث). وذلك لأن: "كلما": ينتظم معنيين: الوقت والتكرار، فلم يتعلق على المجلس، لما يتضمنه من معنى الأوقات، كقوله: أنت طالق أي وقت شئت، ولما كان فيها معنى الإحاطة والتكرار، كان لها إيقاع الثلاث واحدة بعد أخرى. مسألة: [اقتران الطلاق بلفظ: "كيف"] قال: (ولو قال لها: أنت طالق كيف شئت: وقعت واحدة رجعية، ولها أن تجعل الطلاق ثلاثًا، وأن تجعله بائنًا في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع الطلاق عليها حتى تطلق نفسها).

стр. 2130

قال أبو بكر: أراد بقوله: "لها أن تجعل الطلاق ثلاثًا، وأن تجعله بائنًا": إذا نوى الزوج ذلك؛ لأن الزوج إن لم ينو ذلك: لم يكن لها أن توقع الثلاث والبائن، وذلك مروي عن أبي حنيفة. وجه قول أبي حنيفة في وقوع الواحدة قبل المشيئة: أن: "كيف": للصفة، فهذا قد أوقع الطلاق في الحال، وجعل إليها المشيئة في صفته، فاقتضي ذلك وقوع الطلاق. ويدل على أن: "كيف": للصفة: أنه يقع بها السؤال عن صفة الشيء بعد ثبات عينه، تقول: كيف فلان؟ فتستخبر عن صفته. * ثم المشيئة إليها في إيقاع البائن والثلاث إذا أراده الزوج؛ لأنه إذا احتمل الثلاث والواحدة البائن: وجب الرجوع إلى قوله، كما لو قال لها: أبيني نفسك، أو: أمرك بيدك: كان الرجوع إلى قول الزوج في إيقاع الثلاث، والواحدة البائنة. وجعل أبو يوسف ومحمد المشيئة مشروطة في أصل الطلاق وصفته. مسألة: [مسألة الهدم] قال: (ومن طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم انقضت عدتها، وتزوجت بعده زوجًا، ودخل بها، ثم طلقها أو مات عنها، وانقضت عدتها، ثم رجعت إلى الأول، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: ترجع إليه

стр. 2131

على طلاق جديد، وهو ثلاث تطليقات. وقال محمد: ترجع إليه على ما بقي من الطلاق". قال أبو بكر: يروى قول أبي حنيفة عن ابن عباس، وابن عمر، وشريح وأصحاب عبد الله، وإبراهيم. ويروى نحو قول محمد عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، والحسن، وسعيد بن المسيب. وجه قول أبي حنيفة: أن الزواج الثاني لا يخلو بعد الثلاث من أن يؤثر في رفع العدد أو التحريم، فلو كان تأثيره في رفع التحريم، لوجب أن يرفع الثالثة؛ لأن التحريم بها يحصل، وكانت تعود إليه على ثنتين، وهذا فاسد، فدل أن الزواج الثاني يؤثر في رفع العدد والتحريم جميعًا. وإذا ثبت أنه يرفع العدد الذي يوجب التحريم، كما يرفع التحريم،

стр. 2132

وجب أن يرفع ما دون الثلاث. فإن قال قائل: الزواج الثاني لا يرفع شيئًا، وإنما يبيحها للزوج الأول. قيل له: قد علمنا أن حكمها يختلف في عودها إليه على ثلاث مستقبلات، أو على بعض الثلاث. وتأثير الزواج الثاني إنما هو في عودها على ثلاث مستقبلات، سواء كان الأول طلق ثلاثًا أو ما دونها، بالدلالة التي ذكرنا، ثم إن شئت عبرت برفع العدد، وإن شئت فلا؛ لأنا نسلم لك العبارة بعد الموافقة على المعنى. فإن قال قائل: التحريم لم يتعلق بالثالثة دون ما قبلها من الثنتين، فلا معنى لقولك إن الزواج الثاني لو كان إنما يؤثر في رفع التحريم، لرفع الثالثة وحدها. قيل له: فإن كان التحريم متعلقًا بالثلاث، فوجب أن يرفع الثلاث؛ لأنه يرفع ما تعلق به التحريم. وأيضًا: لما كان للزواج الثاني تأثير في رفع الثلاث، فما دونها

стр. 2133

أحرى بأن يرفعها، كما أن الحدث لما كان رافعًا لطهارة الأعضاء، كان رفعه لطهارة بعضها أولى. فإن قال قائل: إنما رفع الزواج الثاني الثلاث؛ لأنه يحتاج إليه في رفعها، وما دون الثلاث لا يفتقر إلى الزواج الثاني في إباحتها للأول، فلم يعمل، وكان وجوده وعدمه بمنزلة. قيل له: أول ما في هذا: أنه سؤال ساقط؛ لأنك نصبت علة في الثلاث لا تنافي اعتلالنا، لأنك علقت بها حكم الإباحة للزوج الأول، وعودها إليه على ثلاث، فليس ذلك بمعارضة. والثاني: أنها علة مقصورة الحكم على موضع النص والاتفاق، وما كان هذا سبيله من العلل فهو ساقط. وأيضًا: فإن كان الزواج الثاني مشروطًا لما يفتقر إليه في إباحتها للأول، فهو إنما يفتقر إليه في رفع الثالثة وعودها إليه على تطليقتين، فدل على سقوط هذا الاعتبار. وأيضًا: النجاسة اليسيرة لا يحتاج إلى غسلها في إباحة الصلاة، ولو غسلها صح غسله لها. فإن قيل: العاقلة تتحمل خمسمائة، ولا تتحمل ما دونها عندك،

стр. 2134

فاختلف حكم القليل والكثير فيها. قيل له: فينبغي أن تسوي بين الثلاث وما دونها، من حيث لم يختلف حكم القليل والكثير فيما تحمله العاقلة عندك، فهذا السؤال لا يصح لك. وعلى أصلنا إنما افترقا من قبل أن العاقلة تحمل عن الجاني على وجه المواساة، وحمل الثقل عنه، والقليل قد يمكنه التحمل في العادة، فلم يلزم العاقلة، والكثير قد يعجز عنه في العادة، فأمرت العاقلة بالمواساة. وأما الطلاق فحكم القليل والكثير لا يختلف فيما يتعلق به من الحكم عند عوده إلى الأول بعد الزواج الثاني، لما بينا. مسألة: [تحويل الرجعية إلى الثلاث] قال أبو جعفر: (وإذا طلقها تطليقة رجعية، ثم قال لها قبل انقضاء العدة: قد جعلت تلك التطليقة ثلاثًا، أو بائنًا: كانت كما جعلها في قول أبي حنيفة). وذلك لأنه قد كان يملك إيقاعها بائنًا في الابتداء، فجاز أن يلحقها

стр. 2135

بها؛ لأنه يملك البينونة في هذه الحال، كما كان يملكها في الابتداء. وأيضًا: فإن التطليقة الرجعية قد يجوز أن تلحقها البينونة بعد وقوعها رجعية، ألا ترى أنها تصير بائنة بانقضاء عدتها، فكذلك جائز له تعجيل البينونة فيها. وأما إذا جعلها ثلاثًا، فإنما ألحق بها تطليقتين أخريين، فيصح ذلك، وتكون طالقًا في الحال، كقوله: أنت طالق ثنتين قبل هذا الوقت، فتطلق في الحال، ولا تطلق قبل ذلك. * قال: (وقال أبو يوسف: إن جعلها ثلاثًا: لم تكن ثلاثًا). لأن الواحدة لا تكون ثلاثًا أبدًا، فصار كقوله: جعلتها ثلاثًا لغوًا. (وإن جعلها بائنًا: كانت بائنًا). لأن البينونة صفة لها، يصح إيقاعها معها، فجاز له أن يلحقها معها. * قال: (وقال زفر ومحمد: لا تكون ثلاثًا، ولا بائنًا). لأن الطلاق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، فلا يتغير حكمه بما وصفه به بعد وقوعه. وهذا لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن الرجعي يصير بائنًا بانقضاء العدة. فإن قال: فالواحدة لا تكون ثلاثًا أبدًا، فينبغي أن لا يصح إلحاقها بها. قيل له: إنما ألحق الثلاث على معنى: أنه جعل القول الأول، وهو

стр. 2136

قوله: أنت طالق واحدة، بمنزلة قوله: أنت طالق ثلاثًا، وهذا معنى يصح إيقاعه ابتداء، فكذلك جائز إلحاقه به على هذا الوجه، ولا يحمل الأمر على أنه جعل الواحدة ثلاثًا؛ لأن الواحدة بعينها لا تكون ثلاثًا أبدًا، إلا أن يحمل على معنى: أنت طالق واحدة ثلاثًا، فتقع الثلاث، لأنه لو لفظ به ابتداء على هذا الوجه: صح، فكذلك يجوز إلحاقه به. مسألة: [طلاق الأجنبية قبل الزواج] قال: (وإذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق: طلقت إذا تزوجها). وذلك لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾، فحكم بصحة طلاقه بعد النكاح، ثم نظرنا في مسألتنا هل الطلاق فيها موقع بعد النكاح أو قبله؟ فلما اتفق الجميع على أنه لو قال لامرأته: إذا بنت مني فأنت طالق: لم يكن مطلقًا في النكاح وإن كان القول منه في حال النكاح، فتعلق الحكم فيه بحال الإضافة دون حال عقد اليمين، علمنا بذلك أن القائل للأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق: أنه مطلق بعد النكاح، فوقع طلاقه بعموم الآية. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن من شرط صحة النذر:

стр. 2137

الملك، كما أن من شرط صحة الطلاق: النكاح، ثم اتفق الجميع على أنه لو قال: إن رزقني الله مالا فلله علي أن أتصدق ببعضه، ثم ملكه: لزمته الصدقة، وكان هذا ناذرا في ملك، وقد نص الله تعالى على وجوب ذلك بقوله: ﴿ومنهم من عهد الله لن آتانا من فضله لنصدقن﴾ الآية، فذمهم على ترك الوفاء بالنذر المضاف إلى الملك. فلما كان هذا ناذرا في الملك من أجل إضافته إلى الملك وإن لم يكن مالكا في الحال، كذلك مضيف الطلاق إلى النكاح، مطلق في الملك وغن كان غير مالك في الحال. * وأما قوله ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح": فهو محمول عندنا على حقيقته، وهو الإيقاع قبل النكاح. وأما عقد طلاق قبل نكاح، فلم يتناوله اللفظ؛ لأن عقد الطلاق ليس بطلاق، وإنما يسمى عقد اليمين بالطلاق طلاقًا: على جهة المجاز، دون الحقيقة. وأيضًا: لو أوصى الرجل بثلث ماله، ولا مال له، ثم استفاد مالا، صحت الوصية فيه، وكان بمنزلة ما كان مالكه، لأجل إضافته إلى ملكه، كأنه قال: أوصيت له بثلث مالي عند الموت، ولو أوصى بمال غيره، لم

стр. 2138

تصح الوصية، فصارت إضافته إلى ملكه كوجود الملك في حال الإيجاب، كذلك الطلاق. وأيضًا: قال النبي ﷺ لعمر ﵁ في ماله بخيبر حين أراد أن يتصدق به: "حبس أصلها، وتصدق بثمرتها". فأجاز له الصدقة بثمرة ليست في ملكه إذا كانت في وقت وجوب الصدقة بها في ملكه، وكذلك الطلاق. وهكذا وجب أن يكون كذلك حكم قوله لأمته: إذا ولدت ولدا فهو حر، وإذا صح ذلك في ولد الأمة، صح في الطلاق إذا قال: إن تزوجتك فأنت طالق؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما. وقد تكلمنا في هذه المسألة في غير هذا الموضع بأكثر من هذا. ويروى نحو قولنا عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، ومجاهد. وكان علي ﵇ وابن عباس ﵄ يقولان: لا يقع. وقال الشعبي وإبراهيم: إن خص قبيلة وقع، وإن عم لم يقع.

стр. 2139

مسألة: قال أبو جعفر: (فإن دخل بها بعد التزويج: فلها مهر ونصف). قال أبو بكر: يجب لها نصف مهر؛ لوقوع الطلاق قبل الدخول، ومهر بعد الدخول؛ لأنه دخل بها بعد وقوع البينونة، وارتفاع الزوجية على شبهة النكاح. مسألة: قال: (فإن تزوجها بعد ذلك: لم يقع عليها طلاق). وذلك لأن قوله: إن تزوجتك: شرط ليس فيه تكرار، وكذلك قوله: متى: ليس فيها ما يوجب التكرار، فوقع على مرة واحدة. مسألة: [الطلاق بلفظ: "كلما"] قال: (ولو قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق: طلقت كلما تزوج). لأن: كلما: تجمع الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الفعل، والفعل الثاني غير الأول، فقد تناوله لفظ: كلما. مسألة: قال: (ولو طلقت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج آخر: طلقت أيضًا). لأن كل تزويج يوجد فقد اشتمل عليه: كلما، والطلاق مضاف إليه،

стр. 2140

فوقع. ويدل على أن قوله: كلما: يتناول الفعل على وجه التكرار: قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾. مسألة: قال: (ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة: طلقت، وإن تزوجها مرة أخرى: لم تطلق، وإن تزوج غيرها: طلقت). وذلك لأن: كل: تجمع الأسماء دون الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الاسم، فإذا تزوجها مرة لم يدخل فيه التزويج الثاني، لأن: كل: لم يتناولا لفعل، وإنما يتناول الاسم على وجه الجمع، والاسم الثاني هو الأول، فاستحال أن يكون مجموعًا إليه؛ لأن الجمع إنما يكون بين الشيء وغيره، لا بين الشيء ونفسه. وأما امرأة أخرى، فإنها تدخل فيه؛ لأن هذا الاسم غير الأول، فجاز أن يكون مجموعًا إليه. مسألة: [الخلوة الصحيحة توجب المهر] (والخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بالطلاق قبل الدخول).
следующие страницы →