← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

قوله: أنت طالق واحدة، بمنزلة قوله: أنت طالق ثلاثًا، وهذا معنى يصح إيقاعه ابتداء، فكذلك جائز إلحاقه به على هذا الوجه، ولا يحمل الأمر على أنه جعل الواحدة ثلاثًا؛ لأن الواحدة بعينها لا تكون ثلاثًا أبدًا، إلا أن يحمل على معنى: أنت طالق واحدة ثلاثًا، فتقع الثلاث، لأنه لو لفظ به ابتداء على هذا الوجه: صح، فكذلك يجوز إلحاقه به. مسألة: [طلاق الأجنبية قبل الزواج] قال: (وإذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق: طلقت إذا تزوجها). وذلك لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾، فحكم بصحة طلاقه بعد النكاح، ثم نظرنا في مسألتنا هل الطلاق فيها موقع بعد النكاح أو قبله؟ فلما اتفق الجميع على أنه لو قال لامرأته: إذا بنت مني فأنت طالق: لم يكن مطلقًا في النكاح وإن كان القول منه في حال النكاح، فتعلق الحكم فيه بحال الإضافة دون حال عقد اليمين، علمنا بذلك أن القائل للأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق: أنه مطلق بعد النكاح، فوقع طلاقه بعموم الآية. ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن من شرط صحة النذر:

стр. 2137

الملك، كما أن من شرط صحة الطلاق: النكاح، ثم اتفق الجميع على أنه لو قال: إن رزقني الله مالا فلله علي أن أتصدق ببعضه، ثم ملكه: لزمته الصدقة، وكان هذا ناذرا في ملك، وقد نص الله تعالى على وجوب ذلك بقوله: ﴿ومنهم من عهد الله لن آتانا من فضله لنصدقن﴾ الآية، فذمهم على ترك الوفاء بالنذر المضاف إلى الملك. فلما كان هذا ناذرا في الملك من أجل إضافته إلى الملك وإن لم يكن مالكا في الحال، كذلك مضيف الطلاق إلى النكاح، مطلق في الملك وغن كان غير مالك في الحال. * وأما قوله ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح": فهو محمول عندنا على حقيقته، وهو الإيقاع قبل النكاح. وأما عقد طلاق قبل نكاح، فلم يتناوله اللفظ؛ لأن عقد الطلاق ليس بطلاق، وإنما يسمى عقد اليمين بالطلاق طلاقًا: على جهة المجاز، دون الحقيقة. وأيضًا: لو أوصى الرجل بثلث ماله، ولا مال له، ثم استفاد مالا، صحت الوصية فيه، وكان بمنزلة ما كان مالكه، لأجل إضافته إلى ملكه، كأنه قال: أوصيت له بثلث مالي عند الموت، ولو أوصى بمال غيره، لم

стр. 2138

تصح الوصية، فصارت إضافته إلى ملكه كوجود الملك في حال الإيجاب، كذلك الطلاق. وأيضًا: قال النبي ﷺ لعمر ﵁ في ماله بخيبر حين أراد أن يتصدق به: "حبس أصلها، وتصدق بثمرتها". فأجاز له الصدقة بثمرة ليست في ملكه إذا كانت في وقت وجوب الصدقة بها في ملكه، وكذلك الطلاق. وهكذا وجب أن يكون كذلك حكم قوله لأمته: إذا ولدت ولدا فهو حر، وإذا صح ذلك في ولد الأمة، صح في الطلاق إذا قال: إن تزوجتك فأنت طالق؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما. وقد تكلمنا في هذه المسألة في غير هذا الموضع بأكثر من هذا. ويروى نحو قولنا عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، ومجاهد. وكان علي ﵇ وابن عباس ﵄ يقولان: لا يقع. وقال الشعبي وإبراهيم: إن خص قبيلة وقع، وإن عم لم يقع.

стр. 2139

مسألة: قال أبو جعفر: (فإن دخل بها بعد التزويج: فلها مهر ونصف). قال أبو بكر: يجب لها نصف مهر؛ لوقوع الطلاق قبل الدخول، ومهر بعد الدخول؛ لأنه دخل بها بعد وقوع البينونة، وارتفاع الزوجية على شبهة النكاح. مسألة: قال: (فإن تزوجها بعد ذلك: لم يقع عليها طلاق). وذلك لأن قوله: إن تزوجتك: شرط ليس فيه تكرار، وكذلك قوله: متى: ليس فيها ما يوجب التكرار، فوقع على مرة واحدة. مسألة: [الطلاق بلفظ: "كلما"] قال: (ولو قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق: طلقت كلما تزوج). لأن: كلما: تجمع الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الفعل، والفعل الثاني غير الأول، فقد تناوله لفظ: كلما. مسألة: قال: (ولو طلقت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج آخر: طلقت أيضًا). لأن كل تزويج يوجد فقد اشتمل عليه: كلما، والطلاق مضاف إليه،

стр. 2140

فوقع. ويدل على أن قوله: كلما: يتناول الفعل على وجه التكرار: قول الله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾. مسألة: قال: (ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة: طلقت، وإن تزوجها مرة أخرى: لم تطلق، وإن تزوج غيرها: طلقت). وذلك لأن: كل: تجمع الأسماء دون الأفعال؛ لأن الذي يليها هو الاسم، فإذا تزوجها مرة لم يدخل فيه التزويج الثاني، لأن: كل: لم يتناولا لفعل، وإنما يتناول الاسم على وجه الجمع، والاسم الثاني هو الأول، فاستحال أن يكون مجموعًا إليه؛ لأن الجمع إنما يكون بين الشيء وغيره، لا بين الشيء ونفسه. وأما امرأة أخرى، فإنها تدخل فيه؛ لأن هذا الاسم غير الأول، فجاز أن يكون مجموعًا إليه. مسألة: [الخلوة الصحيحة توجب المهر] (والخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بالطلاق قبل الدخول).

стр. 2141

وذلك لما بينا فيما سلف. [موانع الخلوة] فإن كان أحدهما محرمًا: لم تكن خلوة صحيحة؛ لأنه يصح معها التسليم، وإنما تكون الخلوة تسليمًا في الموضع الذي يصح معها التسليم. وكذلك إذا كانا صائمين في شهر رمضان، أو أحدهما. أو كانت رتقاء، وذلك لما بينا من امتناع وقوع التسليم معه، فصار كمن سلم الدار إلى المستأجر، وفيها غاصب يمنع السكنى، أو سلم السلعة إلى المشتري، وهناك حائل بينه وبينها من غاصب، أو غيره، وكذلك الرتقاء المنع من جهتها، فلا يكون تسليمًا. مسألة: [طلاق الثلاث في مرض الموت "مسألة الفرار"] قال: (وإذا طلق امرأته ثلاثًا في مرضه بغير سؤال منها، ثم مات، وهي في العدة: فلها الميراث). قال أبو بكر: روي توريث المطلقة ثلاثًا في المرض عن علي، وعمر، وعثمان، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وعائشة، وزيد بن ثابت، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن سيرين. ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه، إلا أنهم اختلفوا في كيفية حال

стр. 2142

التوريث. فقال عمر بن الخطاب: ترث ما دامت في العدة. وقال أبي بن كعب: ترث ما لم تتزوج. وقال بعضهم: ترث وإن تزوجت. فأما قائل من الصحابة بنفي الميراث رأسًا: فلا نعلمه إلا شيء يروى عن عروة بن الزبير، وهو قول ليس بخلاف على الصحابة، فيجوز الاحتجاج باتفاق السلف على صحة التوريث، وإبطال قول من نفاه رأسًا. * ومن جهة النظر: إن المرض يثبت لها ولسائر الورثة حق الميراث. والدليل عليه: أنه لا يجوز هبته وعتقه في المرض إلا من الثلث، لثبوت حقهم في ماله، فلا سبيل له في إسقاطه بفعله، وهو الطلاق، بدلالة أن طلاقه لا يسقط حقها في ماله من السكنى، والنفقة، فكذلك الميراث. فإن قيل: فلو تزوج ثلاثًا سواها: جاز، مع ما عليها من الضرر في إيجاب المشاركة في ميراثها.

стр. 2143

قيل له: ليس فيه إسقاط حقها؛ لأن ميراثها قائم، وإنما فيه إثبات الشركة بمزاحمة من هي مثلها في استحقاقه. فإن قيل: ولو كان له أخ فأقر بابن في مرضه: صح ذلك، فاستحق الابن الميراث دون الأخ، فقد حرمه الميراث بقوله. قيل له: ليس هذا من مسألتنا في شيء، من قبل أنا حرمنا الأخ الميراث في هذه الحال، مع بقاء السبب الذي به كان يستحق الميراث وهو الأخوة، فلم يخرج بقوله من كونه من أهل الميراث، وإنما حدث ها هنا من هو أولى منه وهو الابن. فأما المرأة فلو حرمناها الميراث، كنا إنما نحرمها إياه؛ لأنه أخرجها بقوله من أهل الميراث، وهذا هو الذي أثبتناه. فإن قيل: فلو جاءت امرأته بولد، فنفاه في مرضه، فلاعنها، خرج من أن يكون من أهل الميراث بقوله. قيل له: لم يكن قط من أهل الميراث قبل اللعان؛ لأن حكم نسبه موقوف على اعترافه، أو ما يقوم مقامه، فإذا نفاه عند الولادة، فألحقه القاضي بالأم، علمنا أنه قط لم يكن ثابت النسب منه. * وإنما قلنا إنها لا ترثه بعد انقضاء العدة؛ لأنه قد حدث هناك ما يقطع الميراث من غير فعل الزوج، وهو انقضاء العدة، ولم يختلفوا أنها لو ماتت قبله: لم ترثه؛ لأن موتها ليس من فعله، كذلك انقضاء العدة مع

стр. 2144

وجود الفرار من الزوج. وأيضًا: فلما كان انقضاء العدة مسقطا لحقها من ماله في النفقة والسكنى، وجب مثله في الميراث. فصل: [عدة من مات زوجها في عدة الطلاق منه] (وإذا مات وهي في العدة، فجعلنا لها الميراث: كانت عدتها أبعد الأجلين من أربعة أشهر وعشرًا، أو ثلاث حيض، في قول أبي حنيفة ومحمد). وذلك لأن حدوث الموت لا يبطل عدة المبتوتة الواجبة بالطلاق، وتجب عليها أيضًا عدة المتوفى عنها زوجها؛ لأنها قد صارت في حكم المتوفى عنها زوجها في باب استحقاق الميراث. فلما حكمنا لها من هذا الوجه بحكم الأزواج، وجب أن تكون عليها عدة الوفاة. "وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حيض لا غير". لأن الميراث مستحق بالفرار، لا بالزوجية في هذه الحال. مسألة: [تعليق الطلاق بالحيض] قال: (وإذا قال لزوجته أنت طالق إن حضت، فقالت حضت: صدقت).

стр. 2145

لأن ذلك شيء يخصها من أمر نفسها لا يطلع عليه غيرها، فكان قولها فيه كالبينة فيما يخصها. والدليل عليه: أنها إذا قالت: أنا حائض، لم يحل لزوجها وطؤها، وإذا قالت: قد طهرت: حل له وطؤها. وكذلك لو قالت: قد انقضت عدتي: حلت للأزواج، وبطلت رجعة الزوج، فجعل قولها فيما يخصها كالبينة. [مسألة:] (ولو قال: إذا حضت فامرأتي الأخرى طالق، أو قال: فعبدي حر، فقالت: قد حضت، فإن صدقها: حنث، وإن لم يصدقها: لم يحنث). وذلك لأنها مخبرة عن نفسها، شاهدة في حق غيرها، ولا تقبل شهادتها وحدها في إيقاع العتق، وخيرها مقبول فيما يخصها، وهو طلاقها وما يتعلق بها من أحكامها. والقياس يمنع تصديقها في شيء من ذلك، إلا أنهم تركوا القياس فيما يخصها ويتعلق بها من ذلك، اعتبارًا بسائر الأصول التي ذكرنا من تصدقها على الحيض، وانقضاء العدة ونحوها، فإذا صرنا إلى حق غيرها: صار بمنزلة قولها: قد دخلت الدار، إذا علق الزوج عتقه بدخولها: فلا تصدق. مسألة: "وإذا قال: إذا حضت فأنت طالق: وقع الطلاق عليها برؤية الدم إذا

стр. 2146

استمر بها مقدار أقل الحيض). وذلك لأن الحيض وجود الدم الذي هذه صفته، وقد وجد، فوقع. مسألة: (ولو قال: إذا حضت حيضة، فأنت طالق: لم تطلق حتى ترى الدم وتطهر). لأن الحيضة اسم لها بكمالها، ووجود الجزء منها لا يسمى حيضة. ويدل عليه قول النبي ﷺ في السبايا: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة". فعقل منه وجودها بكمالها إلى أن تطهر منها. مسألة: [تعليق طلاق امرأتين بالحيض والولادة] قال: (وإذا قال لامرأتيه: إذا حضتما فأنتما طالقًان، أو قال: إذا ولدتما ولدا فأنتما طالقًان: كان ذلك على حيضة، أو ولد يكون من إحداهما). وذلك لأنه لما استحال وجود حيضة واحدة، أو ولد واحد منهما، علمنا أن المراد وجوده من إحداهما، كقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ

стр. 2147

والمرجان﴾، وإنما يخرج من إحداهما. وكقوله: ﴿يا معشر الجن والأنس ألم يأتكم رسل منكم﴾، والرسل من الإنس دون الجن. وكما قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث، ولابن عم له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أحدكما"، وإنما يؤذن ويقيم أحدهما. فلما وجدنا للكلام وجها صحيحا نحمله عليه، لم تلغه. مسألة: [الطلاق عن طريق ضرب الأعداد والحساب] (ومن قال لامرأته: أنت طالق اثنتين في اثنتين، فإن نوى الضرب والحساب: فهي اثنتان). وذلك لأن الاثنتين لا يكون أبدًا أكثر من اثنتين وإن نوى ضربا في غيرهما. فإن قال قائل: اثنتان في اثنتين أربعة. قيل له: الزوج إنما أوقع الاثنتين الأوليين، وضربهما في أخريين لا

стр. 2148

يخرجهما من أن يكونا اثنتين، فلذلك كان على ما وصفنا. * (فإن نوى اثنتين واثنتين: كانت ثلاثًا إذا كان مدخولًا بها). لأن: في: قد تقوم مقام: معًا: كقول الله تعالى: ﴿فادخلي في عبدى﴾: معناه: مع عبادي. مسألة: [ما يعتبر في الطلاق والعدة حال اختلاف الزوجين رقُا وحرية] قال: (والطلاق بالنساء، والعدة بالنساء). قال أبو بكر: روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. ومعناه: أن طلاق الأمة ثنتان، حرًا كان زوجها أو عبدًا، وعدتها حيضتان. * وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس في رواية: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء، يعني أن الزوج إذا كان عبدًا: فطلاقه تطليقتان، حرة كانت امرأته أو أمة، والعدة بالنساء، يعني أنها إذا كانت أمة: فعدتها على النصف من عدة الحرة. والعدة لا خلاف فيها أنها بالنساء، وإنما الخلاف في الطلاق. والحجة للقول الأول: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود

стр. 2149

قال: حدثنا محمد بن مسعود قال: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان". قال أبو عاصم: فحدثني مظاهر قال: حدثني به القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: "وعدتها حيضتنان". قال أبو بكر: سمعه أبو عاصم من ابن جريح، ثم رأى مظاهرًا فسمعه منه. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا عمر بن شبيب عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "تطليق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". وذلك عموم في حكم طلاقها، حرًا كان زوجها أو عبدًا.

стр. 2150

ومن جهة النظر: أن العدة لما كانت بالنساء بالاتفاق، وجب أن يكون الطلاق بهن، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما حكم يلحق المرأة، فتصير به مطلقة ومعتدة. وأيضًا: وجدنا للرق تأثيرًا في نقصان الحد، كهي في نقصان الطلاق، ثم اتفقنا على أن اعتبار الحد بمن يقع به، لا بمن يوقعه. ألا ترى أن القاذف إذا كان عبدًا، كان حده على النصف من حد الحر؛ لأنه هو الذي يقع به الحد، ولا نعتبر من يوقعه وهو الحاكم، فوجب أن يكون الاعتبار في الطلاق بمن يقع عليه، لا بمن يوقعه. والمعنى الجامع بينهما: أن الرق له تأثير في نقصان الطلاق، كما له تأثير في نقصان الحد. وأيضًا: وجدنا من يملك الثلاث، يملك جمعها وتفريقها في المدخول بها، فلما وجدنا الحد إذا كانت امرأته أمة، لا يملك تفريق الثلاث في الأطهار المتفرقة بحال متى أراد تفريقها للسنة، علمنا أنه لا يملك الجمع، كالأمة إذا كانت تحت عبد، لما لم يملك التفريق، لم يملك الجمع. فإن قيل: فالحامل تطلق ثلاثًا للسنة عندك، ولا يملك التفريق ولو وضعت قبل إيقاع الثلاث بالشهرين. قيل له: قد يملكه بحال، وهو أن يبقى حملها إلى مضي ثلاثة أشهر، والأمة لا يملك منها تفريق الثلاث بحال. مسألة: [تحليل الزوجة النصرانية] قال: (وجماع الزوج النصراني للمرأة النصرانية يحلها للزوج الأول

стр. 2151

المسلم". لقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾، وهذا زوج بنكاح صحيح. وأيضًا: هو كالمسلم في صحة وقوع الطلاق عن نكاح صحيح، فوجب أن يكون حكمه كحكمه. وأيضًا: قول النبي ﷺ : "حتى تذوقي عسليته، ويذوق عسيلتك". فكل من وجد ذلك منه بعقد نكاح: حلت للأول. مسألة: [لزوم النسب لو طلق قبل الدخول وجاءت بولد لأقل من سنة أشهر] قال: (ومن طلق امرأة قبل الدخول بها، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم طلق: لزمه، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر: لم يلزمه). وذلك لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، فقد علمنا كون

стр. 2152

العلوق في حال الفراش، وأنها طلقت وهي حامل، وكون العلوق في الفراش يوجب ثبوت النسب، لقول النبي ﷺ "الولد للفراش". وإذا جاءت به لستة أشهر، فهذا حمل قام بعد زوال الفراش، وبعدما صارت أجنبية: فلا يلحق نسبه بالزوج. مسألة: [لزوم النسب إذا طلق بعد الدخول وجاءت بالولد لأقل من سنتين] قال: (فإن كان دخل بها: لزمه ولدها ما بينهما وبين أقل من سنتين منذ طلق). وذلك لأن عليها عدة، فما لم تجيء بحمل يتيقن حدوثه بعد البينونة: فهو لازم له، فإذا جاءت به في السنتين فلم يتيقن حدوثه بعد البينونة: فيلزمه. وأما إذا جاءت به بعد سنتين، فقد علمنا أن الحمل حادث بعد البينونة، وزوال الفراش: فلا يلحق به، وذلك لأن أكثر الحمل عندنا سنتان، وذلك لأن الله تعالى غيب عنا علم ما في الأرحام بقوله تعالى ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾، فلا سبيل لنا إلى معرفة مدة بقاء الحمل في بطن

стр. 2153

الأم إلا من طريق التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق في السنتين، فأثبتناه فيهما. واختلفوا فيما زاد، ولم يرد به توقيف: فلم يثبت. مسألة: قال أبو جعفر: (فإن كانت قد أقرت بانقضاء العدة، ثم جاءت بولد لستة أشهر منذ يوم أقرب بذلك: لم يثبت النسب وإن كانت في السنتين). من قبل أنها لما أقرت بذلك، صارت أجنبية، وارتفع بذلك حكم فراشها، فلا يلحقه نسب ولدها. وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ يوم أقرت بانقضاء العدة: ثبت النسب إذا جاءت به في السنتين، وذلك لأنا قد تيقنا بطلان إقرارها بانقضاء عدتها، لكونها حاملًا وقت الإقرار. وهذا حكم كل معتدة بما يوجب الفرقة وقطع النكاح، كالمتوفى عنها زوجها، والمعتدة من النكاح الفاسد، وأم الولد إذا أعتقت. مسألة: [لو جاءت المطلقة الصغيرة بولد] قال أبو جعفر: (ومن طلق امرأته وهي ممن لا تحيض من صغر، ثم جاءت بولد ما بينه وبين أقل من تسعة أشهر: فإنه يلزمه النسب.

стр. 2154

وإن كان تسعة أشهر أو أكثر: لم يلزمه في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الذي رواه عنه محمد. وروى أصحاب الإملاء عنه: أنه يلزمه فيما بينه وبين أقل من سنتين، إلا أن تقر بانقضاء العدة قبل ذلك، فيلزمه فيما بينه وبين أقل من ستة أشهر بعد إقرارها بانقضاء العدة). قال أبو بكر: الذي رواه محمد في الأصول عن أبي يوسف هو الذي ذكره أبو جعفر عن أصحاب الإملاء، وعسى أن يكون الذي ذكر أن محمدًا روى عنه هو الذي روى عنه أصحاب الإملاء. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أنها لما كانت صغيرة، وكانت عدتها ثلاثة أشهر، فصار مضي ثلاثة أشهر كإقرار المعتدة الكبيرة بانقضاء العدة، فإذا جاءت بولد لستة أشهر: لم يلزمه؛ لأنها جاءت بحمل حادث بعد ما صارت أجنبية. وجعلها أبو يوسف كالكبيرة في اعتبار إقرارها، وذلك لأنها وإن كانت صغيرة في حال الطلاق، فجائز أن تبلغ في العدة فتنتقل عدتها إلى الحيض، فاعتبرنا من أجل ذلك إقرارها بانقضاء عدتها كالكبيرة. وأما أبو حنيفة فقال: هي مفارقة للكبيرة؛ لأنها باقية على حال الصغر حتى نعلم انتقالها إلى حال الكبر، فلا يجب اعتبار قولها، إذ هي صغيرة لا قول لها، وأما الكبيرة فلها قول صحيح، فلزم اعتبار قولها.

стр. 2155

مسألة: [حكم ما جاءت به المطلقة بعد الزواج الثاني] قال أبو جعفر: (وهذا كله ما لم تتزوج المرأة، فإن كانت قد تزوجت رجلًا، ثم جاءت بولد بعد ذلك لستة أشهر فصاعدًا: كان من زوجها الثاني". وذلك لأن تزويجها إقرار منها بانقضاء العدة؛ لأن عقد نكاحها محمول على الصحة، ولا يكون صحيحًا إلا مع انقضاء عدتها، فتصير كأنها أقرب بانقضاء العدة، ثم تزوجت، فيجوز نكاحها، وقد جاءت بولد لحمل تام بعد النكاح، فليلحق بالزوج الثاني. [مسألة:] قال: (وإن كان لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني: لم يكن للثاني. ثم ينظر: فإن كانت جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول: فهو من الأول). وذلك لأنا قد علمنا أنه تزوجها وهي حامل من غيره، فلم يثبت النسب منه، لكون العلوق في غير فراشه، ولم يكن للتزويج حكم بإقرارها بانقضاء العدة. ألا ترى أنها لو أقرت بانقضاء العدة، ثم جاءت بول لأقل من ستة أشهر منذ يوم أقرت: فإنه يلزم الزوج في السنتين؛ لأنا قد علمنا بطلان إقرارها بذلك حين كانت حاملًا وقت الإقرار، فكذلك ما وصفنا، لما حكمنا ببطلان نكاح الثاني، صارت كأنها لم تتزوج، فكانت عدتها من

стр. 2156

الأول ثابتة. * قال: (وإن كانت لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول: لم يكن ابن الأول، ولا ابن الآخر). لأنا قد علمنا أنه حمل حادث بعد طلاق الأول، وحدث قبل نكاح الثاني، فلم يلزم الأول؛ لأنه وضع بعد انقضاء الفراش، ولم يلزم الثاني لأنه قد كان ابتدأ حدوثه قبل نكاحه. قال أبو بكر: وهذا إذا كان الطلاق بائنًا، فإن كان الطلاق رجعيًا وجاءت به لأكثر من سنتين، ولم تقر بانقضاء العدة، ولم تتزوج: فإنه يلزم الزوج؛ لأن ذلك حكم بوطئه إياها بعد الطلاق، فتصير رجعية. مسألة: [الطلاق في عدة طلاق بائن] قال: (ومن طلق امرأته طلاقًا بائنًا بخلع أو غيره، ثم طلقها في العدة بصريح الطلاق: طلقت). قال أبو بكر: روي هذا القول عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والزهري. وقال ابن عباس: وابن الزبير، وجابر بن زيد، والشعبي، وطاوس: لا

стр. 2157

يلحقها طلاق وإن كانت في العدة. وقال الحسن، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وثوبان: إن طلقها في مجلسه: وقع، وإلا: لم يقع. والدليل على صحة القول الأول: قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (٢٣٩) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾. ودلالتها على صحة قولنا من وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾: ينتظم البائن والرجعي، وقوله: ﴿فإن طلقها﴾: عائد عليهما. وذكره لحكم الرجعة، والفرقة، والإمساك في قوله: ﴿فإمساك بمعروف﴾، لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في البائن والرجعي؛ لأن ذلك

стр. 2158

بعض ما انتظمه اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وهو عموم في سائر القتلى، ثم قوله: ﴿الحر بالحر﴾: لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في غيره؛ لأن ذلك بعض ما اشتمل عليه اللفظ. وكقوله: ﴿والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة﴾﴾: أنه عموم في البائن والرجعي، وقوله: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾: أحد ما اشتمل عليه اللفظ الأول: فلا يوجب تخصيصه واقتصاره على حكمه دون غيره. والوجه الآخر من دلالة الآية: قوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾، ومعلوم أن الخلع يوجب البينونة، وقال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾: فأجاز الطلاق بعد الخلع. فإن قال قائل: ذكر الخلع بعد التطليقتين، فلو كان قوله: ﴿فإن طلقها﴾: بعد الخلع، لكانت رابعة؛ لأن الخلع أيضًا تطليقة. قيل له: ليس هو كما ظننت؛ لأن تقرير الآية: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف﴾، فذكر حكم الثنتين إذا ملك فيهما الرجعة، ثم قال: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾: يعني بأن تكون التطليقتان على وجه الخلع، ثم قال:

стр. 2159

﴿فإن طلقها﴾: يعني بعد الفدا من الثنتين، ﴿فلا تحل له من بعد﴾، فدل على وقوع الطلاق بعد الخلع. ومن جهة النظر: أنه ليس بشرط وقوع الطلاق إيجاب التحريم به؛ لأن الثانية بعد الأولى الرجعية واقعة ما دامت في العدة، وهي لا توجب تحريمًا، فلا اعتبار بجهة التحريم في صحة وقوعه، فدل ذلك على أن شرط وقوعه أن يصادفها صريح الطلاق وهي محبوسة عليه بحكم عقد صحيح: فيوقع ما بقي من طلاق الملك، بدلالة ما ذكرنا من وقوع الثانية بعد الطلاق الرجعي مع بقاء العدة. فإن قيل: لما كانت بائنة منه، أشبهت الأجنبية في أن الطلاق لا يلحقها. قيل له: الأجنبية ليست محبوسة عليه بحكم عقد، وهذه محبوسة عليه، وأحكام عقدها قائمة في لحاق النسب، وتحريم الأزواج، ووجوب السكنى، والنفقة. فإن قيل: لو قال: نسائي طوالق: لم تطلق هذه، وقال الله تعالى: ﴿إذا طلقتم النساء﴾، فإذا لم تكن من نسائه: لم يلحقها طلاقه. قيل له: ليست هذه من نسائه على الإطلاق، فيتناوله إطلاق اللفظ، ولا يمنع ذلك وقوع طلاقها إذا قصدها به، ألا ترى أنه لو قال: عبيدي أحرار، لم يدخل مكاتبه في العتق، ولو قصده بالعتق: أعتق. وأما قوله : ﴿إذا طلقتم النساء﴾، وهي من النساء، ولو احتججنا بعموم ذلك في وقوع طلاقها: جاز وصح؛ لأنه لم يشرط أن

стр. 2160

تكون النساء مضافات إلى المطلق. فصل: وأما الكنايات التي توجب البينونة: فإنها لا تلحق البائن، من قبل أن من شرطها أن لا تقع باجتماع اللفظ والنية في صحة الإيقاع. ألا ترى أنه لو وجد منه اللفظ من غير نية: لم يعمل، ولو نوى الإيقاع، ولم يلفظ به: لم يقع. فلما احتيج في إيقاعها إلى اجتماع الأمرين، ونحن متى أوقعناها لم نوجب بها بينونة، فقد ألغينا حكم اللفظ، ومتى سقط حكم اللفظ: لم يقع به طلاق؛ لأن النية إذا عريت من اللفظ: لم يقع بها سيء. وأما صريح الطلاق فليس يحتاج في إيقاع الطلاق به إلى نية، ومتى أوقعناه، فإن شرط إيقاعه نقصان العدد فيمن هي محبوسة عليه عن عقد صحيح، وقد نقص العدد بوقوعه، فلذلك صح إعماله. *****

стр. 2161

باب الرجعة مسألة: [الرجعة في الطلاق الرجعي] قال: (ومن طلق امرأته طلاقًا رجعيًا: فله أن يراجعها في العدة، ويتوارثان ما بقيت العدة). لقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، فأفادنا بذلك معنيين: أحدهما: أنه سماه بعلًا بعد الطلاق، وقال الله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزوجكم﴾. والثاني: أنه جعله أحق بها في العدة. وقال تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف﴾، فأجاز له الإمساك بعد الطلاق.

стр. 2162

وقال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، والمعنى مقاربة بلوغ الأجل، لا حقيقة بلوغه؛ لأنه لو أراد الحقيقة لمنع الرجعة، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن﴾، وذلك على بلوغه على الحقيقة. مسألة: [الإشهاد على الرجعة] قال: (ولا ينبغي أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها). قال أبو بكر: وإنما صحت الرجعة بغير إشهاد، لقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف﴾، وقال: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، وقال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾. فأجاز الرجعة في هذه الوجوه من غير ذكر إشهاد، فوجب جوازها لعموم هذه الآيات. فإن قيل: فقد شرطه في آية أخرى، وهو قوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. قيل له: لا دلالة فيه على وجوب الإشهاد عند الرجعة، وأنه شرط

стр. 2163

فيها؛ لأن قوله: ﴿وأشهدوا﴾: كلام مستأنف بعد ذكر الرجعة، فجائز أن يراجع، ثم يشهد، فيكون موافقًا لمعنى الآية. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾، ثم قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، ومعلوم أن الإشهاد مأمور به في الأمرين جميعًا، من الإمساك أو الفراق، وليس الإشهاد مع ذلك شرطًا في وقوع الفرقة، فكذلك ليس بشرط في صحة الإمساك. وأيضًا: فإن الرجعة حق له، وليس في الأصول كون الإشهاد شرطًا في استيفاء حق الإنسان لنفسه. وأيضًا: لما صحت الفرقة بغير إشهاد، كانت الرجعة كذلك، إذ كل واحد منهما متعلق بفعله دون غيره. * وإنما كره له إخراجها حتى يشهد على رجعتها، لقول الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾. فإن قال قائل: هلا جعلت إخراجه إياها إلى السفر رجعة منه، كالوطء والقبلة؛ لأنه لا يجوز أن يسافر بها حتى يراجع. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يكون لو أخرجها من منزله أن يكون رجعة، لأنه ليس له إخراجها حتى يراجع، ولا خلاف أنه لو

стр. 2164

أخرجها من منزله ولم يسافر بها: لم يكن مراجعًا. وأما الوطء والقبلة ونحوها، فإنما كان رجعة؛ لأنه يختص بالإمساك على النكاح، فصار تمسكًا بها. والإخراج إلى السفر ليس مخصوصًا بالنكاح، ألا ترى أن المرأة تسافر مع ذوي محرمها. مسألة: [اختلاف الزوجين في انقضاء العدة والجعة] قال أبو جعفر: (وإذا قال لها: قد راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي: لم تصدق، ولزمتها الرجعة). قال أبو بكر: هذا على وجهين: إن قالت مجيبة له عقيب كلامه: قد انقضت عدتي: فهو على الخلاف: قال أبو حنيفة: لا تثبت الرجعة، والقول قولها. وقال أبو يوسف ومحمد: تصح الرجعة. وإن سكتت عن ذلك، ثم قالت بعدما تراخى الوقت: قد انقضت عدتي: لم تصدق، وصحت الرجعة في قولهم جميعًا، ولم يذكر أبو جعفر هذا التفصيل. * وأما وجه قول أبي حنيفة في مسألة الخلاف: فهو أنها لما كانت مصدقة على انقضاء العدة، وكان معلوما أن قولها: قد انقضت عدتي، إنما هو إخبار عن حال ماضية غير موجودة في الوقت، صار حال انقضاء عدتها في التقدير متقدما لقول الزوج: قد راجعتك، فصار كأن المرأة

стр. 2165

قالت: قد انقضت عدتي، ثم قال: راجعتك: فلا تصح الرجعة. وأما إذا تراخى الوقت، فقد صحت الرجعة من الزوج حين سكتت عن الإخبار بانقضاء العدة، فإذا قالت بعد ذلك: قد انقضت عدتي، فإنما قالته بعد حكمنا بصحة الرجعة، وبطلان العدة، فلا يلتفت إلى قولها. وأيضًا: يحتمل أن تكون عدتها انقضت بعد قول الزوج: قد راجعتك فيما بينه وبين قولها: قد انقضت عدتي، فلا تمنع صحة الرجعة. مسألة: قال: "ولو قالت المرأة: قد انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك قبل ذلك: لم تصدق، وكانت بائنًا منه". وذلك لأنها لما قالت: قد انقضت عدتي: بانت وبطلت العدة، فقوله: قد راجعتك: إن أراد به إيقاع رجعة في الحال: لم تصح؛ لأن الرجعة لا تصح إلا مع بقاء العدة. وإن قال: كنت راجعتك قبل ذلك: لم يصدق؛ لأنه غير مالك للرجعة في حال الإقرار، وإقرار الإنسان بما لا يملكه لا يجوز. ألا ترى أن من باع عبدًا، ثم قال: قد كنت أعتقته قبل البيع: لم يصدق، لأنه أقر بما لا يملكه من العتق. وليس هذا مثل أن يقول وهي في العدة: كنت راجعتك أمس، فيصدق؛ لأنه كان مالكًا للرجعة في حال الإقرار، فإنما أقر بما يملكه،

стр. 2166

فجاز إقراره. مسألة: [تصديق المرأة في انقضاء العدة] قال: "وإنما تصدق المرأة في انقضاء العدة فيما قد يجوز فيه ما قالت، فأما ما لا يجوز فيه ما قالت، فإنها غير مصدقة فيه. قال: وأقل المدة التي تصدق فيها في ذلك في قول أبي حنيفة: ستون يومًا، ويختلف عنه في تفسيرها. فأما أبو يوسف فذكر عنه أنه قال: اجعلها طاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا خمسة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا خمسة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا خمسة أيام. قال: وأما الحسن بن زياد فذكر عنه أنه قال: أجعلها حائضًا عشرة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا عشرة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا عشرة أيام". وإنما اعتبر أبو حنيفة شهرين في ذلك، ولم يعتبر أقل ما يكون من الطهر والحيض؛ لأنه خلاف العادة، فلا تصدق في انقضاء عدتها على خلاف المعتاد، وقد جعل الله تعالى عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فأقام كل شهر مقام حيضة.

стр. 2167

وقال النبي ﷺ لحمنة بنت جحش: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، كما تحيض النساء في كل شهر". فجعل الأشهر الأعم من عادة النساء وجود الحيضة في كل شهر، إلا أنه مع ذلك قد يتفق في العادة وجود ثلاث حيض في شهرين، فحمله على ذلك. ولأن الشهرين واسطة بين الأقل وبين الأكثر في العادة فاعتبرهما. * وأما اعتبار أبي حنيفة في رواية أبي يوسف: فإن وجهه أن من أراد أن يطلق للسنة، فإنه يقصد إلى الإيقاع بعد أن تطهر من حيضها، فيجعل الطلاق واقعًا في أول الطهر، ثم جعله خمسة عشر يومًا، وهو أقل الطهر، لأنه لا نهاية لأكثره، وجعل الحيض خمسة: نصف أكثر الحيض، وهو عشرة. * وأما اعتبار رواية الحسن بن زياد، فإنه جعلها كأنها حاضت عقيب الطلاق، فجعل حيضها عشرة، وطهرها بعد ذلك خمسة عشر يومًا؛ لأنه لا نهاية لأكثره. * وأما أبو يوسف ومحمد: فحملا الأمر فيه على الصحة على أقل ما يمكن أن يكون الحيض والطهر، وهو ثلاث حيض، وخمسة عشر طهرا، وثلاث حيض، وخمسة عشر طهرا، وثلاث حيض، فذلك تسعة وثلاثون يومًا.

стр. 2168

[انقضاء العدة بعد الولادة والرجعة] قال أبو جعفر: (ولو كان طلقها عقيب الولادة، فإنها لا تصدق على انقضاء العدة في أقل من خمس وثمانين يومًا في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة). قال أبو بكر: وذلك لأن من أصل أبي حنيفة: أن الطهر خمسة عشر يومًا في الأربعين التي هي مدة النفاس، لا يفصل بين الدمين، ويكون الجميع كأنه دم متصل. فلا يمكن على أصله أن يكون النفاس في هذا الموضع أقل من خمسة وعشرين يومًا، لأنه إن جعله أقل من ذلك، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم عاودها الدم في الأربعين: كان ذلك كله نفاسًا. فجعل النفاس خمسة عشر يومًا، ثم طهرت خمسة عشر يومًا إلى تمام الأربعين، فيكون الدم الموجود بعد الأربعين حيضًا. فقد علمت أن ما يحتسب به من العدة هو ما بعد الخمسة وعشرين يومًا، فيحسب شهرين من ذلك الوقت على ما بينا فيما تقدم من رواية أبي يوسف، فيكون جميع ذلك خمسة وثمانين يومًا. * وأما في تقدير رواية الحسن بن زياد على اعتبار الشهرين: فإنها لا

стр. 2169

تصدق في أقل من مائة يوم؛ لأنها تكون نفساء خمسة وعشرين يومًا، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا عشرة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا عشرة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا عشرة أيام، فذلك مائة يوم. * وأما أبو يوسف: فلا يصدقها في أقل من خمسة وستين يومًا، لأنها نفساء أحد عشر يومًا أكثر من الحيض؛ لأن مدة النفاس في العادة أكثر من مدة الحيض، وإن كان قد تكون ساعة، ثم جعلها طاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا ثلاثة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا ثلاثة أيام، وطاهرًا خمسة عشر يومًا، وحائضًا ثلاثة أيام، فذلك خمسة وستون يومًا. * وأما محمد: فإنه قال: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يومًا وساعة. وذلك لأن أقل النفاس ساعة، ثم طهرت خمسة عشر يومًا، وحاضت ثلاثة أيام، وطهرت خمسة عشر يومًا، وحاضت ثلاثة أيام. * ولا خلاف بينهم في أن أقل النفاس ساعة، وذلك لأن النفاس هو الدم الموجود عقيب الولادة، وقد يجوز أن يوجد ساعة فينقطع، فيكون ذلك الدم نفاسًا. *****

стр. 2170

باب الإيلاء مسألة: قال: "ومن حلف بالله لا يقرب زوجته أربعة أشهر فصاعدًا: فهو مول، فإن قربها في الأربعة الأشهر: حنث، وهو الفيء الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾، وكانت عليه كفارة يمين. وإن لم يقربها حتى مضى أربعة أشهر: بانت بتطليقة". قال أبو بكر: روى عن بعض التابعين: أنه إن حلف على أقل من أربعة أشهر: كان موليًا. وقال مالك بن أنس: إذا حلف على أربعة أشهر: فليس بمول حتى يحلف على أكثر منها. فأما من قال: إنه متى حلف على أقل من أربعة أشهر فهو مول: فإنه احتج فيه بظاهر قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾: وهذا مول. قال أبو بكر: ولا خلاف بين أهل العلم أنه لو امتنع من جماعها من

стр. 2171

غير يمين: لم يكسبه ذلك حكم الطلاق. فإذا حلف على أقل من أربعة أشهر: فقد بقي من مدة التربص ما لا يكسب حكم الطلاق بالامتناع من جماعها فيه، فوجب أن لا يتعلق حكم الطلاق بمضي المدة. ودل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾: فيمن حلف على أربعة أشهر فصاعدًا. وقال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه دون ذلك: فليس بإيلاء. وأما قول من قال: لا يكون موليًا بحلفه على أربعة أشهر: فقول ظاهر الفساد، يدفعه ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى جعل هذه المدة تربصا له في الفيء فيها، ولم يجعل له التربص أكثر منها. فمتى امتنع من جماعها باليمين هذه المدة، أشبه ذلك حكم الطلاق، ولا فرق بين الأربعة أشهر وبين ما هو أكثر منها. فإن قال قائل: إذا حلف على أربعة أشهر: لم يصح تعلق حكم الطلاق بها، لأنك توقع الطلاق بمضيها، وليس هناك إيلاء. قيل له: لا يمتنع ذلك، لأن مضي المدة إذا كان سببًا للإيقاع، لم يجب اعتبار بقاء اليمين في حال وقوعه.

стр. 2172

ألا ترى أن مضي الحول لما كان سببًا لوجوب الزكاة، لم يجب أن يكون الحول موجودًا في حال الوجوب، بل يكون معدومًا منقضيًا. وأن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، أن هذه يمين معقودة، وإن دخلت: طلقت في حال قد انحلت اليمين فيها وبطلت. كذلك مضي مدة الإيلاء، لما كان سببًا لوقوع الطلاق: لم يمتنع وقوعها واليمين غير موجودة. * وأما وقوع الطلاق بمضي المدة، فإنه روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر رواية أن الطلاق يقع بمضي المدة ما لم يفيء في المدة. وروي عن علي ﵇ رواية أخرى، وأبي الدرداء، وابن عمر: أن المولي يوقف بعد مضي المدة. والدليل على صحة قولنا: قول الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾، كما قال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. فلما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الإقراء، وجب أن

стр. 2173

يكون كذلك حكم تربص الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما: ذكر التربص في كل واحدة من المدتين. وإن شئت جمعت بينهما من جهة أن كل واحدة من المدتين موجبة عن قوله، فتعلق بها حكم البينونة، فلما تعلقت في إحداهما بمضيها، كانت الأخرى مثلها، للمعنى الذي ذكرنا. وأيضًا: لو وقفنا المولي، لحصل التربص أكثر من المدة المذكورة، وذلك خلاف الكتاب. فإن قال قائل: فأجل العنين حول، وتخير امرأته بعد ذلك في الفرقة إذا لم يصل إليها في المدة، ولا يوجب ذلك زيادة في الأجل، كذلك ذكر من حكم الإيلاء وقفة بعد المدة، لا توجب زيادة فيها. قيل له: ليس في الكتاب ولا في السنة ما يوجب تقدير أجل العنين، وإنما أخذ حكمه من قول السلف، والذين قالوا إنه يؤجل حولا، هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها، ولم يوقعوا الطلاق بمضي المدة، ومدة الإيلاء موجبة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها، فالزائد فيها مخالف لحكمه. وأيضًا: فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء، فإن قال: أفيء: لم يفرق بينهما، فكيف يشتبهان؟

стр. 2174

ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءواا فإن الله غفور رحيم﴾، فجعل له بعد الإيلاء أحد الشيئين: إما الفيء، وإما الطلاق، فوجب أن يحصل الطلاق بفوات الفيء، إذ غير جائز له أن يوقع الفيء والطلاق جميعًا. والدليل على فوات الفيء بمضي المدة، وأنه مراد فيها: ظاهر قوله: ﴿فإن فاءوا﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى أن يكون الفيء عقيب اليمين؛ لأنه جعله لمن له تربص أربعة أشهر، ومن أثبته بعد مضي المدة، فقد خالف ظاهر الآية. وأيضًا: فقد اتفق الجميع على صحة الفيء في المدة، فدل أنه مراد فيهما، فصار ذلك كقوله: "فإن فاؤوا فيهن"، وكذا روي في حرف عبد الله. فحصل الفيء مشروطا في المدة دون غيرها، وبمضي المدة يفوت الفيء، وإذا فات الفيء: حصل الطلاق لما وصفنا. فإن قيل: لما قال: ﴿تربص أربعة أشهر فإن فاءوا﴾، فعطف بالفاء على

стр. 2175

التربص في المدة، فدل على أن الفيء مشروط بعد مضي المدة، وأنه إذا فاء في المدة، فإنما ثبت حكمه من حيث عجل حقًا لم يكن عليه تعجيله، كمن عجل دينا هو مؤجل عليه. قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت، لأن قوله: ﴿فإن فاءوا﴾: فيه ضمير المولي المبتدئ بذكره في الآية، وهو الذي له تربص أربعة أشهر، فالذي يقتضيه الظاهر: إيجاب الفيء عقيب اليمين. فإن قيل: لما قال: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾: دل على أن وقوعه موقوف على قول يكون منه. قيل له: هذا يدل على صح قولنا؛ لأنه علق الطلاق فيه بعزيمة القلب، دون القول؛ لأن عزيمة القلب لا تكون قولًا، فلو كان يجب وقفه بمضي المدة لما تعلق بعزيمة القلب دون إيقاعه بالقول. وهذا يدل على أن المراد عزيمة ترك الفيء في المدة، والمضي عليها، وأن فواته يوجب الطلاق. فإن قيل: ليس الإيلاء صريح الطلاق، ولا كناية عنه، فالواجب أن لا يقع به طلاق. قيل له: وليس اللعان صريح الفرقة، ولا كناية، فيجب على المخالف أن لا يوقع الفرقة به حتى بفرق الحاكم. ولا يلزم على أصلنا أيضًا؛ لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة من وجه، لأن قوله: لا أقربك: يشبه كناية الطلاق، إلا أنه أضعف حالًا من غيرها، فلا يقع الطلاق إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو مضي المدة على الوصف الذي يقوله، إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع به الطلاق
следующие страницы →