← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

غير يمين: لم يكسبه ذلك حكم الطلاق. فإذا حلف على أقل من أربعة أشهر: فقد بقي من مدة التربص ما لا يكسب حكم الطلاق بالامتناع من جماعها فيه، فوجب أن لا يتعلق حكم الطلاق بمضي المدة. ودل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾: فيمن حلف على أربعة أشهر فصاعدًا. وقال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه دون ذلك: فليس بإيلاء. وأما قول من قال: لا يكون موليًا بحلفه على أربعة أشهر: فقول ظاهر الفساد، يدفعه ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى جعل هذه المدة تربصا له في الفيء فيها، ولم يجعل له التربص أكثر منها. فمتى امتنع من جماعها باليمين هذه المدة، أشبه ذلك حكم الطلاق، ولا فرق بين الأربعة أشهر وبين ما هو أكثر منها. فإن قال قائل: إذا حلف على أربعة أشهر: لم يصح تعلق حكم الطلاق بها، لأنك توقع الطلاق بمضيها، وليس هناك إيلاء. قيل له: لا يمتنع ذلك، لأن مضي المدة إذا كان سببًا للإيقاع، لم يجب اعتبار بقاء اليمين في حال وقوعه.

стр. 2172

ألا ترى أن مضي الحول لما كان سببًا لوجوب الزكاة، لم يجب أن يكون الحول موجودًا في حال الوجوب، بل يكون معدومًا منقضيًا. وأن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، أن هذه يمين معقودة، وإن دخلت: طلقت في حال قد انحلت اليمين فيها وبطلت. كذلك مضي مدة الإيلاء، لما كان سببًا لوقوع الطلاق: لم يمتنع وقوعها واليمين غير موجودة. * وأما وقوع الطلاق بمضي المدة، فإنه روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر رواية أن الطلاق يقع بمضي المدة ما لم يفيء في المدة. وروي عن علي ﵇ رواية أخرى، وأبي الدرداء، وابن عمر: أن المولي يوقف بعد مضي المدة. والدليل على صحة قولنا: قول الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾، كما قال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. فلما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الإقراء، وجب أن

стр. 2173

يكون كذلك حكم تربص الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما: ذكر التربص في كل واحدة من المدتين. وإن شئت جمعت بينهما من جهة أن كل واحدة من المدتين موجبة عن قوله، فتعلق بها حكم البينونة، فلما تعلقت في إحداهما بمضيها، كانت الأخرى مثلها، للمعنى الذي ذكرنا. وأيضًا: لو وقفنا المولي، لحصل التربص أكثر من المدة المذكورة، وذلك خلاف الكتاب. فإن قال قائل: فأجل العنين حول، وتخير امرأته بعد ذلك في الفرقة إذا لم يصل إليها في المدة، ولا يوجب ذلك زيادة في الأجل، كذلك ذكر من حكم الإيلاء وقفة بعد المدة، لا توجب زيادة فيها. قيل له: ليس في الكتاب ولا في السنة ما يوجب تقدير أجل العنين، وإنما أخذ حكمه من قول السلف، والذين قالوا إنه يؤجل حولا، هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها، ولم يوقعوا الطلاق بمضي المدة، ومدة الإيلاء موجبة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها، فالزائد فيها مخالف لحكمه. وأيضًا: فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء، فإن قال: أفيء: لم يفرق بينهما، فكيف يشتبهان؟

стр. 2174

ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءواا فإن الله غفور رحيم﴾، فجعل له بعد الإيلاء أحد الشيئين: إما الفيء، وإما الطلاق، فوجب أن يحصل الطلاق بفوات الفيء، إذ غير جائز له أن يوقع الفيء والطلاق جميعًا. والدليل على فوات الفيء بمضي المدة، وأنه مراد فيها: ظاهر قوله: ﴿فإن فاءوا﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى أن يكون الفيء عقيب اليمين؛ لأنه جعله لمن له تربص أربعة أشهر، ومن أثبته بعد مضي المدة، فقد خالف ظاهر الآية. وأيضًا: فقد اتفق الجميع على صحة الفيء في المدة، فدل أنه مراد فيهما، فصار ذلك كقوله: "فإن فاؤوا فيهن"، وكذا روي في حرف عبد الله. فحصل الفيء مشروطا في المدة دون غيرها، وبمضي المدة يفوت الفيء، وإذا فات الفيء: حصل الطلاق لما وصفنا. فإن قيل: لما قال: ﴿تربص أربعة أشهر فإن فاءوا﴾، فعطف بالفاء على

стр. 2175

التربص في المدة، فدل على أن الفيء مشروط بعد مضي المدة، وأنه إذا فاء في المدة، فإنما ثبت حكمه من حيث عجل حقًا لم يكن عليه تعجيله، كمن عجل دينا هو مؤجل عليه. قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت، لأن قوله: ﴿فإن فاءوا﴾: فيه ضمير المولي المبتدئ بذكره في الآية، وهو الذي له تربص أربعة أشهر، فالذي يقتضيه الظاهر: إيجاب الفيء عقيب اليمين. فإن قيل: لما قال: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾: دل على أن وقوعه موقوف على قول يكون منه. قيل له: هذا يدل على صح قولنا؛ لأنه علق الطلاق فيه بعزيمة القلب، دون القول؛ لأن عزيمة القلب لا تكون قولًا، فلو كان يجب وقفه بمضي المدة لما تعلق بعزيمة القلب دون إيقاعه بالقول. وهذا يدل على أن المراد عزيمة ترك الفيء في المدة، والمضي عليها، وأن فواته يوجب الطلاق. فإن قيل: ليس الإيلاء صريح الطلاق، ولا كناية عنه، فالواجب أن لا يقع به طلاق. قيل له: وليس اللعان صريح الفرقة، ولا كناية، فيجب على المخالف أن لا يوقع الفرقة به حتى بفرق الحاكم. ولا يلزم على أصلنا أيضًا؛ لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة من وجه، لأن قوله: لا أقربك: يشبه كناية الطلاق، إلا أنه أضعف حالًا من غيرها، فلا يقع الطلاق إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو مضي المدة على الوصف الذي يقوله، إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع به الطلاق

стр. 2176

فيه بقول الزوج دون انضمام معنى آخر إليه، وهو قول الزوج لامرأته قد خيرتك، أو: أمرك بيدك، فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها. فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء إنه كناية، إلا أنه أضعف حالًا من سائر الكنايات، فلا يقع الطلاق فيه باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه. وأما اللعان فلا دلالة فيه على معنى الكنايات؛ لأن قذفه إياها بالزنى وتلاعنهما، لا يصلح أن يكون عبارة عن البينونة بحال. وأيضًا: فإن اللعان مخالف للإيلاء، من جهة أن حكمه لا يثبت بغير الحاكم، فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة، لا تقع إلا بحكم الحاكم، والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة. وبهذا المعنى فارق العنين أيضًا؛ لأن تأجيله لا يثبت إلا بحاكم، كذلك ما يتعلق به حكم الفرقة. فإن قال قائل: لما قال تعالى: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾: دل على أن هناك قولًا مسموعًا، وهو الطلاق. قيل له: هذا جهل مفرط من قائله، من قبل أن السميع لا يقتضي مسموعًا؛ لأن الله تعالى لم يزل سميعًا، ولا مسموع. وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع

стр. 2177

عليم﴾، والقتال لا يتعلق بمسموع. مسألة: [الإيلاء بالحلف بالعتق أو الحج ونحوها] قال: (وإذا حلف بعتق أو طلاق أو حج أو صيام: كان موليًا). لأن هذه أيمان يلزم بالحنث فيها ما أوجبه من العتق ونحوه، وكذلك يلزمه الصيام في ذمته، وقد تعارف الناس الحلف بهذه الأيمان. * قال: (وإن قال: إن قربتك فعلي صلاة: لم يكن موليًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف). لأن الناس لا يتعارفون الحلف بالصلاة، كما تعارفوا الحلف بالحج والصدقة والصوم. ولو حمل الأمر على القياس، كان ينبغي أن لا يكون موليًا في جميع ذلك؛ لأن هذه ليست بأيمان على الحقيقة، وإنما اليمين ما كان قسمًا بالله تعالى دون غيره. وأيضًا: فإن وجوب الصلاة ليس له تعلق باليمين بحال؛ لأن كفارة اليمين ليس فيها صلاة، وفيها عتق، وصدقة، وصوم، فجاز أن يكون موليًا بإيجاب الصوم، وسائر ما انتظمته اليمين بالله من الكفارة. وأما الحج، وإن لم يكن من كفارة اليمين، فإنه حق في مال، فأشبه

стр. 2178

الصدقة والعتق من حيث كانا حقًا في مال. (وقال محمد: ويكون موليًا بالصلاة)؛ لأنها تلزم بالنذر، كالصوم وغيره. مسألة: [مدة إيلاء الأمة] قال: (ومدة إيلاء الأمة شهران، كما أن عدتها على النصف من عدة الحرة). لأن هذه المدة تتعلق بها بينونة، كما تتعلق بالمدة في الطلاق الرجعي. مسأله: [كيفية فيء العاجز عن الوطء] قال: (وإذا آلى وهو لا يقدر على جماعها في المدة، إما لمرض، أو لبعد المسافة، أو كانت رتقاء: فإن فيئه أن يقول بلسانه: قد فئت إليها). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾، وهذا قد فاء؛ لأن الفيء الرجوع إلى الشيء، وهو قد كان ممتنعًا من وطئها بالقول، وهو اليمين، فإذا قال: قد فئت إليها، فقد رجع عن ذلك القول إلى ضده، فتناوله العموم. وأيضًا: لما تعذر جماعها، قام فيئه بالقول مقام الوطء في المنع من البينونة، كما أن المطلقة طلاقًا رجعيًا، لما منع جماعها بعد الطلاق، قام القول فيه مقام الوطء في المنع من البينونة.

стр. 2179

* قال: (وإذا قال: قد فئت إليك، ودام العذر حتى انقضت المدة: لم يقع به طلاق، وإذا زال العذر في المدة، وقدر على الوطء فيها: لم يكن فيئه إلا الجماع). وذلك لأن الفيء بالقول قائم مقام الوطء عند عدمه، لئلا تقع البينونة بمضي المدة، فمتى قدر على الوطء في المدة: بطل الفيء بالقول. كما أن التيمم لما أقيم مقام الوضوء في إباحة الصلاة، كان متى وجد الماء قبل الفراغ منها: بطل تيممه، ولزمته الطهارة بالماء. والإحرام ليس بعذر في الفيء بالقول، لأن تحريم الوطء بفعله، وهو حق الله تعالى، فلا يسقط حقها من الوطء. مسألة: قال: (ومن حلف على قرب امرأته بعتق عبد له، ثم باعه: سقط الإيلاء). وذلك لأنه يصل إلى وطئها في هذه الحال بغير حنث يلزم، ومتى أمكنه وطؤها بغير حنث: لم يكن موليًا، كما لو حنث، فسقطت يمينه: بطل الإيلاء، لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث.

стр. 2180

* قال: (فإن ابتاعه: عاد الإيلاء)، لأن قربها أوجب عتق العبد. مسألة: [حكم الإيلاء بعد البينونة] قال: (وإذا بانت بالإيلاء، ثم تزوجها: عاد الإيلاء، فإن بانت أيضًا، ثم تزوجها: عاد الإيلاء). وذلك لأن حقيقة الإيلاء هي: كل يمين في زوجة تمنع جماع أربعة أشهر إلا بحنث، وذلك موجود بالجماع الثاني، من قبل أن اليمين التي كانت معقودة في النكاح الأول لم تسقط بزواله. والدليل على أن اليمين لا تسقط بزوال النكاح: أن زوال النكاح لا يمنع صحة عقد اليمين، ألا ترى أنه لو قال لأجنبية: إن تزوجتك فوالله لا أقربك، أن هذه يمين صحيحة، فإذا تزوجها كان موليًا، فدل على أن زوال النكاح لا ينفي بقاء اليمين. قال: (وإن بانت بثلاث، ثم تزوجها بعد زوج: لم يكن موليًا، وإن قربها: كفر يمينه). وذلك لأن الإيلاء له حكمان: حكم الحنث، وحكم الطلاق، وحكم الطلاق لا يثبت إلا في ملك، أو مضافًا إلى ملك، والطلاق الذي استفاده الأول بالزواج الثاني، لم يكن في ملكه وقت اليمين، ولا كانت اليمين مضافة إليه، فلم يقع به الطلاق.

стр. 2181

ألا ترى أنه لو قال لامرأته: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت ثلاث مرات، فطلقت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، فدخلت الدار: أنها لا تطلق، من قبل أن الطلاق الذي استفاد ملكه بعد الزوج الثاني، لم يكن مالكًا له يوم عقد اليمين، ولا كانت مضافة إليه، فكذلك ما وصفنا. مسألة: [الإيلاء بلفظ: علي حرام] قال: (ومن قال لامرأته: إن قربتك فأنت علي حرام، فإن نوى الطلاق: كان موليًا في قولهم جميعًا). لأنه بمنزلة من قال لامرأته: إن قربتك فأنت طالق. * (وإن نوى بالتحريم يمينًا: كان موليًا في قول أي حنيفة الذي رواه عنه أبو يوسف. قال: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه لا يكون به موليًا، وهو قول أبي يوسف ومحمد). وجه القول الأول: أنه أوجب تحريمها بالقرب، فصار كقوله: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي؛ لأن الظهار يوجب تحريمًا ترفعه الكفارة. كذلك قوله: إن قربتك فأنت علي حرام، إذا أراد به اليمين.

стр. 2182

فإن قيل: لأن الظهار يلزم به تحريم لا ترفعه إلا الكفارة، وفي قوله أنت علي حرام، إنما يكفر بعد الجماع. قيل له: لزوم الكفارة بعد الجماع لا يدل على أن التحريم لم يلزم؛ لأن الصائم في رمضان قد لزمته حرمة الصوم وإن كانت الكفارة تجب بعد الجماع، وكذلك الإحرام، وكذلك قوله: إن قربتك فأنت علي حرام عند أبي حنيفة، إذا جامع: لزمته حرمة التحريم، فمن انتهكها لزمته الكفارة. فإن قيل: قوله: أنت علي حرام، لا يوجب تحريمًا إذا أراد به اليمين؛ لأنه يجوز له وطؤها، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾، ثم أوجب فيه الكفارة. قيل له: قد تعلق إيجاب التحريم باللفظ؛ لأن اللفظ موضوع له، وما تعلق به إيجاب التحريم من هذا الوجه، تعلق به حكم الإيلاء، لأن أقل أحوالها أن يتعلق به الإيلاء من طريق الحكم، من حيث اقتضاه اللفظ، ثم لا يصدق على إسقاط الإيلاء بقوله: أردت يمينًا، وكان له أن يستبيح وطأها ويكفر بعده.

стр. 2183

ووجه رواية الحسن، وهو قول أبي يوسف ومحمد: أن قوله إن قربتك فأنت علي حرام، إذا أراد به اليمين، كان بمنزلة قوله: إن قربتك فوالله لا أقربك: فلا يكون موليًا به. مسألة: [الحلف على الشرى في الإيلاء] (وإذا قال لامرأته وهي أمة: والله لا أقربك حتى أشتريك: لم يكن موليًا؛ لأنه قد يشتريها لغيره، فلا يفسد النكاح. ولو قال: حتى أشتريك لنفسي: كان كذلك أيضًا؛ لأنه قد يشتريها شراء فاسدًا، ولا يقبضها، فيبقى النكاح على حاله. ولو قال: حتى أشتريك لنفسي وأقبضك: كان موليًا؛ لأنه إذا كان كذلك فسد نكاحها). فصار كقوله: لا أقربك ما دمت امرأتي، أو لا أقربك أبدًا. * قال: (ولو قال: حتى أملكك: كان موليًا)، لأن ملكه إياها يفسد نكاحها. [مسألة:] (ولو قال: حتى أعتق عبدي، أو: أطلق امرأتي الأخرى: كان موليًا في قول أبي حنيفة ومحمد). من قبل أنه لا ينفك من أحد معنيين: إما أن لا يطأها فيحنث، أو يريد أن لا يحنث بوطئها، فيحتاج أن

стр. 2184

يطلق امرأته، أو يعتق عبده حتى يصل إلى وطئها بغير حنث، والعتق والطلاق مما يصح الحلف بهما، فكان موليًا، كما لو قال: إن قربتك فعبدي حر، أو قال: فامرأتي طالق. * وكذلك كلما جعله غاية مما يصح الحلف به، مثل الصدقة والصيام ونحوه. (وقال أبو يوسف: لا يكون موليًا) بالغاية، لأنه إذا أعتق العبد، قربها بغير حنث، وليس عتق العبد واقعًا باليمين. [مسألة:] قال: (ولو قال: والله لا أقربك حتى أقتل فلانا: لم يكن موليًا في قولهم جميعًا). من قبل أن قتل فلان مما لا يصح أن يكون جوابًا لليمين، ولا يصح الحلف به. ومن هذا الوجه فارق عتق العبد، والطلاق، والنذر، من قبل أن هذه الأشياء مما يصح الحلف بها، ويجوز أن تجعل جوابًا لليمين، فلذلك اختلفا.

стр. 2185

مسألة: [الإيلاء بامرأتين بلفظ واحد] قال: (ومن قال لامرأتيه: والله لا أقربكما: كان موليًا منهما استحسانًا، وكان القياس أن لا يكون موليًا). وجه القياس: أنه لا يحنث بقرب إحداهما، ومتى وصل إلى وطئها بغير حنث، لم يكن موليًا منها. وكذلك قالوا: إنه لو قال لامرأته وأمته: والله لا أقربكما: أنه غير مول من امرأته حتى يقرب أمته؛ لأنه يصل إلى جماعها قبل قرب الأمة بغير حنث. ومن جهة الاستحسان: إن لجماع كل واحدة منهما تأثيرًا في طلاق الأخرى؛ لأنه إذا جامع إحداهما، ثم ترك الأخرى أربعة أشهر: طلقت، فلما كان كذلك صار موليًا. وليس كذلك الأمة والزوجة؛ لأن جماع الزوجة لا تأثير له في طلاق الأمة، لأن ملك اليمين لا يلحقها طلاق. [مسألة:] (وإن قال لامرأتيه: والله لا أقرب إحداكما: كان موليًا من واحدة منهما). من قبل أن قوله: إحداكما: لا يتناول إلا واحدة، ولا يتناولهما جميعًا، فكان موليًا من إحداهما. * (فإذا مضت أربعة أشهر: وقعت تطليقة، وقيل له: أوقعها على

стр. 2186

أيتهما شئت). لأنه لما كان موليًا من إحداهما، كان مضي المدة موجبًا لتطليقة في إحداهما بغير عينها، بمنزلة قوله: إحداكما طالق، فيكون الخيار إليه في صرف التطليقة إلى إحداهما. فإن أراد أن يجعل اليمين في إحداهما بعينها قبل مضي المدة: لم يكن له ذلك، من قبل أن عقد اليمين لا يجوز أن يلحقه الفسخ عما وقع عليه، وقد علمنا أن اليمين لم تتناول في حال العقد إحداهما بعينها، فلو عينها في واحدة: كان فيه فسخ اليمين عما وقعت عليه. ألا ترى أنه لو قال: والله لا أدخل إحدى هاتين الدارين: أنه يحنث بدخول إحداهما أيتهما كانت، ولو أراد تعيين اليمين في إحداهما بعينها: لم يكن له ذلك، فكذلك ما وصفنا، حصل الطلاق في الأمة: كان مخيرًا في صرفه إلى أيتهما شاء. * قال: (فإن أوقع الطلاق على إحداهما، ثم مضت أربعة أشهر بعد الأربعة أشهر الأولى: بانت الأخرى أيضًا). وذلك لأن مضي المدة أوجب تطليقة في إحداهما وبانت، وحصل الإيلاء في الباقية، فلما مضت مدة أخرى بعد المدة الأولى: بانت الأخرى إذ لم يبق من يستحق الطلاق غيرها. وروي عن أبي يوسف: أنه إذا تعين الطلاق في إحداهما: تعين الإيلاء

стр. 2187

فيها، كأنه آلى منها بعينها، فلا يكون موليًا من الباقية. وعند محمد: يكون موليًا من الباقية؛ لأن شرط اليمين يقتضي وقوع تطليقة لا في عين، فلا جائز فسخ شرطها بتعيينه الطلاق الأول في إحداهما بعينها، وإيجاب الطلاق في عين لم يقتضها شرطها. مسألة: [الإيلاء بامرأتين بحلف واحد] قال: (ومن قال لامرأتيه: والله لا أقرب واحدة منكما: كان موليًا منهما جميعًا). لأن قوله: واحدة منكما: يتناول كل واحدة منهما على حيالها؛ لأنها نكرة شائعة، ألا ترى أنه يصح دخول حرف الجمع عليها، بأن يقول: كل واحدة منكما، وكان القياس أن يكون موليًا من إحداهما؛ لأنه يحنث بوطء إحداهما. مسألة: [الاستثناء في الإيلاء] قال: (ومن قال لامرأته: والله لا أقربك سنة إلا يومًا: لم يكن موليًا حتى يقربها، وقد بقي من السنة أربعة أشهر). وذلك لأنه استثنى من المدة يومًا منكورًا، فلم يتناول يومًا بغينه، فجائز له أن يقربها أي يوم شاء من السنة، ويكون ذلك اليوم هو اليوم المستثنى؛ وليس يتناول ذلك يومًا من آخر السنة، ولا من أولها. ألا ترى أنه لو قال: ما نمت من الليل إلا ساعة، وما قعدت اليوم إلا

стр. 2188

ساعة، وما صمت من شعبان إلا يومًا: أن ذلك لا يتناول وقتًا بعينه، بل جائز أن يكون من أوله، ومن آخره. وإذا كان كذلك، فهو يقدر على وطئها في المدة بغير حنث، فلا يكون موليًا، فإن وطئها في يوم وقد بقي من السنة أربعة أشهر، صار موليًا حينئذ، من قبل أنه لما وجد اليوم المستثنى، بقيت اليمين مطلقة بلا استثناء، كأنه قال: والله لا أقربك: فيكون موليًا منها. مسألة: قال: (وإذا آلى من امرأته، فبانت بمضي المدة، ثم مضت أربعة أشهر أخرى، وهي في العدة: لم يقع عليها شيء بالإيلاء. ولو آلى منها، ثم طلقها تطليقة بائنة قبل مضي المدة، ثم مضت المدة وهي في العدة: وقعت عليها تطليقة بالإيلاء). والأصل في ذلك: أنه لا يجوز أن يبتدئ مدة الإيلاء في حال البينونة، وذلك لأن ثبوت حكم المدة متعلق بثبوت حقها في الجماع، ولا حق لها بعد البينونة، فيتعلق به حكم المدة. وأما إذا كان الإيلاء في حال الزوجية، فثبت حكم المدة بثبوت حقها في الجماع، ثم طرو البينونة عليها، لا يقطع حكم المدة، من قبل أنه قد ثبت حقها في الجماع، ثم حدوث البينونة عليها لا يقطع حكم المدة، من قبل أنه قد بت حقها في الفيء، ومن أجله ثبت ابتداء المدة، فلا ينقطع

стр. 2189

ذلك الحق بطلاقه إياها، إذ لا سبيل له إلى إسقاط حقها الذي تعلق بمضي المدة بفعله، فكذلك لم يبطل حكم مدة متقدمة، لورود البينونة. ووجه آخر: وهو أن الطلاق الواقع بمضي المدة، بمنزلة الطلاق الموقع بالكنايات، ومعلوم أن الكنايات الموجبة للطلاق، لا يصح ابتداؤها مع البينونة. ولو عقد اليمين بالطلاق بلفظ الكناية، فقال لها: أنت بائن إذا دخلت الدار، ثم أبانها، ثم دخلت الدار في العدة: طلقت، فكذلك ابتداء المدة لا يصح مع البينونة، وحدوث البينونة لا يقطع مدة متقدمة قد تعلق بها وقوع الطلاق. مسألة: [الإيلاء في مجلس واحد مرارًا] قال: "ولو آلى من امرأته ثلاث مرات في مجلس واحد، يريد به التغليظ والتشديد، ثم تركها أربعة أشهر: فإنها تبين منه بتطليقة واحدة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا، وقال محمد وزفر: تطلق ثلاثًا). الأصل في ذلك: أن المدة إذا كانت واحدة وإن كثرت الأيمان: فإنها لا توجب إلا تطليقة واحدة، كما أن المدة الواحدة من العدة تنقضي بها العدة من رجلين وثلاثة. وهذا المعنى لا خلاف بينهم فيه؛ لأنه لو قال لها: لو جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال لها ثالثًا، ثم جاء غد: كان موليًا إيلاء واحدًا، وإن وطئها: حنث في الجميع، ولا يتعلق مع ذلك

стр. 2190

بمضي المدة إلا تطليقة واحدة. فقلنا في مسألتنا على هذا الأصل: إن هذه وإن كانت أيمانا مختلفة، فإن مدتها واحدة، وذلك لأنه لا يمكن ضبط الوقت الذي بين اليمينين عند مضي أربعة أشهر، فصارت مدة الأيمان كلها مدة واحدة. * والقياس أن يقع ثلاث تطليقات؛ لأن ما بين اليمينين من الوقت وإن كان غير معلوم عندنا مقداره، فإنه يوجب أن تكون كل واحد من الأيمان غير مدة الأخرى، فكان ينبغي أن يقع ثلاث تطليقات، إلا أنه ترك القياس لما وصفنا. وذهب زفر ومحمد إلى وجه القياس. مسألة: [إيلاء أهل الذمة] قال: (وإيلاء أهل الذمة كإيلاء أهل الإسلام في قول أبي حنيفة). قال أبو بكر: ليس يخلو إيلاؤه من أن يكون يمينًا بالله، أو أن يعلق العتق أو الطلاق بالوطء، أو إيجاب نذر في القرب، مثل الحج والصيام بالوطء. ولا خلاف بينهم أن إيلاء الذمي لا يصح بالحج والصيام والصدقة ونحوها؛ لأنه لا يلزمه بالوطء هذه القرب. ولا خلاف بينهم أيضًا: أنه يصح إيلاؤه بالعتق والطلاق. وإنما الخلاف في الحلف بالله، فقال أبو حنيفة: يكون موليًا به،

стр. 2191

وذلك لقول الله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾، وهو عموم في المسلم والذمي. وأيضًا: فإن الذمي يتعلق به حكم التسمية، كتعلقه بالمسلم، ألا ترى أن الكتابي إنما تؤكل ذبيحته إذا ذكر اسم الله عليها، وإن ترك التسمية يمنع أكل ذبيحته، فصار كالمسلم فيما يتعلق به من الحكم باسم الله تعالى، فوجب أن يكون كالمسلم فيما يتعلق به من الحكم بالحلف بالله في إيجاب الطلاق به بمضي المدة. وأما الصدقة ونحوها، فليس يتعلق بها حكم على الذمي؛ لأن قوله فيها وسكوته بمنزلة واحدة. * وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون موليًا؛ لأن حكم الإيلاء إنما يتعلق باليمين بالله، لما يتعلق بالوطء من لزوم الكفارة، فإذا لم يتعلق بيمينه وجوب الكفارة: لم يكن موليًا. *****

стр. 2192

باب الظهار مسألة: [العبد كالحر في الظهار] قال أبو جعفر: (والعبد في الظهار كالحر، غير أنه لا يجزيه في الكفارة إلا الصيام). قال أبو بكر: الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾ الآية، وهو عموم في الفريقين من الأحرار والعبيد. وقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾: لا ينفي دخول العبد في الظهار؛ لأن الرقبة مشروطة لمن وجدها، والعبد لا يجدها كالفقير. * وإنما لم يجزه العتق والإطعام؛ لأنه لا يملك، ولا يصح له حكم الملك، وقال النبي ﵊: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم".

стр. 2193

ولا يجزيه الطعام أيضًا وإن أدى عنه مولاه؛ لأنه لا يحصل له حكم الملك. وليس كالفقير إذا أدى عنه غيره بأمره، فيجوز؛ لأن الفقير يحصل له حكم الملك في المؤدى، لأنه ممن يملك، والعبد لا يحصل له حكم الملك في المؤدى؛ لأنه لا يملك حقيقة، فكيف يجوز أن يثبت له حكم الملك؟. * قال: (وليس لمولاه أن يمنعه من صيام الظهار، كما لا يمنعه من صيام النذر، وكفارة اليمين). لأن كفارة الظهار بها يستبيح وطء الزوجة، وذلك حق لها، فليس له أن يمنعه مما قد استحقت من الوطء بعقد النكاح. مسألة: [تخصيص الظهار بالزوجات] قال أبو جعفر: (ولا ظهار إلا من زوجة حرة كانت أو أمة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم﴾، فالمعقول من ظاهر هذا اللفظ: الزوجات، لقوله: ﴿وأمهات نسائكم﴾، ﴿للذين

стр. 2194

يؤلون من نسائهم﴾. وأيضًا: الظهار يوجب تحريمًا من جهة القول، فلا يصح تحريم ملك اليمين من جهة القول، والدليل عليه: أنه لو قال لها أنت علي حرام: لم تحرم. وروي" أن النبي ﷺ حرم مارية القبطية، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾، فلم يثبت حكم التحريم، وأوجب فيه كفارة يمين. فلما لم يصح تحريمها من جهة القول لو نص على تحريمها، صارت كالثوب والطعام ونحوهما إذا حرمهما، فلا يصح تحريمهما، كذلك حكم الأمة في الظهار. وليس كذلك الزوجة؛ لأنه يصح تحريمها من جهة القول لو قصدها بالتحريم فقال: أنت علي حرام، وأراد به الطلاق: طلقت وحرمت عليه.

стр. 2195

وأيضًا: كان الظهار طلق أهل الجاهلية، فأبدل الله تعالى منه الطلاق، وجعله تحريمًا ترفعه الكفارة، فلما لم يصح طلاق ملك اليمين، لم يدخل فيما أبدل من الطلاق. مسألة: [صحة الظهار بامرأة تحرم عليه مؤبدا] قال أبو جعفر: (ويصح الظهار بكل امرأة هي محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا). وذلك لأن الأم لما كان تحريمها مؤبدًا، وحكم الله بصحة الظهار منها، كان كل من تحريمها على وجه التأبيد بمنزلتها. مسألة: [الظهار بالرجال] قال: (ولا يصح الظهار بالرجال، إذا قال: أنت علي كظهر أبي). لأن ظهر الأب غير محرم عليه النظر إليه. * والظهار يصح ببطن الأم، وفخذها، وفرجها؛ لأن تحريم هذه الأعضاء عليه كتحريم الظهر. * ولا يصح الظهار بوجهها، ورأسها؛ أنه يجوز له النظر إلى وجهها ورأسها، فليس تشبيهها بهما إيجاب تحريم. [مسألة:] قال: (وإذا وقت الظهار فقال: أنت علي كظهر أمي شهرًا: كان كما

стр. 2196

قال، ولم يكن مظاهرًا بها بعد شهر". وذلك لما روي في حديث سلمة بن صخر "أنه ظاهر من امرأته شهر رمضان، ثم جامع، فسأل النبي ﷺ ، فلم يبطل توقيته للظهار". وأيضًا: فإن الظهار يقع مؤقتًا في الأصل بأداء الكفارة، ألا ترى أنه إذا أدى الكفارة: سقط الظهار، فإذا وقته بوقت معلوم كان مؤقتًا، وليس كذلك الطلاق؛ لأن الطلاق لا يقع مؤقتًا، ولا يصح توقيته. مسألة: [موت المرأة المظاهر منها] قال: (وإذا ظاهر من امرأته، ثم ماتت: بطل الظهار). وذلك لأن الظهار يوجب تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة، فلا يحل له وطؤها حتى يكفر، فإذا ماتت، فقد امتنع وجود الوطء بالظهار، فليس يلزمه الكفارة، وإنما يمنعه الوطء حتى يكفره. مسألة: [المراد من العود في آية الظهار] قال أبو جعفر: (والعود المتأول في قول الله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: إنما هو إرادة القرب بعد التحريم، فلا يصل إلا بالكفارة التي

стр. 2197

ذكرها الله". قال أبو بكر: وروي نحو قول أصحابنا عن الحسن، والزهري، وقتادة. وقال ابن عباس: إذا قال: أنت علي كظهر أمي: لم تحل له حتى يكفر، وهذا أيضًا مثل قولنا. وحكي عن الشافعي أنه إذا أمسكها بعد الظهار ساعة: لزمته الكفارة، ماتت أو عاشت، فإن طلقها عقيب الظهار: لم تكن عليه كفارة. وحكي عن بعض المتجاهلة: أنه على أن يعيد القول مرتين، وهذا

стр. 2198

القول خارج عن قول السلف والخلف جميعًا. وعلى أنه لو كان مما يسوغ مثله بين أهل عصر، لم يكن هذا القول خلافًا على أهل عصره، إذ ليس من أهل النظر، فكيف بمخالفته على من تقدم؟. والدليل على صحة قولنا: أن قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: يقتضي عودًا إلى معنى قد نفاه أو حرمه. ومعلوم أن الظهار غير موضوع لرفع النكاح، فيكون العود لما قال، إمساكا على النكاح، وأنه لما يؤثر في تحريم الوطء، فوجب أن يكون العود لما قال: هو القصد إلى استباحة وطئها الذي قصد إلى تحريمه بالظهار، فيقدم الكفارة قبله.

стр. 2199

وقد يجوز أن يقول: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾، وهو يريد المقول فيه، كما يقال: عاد في هبته، يعني في الموهوب، وكقولنا: اللهم أنت أملنا ورجاؤنا، يعني مأمولنا ومرجونا. وقال الله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾: يعني الموقن به. وقال الشاعر: وإني لراجيكم على بطء سعيكم .... كما في بطون الحاملًات رجاء يعني: مرجوًا. وإذا كان كذلك، صح أن العود هو القصد إلى استباحة وطئها الذي قصد بالظهار إلى تحريمه. وفسد قول من حمله على بقاء النكاح بعد الظهار، إذ هو غير ملائم لمعنى الآية، إذ العود يقتضي عودًا إلى شيء قد سبق منه، وهو فلم يقصد إلى تحريم النكاح. وقد قيل: إن المعنى: ثم يعودون إلى ما قيل في الجاهلية مما نهى الله عنه، وجعله منكرًا من القول وزورًا، و"ثم": ها هنا: بمعنى: "الواو"، فكأنه قال: وهم عائدون بعد نزول الحكم إلى ما كانوا يقولونه قبل نزوله، فكأنه أخبر عن حكم الحال بعد نزول الآية. وهذا التأويل مواطئ لما روي في قصة الظهار، وذلك لأن خولة بنت

стр. 2200

ثعلبة ظاهر منها أوس بن الصامت، ثم أراد وطأها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فصار ذلك إخبارًا عن الحال التي كان عليها المظاهر من قصده للعود إلى الوطء الذي حرمه بالظهار. قالوا: وقد يجوز أن تكون: "ثم": بمعنى: "الواو"، كما قال الله تعالى: ﴿فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد﴾، ومعناه: والله شهيد، وجعلوا نفس الفعل عودًا، كما قال تعالى: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾، معناه: صار كذلك. وكما قال الشاعر: تلك المكارم لا قعبان من لبن .... شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا معناه: صارا كذلك؛ لأنهما لم يكونا في البدء كذلك، فهذا تأويل محتمل، وإذا احتمل ذلك، ثم قال: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن

стр. 2201

يتماسا﴾، فقد منع المسيس إلا بعد التكفير، فصح أن الظهار يوجب تحريم الوطء. ومما يدل على بطلان قول المخالف أيضًا: أن قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: يقتضي أن يكون العود متراخيًا عن القول؛ لأن: ثم: في لغة العرب للتراخي، وليست للمقارنة. وقوله يقتضي أن يكون العود عقيب الظهار، بترك طلاقها متصلًا به، وهذا خلاف حكم الآية، إذ ليس في قوله وجود عود يكون مواطئًا لحكم الآية بوجه، وهذا فاسد من القول. وقوله من جهة أخرى مخالف لظاهر الآية، وهو أن قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: يقتضي إحداث معنى يكون به عائدًا، وترك الطلاق لا يسمى عودًا إلى الشيء بحال، وإنما هو بقاء على الحال الأولى، وبقاء الإنسان على حال كان عليها قبل القول لا يسمى عودًا إليه، فلم يجز حمل معنى الآية عليه. فإن قال قائل قوله: ﴿فتحرير رقبة﴾: يقتضي وجوبها بعد العود، وأنت لا توجبها، وإنما تحرم الوطء حتى يؤدي الكفارة. قيل له: تأويلنا لمعنى الآية صحيح على الوجه الذي حملناه عليه،

стр. 2202

كأنه قال: إذا أردت الوطء فكفر قبله، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة﴾. وكما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، فلو أراد صلاة نافلة كان عليه تقديم الطهارة، وإن لم يردها: لم يكن عليه تقديمها. وكما قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾، والاستعاذة متعلقة بالقصد إلى القراءة. وقال النبي ﷺ : "من راح إلى الجمعة فليغتسل". ويقال للرجل: إذا أردت دخول مكة: فأحرم. فهذه معان صحيحة قد تعلقت بها الأوامر على شرائطها، كذلك لزوم كفارة الظهار هذا سبيله، وليس يخرجها ذلك من حكم الوجوب، إذا كان الوجوب معلقًا بشرط. ويدل على بطلان قول المخالف أيضًا: أن قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: لو كان المراد به إمساكها على الزوجية، لوجبت الكفارة بنفس الظهار؛

стр. 2203

لأنه قاصد إلى إمساكها على النكاح بنفس الظهار، إذ كان الظهار لا يصح إلا مع بقاء النكاح، فقصده إلى الظهار قصد منه إلى تبقية النكاح، ألا ترى أنه إذا أبانها لا يصح ظهاره منها. فإن قيل: شرط وجوب الكفارة إمساكها بعد الظهار؛ لأن: ثم: للترتيب، فأما إمساكها في حال الظهار، فلم تتناوله الآية. قيل له: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنك لم تستعمل: ثم: على حقيقتها؛ لأنها موضوعة للتراخي، ولم تجعلها كذلك؟ فمن حيث أسقطت حكمها من هذا الوجه، وصارت بغير الحقيقة عندك، سقط الاحتجاج بها، ونقول لك حينئذ أيها المخالف: لما لم تكن للترتيب، صارت بمعنى: الواو، كأنه قال:"وهم عائدون لما قالوا"، يعني: ما كانت عادتهم عليه قبل نزول الحكم على التأويل الذي قدمناه في المسألة. والوجه الآخر: أن المظاهر فاصد إلى إمساكها عقيب الظهار؛ لأنه لو أراد خلاف ذلك لأبانها وطلقها بدل الظهار. ويفسد هذا قوله من وجه آخر، وهو أن الطلاق الرجعي لا ينفي الزوجية، ولا يمنع إمساكها على النكاح؛ لأنها امرأته بحالها، فهو ممسك لها بعد الطلاق، إذ لم يقع منه عود لما قال. فإن قيل: إنما خرج من أن يكون ممسكًا لها على الحال الأول؛ لأن الطلاق الرجعي يوجب تحريمًا، وإن لم يرفع النكاح. قيل له: ينبغي أن يكون لو ظاهر منها ظهارًا ثانيًا، أن يكون غير عائد؛ لأن الظهار يوجب تحريمًا. وأيضًا: فإن كان الطلاق الرجعي يوجب تحريمًا، فيبغي أن يكون

стр. 2204

عائدًا به لما قال، لأنه قصد إلى تحريمها بالظهار، ثم عاد لمثله في إحداث معنى يوجب تحريمها، فالواجب أن يكون العود هو الطلاق نفسه، وهذا قول ظاهر الإعلال، بين الإحالة. فإن قال: لأن الطلاق يوجب البينونة بعد انقضاء العدة. قيل له: فإلى أن تقع البينونة فالزوجية بسائر أحكامها قائمة، من نحو التوارث، وصحة إيجاب الظهار، واللعان ونحو ذلك، فينبغي أن يكون عائدًا به لما قال، ويلزمه الكفارة، وأن يكون العود طلاقًا يوجب البينونة لا غير، وليس هذا من قوله. * وأما قول من قال: إن العود أن يعيد القول مرة أخرى: فقول خارج عن اللغة، والإجماع. وذلك لأنه لا سبيل له إلى إعادة القول على الحقيقة؛ لأن القول الثاني ليس بإعادة للأول، وإنما هو قول مبتدأ مثل ما تقدم، فلم يقتض اللفظ إعادة القول مرتين. وأيضًا: قوله: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾: ليس يقتضي قولًا ثانيًا بحال؛ لأنه قد يقال لمن حرم شيئًا على نفسه، ثم استباحه، أنه قد عاد لما قال ولما حرم، وإن كانت الاستباحة بالفعل دون القول. ويقال: عاد في عاريته، وفي قرضه: إذا أخذهما وإن لم يكن منه قول. وأيضًا: "فإن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته، ثم وطئها، وسأل النبي

стр. 2205

صلى الله عليه وسلم، فأمره بأن لا يطأها حتى يكفر"، ولم يسأله: هل أعدت القول مرتين؟ ولا: هل طلقتها؟ فدل على أن إعادة القول مرتين ليس من شرطه، ولا الطلاق بعده. وكذلك يدل عليه حديث أوس بن الصامت، حين ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، وفيهما نزلت آية الظهار، فأمره النبي ﷺ بالكفارة، ولم يسأله هل أعدت القول مرتين أم لا؟ ولا يحتاج إلى إفساد قول القائل بإعادة القول إلى كثير حجاج، لسقوطه وسقوط قائله، واتفاق الأمة على خلافه، إلا أنا أردنا التنبيه على جهله تقحمه مخالفة الإجماع، مع ما هو عليه من التهمة على دين الإسلام، والتلاعب بالشريعة والأحكام. وقد روي عن علي، والحسن البصري فيمن ظاهر من امرأته في مقاعد شتى، أن يكفر بكفارات شتى، وإن ظاهر منها في مقعد واحد: فعليه كفارة واحدة. وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي وإبراهيم: عليه كفارة واحدة.

стр. 2206

فلم يشترط واحد منهما إعادة القول مرتين. مسألة: [حكم الظهار بامرأتين] قال: (ومن ظاهر من امرأتيه: كان مظاهرًا من كل واحدة منهما ظهارًا على حدة). وذلك لأنه قد أوجب بهذا القول تحريم كل واحدة منهما على حيالها، وارتفاع ذلك التحريم يتعلق بالكفارة، ولا يجوز أن يرفع تحريم المرأتين جميعًا بكفارة واحدة، إذ كان هناك تحريمان. وأيضًا: لو ظاهر من كل واحدة ظهارًا مفردًا، لم يحلها له إلا كفارتان، كذلك بالقول الواحد. مسألة: [لو ظاهر من امرأته ثم طلقها ثلاثًا] قال: (ولو ظاهر من امرأته، ثم طلقها ثلاثًا، فحلت له بعد زوج: لم يطأها حتى يكفر). لقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، لم يفرق بين حاله قبل الطلاق، وبعده. وأيضًا: فإن تحريم الظهار ليس يتعلق ببقاء الملك، وإنما يتعلق ببقاء الكفارة.

стр. 2207

وأيضًا: فإن الطلاق الثلاث أوجب تحريمًا آخر، فلا يرتفع تحريم الظهار بتحريم آخر غيره، بل إن لم يؤكده، لم يرفعه، وليس يتعلق ارتفاع تحريم الظهار بالزواج الثاني، فيعتبر وجوده. مسألة: [تحريم كل مسيس قبل الكفارة] قال: (ولا يحل له وطء المظاهر منها، ولا اللمس، ولا القبلة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾، وذلك على كل مسيس: جماعًا كان أو غيره. وأيضًا: روي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ قال للذي ظاهر من امرأته: لا تقربها حتى تكفر". مسألة: قال: (وسواء كان من أهل الرقبة أو الصيام أو الإطعام لا يقربها حتى يكفر). لأن النبي ﷺ قال للذي واقع امرأته بعد الظهار: "اعتزل امرأتك حتى تقضي ما عليك".

стр. 2208

وفي بعض الأخبار: "حتى تكفر"، فلم يفرق بين الإطعام وغيره. وأيضًا: فإن الظهار يوجب تحريم الوطء حتى ترفعه الكفارة، وكونه غير واجد لبعض ما في الآية، لا يمنع بقاء التحريم حتى يكفر. مسألة: [إجزاء عتق الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة في الظهار]. قال: (ويجزئ في الكفارة: الذكر والأنثى، والمؤمن والكافر". لقول الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وذلك عموم يتناول الجميع. وقال النبي ﷺ لأوس بن الصامت: "أعتق رقبة"، ولم يقل مؤمنة ولا غيرها، وكذلك قال لسلمة بن صخر. فإن قيل: لما ذكر في القتل رقبة مؤمنة، كان الظهار قياسًا عليه في شرط الإيمان. قيل له: لا يجوز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض، فلما كانت الرقبة منصوصًا عليها في الموضعين: في أحدهما مقيدة، وفي الأخرى مطلقة، لم يجز حمل المطلق على المقيد، كما لا يجوز حمل المقيد على المطلق في إسقاط التقييد.

стр. 2209

وأيضًا: فيه زيادة في النص، ولا يجوز عندنا الزيادة في النص. وأيضًا: كما لم يجز قياس القتل على الظهار، لم يجز أيضًا قياس الظهار على القتل في إثبات شرط الإيمان في رقبته. فإن قيل: فقد منعت جواز الرقبة العمياء، وشرطت فيها الصحة وإن لم يكن لها ذكر في الآية، فقد زدت فيها ما ليس منها، فهلا أجزت شرط الإيمان فيها؟ قيل له: من قبل أن الرقبة اسم لها بجميع أعضائها، فاقتضى عموم اللفظ رقبة بكمالها، كما أن قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، اقتضى عموم الحكم في جميعهم، لا في أقل ما يتناوله الاسم منهم. وأما الإيمان فليس من الرقبة في شيء، ولا هو من أجزائها، فلم يشتمل عليه اللفظ، ولو شرطناه كنا زائدين في حكم الآية ما ليس منها. مسألة: [عدم جواز الرقبة الناقصة في كفارة الظهار] قال: (ولا يجزئ الرقبة العمياء، ولا المقعد، ولا المقطوع اليد والرجل من جانب واحد". قال أبو بكر: الأصل فيه: أن منفعة الجنس إذا كانت باقية فيما يبتغى من الرقاب: أجزأت، فإن كانت منفعة الجنس زائلة: لم يجز.

стр. 2210

والدليل عليه: اتفاق الجميع على أنه لو كان مقطوع الأنملة: جاز، فعلمنا أن النقص اليسير لا يمنع الجواز، فقسنا على ذلك كل نقص يسير لا يبطل منفعة الجنس فيما يبتغى منها. وأما إذا زالت منفعة الجنس: فإنه لا يجزئ من وجهين: أحدهما: أن اسم الرقبة يتناول رقبة كاملة بجميع أجزائها؛ لأن اسم الرقبة يشتمل عليها، فجوزنا اليسير لما وصفنا، وحملنا الكثير على حكم الآية. والوجه الآخر: أن المقطوع اليدين والرجلين لا يجزئ بلا خلاف نعلمه بين الفقهاء، والمعنى فيه زوال منفعة جنس العضو، فكل ما كان مثله، فحكمه حكمه قياسا عليه. مسألة: [عدم جواز المدبر وأم الولد في كفارة الظهار] قال: "ولا يجزئ المدبر، ولا أم الولد". وذلك لأن المدبر قد استحق العتق بالتدبير، ومن أجله لم يجز بيعه، فإذا أعتقه فإنما عجل له العتق المستحق بغير الكفارة، فلم يجز. وأيضًا: قال النبي ﷺ في أم الولد: "أعتقها ولدها"، فدل على أن العتق مستحق بالاستيلاد. وأيضًا: فإنها رقبة ناقصة، فهو كعتق بعض عبد.
следующие страницы →