← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الصلاة الموجبة لخروجه منها بتسليم الإمام. قال أبو يكر أحمد: وليس كذلك ما يطرأ على المصلي من الأسبب المغيرة للفرض عند أصحابنا جميعًا، بمنزلة الأمة إذا أعتقت وهي في الصلاة مكشوفة الرأس، فتأخذ قناعها وتبني. وكذلك المجتهد في القبلة إذا أداه اجتهاده إلى جهة، فصلى إليها. لم أداه اجتهاده وهو في الصلاة إلى أن الجهة غيرها، فيتوجه إليها، ويبني. وذلك لأن الأمة لم يكن عليها فرض الستر قبل دخولها في الصلاة. وإنما هو فرض لزمها في الحال، فأشبهت أهل قباء حين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فأتاهم آت، فاخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا إليها، وبنوا، فصار ذلك أصلًا في حدوث الفرض. وما ذكرناه من المتيمم إذا وجد الثوب. ونظائرهما من المسائل، فإن الفرض كان متقدمًا عليهم في استعمال الماء، والستر، وغسل الرجلين، وما أشبه ذلك. وإنما أجيز لهم ترك الفرض للعذر، وحكمه باق عليهم، فإذا زال العذر: عاد إلى أصل فرضه، فصار كأنه جزءًا من الصلاة مع بقاء الحدث، ومع العري، ونحوه مع زوال العذر، فلذلك فسدت صلاتهم. وأما المجتهد إلى القبلة، فإنه لم يرجع من اجتهاده إلى يقين، وإنما صار من اجتهاده إلى اجتهاد مثله، والاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد، وينقض باليقين، وغنما نظيره مما ذكرنا أن يجتهد بمكة إلى جهة الكعبة في ليمة مظلمة، ثم يصير إلى اليقين في خلاف الجهة التي ابتدأ الصلاة إليها، بأن

стр. 247

عاين الكعبة، فهذا يجوز أن يقال إنه يستقبل، كما قلنا في المتيمم إذا وجد الماء، ونظائره من المسائل. مسألة: [جواز المسح على الجبائر] قال أبو جعفر: (ولا بأس بالمسح على الجبائر). وذلك لما روى زيد بن علي عن آبائه عن علي ﵃ أنه كسرت زنده يوم أحد، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بالجبائر؟ قال: "امسح عليها". [مسألة] قال: (والمسح عليها كالغسل لما تحتها، وساء شدها وهو على طهارة، أو هو محدث، ولا يشبه ذلك المسح على الخفين). قال أبو بكر: كان أبو الحسن ﵀ يذكر أن من مذهب أبي حنيفة أن ترك المسح على الجبائر: لا يمنع صحة صلاته؛ لأن فرض الغسل ساقط عن موضع الجراحة، وليس كالمسح على الخفين، لن فرض غسل الرجل قائم عليه مع لبس الخفين، فالمسح بدل منه، فلم يجز تركه. * وأما وجه مسألة أبي جعفر التي ذكرها في الكتاب، في جواز المسح عليها، سواء شدها على طهارة أو على غير طهارة: فهو أن فرض

стр. 248

الطهارة ساقط عنه في موضع الجراحة، فلا فرق بين تقديم الطهارة على شدها أو تأخيرها عنه، وهو قولهم جميعًا، وليس كالمسح على الخفين لأن فرض الطهارة قائم في الرجل، فلا يجوز المسح إلا أن يكون قد لبسه على طهارة. [مسألة: سقوط الجبيرة] قال أبو جعفر: (وإن سقطت جبائره عن غير برء: كانت طهارته على حالها). وذلك لأن سقوطها لم يلزمه طهارة الموضع، ألا ترى أنه لو أبتما الصلاة بعد سقوط الجبائر: جاز، وليس كالمسح على الخفين؛ لأن نزع الخف يلزمه غسل الرجلين. قال أبو جعفر: (وإن كان سقوطها عن برء: غسل مكانها، ولم يجزه إلا ذلك). وذلك لأنه عاد إلى أصل فرضه قبل خروجه من الصلاة، فصار كأنه فعل جزءًا من الصلاة بالتيمم بعد البرء، وهو على ما بينا من وجود الماء للمتيمم، ونظائره من المسائل.

стр. 249

مسألة: [يصلي المريض بتيممه ما بقي العذر أو يحدث] قال أبو جعفر: (وقولهم جميعًا في المريض الذي يخاف ضرر الماء أنه يتيمم ويصلي بتيممه ما بقي العذر أو يحدث). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. الآية، فأباح التيمم مع المرض، وكان حكم العموم إجازة التيمم لكل مريض، إلا أن المسلمين متفقون على أن المريض الذي لا يخاف ضرر استعمال الماء: لا يجوز له التيمم، فخصصناه بالاتفاق، وبقي حكم العموم فيما عداه. وقد حدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجه في رأسه، فاحتلم، فقال لصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة في التيمم، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: "قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل

стр. 250

سائر جسده". قال أبو بكر: هذا الحديث قد دل على معان من الفقه: أحدهما: جواز التيمم للمجروح إذا خاف ضرر الماء. ويدل أيضًا على جواز المسح على الجبائر. ويدل أيضًا على أن الغسل والتيمم لا يكونان جميعًا من فرضه، ولا يجتمعان في الوجوب؛ لن النبي ﷺ حين أجاز له المسح على الجبائر، لم يوجب عليه التيمم معه، ولم يأمره بالجمع بين التيمم والغسل، كما أمره بالجمع بين الغسل والمسح. * وقوله ﷺ : "يكفيه أن يتيمم": معناه إن ضره غسل باقي بدنه. * وقوله: "أو يمسح على الخرقة، ويغسل سائر جسده": يعني إن لم يضره غسل سائر البدن، وضره موضع الجراحة، لا على أنه مخير بين المسح وبين التيمم؛ لأنه إذا لم يضره غسل سائر جسده: فلا خلاف أنه يغسله. * وهذا الحديث يدل أيضًا على صحة قول أبي حنيفة في جواز التيمم

стр. 251

للصحيح في المصر إذا خشي ضرر الماء لأجل البرد، لأن المعنى الذي من أجله أجاز النبي ﷺ التيمم للمشجوج في السفر مع وجود الماء، كان خوف الضرر. ويدل على ذلك أيضًا: حديث عمرو بن العاص ﵁ حين تيمم في السفر، وهو جنب، وصلى وترك الغسل لأجل البرد، فلما ذكروا ذلك للنبي ﷺ قال له: "صليت بهم، وأنت جنب؟ " قال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، وإني خشيت أن يقتلني البرد إن اغتسلت، فضحك النبي ﷺ ، ولم يقل شيئًا. فهذا نظير الحديث الأول في الدلالة على ما ذكرنا. * وهو يدل أيضًا على أن التيمم لا يرفع الحدث، لن النبي ﷺ قال: "صليت بهم، وأنت جنب"، وكانوا أخبروه أنه صلى بتيمم.

стр. 252

حدثنا بهذا الحديث محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدث ابن المثنى قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: سمعت يحي بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير المصري عن عمرو بن العاص ﵁ بذلك. * وأبو يوسف يقول في الذي يخاف ضرر الماء في المصر لأجل البرد: أنه لا يتيمم. قال: لأنه يجد الإدفاء. قال أبو بكر أحمد: وهذا ليس يمانعه التيمم؛ لأنه إلى أن يستدفئ فقد حصل ضرر الماء. * * * * *

стр. 253

باب المسح على الخفين مسألة: [مدة المسح على الخفين] قال أبو جعفر: (يمسح على الخفين يومًا وليلة إن كان مقيمًا، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرًا). قال أبو بكر أحمد: روى المسح على الخفين عن النبي محمد ﷺ غير مؤقت: سعد بن أبي وقاص، وجرير بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك،

стр. 254

وثوبان، وأبو عمرو بن أمية عن أبيه، وبريدة الأسلمي، ﵃ اجمعين. ورواه مؤقتا بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر علي، وعمر، وصفوان بن عسال، وخزيمة بن ثابت، وابن

стр. 255

عباس، وعوف بن مالك، وعائشة ﵃ أجمعين، وهو قول أصحابنا. فإن قال قائل: روى أبي بن عمارة ﵁ أنه

стр. 256

قال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: "نعم"، قال يومًا؟ قال: "ويومين"، قال: وثلاثة؟ قال: "نعم وما شئت". وروي أنه بلغ سبعًا، فقال النبي ﷺ : "نعم وما به لك". قيل له: الحديث ضعيف في نفسه. قال أبو داود: قد اختلف في إسناده، وليس بالقوي، ولو صح كان معناه: وما شئت في الثلاث المذكورة. وأما السبع فلم تثبت من جهة يوثق بها، وعلى أن خبر التوقيت قاض عليه. وأيضًا: لولا تواتر الخبر بالمسح، لما جاز إثباته في مخالفة حكم القرآن؛ لأن المذكور فيه عندنا هو الغسل، إلا أنا تركناه إلى المسح لتواتر الخبر به، وذلك إنما ثبت في الثلاث، وما عداها محمول على الغسل الذي ورد فيه القرآن. فإن قيل: قد روى توقيت المسح خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله

стр. 257

عليه وسلم، قال فيه: للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة، ولو استزدناه لزادنا. قيل له: هذا ظن منه لا يجوز الحكم به، والحكم إنما يثبت عن النبي ﷺ دون ما يؤدي إليه الظن. [مسألة:] قال أبو جعفر: (وإذا أدخل رجليه في الخفين على طهارة من رجليه، وقد كمل وضوءه قبل ذلك، أو لم يكمله، ثم أكمله بعد إدخالهما في خفيه قبل أن يحدث، فإنه إن أحدث بعد ذلك، مسح عليهما يومًا وليلة إن كان مقيمًا، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرًا، من الحدث إلى الحدث). قال أحمد أبو بكر: يعني من الحدث إلى مثله من الوقت، ثم يخلع خفيه، ويغسل قدميه. *وإنما جاز له ذلك إذا ادخل رجليه، وهما طاهرتان، وإن لم يكمل وضوءه بعد، إذا أكمله قبل الحدث بعد اللبس: من قبل ما روى صفوان بن عسال، والمغيرة بن شعبة ﵄ عن النبي ﷺ في المسح على الخفين قال: "إذا أدخلت رجليك، وهما

стр. 258

طاهرتان" ولم يفرق بين حال إكمال الطهارة وقبلها. ومخالفنا في ذلك إنما يوجب عليه نزع الخفين، ولبسهما، لا شيئًا غيره في باب جواز مسحه بعد ذلك، فمن حيث جاز المسح إذا ابتًدا اللبس على هذه الحال: جاز البقاء، لأن نزع الخفين لا يتعلق به جواز المسح، فلا معنى لاعتباره. فإن قيل: لأنه إذا أحدث قبل إكمال الطهارة، لم يجز له المسح، كذلك بعده. قيل له: لأنه إذا أحدث قبل إكمال الطهارة، انتقضت طهارة رجليه، كأنها لم تكن، وإذا أكملها فقد تمت طهارة الرجلين قبل لزوم المسح. * وإنما اعتبروا التوقيت من الحدث، لأن الرخصة قد ثبتت من ذلك الوقت. وقد روي عن النبي ﷺ أنه رخص للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، فوجب اعتبار التوقيت من وقت ثبوت حكم المسح له على وجه الترخيص؛ لأنا لو اعتبرنا وقت اللبس:

стр. 259

كانت الرخصة أقل من الوقت الذي وقته رسول الله ﷺ ، لأنه قبل الحدث لم تكن طهارته رخصة، لأنه يصلي بالطهارة التي قبل اللبس، فبطل ذلك. ولا يجوز اعتبار وقت المسح؛ لأنه يؤدي إلى إثباتها أكثر من الوقت المذكور؛ لأن الرخصة تثبت له من وقت الحدث. مسألة: [إذا بدأ المسح وهو مقيم ثم سافر] قال أبو جعفر: (ولو دخل في المسح وهو مقيم، ثم سافر قبل أن يكمل وقت مسح المقيم: عاد إلى حكم وقت المسافر، ولو دخل في المسح وهو مسافر، ثم أقام: فإن كان قد بقي عليه من وقت مسح المقيم أتم مسح المقيم، وإن كان قد انقضى وقت مسح المقيم: خلع خفيه، وغسل رجليه). قال أبو بكر أحمد: هذا مثل الذي يدخل عليه وقت الصلاة وهو مقيم، ثم سافر قبل خروج الوقت: فينتقل حكمه إلى فرض المسافر. ولو كان مسافرًا في أول الوقت، ثم أقام قبل خروج الوقت: انتقل إلى فرض المقيم. ولو كان ذلك بعد خروج وقت الصلاة: لم ينتقل فرضه عما جعل

стр. 260

عليه بمضي الوقت، كذلك المسح. *وإنما وجب عليه غسل الرجلين بمضي الوقت، لأن الأصل هو الغسل، وإنما رخص في تركه إلى المسح مقدار ما ورد به التوقيت عن النبي ﷺ ، فمتى خرج الوقت عاد إلى أصل فرضه. ومن الناس من لا يوجب عليه غسل الرجلين، ويشبهه بمن يمسح على رأسه، ثم يجز شعره. وكذلك يقول هذا القائل، إنه لو خلع خفيه، لم يجب عليه غسل الرجلين؛ كما لا يجب على من حلق رأسه مسح الرأس. ومن الناس من يقول: يعيد مسح الرأس بعد حلق الشعر، كما يغسل رجليه بعد نزع الخفين. وهما عندنا مختلفان، من قبل أن فرض طهارة الرجل كان قائمًا عليه وقت المسح، فمتى ارتفعت الرخصة: عاد إلى أصل فرضه. والمساح على رأسه لم يكن عليه إمساس الماء بشرة رأسه، ولم يكن

стр. 261

فرضه غير السمح، لا على جهة البدل عن غيره، فزوال الشعر بعد ذلك، لا يلزمه فرضًا لم يكن لزمه قبل؛ لأن زوال الشعر ليس بحدث. [مسألة:] قال أبو جعفر: (ومن خلع خفيه أو احدهما، أو أخرج عقبه من موضعه من خفه إلى ساقه: كان عليه أن يغسل رجليه جميعًا، ولا ينقض ذلك بقية وضوئه). وذلك لأنه إذا خلع أحد خفيه، لزمه غسل الرجل المنزوع منها الخف، فإذا انتقض المسح في احدهما: انتقض في الآخر. وأيضًا: فإنه لو ابتدأ المسح على هذه الحال: لم يصح، كذلك لا يبقى حكمه. وأيضًا: لو جاز المسح كذلك، كان فيه الجمع بين البدل والمبدل عنه، وهذا لا يجوز؛ لخروجه عن أن يكون له نظير في الأصول، وإذا خرجت الرجل إلى الساق: وجب الغسل؛ لخروجه إلى موضع لا يجوز المسح عليه. مسألة: [المسح على الجوريين] قال أبو جعفر: (والمسح على الجوربين إذا كانا مجلدين، كالمسح على الخفين). لأنهما بمنزلة الخفين، لأنه يمشي فيهما، كما يمشي في الخفين.

стр. 262

[مسألة:] قال: (وإن كانا غير مجلدين، وهما صفيقان لا يشفان: فإن أبا حنيفة قال: لا يمسح عليهما، وقال أبو يوسف ومحمد: يمسح عليهما). لأبي حنيفة أن الأصل الغسل، وهو المراد عندنا بالآية، ولذلك قال النبي ﷺ في حديث عمرو بن عنبسة ﵁: "توضأ فغسل رجليه كما أمره الله"، وإذا كان هو المراد: لم يجز نقله إلى البدل إلا بالخبر المتواتر، وقد ورد ذلك في الخفين، ولم يرد في الجوريين، فحكم الغسل باق معهما. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ المسح على الجوريين. قيل له: هذا من أخبار الآحاد، وهو ضعيف يرويه أبو قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة عن النبي ﷺ .

стр. 263

وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة ﵁ عن النبي ﷺ المسح على الخفين. وأيضًا يحتمل أن يكونا قد كانا مجلدين يمشي فيهما. مسألة: [حكم الخرق في الخف] قال أبو جعفر: (وإن كان في أحد الخفين خرق في موضع واحد، أو في مواضع مختلفة منه، فإن كان مقدار ما يخرج من ذلك ثلاثة أصابع: لم يمسح، وإن كان دون ذلك: مسح). قال أبو يكر أحمد: قد ثبت أن يسير الخرق لا يمنع المسح؛ لأن مواضع الخرق الذي يدخله الغبار والماء: لا يمنع جواز المسح، والكبير الذي تظهر منه عامة الرجل: يمنع، فاحتجنا إلى حد فاصل، وطريقه الاجتهاد، فجعلوه مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجل؛ لأن الحكم قد

стр. 264

تعلق بثلاث أصابع في الأصول، وهو مسح الرأس، ومسح الرجلين، فكان أولى باعتباره من غيره. قال أبو بكر أحمد: ويجمع الخرق في رجل واحدة، ولا يجمع في إحداهما إلى الأخرى، لأن الحكم يتعلق بكل واحدة منهما على حيالها في اعتبار المقدار، وليس ذلك بمنزلة النجاسة في الثوب والبدن؛ لأن حكم العضو الواحد والأعضاء الكثيرة لا يختلف، وفي مسح الرجلين قد اختلف حكمهما، حتى اعتبر لكل واحدة مقدار في جواز المسح، فلذلك لم يضم خرق إحداهما إلى الأخرى. مسألة [كيفية المسح على القدمين] قال أبو جعفر: (والمسح على الخفين خطوط بالأصابع، يبتدئ من مقدم القدم حتى يبلغ آخر الكعب). وذلك لما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مسح على ظاهر خفيه خطوطًا، وعن قيس بن سعد ﵁ مثله.

стр. 265

وقال عبد خير: رأيت عليًا ﵁ يمسح على ظهور قدميه، وقال: "قد علمت أن باطنهما أحق لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور قدميه". * * * * *

стр. 266

باب الحيض مسألة: [ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض] قال أبو جعفر: (ويستمتع من الحائض بما عدا مئزرها، ويجتنب مل تحته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يجتنب منها شعر الدم، ولا بأس عليه فيما سواه مما هو حلال له منها في غير الحيض). وجه قول أبي حنيفة ظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، ودلالته على صحة ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. والثاني: قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾. وعمومهما يمنع قرب الحائض من كل جهة، إلا أنه لما ثبت عن النبي ﷺ انه كان يباشر نساءه فوق الإزار في حال الحيض.

стр. 267

واتفقت الأمة عليه: سلمناه للدلالة، وبقي حكم اللفظ فيما عداه. و ﴿الْمَحِيضِ﴾: يجوز أن يكون مصدرًا، كقولك: سار مسيرًا، وقال مقبلًا، وصار مصيرًا. ويحتمل أن يراد به موضع الحيض، كما قال: مقبل ومنيت. وعموم اللفظ ينتظم الأمرين، فلا نخص منه شيئًا إلا بدلالة؛ لأن المحيض إذا أريد به المصدر، صار تقدير اللفظ: فاعتزلوا النساء في حال الحيض، أو في وقت الحيض. ومن جهة السنة ما حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدثنا أبو الحسن هارون بن سليمان قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا مالك بن مغول عن عاصم بن عمرو أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: "ما فوق الإزار". وروى زيد بن أبي أنية عن أبي إسحاق عن عمير مولى لعمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ : فقال: "لك منها ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته".

стр. 268

وحدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا هارون بن سليمان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا هشام بن سعد عن صالح بن جبير قال: حدثني رجل من كندة قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: "ما فوق الإزار". وحدثنا عبد الله قال: حدثنا هارون قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا حضت يأمرني فاتزر، ثم يباشرني". قال عبد الرحمن بن مهدي: وحدثنا هشام بن سعد عن صالح بن جبير قال: حدثني رجل من كندة قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁: ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: "ما فوق إزارها". وروى عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ "كان يباشرها وهي حائض فوق الإزار". فإن قيل: روي عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 269

"كان يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد". وروي عن عائشة ﵂ من قولها: "إن كل شيء له منها حلال إلا الجماع". وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اصنعوا كل شيء ما خلا الجماع في الحائض". قيل له: إن خبر عمر ﵁ يقتضي حظر ما دون الإزار على ما بينا، أن السؤال وقع عما يحل له منها، فلا محالة قد أجابه عن الجميع، وأخبر بأنه ما فوق الإزار، فإذا لا يحل له منها غير ما ذكر، واقتضى حظر ما دون الإزار. وأما حديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد"، فلا دلالة فيه على إباحة ما دون المئزر، لأن ظاهره أنهما يجتمعان في إزار واحد، وهو الملحفة التي تلبسها النشاء، على نحو ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يتوشحني وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب"، وقد يجوز عندنا ان يجتمعا في إزار واحد بعد أن تتزر.

стр. 270

وقول عائشة ﵂: "إن كل شيء له منها حلال إلا الجماع" محمول على الجماع في الفرج، وفيما دونه تحت الإزار، ليوافق الخبر الآخر. وأما حديث أنس ﵁، فإنه متقدم لحديث عمر ﵁، وذلك لأن فيه أن المرأة من اليهود كانت إذا حاضت لم يواكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ إلى آخر القصة، فأمر رسول الله ﷺ أن يواكلوهن، وأن يشاربوهن، وأن يجامعوهن في البيوت، ويفعلوا ما يشاءوا إلا الجماع، فقالت اليهود: وما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. حدثنا بذلك عبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني قال: حدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، فذكر هذه القصة. فبين انس ﵁ في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال ذلك في حال ما نسخ ما كانت اليهود تفعله، ونزل به القرآن، وهو قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، فلم يكن بين هذه الآية وبين قوله

стр. 271

صلى الله عليه وسلم: "افعلوا كل شيء إلا الجماع" واسطة. ثم حديث عمر ﵁ لا محالة كان بعد ذلك، لأنه لا يجوز أن يكون قبله، إذ كان جميع ذلك مباحًا قبل نزول الآية. ولا يجوز أن يكون عقيب الآية، لأن أنسا قد أخبر أن الذي حكم به رسول الله ﷺ عقيب الآية حظر الجماع، فلا محالة أنه واجب أن يكون حديث عمر ﵁ بعده. وأيضًا: يمكن أن يكون حديث أنس موافقًا لخبر عمر، بأن يكون قوله: "افعلوا كل شيء إلا الجماع": يعني به الجماع فيما دون الفرج، والجماع في الفرج جميعًا. وأيضًا: في حديث عمر ﵁ حظر ما تحت الإزار، وفي حديث أنس ﵁ إباحته: وإذا ورد الحظر والإباحة، ولم يعلم التاريخ: فخبر الحظر أولى. فإن قيل: لما لم يحرم من الحائض اللمس والقبلة، وجب أن يكون كذلك الجماع فيما دون الفرج. قيل له: هذا الاعتلال ساقط؛ لأن اللمس والقبلة مباحان للصائم، ولم يبح له الجماع فيما دون الفرج. * وروي نحو قول أبي حنيفة عن عمر بن الخطاب،

стр. 272

وميونة، وعائشة في إحدى الروايتين، وشريح ﵃ أجمعين. * وروي عن ابن عباس ﵄ والشعبي في آخرين

стр. 273

مثل قول محمد. مسألة: [لا يصيب الرجل زوجته الحائض حتى تغتسل] قال أب جعفر: (وإذا انقطع دم الحائض لم يصبها حتى تغتسل). قال أبو بكر: هذا على ثلاثة أوجه: أما أن تكون أيامها عشرًا، أو ما دونها، فإن كانت أيامها عشرًا: جاز له عندنا أن يطأها بعد انقضاء العشرة: اغتسلت أو لم تغتسل. وإن كانت أيامها دون العشرة، لم يطأها بعد انقطاع الدم إلا بوجود احد حالين: أما أن تغتسل، أو يمضي وقت صلاة أدنى الصلوات إليها: فيجوز له حينئذ وطؤها. وقل أبي جعفر: (إنه إذا انقطع دمها لم يصبها حتى تغتسل): على هذا الإطلاق: ليس هو مذهب أصحابنا، وعى أن يكون مراده فيمن انقطع دمها دون العشر، ولم يمض عليها وقت صلاة. * والأصل في ذلك قوله الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، فقرئ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾: بالتخفيف والتثقيل: فأما قراءة التخفيف: فإنها على انقطاع الدم، والخروج من المحيض، لا يحتمل غيره؛ لأن الاغتسال لا يطهرها مع بقاء الحيض.

стр. 274

وأما قراءة التثقيل: فيحتمل الخروج من الحيض؛ لأن جائز أن يقال طهرت المرأة، و: تطهرت، ويكون المراد خروجها من الحيض من غير فعل من جهتها، كما يقال: تكسر الكوز، و: تقطعت، و: تقطع الحبل، و: تخلصت المرأة إذا ولدت، وما جرى مجرى ذلك، مما لا يقتضي فعلًا من جهة من أضيف ذلك إليه. ويحتمل الاغتسال أيضًا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿حَتَّى﴾: غاية: يقتضي أن يكون نهاية لما دخلت عليه، وأن ما عداها فحكمه بخلافها، كقوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وكقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ﴾، و: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. فوجب بظاهر ذلك: إباحة وطئها بانقطاع الدم، وخروجها من الحيض: اغتسلت أو لم تغتسل. وقضى ذلك بإباحة وطئها إذا كانت أيامها عشرًا. وكذلك يقضي ظاهر اللفظ إذا كانت أيامها دوت العشر، إلا أنه لما كان قراءة التثقيل تحتمل الاغتسال، وكذلك قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، استعملنا اللفظين جميعًا على فائدتهما، فقلنا: إذا كانت أيامها عشرًا: جاز وطؤها قبل الغسل، وإذا كانت دون العشر: لم يطأها حتى تغتسل مادامت

стр. 275

في وقت الصلاة، لأنا متى أمكننا استعمال اللفظين على فائدتين، لم يسقط حكم إحداهما بالأخرى. فإن قيل: وفي الآية شرط انقطاع الدم والغسل جميعًا في إباحة الوطء؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وهذا على انقطاع الدم، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: يعني اغتسلن: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾، فصار الغسل شرطًا مع الانقطاع. وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ﴾، فصار شرط إباحة تزويجها وجود الأمرين جميعًا: من نكاح الزوج الثاني، وطلاقها. قيل له: نستعمل اللفظين جميعًا، فنقول: قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: يقتضي إباحة وطئها بانقطاع الدم، ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾:: قاضيًا عليه، لأنه ناف لمقتضاه. وما تضمنته الغاية من إباحة الوطء، فنقول فيمن كانت أيامها عشرًا، أو خرج وقت الصلاة فيما دون العشر، أنها مرادة بقراءة التخفيف، ومن كان حيضها دون العشر، ولم يمض عليها وقت صلاة أنها مرادة بقراءة التثقيل، إذا أريد به الاغتسال، كأنه قال: "ولا تقربوهن حتى يغتسلن فإذا اغتسلن فأتوهن".

стр. 276

وأما قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: فإن المقصد فيه بعد الطلاق الثلاث، حتى تنكح زوجًا غيره، فالتحريم المذكور فيه مؤقت بالغاية، وبوجودها يرتفع. وقوله:﴾ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴿: ليس بشرط في رفع التحريم الموجب بالطلاق الثلاث، وإنما هو شرط في جواز نكاحها، ولا يختلف في ذلك الزوج الأول وسائر الناس. فأما ما تعلق من التحريم بالغاية، فقد ارتفع بوجودها، فلا فرق في هذا الوجه بينه وبين ما ذكرنا من قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، إذا قرئ بالتخفيف، في أن انقطاع الدم يبيح الوطء وإنما قلنا فيمن كان أيامها دون العشر: إن لزوجها وطأها بعد مضي وقت صلاة، من قبل أن من أصلنا: أن فرض الصلاة يتعلق لزومه بآخر الوقت، فإذا لزمها فرض الصلاة: استحال بقاء حكم الحيض معه، إذ كان بقاء حكم الحيض ينافي لزوم الصلاة، وفي لزومها الصلاة: ما ينافي بقاء حكم الحيض، فصارت حينئذ بمنزلة امرأة جنب، فلا يكون وجوب الاغتسال عليها مانعًا زوجها من الوطء. فإن قال قائل: ليس في لزومها فرض الصلاة ما يبيح وطأها، وإن لم يلزم ذلك إلا منافيًا لحكم الحيض، وذلك لأن لزوم الغسل ينافي بقاء حكم الحيض قبل خروج وقت الصلاة، ولم يوجب ذلك إباحة وطئها لزوجها.

стр. 277

قيل له: الفصل بينهما: أن لزوم الغسل من موجب الحيض، فلا يكون مانعًا من بقاء حكم الحيض فيما دون العشر، وهو نظير الحلق الذي يتعلق لزومه بالإحرام، فلا يكون وجوبه مخرجًا له من الإحرام، ومثل التسليم من موجب التحريمة، وليس لزومه مانعًا من بقاء التحريمة، وأما الصلاة فليست من موجب الحيض، ولا تلزم الحائض بحال، فكأن في لزومها حكم ينفي الحيض، وبقاء حكمه. مسألة: [أحكام المستحاضة] قال أبو جعفر: (وإذا استحيضت المرأة: تركت الصلاة في أيام حيضها، ولم ينظر في ذلك إلى غيرها من نسائها، ولا إلى لون الدم، فإذا مضت أيامها: اغتسلت، وتوضأت لوقت كل صلاة إلى أن يجيء وقت حيضها). قال أبو بكر أحمد: هذا الفصل يشتمل على مسائل: منها: أنه لا يعتبر حيضها بنسائها إذا استحيضت. ومنها: أنه لا اعتبار بلون الدم. والثالث: أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة. * والأصل في اعتبار أيامها إذا استحضيت دون لون الدم، ودون عادة نسائها: قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حييش رضي

стр. 278

الله عنها: "دعي الصلاة أيام أقرائك". وفي حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها". وهو عام في سائر النساء، فثبت بذلك أن الاعتبار بالوقت دون لون الدم، ودون عادة نسائها. فإن قيل: قد روي أنه ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂: "دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فدعي الصلاة". قيل له: وقد قال لها: "فلتنظر الأيام والليالي التي كانت تجلس فيها"، فعلمنا أنها ممن كانت لها أيام.

стр. 279

وقد اتفق الجميع فيمن لها أيام معروفة أن الاعتبار بأيامها، دون لون الدم. وأيضًا: فإن فاطمة لم تكن مبتدأة؛ لأنها قالت: "إني أستحاض الشهر والشهرين، فلا أطهر". وأيضًا: فليس يجوز أن يكون لون الدم علمًا للحيض؛ لوجوده في غير أيام الحيض، وفي التي لها أيام معروفة. * ويدل عليه أيضًا: أن النفاس في حكم الحيض في باب إسقاط فرض الصلاة، ومنع الوطء، ووجوب الغسل عند انقطاعه، ثم اتفق الجميع على سقوط اعتباره بلونه، فكذلك الحيض. * ويدل عليه قول تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. روي في التفسير: من الحيض، والحبل، ولو كان لون الدم علمًا يعرف به، لعرفته النساء، ولما رجع فيه إلى قولها، كما يرجع إلى قولها في الولادة، وسائر ما تطلع عليه النساء.

стр. 280

فصل: [المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة] وأما قولهم: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فقد روي هم النبي ﷺ في قصة حمنة بنت جحش ﵂ "أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة"، وقال به قوم. وروي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ "أن النبي ﷺ أمرها بأن تغتسل، وتصلي"، ولم

стр. 281

يذكر فيه الوضوء. وبه قال مالك بن أنس ﵁. وروى الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أن تتوضأ لكل صلاة". وكذلك روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ . وروى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "المستحاضة تقعد أيام أقرائها، وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة". وروي عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ "أنها تغتسل وتتوضأ لكل صلاة".

стр. 282

ويروى هذا القول عن علي، وعبد الله، وعائشة، وبن عباس، ﵃، وعن جماعة من التابعين. فإن قال قائل: لما جاز لها أن تصلي مع سيلان الدم، دل على أن دم الاستحاضة ليس بحدث. قيل له: هذا فاسد من قبل أن المساح على الخفين يصلي مع بقاء الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث. فليس إذا في جواز الصلاة مع وجود دم الاستحاضة دليل على أنه ليس بحدث، بل هو حدث مرخص لها في فعل الصلاة معه إلى خروج وقت الصلاة، فمتى ارتفعت الرخصة بخروج الوقت وجب عليها الوضوء للحدث الذي كان في أول الوقت، كما يجب على الماسح غسل الرجلين

стр. 283

إذا نزع خفيه، أو مضى وقت المسح للحدث الموجود قبله، وقد فعل معه صلوات كثيرة. فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة ﵂ الاغتسال لكل صلاة، ولم تقولوا به. قيل له: نقول به لمن كان حالها مثل حال حمنة، وهي إنما استحضيت سبع سنين، ولم تعرف أيامها، وكذلك نقول في المستحاضة إذا نسيت أيامها: تغتسل لكل صلاة.

стр. 284

فصل: وقدر أصحابنا رخصة المستحاضة بالوقت دون فعل الصلاة؛ لاحتمال لفظ الخبر: للصلاة والوقت جميعًا، ولا يجوز أن يكونا جميعًا مرادين؛ لتنافيهما، واتفاق الجميع على خلافه، فإذا المراد أحدهما، لا هما جميعًا. ثم وجدنا الأصول شاهدة لاعتبار الوقت، دون فعل الصلاة؛ لأن وجدنا فيها رخصة مقدرة بالوقت، وهو المسح على الخفين، ولم نجد رخصة مقدرة بفعل الصلاة. والدليل على احتمال اللفظ للوقت، قول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فحيثما أدركتني الصلاة صليت". والمعنى: حيث أدركني وقت الصلاة، ويقول القائل: آتيك الظهر، ولقيته العصر، وهو يريد الوقت. وعلى أن مخالفنا لم يقدرها بفعل الصلاة؛ لأنه يجوز لها فعل النافلة بعد الفرض بتلك الطهارة، فدل على بقاء حكم طهارتها مع فعل الصلاة، وأنه جائز لها أن تصلي بها فرضًا آخر ما دامت في الوقت؛ لأن الفرض والنفل لا يختلفان في حكم الطهارة".

стр. 285

مسألة: [المرأة المبتدأة مستحاضة] قال أبو جعفر: (ولو ابتدئت مستحاضة: أمسكت عن الصلاة عشرة أيام، ثم اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة عشرين يومًا). قال أبو بكر أحمد: والدليل على أنها تستوفي لها في كل شهر حيضة وطهرًا: قول النبي ﷺ لحمنة بنت جحش ﵂: "تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا، كما تحيض النساء في كل شهر". فأخبر ﷺ أن الغالب من عادة النساء في كل شهر حيضة، وطهر، ولم يفرق بين المبتدأة وغيرها، فهو على الجميع حتى تقوم الدلالة على غيره. فإن قيل: فهلا اعتبرت ستًا وسبعًا، كما قال ﵊ لحمنة ﵂!؟ قيل له: يحتمل أن تكون حمنة ﵂ قد كانت علمت أن أيامها ستة أو سبعة، فعرفت العدد، ولم تعرف الوقت، واستحيضت، فأمرت بذلك، ولا دلالة فيه إذا كان كذلك؛ إذ حكم جميع النساء كذلك، وإنما موضع الدلالة من الخبر استيفاء حيضة وطهر في كل شهر؛
следующие страницы →