← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فلم يشترط واحد منهما إعادة القول مرتين. مسألة: [حكم الظهار بامرأتين] قال: (ومن ظاهر من امرأتيه: كان مظاهرًا من كل واحدة منهما ظهارًا على حدة). وذلك لأنه قد أوجب بهذا القول تحريم كل واحدة منهما على حيالها، وارتفاع ذلك التحريم يتعلق بالكفارة، ولا يجوز أن يرفع تحريم المرأتين جميعًا بكفارة واحدة، إذ كان هناك تحريمان. وأيضًا: لو ظاهر من كل واحدة ظهارًا مفردًا، لم يحلها له إلا كفارتان، كذلك بالقول الواحد. مسألة: [لو ظاهر من امرأته ثم طلقها ثلاثًا] قال: (ولو ظاهر من امرأته، ثم طلقها ثلاثًا، فحلت له بعد زوج: لم يطأها حتى يكفر). لقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، لم يفرق بين حاله قبل الطلاق، وبعده. وأيضًا: فإن تحريم الظهار ليس يتعلق ببقاء الملك، وإنما يتعلق ببقاء الكفارة.

стр. 2207

وأيضًا: فإن الطلاق الثلاث أوجب تحريمًا آخر، فلا يرتفع تحريم الظهار بتحريم آخر غيره، بل إن لم يؤكده، لم يرفعه، وليس يتعلق ارتفاع تحريم الظهار بالزواج الثاني، فيعتبر وجوده. مسألة: [تحريم كل مسيس قبل الكفارة] قال: (ولا يحل له وطء المظاهر منها، ولا اللمس، ولا القبلة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾، وذلك على كل مسيس: جماعًا كان أو غيره. وأيضًا: روي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ قال للذي ظاهر من امرأته: لا تقربها حتى تكفر". مسألة: قال: (وسواء كان من أهل الرقبة أو الصيام أو الإطعام لا يقربها حتى يكفر). لأن النبي ﷺ قال للذي واقع امرأته بعد الظهار: "اعتزل امرأتك حتى تقضي ما عليك".

стр. 2208

وفي بعض الأخبار: "حتى تكفر"، فلم يفرق بين الإطعام وغيره. وأيضًا: فإن الظهار يوجب تحريم الوطء حتى ترفعه الكفارة، وكونه غير واجد لبعض ما في الآية، لا يمنع بقاء التحريم حتى يكفر. مسألة: [إجزاء عتق الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة في الظهار]. قال: (ويجزئ في الكفارة: الذكر والأنثى، والمؤمن والكافر". لقول الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾، وذلك عموم يتناول الجميع. وقال النبي ﷺ لأوس بن الصامت: "أعتق رقبة"، ولم يقل مؤمنة ولا غيرها، وكذلك قال لسلمة بن صخر. فإن قيل: لما ذكر في القتل رقبة مؤمنة، كان الظهار قياسًا عليه في شرط الإيمان. قيل له: لا يجوز عندنا قياس المنصوصات بعضها على بعض، فلما كانت الرقبة منصوصًا عليها في الموضعين: في أحدهما مقيدة، وفي الأخرى مطلقة، لم يجز حمل المطلق على المقيد، كما لا يجوز حمل المقيد على المطلق في إسقاط التقييد.

стр. 2209

وأيضًا: فيه زيادة في النص، ولا يجوز عندنا الزيادة في النص. وأيضًا: كما لم يجز قياس القتل على الظهار، لم يجز أيضًا قياس الظهار على القتل في إثبات شرط الإيمان في رقبته. فإن قيل: فقد منعت جواز الرقبة العمياء، وشرطت فيها الصحة وإن لم يكن لها ذكر في الآية، فقد زدت فيها ما ليس منها، فهلا أجزت شرط الإيمان فيها؟ قيل له: من قبل أن الرقبة اسم لها بجميع أعضائها، فاقتضى عموم اللفظ رقبة بكمالها، كما أن قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، اقتضى عموم الحكم في جميعهم، لا في أقل ما يتناوله الاسم منهم. وأما الإيمان فليس من الرقبة في شيء، ولا هو من أجزائها، فلم يشتمل عليه اللفظ، ولو شرطناه كنا زائدين في حكم الآية ما ليس منها. مسألة: [عدم جواز الرقبة الناقصة في كفارة الظهار] قال: (ولا يجزئ الرقبة العمياء، ولا المقعد، ولا المقطوع اليد والرجل من جانب واحد". قال أبو بكر: الأصل فيه: أن منفعة الجنس إذا كانت باقية فيما يبتغى من الرقاب: أجزأت، فإن كانت منفعة الجنس زائلة: لم يجز.

стр. 2210

والدليل عليه: اتفاق الجميع على أنه لو كان مقطوع الأنملة: جاز، فعلمنا أن النقص اليسير لا يمنع الجواز، فقسنا على ذلك كل نقص يسير لا يبطل منفعة الجنس فيما يبتغى منها. وأما إذا زالت منفعة الجنس: فإنه لا يجزئ من وجهين: أحدهما: أن اسم الرقبة يتناول رقبة كاملة بجميع أجزائها؛ لأن اسم الرقبة يشتمل عليها، فجوزنا اليسير لما وصفنا، وحملنا الكثير على حكم الآية. والوجه الآخر: أن المقطوع اليدين والرجلين لا يجزئ بلا خلاف نعلمه بين الفقهاء، والمعنى فيه زوال منفعة جنس العضو، فكل ما كان مثله، فحكمه حكمه قياسا عليه. مسألة: [عدم جواز المدبر وأم الولد في كفارة الظهار] قال: "ولا يجزئ المدبر، ولا أم الولد". وذلك لأن المدبر قد استحق العتق بالتدبير، ومن أجله لم يجز بيعه، فإذا أعتقه فإنما عجل له العتق المستحق بغير الكفارة، فلم يجز. وأيضًا: قال النبي ﷺ في أم الولد: "أعتقها ولدها"، فدل على أن العتق مستحق بالاستيلاد. وأيضًا: فإنها رقبة ناقصة، فهو كعتق بعض عبد.

стр. 2211

مسألة: [جواز عتق المكاتب] قال: (ويجزئ فيه المكاتب إذا لم يكن قد أدى من كتابته شيئًا). وذلك لأن عتقه إياه يبطل الكتابة، وإذا سقط المال، جاز عتقه عن الكفارة، لأن الكتابة لم توجب له استحقاق العتق بها. ألا ترى أنه يجوز أن يعجز فيباع، وثبوت حق العتق يمنع جواز البيع على التأبيد، وامتناع جواز بيعه في حال كتابته لا يمنع جواز عتقه عن الكفارة، كالعبد الرهن، والمستأجر، والعبد المدبر. * قال: (وإن كان أدى شيئًا من كتابته: لم يجز عتقه عن الكفارة). من قبل أن ما تقدم من الأداء بدلا من الرقبة، لا ينفسخ بعتقه، وقد ملكه على وجه البدل، فلا يجزئ عن الكفارة، كمن أعتق عبده على مال عن كفارته، فلا يجزئ. مسألة: قال: (ولا يجزئ مقطوع الإبهامين). وذلك أن الإبهام من الكف يقوم مقام أكثر الأصابع بفضل قوتها، ولأن سائر الأصابع يستعين بها، فيقوم مقام أكثرها. * (ولا يجزئ المقطوع ثلاث أصابع غير الإبهام).

стр. 2212

لذهاب أكثر منفعة العضو، فهو كذهاب جميعه. مسألة: [عدم جواز عتق العبد المشترك] قال: (ومن أعتق عبدًا بينه وبين آخر: لم يجزه من الكفارة في قول أبي حنيفة، موسرًا كان أو معسرًا). وذلك لأن من أصله: تبعيض العتق، فقد أعتق نصيبه، ونصيب الآخر باق على ملكه. فإن كان موسرًا فضمنه، فإنما انتقل إليه بالضمان نصيب ناقص بعتق النصف الآخر، ألا ترى أن الشريك لم يجز بيعه فيه قبل تضمينه إياه، فصار كالمدبر، فلا يجزئ عن الكفارة. وليس هذا مثل أن يكون له جميع العبد، فيعتق نصفه عن الكفارة، ثم يعتق النصف الآخر ينويها، فيجزيه، لأن النقص الداخل في النصف الباقي إنما كان من جهة عتقه عن الكفارة في ملكه، فلما أعتق النصف الآخر، فقد كمل ذلك العتق، فأجزأه. وأما العبد بين الرجلين، فإن النقص حصل في ذلك النصف، وهو في ملك الغير، والجزء الفائت بالعتق في ملك الغير لا يجزئ عن كفارته، ثم ملك بالضمان نصفًا ناقصًا، فلم يجزئ عن الكفارة. وأما إذا كان معسرًا، واختار الشريك السعاية، فإنه يعتق على الشريك، فلا يجزئ أيضًا. * فأما في قول أبي يوسف ومحمد: فإن كان موسرًا، فضمن:

стр. 2213

أجزأه؛ لأن من أصلهما أن العتق لا يتبعض، وقد أعتق العبد كله عليه من غير بدل يستحق على العبد، لما حصل له من العتق به. وإن كان معسرًا: أعتق عليه كله أيضًا، إلا أنه لا يجزيه من الكفارة، من قبل ما استحق على العبد من بدل رقبة، فصار كعتق عبد أعتق على مال، فلا يجزئ عن الكفارة. مسألة: [الصيام في كفارة الظهار] قال: (ومن لا يقدر على الرقبة: صام شهرين متتابعين، ليس فيهما يوم النحر، والفطر، وأيام التشريق). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾. ونهى النبي ﷺ عن صوم هذه الأيام، فكان صومها ناقصًا، فلم يجزئ عن الفرض. * قال: (فإن قطع صومه من فرض أو غيره: كان عليه أن يستقبل). وذلك لأن الله تعالى أوجبها بصفة التتابع، فلا يجزئ أن يأتي بهما إلا على الصفة، كما لا يجزئ في القتل رقبة غير مؤمنة؛ لأن الله تعالى

стр. 2214

أوجبها بشرط الإيمان. * قال: (فإن قدر على الرقبة قبل خروجه من الصوم: بطل ما مضى منه، ولا يجزيه إلا العتق). من قبل قول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، فإنما أجاز صومهما بشريطة عدم الرقبة، فإذا وجدها قبل الفراغ منها: لزمته الرقبة، وبطل ما بقي من الصوم. وأيضًا: إذا بطل ما بقي من الصوم، بطل الماضي منه؛ لأنه لا يصح بعضه دون بعض، وقد بينا نظير هذه المسألة في المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة. مسألة: [الإطعام في كفارة الظهار] قال: (ومن لا يقدر على الصيام: فعليه إطعام ستين مسكينًا، يجزيه فيه إطعام المؤمن والكافر). لقول الله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾، ولم يخص بعضًا دون بعض. قال: (ويطعم كل مسكين نصف صاع حنطة، أو صاع تمر أو شعير).

стр. 2215

وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: (كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، فوقعت عليها ليلة، ثم انطلقت إلى النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: حرر رقبة. قلت: والذي بعثك بالحق! ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام. قال: فأطعم وسقًا من تمر ستين مسكينًا. قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما لنا طعام. قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق، فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينًا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها". حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن

стр. 2216

معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: "ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فذكرت قصة نزول آية الظهار، فقال رسول الله ﷺ : يعتق رقبة. قالت: لا يجد. قال: فليصم شهرين متتابعين. قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام. قال: فليطعم ستين مسكينًا. قالت: ما عنده شيء يتصدق به. قال: فأتي سأعينه بعرق من تمر. قلت: يا رسول الله، وأنا أعينه بعرق آخر. قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك. قال: والعرق ستون صاعًا. قال أبو داود: في حديث الحسن بن علي قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق بهذا الإسناد نحوه، إلا أنه قال: "والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعًا".

стр. 2217

قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى الرازي قال: حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة، وكانت تحت أوس بن الصامت أن النبي ﷺ أعان زوجها حين ظاهر منها بعرق تمر، وأعانته هي بعرق آخر، فذلك ستون صاعًا، قالت: ثم قال النبي ﷺ : "تصدق بها". فثبت بهذه الأخبار أن مقدار ما يعطى كل مسكين في كفارة الظهار صاع تمر. وإذا ثبت ذلك في التمر، كان من البر نصف صاع؛ لأن كل من أوجب من التمر صاعًا، أوجب من البر نصفه، والشعير مثل التمر، لأن أحدًا لم يفرق بينهما. فإن قيل: قد روى إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، وذكر الحديث إلى أن قال لها النبي ﷺ : "مريه فليذهب إلى فلان، فقد أخبرني أن عنده شطر سويق، فليأخذه صدقة عليه، ثم ليتصدق به على ستين مسكينًا". وقد روي في بعض أحاديث محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله

стр. 2218

عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة أن النبي ﷺ أمر زوجها أن يتصدق بخمسة عشر صاعًا. قيل له: أما حديث عطاء، فمرسل؛ لأنه لم يدرك أوس بن الصامت، ولا خولة امرأته. وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك لم يعارض ما ذكرنا؛ لأنا لم نقل إنه يجزئ من الكفارة، وإنما أعانه بما حضر في الوقت، وقد بين ذلك في الأخبار التي رويناها، أنه كانت معونة من النبي ﷺ إياه، وأنها أعانته أيضًا بنصف وسق. وأيضًا: لو كانا متعارضين، كان خبرنا أولى، لما فيه من الزيادة. * قال أبو جعفر: (ومن الزبيب في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة نصف صاع. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: صاعًا، وهو الصحيح على أصله، وهو قول أبي يوسف ومحمد من رأيهما). وجه رواية أبي يوسف: أن الزبيب عندهم كان أعز من التمر، وكان في معنى الحنطة في قيمته، فجعلها مثلها. وفي الرواية الأخرى: أنه قد روي في صدقة الفطر: صاعًا من تمر أو زبيب، فسوى بينهما، كذلك في الكفارة.

стр. 2219

مسألة: [إطعام الغذاء والعشاء] قال: (وإن أطعمهم غذاء وعشاء: جاز). لأن الله تعالى قال: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾، والواجب منه وسط، وهو أكلتان في اليوم؛ لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات، والأقل مرة. * قال: (فإن أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا، كل يوم نصف صاع: أجزأه). وذلك لقول الله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾، والعموم يقتضي جواز إعطائه في كل يوم، لشمول الاسم له، فإذا أعطيناه في يوم، ثم منعناه في اليوم الثاني، فقد عينا الطعام في بعض المساكين دون بعض، وذلك خلاف موجب اللفظ. وليس يمتنع إطلاق لفظ: إطعام ستين مسكينًا، ويكون المراد به: أعداد الفعل دون أعداد المساكين، كقول الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾، وإنما هو هلال واحد، ولتكرار الأوقات عليه سماه أهلة. "وأمر النبي ﷺ بالاستنجاء بثلاثة أحجار"،

стр. 2220

ويجزئ بحجر واحد له ثلاثة جوانب. وأمر بالرمي بسبع حصيات، وتجزئ حصاة واحدة لو رمى بها سبع مرات. مسألة: [عدم تكرار الكفارة لو جامع بعد الظهار] قال: (ومن جامع امرأته بعد الظهار قبل أن يكفر: لم يكن عليه إلا كفارة واحدة). وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا معلى قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن إسحاق بن أبي مروة عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر "أنه ظاهر في زمان رسول الله ﷺ ، ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فأمره أن يكفر تكفيرًا واحدًا". وروي نحو قولنا عن الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وإبراهيم. * وروي عن عمرو بن العاص، وسعيد بن جبير أن عليه كفارتين.

стр. 2221

قال أبو بكر: والخبر الذي رويناه عن النبي ﷺ قد دل على معنيين: أحدهما: أن الجماع لا يلزمه كفارة أخرى غير ما تعلق في الظهار. والثاني: أن الذي في الآية من الكفارة ما كان قبل المسيس، وليس فيها إيجابها بعد المسيس، فأفاد الخبر أن وقوع الجماع لا يسقطها. وقولنا أولى من جهة النظر؛ لأن كفارة الظهار متعلقة بإرادة الجماع بعد الظهار، وجماعه إياها ليس بظهار، فيتعلق به وجوب الكفارة، وإنما أكثر ما فيه أنه جامع جماعًا محظورًا، وحظر الجماع لا يوجب كفارة، ألا ترى أنه لو جامعها وهي حائض: لم يلزمه كفارة. وأيضًا: فلا سبيل إلى إثبات الكفارات إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وذلك معدوم في الجماع. مسألة: [جماع المظاهر في ليل رمضان] قال: (ومن جامع امرأته في الصيام ليلًا، أو في النهار ناسيًا، والمجامعة هي المظاهر منها، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: يستقبل الصيام، وقال أبو يوسف: يمضي على صيامه ولا يستأنف". وجه قول أبي حنيفة ومحمد: قول الله تعالى: ﴿فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾، وذلك مشروط في كل جزء منه؛ لأن ذلك مقتضى اللفظ، إذ كان الشهران اسمًا لهما بكمالهما، وسائر

стр. 2222

أجزائهما، إذا كان كذلك، فقد تضمنت الآية نفي المسيس في الشهرين، وقبل الشهرين، فصار من صفة الشهرين أن لا يكون قبلهما مسيس ولا فيهما. فإذا أوقع المسيس في الشهرين، فقد يمكنه أن يأتي بالشهرين على أحد الوصفين المشروطين، وهو أن لا يكون فيهما مسيس، وليس يمكنه أن يأتي بشهرين ليس قبلها مسيس، فوجب عليه أن يأتي بشهرين لا مسيس فيهما؛ لأنه متى أمكنه الوفاء بأحد الشرطين: لم يجزه أن يصومهما على غير ذلك. ولأبي يوسف: أنا لو أمرناه بالاستئناف، لحصل الشهران جميعًا بعد المسيس، ولأن يكون أحد الشهرين قبل المسيس، والآخر بعده، خير من أن يكون الشهران جميعًا بعد المسيس. مسألة: [إن أطعم المظاهر ثلثين مسكينًا ثم جامع] قال أبو جعفر: (وإن أطعم ثلاثين مسكينًا، ثم جامع: لم يستقبل، وأطعم البقية). وذلك لأنه ليس في الإطعام شرط تقديمه على المسيس في الآية؛ لأنه قال: ﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾، ولم يقل: قبل المسيس، وشرط ذلك في الصيام والعتق.

стр. 2223

مسألة: قال: (وإذا جماعها نهارًا متعمدًا في الشهرين: استقبل في قولهم). لأنه أفسد الصوم، فبطل التتابع. مسألة: [عدم صحة الظهار للذمي] قال: (ولا يصح ظهار الذمي). لأن الظهار يوجب تحريمًا ترفعه الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، فلم يتعلق بقوله حكم التحريم، إذ لو حرمناها، لم يكن تحريمًا مؤقتًا بالكفارة. *****

стр. 2224

باب اللعان مسألة: [شروط اللعان] قال أبو جعفر: (وإذا قال الرجل لزوجته وهو حر، مسلم، بالغ، عاقل، غير محدود في قذف، وهي كذلك: زنيت، أو قال: يا زانية: كان عليه اللعان إذا طالبته بذلك، وأيهما لم يلتعن: حبس حتى يلتعن إذا طالب الآخر). قال أبو بكر: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ...﴾. الآيات. * (وأيهما لم يلتعن: حبس حتى يلتعن، أو يقر الزوج بكذبه على المرأة). وذلك لأن القذف أوجب لها حق اللعان عليه، كما أوجب الجلد في الأجنبية، فلا يجب إلا بالمطالبة. فإذا أبى: أجبر عليه؛ لأن ذلك حق لها كسائر الحقوق إذا امتنع الذي

стр. 2225

لزمه من الخروج منها. وكذلك إن أبت هي اللعان: أجبرت عليه؛ لأن ذلك حق للزوج عليها في قطع فراشها، ونفي ولدها إن كان هناك ولد. مسألة: [موانع اللعان] قال أبو جعفر: (فإن كان الزوج عبدًا، أو محدودًا في قذف: لم يجب اللعان، وعليه الحد). قال أبو بكر: يمنع اللعان بين الزوجين أحد معنيين: إما أن تكون المرأة ممن لا يحد قاذفها، أو الزوج لا حد عليه لو قذف أجنبيًا، فمتى امتنع اللعان من هذا الوجه فلا حد عليه، ولا لعان. والمعنى الآخر: أن يكون الزوج ممن يصح قذفه، والمرأة ممن تصح أن تكون مقذوفة، إلا أن اللعان يبطل، بمعنى: تبطل الشهادة. فإن كان ذلك من قبل الزوج أو من قبلها، فعلى الزوج الحد، نحو أن يكونا محدودين في قذف. وإن كان من قبل المرأة دون الزوج، فلا حد ولا لعان، نحو أن تكون المرأة محدودة في قذف، والزوج ليس كذلك. والأصل في اعتبار معنى الشهادة في المتلاعنين: قول الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهدت بالله﴾، وقال في المحدود في القذف: ﴿ولا

стр. 2226

تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾، فانتقى بذلك قبول شهادة المحدود في القذف على وجه من الوجوه، وقد سمى الله تعالى اللعان شهادة، فانتقى عن المحدود في القذف بعموم الآية. وإذا صح ذلك في المحدود في القذف، كان كذلك حكم سائر من ليس من أهل الشهادة من وجهين: أحدهما: اتفاق الجميع على أنه لا فرق بين المحدود في القذف وغيره ممن ليس من أهل الشهادة، وأنه متى انتقى اللعان من أحدهما، انتقى من الآخر. والوجه الثاني: قياس عليه بعلة أن الحد في القذف يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة، ثم منع اللعان، فوجب أن يكو كل وصف يخرجه من أن يكون من أهل الشهادة بمثابته. وأيضًا: لما قال تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾، فأثبتهم شهداء، ومعلوم أن الإنسان لا يكون شاهدًا لنفسه، فكانت فائدة ذكر الشهادة فيه اعتبار كونه من أهل الشهادة في إيجاب اللعان. فإن قال قائل: الأعمى، والفاسق ليسا من أهل الشهادة، ويلاعنان. قيل له: ليس كذلك؛ لأن الأعمى من أهل الشهادة، وإنما المانع

стр. 2227

من قبولها ما يحجره عن رؤية المشهود عليه، كرجل أشهد على رجل من وراء الحجاب، فلا يخرجه ردها لشهادته من كونه من أهل الشهادة. وهذا المعنى غير معتبر في اللعان؛ لأنه لا يحتاج في وجوب اللعان بينهما أن يقول: رأيتها تزني، وإنما يقول: هي زانية، فلما لم يكن من شرط اللعان أن يقذفها بزنى بمعاينة منه، لم يعتبر الحائل بينه وبينها من عدم البصر. وأما الفاسق، فإنه من أهل الشهادة؛ لأنها لم ترد من طريق الحكم، وإنما ردت من جهة الاجتهاد. وأيضًا: فإن شهادته لم تبطل من طريق الحكم؛ لأن الحكم بإبطال شهادته من جهة الفسق لا يصح. وليس كذلك الكافر، والعبد، والمحدود في قذف؛ لأن بطلان شهادة هؤلاء من جهة الحكم؛ لأن الكفر يصح الحكم به، ويثبت بالبينة عند الحاكم، وكذلك الرق، والحد في القذف، ولا يصح إثبات الفسق بالبينة عند الحاكم، ولا يجوز الحكم به، فلذلك اختلفا. وأيضًا: فإن الفسق غير متيقن منه في حال الشهادة، إذ جائز أن يكون قد تاب في الحال من فسقه فيما بينه وبين الله تعالى، فتصح توبته، فليس فسقه في هذه الحال من جهة اليقين، والكفر يقين؛ لأنه لو تاب فيما بينه

стр. 2228

وبين الله تعالى لم يكن مسلمًا حتى يظهره بلسانه، فكذلك الرق، والحد في القذف متيقن، فلذلك فارق هذه الأشياء الفسق. وأيضًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام، ولا بين العبد وامرأته". حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن حمويه بن سنان التستري قال: حدثنا الحسن بن إسماعيل عن مجالد المصيصي قال: حدثنا حماد بن خالد عن معاوية بن صالح عن صدقة أبي توبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "أربع ليس بينهن ملاعنة: اليهودية، والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك". فهذا الذي ذكرناه دليل في اعتبار كون الملاعن من أهل الشهادة. * وأما اعتبار المرأة في كونها ممن يحد قاذفها، فإن الأصل فيه: أن حد قاذف الزوجات والأجنبيات كان الجلد بقوله: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾. والدليل على ذلك: حديث إبراهيم عن علقمة عن عبد الله "أن رجلًا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: لو أن رجلًا

стр. 2229

وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم به جلدتموه، أو قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان". وذكر الحديث. وروى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الجلد، فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ". وذكر الحديث. فثبت بذلك أن حد الزوج في قذفه للمرأة كان الجلد، كالجلد في قذفه للأجنبية، ثم أبدل الله تعالى الزوج من الجلد اللعان، فمن لا يجب على قاذفها الحد، لا يجب على زوجها اللعان بقذفه إياها، إذ كان اللعان أقيم مقام الجلد فيمن يجب على قذفها الجلد. ويدل على ذلك: أن من قذف امرأته، فأوجبنا عليه اللعان، ثم أكذب نفسه: وجب عليه الحد، وسقط اللعان، فحين سقط اللعان، عاد إلى الأصل الذي كان واجبًا عليه قبل وجوب اللعان.

стр. 2230

مسألة: [حكم محدود القذف في اللعان] قال: (وإذا قذفها وهو محدود في قذف، أو عبد وهي حرة مسلمة: فعليه الحد). وذلك لأن اللعان سقط من جهته، فصار كإكذابه لنفسه في باب سقوط اللعان من جهته، فوجب عليه الحد. وأيضًا: لما لم يجب اللعان لأنه عبد، صار كقاذف الأجنبية. * قال: (وإن كانت هي محدودة في قذف، وهو حر مسلم غير محدود: فلا حد عليه). لأن اللعان سقط من جهتها، فهو كتصديقها إياه. * (ولو كانا جميعًا محدودين في قذف: فعليه الحد). لأنه هو الذي يبدأ باللعان، وقد امتنع ذلك من جهته، فيحد. مسألة: [الفرقة في اللعان] قال: (ولا يقع الفرقة بعد اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما). قال أبو بكر: وقال زفر: إذا فرغا من اللعان: وقعت الفرقة. وجه القول الأول: ما روى الزهري عن سهل بن سعد الساعدي "أن النبي ﷺ لما لاعن بين العجلاني وامرأته قال: كذبت

стр. 2231

عليها إن أمسكتها". وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "كذبت عليها إن لم أفارقها، هي طالق ثلاثًا، قال: ففارقها قبل أن يفرق رسول الله ﷺ بينهما"، فكانت سنة المتلاعنين. وفي حديث آخر: "أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين"، وأنه قال: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين". وهذه الألفاظ كلها دالة على أن الفرقة غير واقعة باللعان، وذلك لأن العجلاني لما قال: "كذبت عليها إن أمسكتها"، و: "إن لم أفارقها هي طالق ثلاثًا": فتضمن هذا القول إخبارًا منه بأنها امرأته، إلا إن طلقها، وترك النبي ﷺ النكير عليه في إخباره بأنها امرأته، باقية معه على النكاح، مباحة له، ولا يجوز أن يترك النبي ﷺ النكير على من أخبر بإباحة فرج محظور، وببقاء نكاح قد بطل، ووقعت البينونة فيه، فلما ترك النبي ﵊ النكير عليه، دل على أنها كانت امرأته على ما أخبر به إلى أن طلقها. ويدل عليه قوله: "ففارقها قبل أن يفرق رسول الله ﷺ بينهما"، ولو كانت الفرقة واقعة بنفس اللعان، لم يصح قوله: "ففارقها".

стр. 2232

وقد ذكر في حديث الزهري هذا لفظ آخر فيه تصريح بإبطال قول مخالفنا. وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد أنه ذكر قصة عويمر العجلاني، واللعان الذي كان بينهما فقال فيه: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ ، فأنفذه رسول الله ﷺ ، وكان ما صنع عند النبي ﷺ . قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين: أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعا أبدًا". فزعم بعض المخالفين أن الفرقة كانت واقعة بلعان الزوج، وأن البائنة لا يلحقها الطلاق، وفي هذا الخبر تصريح ببطلان قوله؛ لأن رسول الله ﷺ أنفذ تطليقاته الثلاث، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان

стр. 2233

لما نفذت على قوله. ودلالته قائمة أيضًا على قولنا؛ لأن فرقة اللعان عندنا طلاق، فلو كانت واقعة لما نفذت التطليقات الثلاث، وإنما كان ينفذ منها اثنتان، وقد أخبر أن رسول الله ﷺ أنفذ التطليقات الثلاث. وأيضًا: روي أن النبي ﷺ قال: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين"، ومعناه: فرقوا بينهما، فدل على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان. ومن جهة النظر: أن اللعان ليس بصريح البينونة، ولا كناية عنها، فلا تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم، كسائر الألفاظ التي ليست بكناية عن البينونة. وأيضًا: لما تعلق حكم اللعان بالحاكم، أشبه الشهادة التي تتعلق صحتها بالحاكم، ولا يقع موجبها من الفرقة حتى يقضي بها الحاكم، كما لا يثبت حكم الشهادة إلا بعد قضاء القاضي. وليس كالإيلاء، لأنه يصح بغير حكم حاكم، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة. مسألة: [اللعان تطليقة بائنة] قال: (وفرقة اللعان تطليقة بائنة في قول أبي حنيفة ومحمد).

стр. 2234

لأنها تعلقت بسبب من جهة الزوج، حكمه مقصور على النكاح، لا يوجب تحريمًا مؤبدًا، وهذا هو حقيقة الطلاق. "وفي قول أبي يوسف: ليس بطلاق"؛ لأن من أصله: أنه يوجب تحريمًا مؤبدًا، والطلاق لا يوجب تأبيدًا في التحريم. مسألة: [حكم المحدود في القذف في اللعان] (وإذا حد الزوج في قذف، أو المرأة، أو صارا بحيث لو اجتمعا ثم قذفها لم يجب اللعان: جاز له أن يتزوجها في قول أبي حنيفة ومحمد). وذلك لأن حدوث هذا المعنى يبطل حكم اللعان الماضي، والدليل على ذلك أنه يمنع وقوعه في المستقبل، ومتى بطل حكم اللعان: جاز له أن يتزوجها إذا كان تحريم النكاح متعلقًا ببقاء اللعان، ألا ترى أن هذا المعنى لو كان موجودا وقت الفرقة، لم يجب اللعان. فإن قيل: لو بطل حكم اللعان، لعادت زوجته كما كانت. قيل له: لا يجب ذلك، لأن من طلق امرأته ثلاثًا، ثم تزوجت زوجًا آخر، فدخل بها: ارتفع به التحريم الموجب بالطلاق الثلاث، ولا يعود العقد الأول بينهما، بل يحتاج إلى فراق الثاني وعقد مستقبل للأول، وكذلك حدوث ما ذكرنا، يرفع التحريم الواقع باللعان، ولا ترتفع مع ذلك البينونة إلا بنكاح مستقبل. ويدل على بطلان حكم اللعان بإكذابه نفسه، وجلد الحد: أن اللعان حد.

стр. 2235

والدليل على ذلك ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الخراساني أبو جعفر قال: حدثنا عبد الرحمن بن موسى قال: حدثنا نوح بن دراج عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما لاعن رسول الله ﷺ بين المرأة وزوجها فرق بينهما، وقال: إن جاءت به أزج القدمين يشبه فلانًا، فهو منه. قال: فجاءت به يشبهه، فقال رسول الله ﷺ : لولا ما مضى من الحد، لرجمتها"، فسمى اللعان حدا. وقد روي: "لولا ما مضى من الإيمان"، "ولولا ما مضى من كتاب الله". وكله صحيح يجوز أن يكون قال الجميع. فإذا أكذب نفسه وجلد الحد لذلك القذف: بطل حكم اللعان، لاستحالة اجتماع حدين عليه في قذف واحد. فدل ذلك على أن اللعان قد بطل حكمه، فبطل ما تعلق به من حكم التحريم، فجاز له تزويجها. ويدل على بطلان حكم اللعان: أنه لو لاعنها بولد، ثم أكذب نفسه: لحق به نسب الولد، وهذا يدل على إبطال حكم اللعان؛ لأن نفي الولد

стр. 2236

كان أحد الأحكام المتعلقة باللعان. فإن قال قائل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: " المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا". قيل له: إن هذا كلام الزهري مدرج في الحديث، ليس عن النبي ﷺ . وروى محمد بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال الزهري: "فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا: فرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا". ولو ثبت ذلك عن النبي ﷺ لم يدل على موضع الخلاف بيننا، وذلك لأنه علق الحكم بالصفة، فيكون بقاؤه موقوفًا على بقاء الصفة، لأنه قال: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا"، وهذا يقتضي منع الاجتماع ما داما على حال التلاعن، وما دام حكم اللعان باقيًا، فإذا أكذب نفسه، وجلد الحد: بطل حكم اللعان، وزوال حال التلاعن، وهذه الحال لم ينتظمها الخبر.

стр. 2237

وهذا كقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾، وكقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وكقوله: ﴿لا ينال عهدى الظالمين﴾، والمعنى في جميع ذلك: مراعاة الصفة التي علق بها الحكم، دون لزومه على التأبيد. ويدل على ذلك: ما روى ابن المبارك عن يونس عن الزهري في المتلاعنين لا يتراجعان أبدًا إلا أن يكذب نفسه، فيجلد الحد، فلا جناح عليهما أن يتراجعا. فعلمنا أن روايته: مضت السنة أن لا يجتمعا: يعني ما داما على حال التلاعن. وكذلك تأويل قول من روي عنه من الصحابة أنهما لا يجتمعان، وهم: علي وعمر وعبد الله بن مسعود ﵃. وروي عن إبراهيم وسعيد بن المسيب أنه إذا أكذب نفسه، وجلد

стр. 2238

الحد: جاز له أن يتزوجها. ويروى عن سعيد بن جبير: أن فرقة اللعان لا تبنها منه، وأنه إذا أكذب نفسه: ردت إليه امرأته، ولم يوافقه على ذلك أحد. فإن قال قائل: روى سعيد بن جبير عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"، ولو كان تحريمها غير مؤبد لبينه، كما قال الله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾. قيل له: أول ما في هذا أن قوله: "لا سبيل لك عليها": لا يدل على تحريم نكاحها، وإنما يفيد البينونة وقطع الزوجية، كما تقول: لا سبيل لك على الأجنبية، ولا على عبد زيد، ولا يفيد تحريم عقد النكاح والشراء. وعلى أنه لو كان يفيد منع العقد، لكانت الدلائل التي ذكرناها في جواز العقد مضمومة إليه، فيصير حينئذ كأنه قال: لا سبيل لك عليها دمتما على حال اللعان. كما قال النبي ﷺ لأم حبيبة لما قالت له: هل لك

стр. 2239

في أختي أن تتزوجها؟ فقال: "إنها لا تحل لي"، ومعناه: ما كنت عندي، لا على التأبيد. ويدل من جهة النظر على جواز نكاحها: قول الله تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، وقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، وقوله: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن﴾، ونحو ذلك من الآي المتضمنة لإباحة عقد النكاح. مسألة: [نفي الولد بعد الولادة] (وإذا نفى ولدها بحضرة ولادتها إياه، أو بعد ذلك بيوم أو يومين: لاعنها، وانتفى ولدها، وإن لم ينفه في الوقت الذي ذكرنا: لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك قول أبي حنيفة).

стр. 2240

والأصل في نفي نسب الولد من الأب باللعان: ما رواه مالك وعبيد الله بن عمر وفليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين وألحق الولد بالمرأة. وفي حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي ﷺ قضى في ابن الملاعنة أن لا يدعى لأب". وأما وجه قول أبي حنيفة في اعتبار حال الولادة من غير توقيت: فهو أن الفقهاء متفقون على أنه لو سكت عن نفيه سنة أو سنتين: لم يكن له بعد ذلك أن ينفيه، وأن له نفيه بعد الولادة بالوقت اليسير، فجعل أبو حنيفة سكوته في الوقت الذي لو أراد نفيه نفاه: إقرارًا بالولد، ولم يؤقت فيه شيئًا؛ لأنه محمول على ما يظهر من قبول التهنئة ونحوها. (وقال أبو يوسف، ومحمد: له أن ينفيه ما بينه وبين أربعين يومًا)، لأن الأربعين مدة النفاس، ومدة النفاس هي حال الولادة، فلذلك اعتبر فيه هذه المدة. فصل: قال أبو جعفر: (وإن كان غائبًا في حال الولادة، فقدم فيما بينه وبين حولين: كان له أن ينفيه ما بينه وبين أربعين يومًا، ما كان ذلك في الحولين، فإن خرج الحولان: لم يكن له أن ينفيه بعد ذلك، فإن نفاه:

стр. 2241

لاعن بالقذف، وكان ابنه على حاله). قال أبو بكر: لا نعرف تقدير هذين الحولين إلا فيما ذكره أبو جعفر، ويشبه أن يكون إن صح اعتبار الحولين عنهم: أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد في وقت الرضاع. ولأنه معلوم أنه لو قدم بعد عشر سنين أو عشرين سنة: لم يكن له نفيه. كذلك إذا انتقل من حد الرضاع إلى حال الاغتذاء بالطعام: لم يكن له أن ينفيه. وأما اعتبار الأربعين في الحولين إذا قدم، فهو كما اعتبر بعد الولادة إذا كان حاضرًا. مسألة: [نفي الحمل] قال: "وإذا نفى حمل امرأته: لم يلاعن في قول أبي حنيفة في حال الحمل، ولا بعد الولادة". وذلك لأنا لا نثبت القذف بالاحتمال والجواز؛ لأنه مما يسقط حكمه بالشبهة، فإذا كان الحمل غير معلوم من جهة اليقين، لم يثبت اللعان في الحال؛ لأنه بمنزلة الحد. وإن ولدت لأقل من ستة أشهر: لم يلاعن أيضًا؛ لأنه لما لم يكن ذلك النفي قذفًا في الابتداء، لم يجز وقوفه على وضع الحمل، لأنه يصير قذفًا

стр. 2242

معلقًا بشرط، فلا يجب به لعان. كما أنه لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت زانية، أو قال: إذا وضعت ما في بطنك فأنت زانية: لم يكن قذفًا يجب به حد، ولا لعان. وما روي عن النبي ﷺ أنه لاعن بالحمل، فإن الزوج كان قذفها بالزنى، وكذلك نقول: إذا قذفها بالزنى: لاعنها حاملًا كانت أو غير حامل، وإنما الموضع الذي لا يوجب فيه أبو حنيفة اللعان: إذا قال: إن هذا الحمل ليس مني، ولم يقل: أنت زانية. وقد روي في حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة المتلاعنين أن رسول الله ﷺ فرق بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، وقال: إن جاءت به على صفة كيت وكيت، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على صفة أخرى ذكرها، فهو للذي رميته به. فذكر فيه أن رسول الله ﷺ قضى أن لا يدعى الولد الذي هي حامل به لأب. وعباد بن منصور ضعيف جدًا، ومع ذلك فإن أهل المعرفة بذلك لا يشكون أن في حديث عباد بن منصور كلامًا كثيرًا، ليس من كلام النبي ﷺ ، مندرجًا في الحديث.

стр. 2243

فإن قال قائل: الحمل محكوم عليه قبل الولادة. قال الله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾، وقال: ﴿فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾. ولو اشترى جارية، فقال النساء: إنها حامل: كان له ردها بالعيب، وإن كان كذلك، وجب أن يكون محكومًا به في صحة القذف إذا نفاه، ويجب به اللعان. قيل له: لأن هذه الأحكام التي ذكرتها يصح ثبوتها مع الشبهة، والحد لا يصح إثباته مع الشبهة، وأقل أحوال الشبهة: يجوز أن يكون ما ظنناه حملًا ريحًا أو داء، ومثله يمنع وجوب اللعان، إذ كان اللعان حدًا. * وقال أبو يوسف ومحمد: إذا نفى حمل امرأته، ثم وضعت لأقل من ستة أشهر منذ يوم قذفها: لاعن؛ لأنا قد تيقنا أنه كان قاذفًا يوم القول، وإذا جاءت به لستة أشهر: لم نتيقن أن الولد كان موجودًا يوم النفي، فلم يكن قاذفًا به. مسألة: [قذف المرأة وأمها] قال: (ومن قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية: كان قاذفًا لها ولأمها، فإن اجتمعا على مطالبته: حددناه لأمها، وسقط اللعان).

стр. 2244

وذلك لو بدأنا باللعان، لكان حد القذف قائمًا عليه للأم، وإذا بدأنا بحدها سقط اللعان، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم"، واللعان حد، فإذا أمكننا أن نتوصل إلى إسقاطه فعلنا. ألا ترى أن رجلًا لو زنى، وسرق، وقتل، أنا نبدأ بالقتل، ويسقط حد الزنا والسرقة. * قال: (وإن لم تطالب الأم بحدها، وطالبته باللعان: لاعن؛ لأن حد القذف لا يقام إلا بمطالبة المقذوف، وما لم يحد: فاللعان واجب). ولا يجوز أيضًا أن يؤخر اللعان، لجواز أن تطالب الأم بحد القذف، لأن اللعان حق للمرأة لا يجوز تأخيره بشيء يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع. قال أبو جعفر: (فإن لوعن بينه وبينها: لم يحد بعد ذلك لأمها إن طالبته بعد ذلك بالحد). قال أبو بكر: وليس هذا من مذهبهم، بل قول أصحابنا جميعًا: أنه يحد للأم إذا طالبته بحدها بعد لعانه للابنة.

стр. 2245

مسألة: [ابتداء اللعان من الرجل] قال أبو جعفر: (ويبدأ في اللعان بالرجل). لقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى ذلك أن يكون لعانه عقيب القذف، فإذًا لعان المرأة بعد لعانه. وأيضًا: فإن النبي ﷺ بدأ بالرجل في اللعان. وأيضًا: فإن اللعان حق لها استحقته عليه بالقذف، فلا يجوز تأخيره عن الحال التي أوجبتها له. * قال: (فإن قذفها بولد: فإنه يلاعن عليه، فيقول: فيما رميتها به من الزنى في نفي ولدها هذا، وكذلك المرأة تقول: فيما رماني به من الزنى في نفي ولده هذا). وذلك لأنه يحتاج إلى نفيه باللعان، فينبغي أن يلاعن عليه، كما يذكرها في اللعان، ويشير إليها به، إذ كان لعانه إياها يتعلق به حكم التفريق، وإبطال النكاح، كما يتعلق به نفي الولد.
следующие страницы →