Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
لاعن بالقذف، وكان ابنه على حاله).
قال أبو بكر: لا نعرف تقدير هذين الحولين إلا فيما ذكره أبو جعفر، ويشبه أن يكون إن صح اعتبار الحولين عنهم: أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد في وقت الرضاع.
ولأنه معلوم أنه لو قدم بعد عشر سنين أو عشرين سنة: لم يكن له نفيه.
كذلك إذا انتقل من حد الرضاع إلى حال الاغتذاء بالطعام: لم يكن له أن ينفيه.
وأما اعتبار الأربعين في الحولين إذا قدم، فهو كما اعتبر بعد الولادة إذا كان حاضرًا.
مسألة: [نفي الحمل]
قال: "وإذا نفى حمل امرأته: لم يلاعن في قول أبي حنيفة في حال الحمل، ولا بعد الولادة".
وذلك لأنا لا نثبت القذف بالاحتمال والجواز؛ لأنه مما يسقط حكمه بالشبهة، فإذا كان الحمل غير معلوم من جهة اليقين، لم يثبت اللعان في الحال؛ لأنه بمنزلة الحد.
وإن ولدت لأقل من ستة أشهر: لم يلاعن أيضًا؛ لأنه لما لم يكن ذلك النفي قذفًا في الابتداء، لم يجز وقوفه على وضع الحمل، لأنه يصير قذفًا
стр. 2242
معلقًا بشرط، فلا يجب به لعان.
كما أنه لو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت زانية، أو قال: إذا وضعت ما في بطنك فأنت زانية: لم يكن قذفًا يجب به حد، ولا لعان.
وما روي عن النبي ﷺ أنه لاعن بالحمل، فإن الزوج كان قذفها بالزنى، وكذلك نقول: إذا قذفها بالزنى: لاعنها حاملًا كانت أو غير حامل، وإنما الموضع الذي لا يوجب فيه أبو حنيفة اللعان: إذا قال: إن هذا الحمل ليس مني، ولم يقل: أنت زانية.
وقد روي في حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة المتلاعنين أن رسول الله ﷺ فرق بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، وقال: إن جاءت به على صفة كيت وكيت، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على صفة أخرى ذكرها، فهو للذي رميته به.
فذكر فيه أن رسول الله ﷺ قضى أن لا يدعى الولد الذي هي حامل به لأب.
وعباد بن منصور ضعيف جدًا، ومع ذلك فإن أهل المعرفة بذلك لا يشكون أن في حديث عباد بن منصور كلامًا كثيرًا، ليس من كلام النبي ﷺ ، مندرجًا في الحديث.
стр. 2243
فإن قال قائل: الحمل محكوم عليه قبل الولادة. قال الله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾، وقال: ﴿فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾.
ولو اشترى جارية، فقال النساء: إنها حامل: كان له ردها بالعيب، وإن كان كذلك، وجب أن يكون محكومًا به في صحة القذف إذا نفاه، ويجب به اللعان.
قيل له: لأن هذه الأحكام التي ذكرتها يصح ثبوتها مع الشبهة، والحد لا يصح إثباته مع الشبهة، وأقل أحوال الشبهة: يجوز أن يكون ما ظنناه حملًا ريحًا أو داء، ومثله يمنع وجوب اللعان، إذ كان اللعان حدًا.
* وقال أبو يوسف ومحمد: إذا نفى حمل امرأته، ثم وضعت لأقل من ستة أشهر منذ يوم قذفها: لاعن؛ لأنا قد تيقنا أنه كان قاذفًا يوم القول، وإذا جاءت به لستة أشهر: لم نتيقن أن الولد كان موجودًا يوم النفي، فلم يكن قاذفًا به.
مسألة: [قذف المرأة وأمها]
قال: (ومن قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية: كان قاذفًا لها ولأمها، فإن اجتمعا على مطالبته: حددناه لأمها، وسقط اللعان).
стр. 2244
وذلك لو بدأنا باللعان، لكان حد القذف قائمًا عليه للأم، وإذا بدأنا بحدها سقط اللعان، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم"، واللعان حد، فإذا أمكننا أن نتوصل إلى إسقاطه فعلنا.
ألا ترى أن رجلًا لو زنى، وسرق، وقتل، أنا نبدأ بالقتل، ويسقط حد الزنا والسرقة.
* قال: (وإن لم تطالب الأم بحدها، وطالبته باللعان: لاعن؛ لأن حد القذف لا يقام إلا بمطالبة المقذوف، وما لم يحد: فاللعان واجب).
ولا يجوز أيضًا أن يؤخر اللعان، لجواز أن تطالب الأم بحد القذف، لأن اللعان حق للمرأة لا يجوز تأخيره بشيء يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع.
قال أبو جعفر: (فإن لوعن بينه وبينها: لم يحد بعد ذلك لأمها إن طالبته بعد ذلك بالحد).
قال أبو بكر: وليس هذا من مذهبهم، بل قول أصحابنا جميعًا: أنه يحد للأم إذا طالبته بحدها بعد لعانه للابنة.
стр. 2245
مسألة: [ابتداء اللعان من الرجل]
قال أبو جعفر: (ويبدأ في اللعان بالرجل).
لقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى ذلك أن يكون لعانه عقيب القذف، فإذًا لعان المرأة بعد لعانه.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ بدأ بالرجل في اللعان.
وأيضًا: فإن اللعان حق لها استحقته عليه بالقذف، فلا يجوز تأخيره عن الحال التي أوجبتها له.
* قال: (فإن قذفها بولد: فإنه يلاعن عليه، فيقول: فيما رميتها به من الزنى في نفي ولدها هذا، وكذلك المرأة تقول: فيما رماني به من الزنى في نفي ولده هذا).
وذلك لأنه يحتاج إلى نفيه باللعان، فينبغي أن يلاعن عليه، كما يذكرها في اللعان، ويشير إليها به، إذ كان لعانه إياها يتعلق به حكم التفريق، وإبطال النكاح، كما يتعلق به نفي الولد.
стр. 2246
مسألة: [قذف المرأة قبل طلاق الثلاث]
قال: (ومن قذف امرأته، ثم طلقها ثلاثًا: سقط اللعان، ولا حد عليه).
وذلك لأن اللعان حكم يختص بحال الزوجية، لقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، ثم قال: ﴿فشهادة أحدهم﴾، يعني أحد الأزواج، فثبت أن حكم اللعان مقصور على حال الزوجية.
وأيضًا: اتفقوا على أنه لو قذفها وهي أجنبية: لم يجب اللعان، فكذلك إذا صارت أجنبية بعد القذف.
ولا يجب الحد؛ لأن الواجب بالقذف كان اللعان، فسقط من جهة الحكم، فهو كسقوطه بالموت، فلا يحد.
* (ولو طلقها ثلاثًا، ثم قذفها بولد أو بغير ولد: فإنه يحد).
لقول الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾، ثم خص منه الزوجات بقوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، وهذه ليست بزوجة.
مسألة: [نفي التوءم]
قال: (ومن ولدت امرأته توءمين، فأقر بالأول، ونفى الثاني: لاعن،
стр. 2247
ولزماه جميعًا).
وذلك لأن إقراره بدءًا بالابن الأول لا يمنع صحة اللعان بنفيه بعد ذلك؛ لأن صحة اللعان ليست موقوفة على نفي الولد، إذ قد يقطع الفراش من غير ولد، ولا يكون إقراره بدءًا إكذابًا لنفسه، لأنه لم يكن هناك قذف متقدم للإقرار، فيكون إكذابًا له.
ألا ترى أن رجلًا لو قال لامرأته: لم تزن، ثم قال: قد زنيت: وجب اللعان، ولم يكن ذلك إكذابًا لنفسه؛ لأنه كان قبل القذف.
* قال: (فإن نفى الأول، وأقر بالثاني: لزماه جميعًا، وحد).
وذلك لأنه لما نفى الأول صار قاذفًا لها، ثم لما أقر بالثاني فقد أقر بهما، لأنهما في بطن واحد، فصار إكذابًا: فحد.
*****
стр. 2248
باب العدد والاستبراء
مسألة: [مدة عدة الحرة]
قال أبو جعفر: (وإذا طلق الرجل زوجته بعد دخوله بها وهي حرة: فعدتها ثلاثة قروء، كما قال الله تعالى، والأقراء: الحيض).
قال أبو بكر: وهو قول عمر، علي، وعبد الله، وأبي موسى.
وروي عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، الأقراء: الأطهار.
قال أبو بكر: قد تكلمنا في ذلك على الاستقصاء في مسألة أفردناها في غير هذا الكتاب، فأغنى عن إعادته هاهنا، إلا أني لا
стр. 2249
أخلي هذا الموضع من جملة من القول ينتظم عمدة الحجاج فيها، فنقول وبالله التوفيق:
إن أهل اللغة قد قالوا في أصل القرء أقوالًا، أنا ذاكرها ومعقبها بوجه دلالتها على صحة قولنا.
قال قائلون منهم: إن القرء هو الوقت.
حدثنا بذلك أبو عمر غلام ثعلب أنه كان إذا سئل عن معنى القروء، لم يزدهم على الوقت، وقد استشهد لذلك بقول الشاعر: له قروء كقروء الحائض
ويقول الأعشى: لما ضاع فيها من قروء نسائكا
فالأول عنى أن له وقتًا يهيج فيه عداوته كوقت الحائض، والثاني عنى وقت وطئه إياهن.
وقال آخر:
إذا هبت لقارئها الرياح، يعني لوقتها في الشتاء.
وقال آخرون: هو الضم والتأليف، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا قرأناه فاتبع
стр. 2250
قرآنه﴾، أي: إذا جمعناه.
وقال الشاعر:
ذراعي عيطل أدماء بكر .... هجان اللون لم تقرأ جنينا
وحكي عن بعضهم أنه قال: هو الخروج من شيء إلى شيء، وهذا القول ليس عليه شاهد من اللغة، ولا يثبت عمن يوثق به من أهلها.
ثم نقول: إن كانت حقيقة في الوقت، فالحيض أولى به؛ لأن الوقت إنما يكون وقتًا لما يحدث فيه، والحيض هو الحادث، والطهر إنما هو عدم الحيض، وليس هو شيئًا حادثًا.
وإن كان من الضم والتأليف، فالحيض أولى به أيضًا؛ لأن دم الحيض إنما يتألف وينضم من سائر أجزاء البدن في حال الحيض، فمعنى الحيض أولى بالاسم أيضًا.
فإن قيل: إنما يتألف ويجتمع دم الحيض في أيام الطهر، ثم يسيل في أيام الحيض.
قيل له: لو كان تألفه واجتماعه في أيام الطهر لسال، إذ ليس هناك مانع من السيلان، فعلمنا أن اجتماعه إنما يكون في الأوقات التي يوجد
стр. 2251
فيها الخروج والسيلان، وإن كان القرء اسمًا للخروج من حال إلى حال، فإنه يرجع في المعنى إلى الضم والتأليف، وذلك لانضمام حال الطهر إلى الحيض، أو الحيض إلى الطهر، فيعود إلى المعنى الأول.
ثم قد علمنا أن اسم القرء يتناول الحيض والطهر جميعًا، وذلك لأن الصحابة لما اختلفت، فتأوله بعضهم على الحيض، وبعضهم على الطهر، علمنا أن الاسم يتناول كل واحد من المعنيين، لولا ذلك لما جاز لهم تأويل الآية عليه، وإذا صح ذلك اعتبرنا فوجدنا الحقيقة للحيض دون الطهر، بدلالة ما قدمنا.
ومما يدل على أن اسم القرء يلزم الحيض حيثما وجد، وقد يفارق الطهر، فلا يسمى قرءًا: وهو طهر الآيسة والصغيرة، فعلمنا أن اسم القرء يتناول الحيض حقيقة، والطهر مجازًا، لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، فدل على أن اسم القرء للطهر الذي بين الحيضين مجاز، سمي بذلك لمجاورته الحيض، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له.
ويدل على أن المراد بالأقراء الحيض: أن الاسم لما تناولهما على ما ذكرناه، واتفق الجميع على أن المراد أحدهما، احتجنا إلى طلب
стр. 2252
المراد، فوجدنا لغة النبي ﷺ في الأقراء أنها الحيض، لقوله ﵊: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها".
وقال لفاطمة بنت أبي حبيش: "فإذا أقبل قرؤك فدعي الصلاة، فإذا أدبر فاغتسلي وصلي ما بين القرء إلى القرء".
فكانت لغة النبي ﷺ في القروء أنه الحيض، فوجب أن يكون معنى الآية محمولًا عليه؛ لأن القرآن لا محالة نزل بلغة النبي ﷺ ، وهو المبين عن الله تعالى معنى الألفاظ المحتملة.
وأيضًا: حديث ابن عمر، وعائشة عن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان"، وقد تقدم ذكر سندهما.
وأيضًا: لما قال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾، فأقام الشهور مقام الحيض عند عدمها، دل ذلك على أن الأصل هو الحيض، كما أنه لما قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ علمنا أن الأصل الذي نقل عنه إلى الصعيد هو الماء.
стр. 2253
ويدل عليه: أن الله تعالى حصر الأقراء بعدد يجب استيفاؤه في العدة، وهو قوله: ﴿ثلاثة قروء﴾، واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاء العدد بكماله، لأنه إذا أراد أن يطلقها للسنة، فلا بد أن يصادف طلاقه في الطهر قد مضى فيه من الطهر بعضه، ثم يجب عنده بعد ذلك طهران آخران، فهذان قرءان، وبعض الثالث، فلما تعذر استيفاء الثالث إذا أراد طلاق السنة، علمنا أن المراد هو الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله.
وليس هذا كقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، والمراد: شهران وبعض الثالث؛ لأنه لم يحصرها بعدد، وإنما ذكرها بلفظ الجمع.
والأقراء محصورة بعدد وهو ثلاثة، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: رأيت ثلاثة رجال، ومرادك رجلان، ويجوز أن تقول: رأيت رجالًا، والمراد رجلان.
فصل: [انتهاء العدة]
قال أبو جعفر: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة: فقد حلت لغيره).
وذلك لأن عدتها قد انقضت، وقال الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا
стр. 2254
جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾.
* قال: "فإن أخرت الغسل من الحيضة الثالثة، وكان حيضها دون العشرة: كانت في العدة حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت الصلاة".
قال أبو بكر: قد روي عن علي، وعبد الله في آخرين من الصحابة اعتبار الغسل من الحيضة الثالثة.
ووجه ذلك: أن أيامها إذا كانت دون العشرة، فجائز أن يعاودها الدم، فتكون العدة باقية، فلم يكن في انقطاع الدم حكم بانقضاء الحيض، فإذا اغتسلت انقطع حكم الحيض بالاتفاق، فانقضت العدة.
وإذا مضى عليها وقت صلاة، فقد لزمها فرض الوقت، ولزوم فرض الوقت ينافي بقاء حكم الحيض؛ لأن الحائض لا يلزمها فرض الصلاة، وأما إذا كانت أيامها عشرًا، فإنه قد ثبت عندنا أن الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيام، ففي انقضاء العشرة انقضاء الحيض.
* قال: (ولو كانت في سفر ولا ماء معها، فتيممت، فإن أبا حنيفة قال: هي في العدة على حالها حتى تصلي بتيممها).
وذلك لأن التيمم لا يرفع الحدث عندنا، وإنما يبيح الصلاة، فحالها
стр. 2255
بعد التيمم كهي قبله، فإذا صلت فقد تعلق به حكم لا يلحقه الفسخ بوجود الماء، فصارت في حكم الطاهرات، وانقضت به العدة.
* قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تيممت فقد خرجت من العدة).
قال أبو بكر: أبو يوسف مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وهذا قول محمد وحده.
ووجهه: أنه قد يستباح به فعل الصلاة، وقراءة القرآن، ودخول المسجد، ونحو ذلك مما هو محظور فعله على الحائض، فخرجت بذلك من حكم الحيض؛ لأن حكم الحيض لو كان باقيًا، لما جاز لها أن تستبيح هذه الأفعال.
والانفصال من ذلك لأبي حنيفة: أن هذه الاستباحة تنفسخ بوجود الماء، وبطلان حكم التيمم.
وليس كذلك الصلاة؛ لأنها لا تنفسخ برؤية الماء، وأما قراءة القرآن فإنها وإن وقعت على جهة الإباحة: لا تنفسخ، فليست صحة التلاوة معلقة بوجوب الطهارة؛ لأن التلاوة حاصلة سواء كانت طاهرًا أو حائضًا، فلم يجب أن تعتبر في صحة حكم التلاوة، وليس كذلك الصلاة؛ لأنها لا يصح حكمها إلا بعد الطهارة.
стр. 2256
مسألة: [عدة الزوجة النصرانية]
قال أبو جعفر: (ولو كانت الزوجة نصرانية: خرجت من العدة بانقطاع الدم عنها).
وذلك لأنه ليس عليها غسل، فهي بمنزلة المسلمة إذا اغتسلت.
مسألة: [عدة الأمة بعد الإعتاق]
قال: (ومن طلق زوجته وهي أمة، ثم أعتقت وهي في العدة، فإن كان الطلاق رجعيًا: صارت عدتها ثلاث حيض، وإن كانت بائنًا: فعدتها عدة الأمة على ما كانت).
قال أبو بكر: اعتبر انتقال عدتها عند العتق بالموت، فإذا انتقلت بالموت انتقلت بالعتق، وإذا لم تنتقل بالموت لم تنتقل بالعتق، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد من السبيلين يوجب نقل العدة.
ألا ترى أن عدة الحرة ثلاث حيض، كما أن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، فلو أن رجلًا طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثم مات عنها وهي في العدة: صارت إلى عدة الوفاة، كذلك إذا أعتقت: وجب أن تنتقل عدتها إلى ثلاث حيض، ولو مات عنها وهي بائن: لم تنتقل عدتها، كذلك لا تنتقل بالعتق.
стр. 2257
مسألة: [استئناف العدة بعد ارتفاع الحيض]
قال: (وإذا كانت ممن تحيض، فارتفع حيضها من غير حمل: كانت في عدتها أبدًا حتى تحيض ثلاث حيض، أو تيأس من الحيض، فتستقبل عدة الآيسة من المحيض، وهي ثلاثة أشهر).
قال أبو بكر: وهذا قول علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت ﵃.
* وروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس: أنها تمكث تسعة أشهر، فإن لم تحض: اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك.
وهو قول مالك بن أنس.
والحجة للقول الأول: قول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فالاعتداد بالأقراء واجب بظاهر الآية إلى أن يجيء ما ينقلها عنها.
وقال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن
стр. 2258
ثلاثة أشهر﴾، فنقل إلى الشهور عند اليأس من المحيض، وارتفاع الحيض للتشابه: ليس باليأس، فوجب اعتبار الأقراء إذا كان ذلك يرجى لها.
فإن قال قائل: لما قال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر﴾، فنقلها عند الارتياب إلى الشهور، وارتفاع الحيض يوجب الارتياب، وجب أن تكون عدتها بالشهور.
قيل له: ليس المراد: الارتياب في اليأس، وإنما هو ارتياب المخاطبين قبل نزول الآية فيما يجب من العدة على من كانت هذه حالها.
وروي نحو هذا التأويل عن ابن مسعود قال: وذلك أن الله تعالى لما بين طلاق ذات الحيض، وطلاق الحامل، شكوا في اليائسة، فلم يدروا ما عدتها؟ فأنزل الله تعالى مخبرا عن الحال التي خرج عليها الخطاب قوله: ﴿واللائي يئسن﴾.
ويدل على صحة ذلك: أن اليأس لا يكون مع الارتياب، ورجاء الحيض، لأنه ضده.
ويدل عليه أيضًا: اتفاق الجميع على أنها إذا لم ترتب، وعلم أنها لا تحيض، ولا تحبل أبدًا: كانت هذه عدتها، فعلمنا أن الارتياب في
стр. 2259
اليأس ليس بشرط في الاعتداد بالشهور، وأن المعنى فيه حصول اليأس.
فإن قال قائل: اليأس قد يجامعه الرجاء، كما قال الله تعالى: ﴿قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾.
قال الشاعر: "والنفس بين طمع ويأس".
قيل له: أما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾: فليس معهم طمع ولا رجاء للآخرة؛ لأنهم كانوا كفارًا لا يعتقدون البعث، وكانوا آيسين عند أنفسهم غير طامعين ولا راجين، وكيف يكون ذلك، وقد شبههم بيأس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم.
وأما قول الشاعر: فإن كان ممن يحتج بقوله، فمعناه: فالنفس بين طمع، وخوف اليأس بانقطاع الطمع.
وقال الله تعالى: ﴿ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾، ومعلوم أن المراد لا تقطع الرجاء من الله، فإنه لا يقطع الرجاء من الله إلا القوم الكافرون.
فدل أن الرجاء والإياس ضدان لا يجتمعان، فلما قال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾: علمنا أن مراده انقطاع الرجاء من وجود الحيض.
стр. 2260
مسألة: [عدة الصغيرة والآيسة]
قال: (وعدة الصغيرة والآيسة الحرة: ثلاثة أشهر، وإن كانت أمة: فشهر ونصف).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿واللائي لم يحضن﴾، وعدة الأمة على النصف من عدة الحرة، ولا خلاف بين المسلمين فيها.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان".
وقال عمر بن الخطاب: "لو استطعت أن أجعلها حيضة ونصف، لفعلت"، يعني أن الحيضة لا تتبعض، فلذلك كانت عدتها حيضتين.
* (وإذا حاضت الصغيرة قبل انقضاء العدة: استأنفت العدة بالحيض).
وذلك لأن الله تعالى أوجب الشهور عند عدم الحيض، فإذا وجدت الحيض، بطل حكم الشهور، فانتقلت إلى الحيض.
стр. 2261
مسألة: [عدة المتوفى عنها زوجها]
قال: (وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، إذا كانت حرة).
لقول الله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾، وهو عام في المدخول بها وغيرها، ولا خلاف فيه بين أهل العلم.
وقد كانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾، فحكم فيها بثلاثة أشياء:
أحدها: إيجاب العدة سنة.
والآخر: نفقتها في الحول في مال الزوج.
والثالث: منع الخروج.
فنسخ منها ما عدا الأربعة الأشهر والعشر، ونسخ وجوب نفقتها في مال الزوج بما جعل لها من الربع والثمن في ماله، وبقي منع الخروج في الأربعة الأشهر والعشر.
стр. 2262
مسألة: [عدة الأمة]
قال: (وإن كانت أمة: فعدتها على النصف)، لما بيناه.
مسألة: [عدة الحامل]
قال: (وعدة الحامل في جميع هذه الوجوه أن تضع حملها).
لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾، وذلك عموم في الجميع؛ لأنه لفظ مكتف بنفسه عن تضمينه لغيره.
ويروى عن علي بن أبي طالب، وابن عباس ﵄ أن عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أبعد الأجلين، يعني وضع الحمل أو مضي أربعة أشهر وعشر.
وقال عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود البدري: عدتها أن تضع حملها.
وقد روى إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث وعشرين، فتشوفت للنكاح، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن تفعل فقد حل
стр. 2263
أجلها".
وهشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة ولدت بعد وفاة زوجها بيسير، فأمرها رسول الله ﷺ أن تنكح.
ومحمد بن إبراهيم التميمي عن أبي سلمة عن سبيعة مثله.
وسليمان بن يسار عن كريب عن أم سلمة أن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها النبي ﷺ أن تتزوج.
وقال علقمة، ومسروق عن عبد الله: من شاء باهلته أن قوله: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾: نزلت بعد آية المتوفى عنها زوجها، يعني أنها قاضية عليها، لعمومها في كل معتدة.
وهذا يدل على أنه كان من مذهب عبد الله بن مسعود: أن العام إذا
стр. 2264
ورد بعد الخاص قضى عليه، وأنه لا يجب الترتيب، وكذلك قول من وافقه في عدة المتوفى عنها زوجها.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أن لمضي الأربعة أشهر والعشر لا تنقضي عدتها حتى تضع، فعلمنا أنها مرادة لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾، ودل على سقوط الأشهر؛ لأن الآية لا تبيح النكاح إلا بوضع الحمل.
مسألة: [عدة أم الولد]
قال: (وعدة أم الولد إذا أعتقت بموت المولى إن كانت حاملًا: وضع حملها، وإن كانت غير حامل: فثلاث حيض).
وذلك لأن عدتها واجبة عن الوطء دون العقد، فأشبهت النكاح الفاسد، وقد لزمتها وهي حرة، فتكون ثلاث حيض.
مسألة: [عتق الأمة بعد الوطء]
قال: (ومن أعتق أمته بعدما وطئها: لم تكن عليها عدة).
لأن زوال الملك لا يوجب عدة، ألا ترى أنه لو باعها: لم تجب عليها عدة.
стр. 2265
مسألة: [لا عدة على الزانية]
قال: (ولا عدة على الزانية، حاملًا كانت أو غير حامل).
لأن وطء الزنى لا يتعلق به ثبوت النسب، فأشبه الوطء بملك اليمين، والولد الذي في بطنها ليس فيه حق للغير، فلا يمنع النكاح، ولكن زوجها لا يدخل بها حتى تضع.
وذلك لما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى أن يسقي ماؤه زرع غيره"، يعني أن يطأ امرأة حاملًا من غيره.
رواه رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي ﷺ .
* (وقال أبو يوسف: لا يجوز تزويج الحامل من زنى).
كما لا يجوز تزويج الأمة الحامل من مولاها.
قال: وكما لا يجوز له وطؤها: لم يجز له أن يتزوجها.
والانفصال من ذلك: أن تزويج الحامل من المولى، إنما لم يجز من قبل أن هناك حملًا ثابتًا للنسب من الغير، فلأجل حقه لم يجز كالمعتدة، وأما الحامل من زنى، فليس في حملها حق للغير، فلذلك جاز.
وأما منع الوطء: فإنه لا يمنع النكاح، إذ لم يكن فيه حق للغير، كما
стр. 2266
يتزوج النفساء والحائض، وهو ممنوع من وطئها.
مسألة: [وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها والمطلقة]
قال: (وعلى المعتدة المسلمة من الوفاة والطلاق اجتناب الزينة، والطيب).
وذلك لما روته أم حبيبة وأم سلمة وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا"، فأوجب عليها الإحداد، والإحداد: الامتناع من الزينة والطيب.
مسألة: [عدم الخروج من البيت للمتوفى عنها]
(ولا ينبغي للمتوفى عنها أن تبيت في غير منزلها، ويجوز لها الخروج بالنهار).
والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾، فكانت عدة المتوفى عنها زوجها حولًا، لا تخرج فيه من منزلها، ثم نسخ ما عدا الأربعة أشهر والعشر بقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
стр. 2267
وعشرًا﴾، فكان حكم هذه المدة باقيًا على ما كان عليه في منع الخروج، ووجوب الاعتداد فيها؛ لأن النسخ لم يرد عليه إلا في حال قد قامت الدلالة عليه، وهو خروجها في حوائجها، فمنعها من غير أن تبيت في بيتها.
وهو ما روي عن فريعة بنت مالك أنها جاءت تسأل النبي ﷺ ، وتستأذنه في النقلة وهي معتدة، وقد كان زوجها قتل، فقال النبي ﷺ : "لا، حتى يبلغ الكتاب أجله"، فمنعها النقلة، ولم ينكر عليها خروجها من البيت.
وروي نحوه عن ابن مسعود، وغيره من الصحابة.
مسألة: [عدم الإحداد على الصبية]
قال: (ولا إحداد على صبية، ولا كافرة).
وذلك لأن الامتناع من الزينة والطيب عبادة، وحق الله تعالى يلزم من طريق الشرع، لقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج"، وهؤلاء لا تلزمهم حقوق الله من جهة الشرع.
стр. 2268
* وأما الأمة: فإن عليها الإحداد؛ لأنه من العبادات.
مسألة:
قال: (ولا بأس بأن تخرج الأمة في حوائج مولاها).
وذلك لأن الخدمة باقية في ملك المولى، لم تستحق عليه، فحالها في هذا الوجه في العدة، كحالها قبل الموت والفرقة.
مسألة: [عدم الإحداد على المعتدة من نكاح فاسد]
قال: (ولا إحداد على معتدة من نكاح فاسد، ولا على أم الولد إذا أعتقت بموت المولى، أو أعتقها).
وذلك لأن وجوب الإحداد يختص بالأزواج، لقول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج".
فعلق وجوب الإحداد على فراق الزوج، ومن أجله أوجبناه على المطلقة؛ لأنها فارقت زوجها، وأما المعتدة من النكاح الفاسد، وأم الولد، فإنهما لم تفارقا زوجًا، فلم يكن عليهما إحداد، كالموطوءة بالشبهة.
مسألة: [عدم إنشاء السفر للمتوفى عنها والمطلقة الثلاث]
قال: (وإذا مات عنها زوجها، أو طلقها، وهما في سفر في مصر، وبينها وبين منزلها مسيرة ثلاث وبين البلد الذي تريده كذلك، فإنها لا
стр. 2269
تخرج حتى تنقضي عدتها، ولا تخرج بعد انقضاء عدتها إلا مع ذي محرم، حجًا كان أو غيره في قول أبي حنيفة".
وذلك لأن وجوب العدة عليها يلزمها الكون في الموضع، والدليل عليه: أنها لو طلقت وهي بالسواد، لكان عليها أن ترجع إلى مصرها، وتعتد، وكذلك لو طلقها أو مات عنها وهي في منزل أبيها زائرة: كان عليها أن ترجع إلى منزلها وتعتد فيه، فإذا كان لزوم العدة يلزمها الكون في منزل ثم كانت في بلد يمكنها المقام فيه: لزمها الكون هناك في العدة، وانقطع بذلك سفرها.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن تخرج في عدتها مع ذي محرم).
لأنها مسافرة، فلا ينقطع سفرها بموت الزوج عنها، وكان لها أن تمضي فيه.
ولأنها لما لم تكن في منزله، لم يلزمها المقام فيه، كما أنها إذا طلقت وهي في السواد: لم يلزمها الكون في السواد؛ لأنه ليس بمنزلها، كذلك إذا كانت في بلد غير بلدها.
مسألة: [عدم جواز سفر المعتدة من الوفاة إلا مع ذي محرم]
قال: (ولا تخرج إلا مع ذي محرم في قولهم جميعًا).
стр. 2270
لقول النبي ﷺ :"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج".
مسألة:
قال: (وإن كان مات عنها في غير مصر من الأمصار: فإن شاءت رجعت إلى مصرها، وإن شاءت مضت في سفرها).
لأنها لا يمكنها المقام هناك، فلم يلزمها الكون، ألا ترى أنها لو طلقت في المصر، ولم يمكن المقام في منزلها لخوف أو عذر: كان لها أن تنتقل، فإذا كانت في غير مصر، فهي أحرى، لا يلزمها الكون هناك.
*قال: (وإن كان بينها وبين مصرها أقل من مسيرة ثلاثة أيام: فلا بأس عليها بالرجوع إليه بغير محرم).
وذلك لأن للمرأة أن تسافر دون الثلاث بغير محرم.
مسألة: [وقت ابتداء العدة]
قال: (والعدة واجبة من يوم الطلاق، ويوم الموت).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فأوجب الأقراء في وقت الطلاق.
стр. 2271
وفال: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾، فأوجبها من يوم الموت.
وأما ما روي عن علي بن أبي طالب: أن عليها العدة من يوم يأتيها الخبر، فإن معناه عندنا: إذا لم تعلم وقت الموت، فأمرها بالأخذ باليقين، وقد روي عنه في الطلاق أنها من يوم طلق.
مسألة: [لا سكنى ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها]
قال: (لا سكنى للمتوفى عنها زوجها، ولا نفقة في مال الزوج، حاملًا كانت أو غير حامل).
قال أبو بكر: قد كانت نفقتها واجبة في مال الميت بقوله: ﴿وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾، فنسخت هذه النفقة بالميراث، وبقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾، فأوجب نفقتها على نفسها، وقطعها من مال الزوج.
وأيضًا: فإن النفقة غير مستحقة بعقد النكاح، وإنما يتعلق وجوبها بمرور الأوقات، وتسليم نفسها في بيت الزوج، فإذا مات الزوج انتقل ملك الميراث إلى الورثة، فلا تجب عليه النفقة؛ لأنه معسر في هذه
стр. 2272
الحال، لا مال له.
مسألة: [المسلمة تخرج من دار الحرب إلى دار الإسلام]
قال: (وإذا خرجت الحربية إلينا مسلمة، وخلفت زوجها هناك: بانت من زوجها، ولا عدة عليها).
فأما البينونة: فلأجل اختلاف الدارين بهما، ومتى اختلفت بهما الداران وقعت الفرقة.
والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾، فدل ذلك على معنيين:
أحدهما: وقوع الفرقة بخروجها إلى دارنا.
والثاني: أن لا عدة عليها؛ لأنه أباح نكاحها من غير شرط العدة.
* ومن الناس من لا يوقع الفرقة بخروجها مهاجرة إلينا وإن كان زوجها حربيًا في دار الحرب، ويحتجون فيه بما روي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ رد زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح
стр. 2273
الأول".
وهذا الحديث له وجهان صحيحان لا ينافي من أجلهما قولنا:
أحدهما: أن ابن عباس لما لم يعلم حدوث نكاح آخر، أخبر عما كان الظاهر عنده، وقد علم ذلك غيره، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بنكاح جديد"، فأخبر عن نكاح حادث قد علمه، فكان أولى.
والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون قبل نزول الآية التي تلوناها في حكم المهاجرات، وإيقاع البينونة، وسقوط العدة جميعًا، قوله في سباق الآية: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، وذلك عموم في وقوع الفرقة باختلاف الدارين، وفي أنه لا عدة عليها؛ لأن العصمة هي المنع في اللغة، قال الله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ أي: لا مانع، فغير جائز أن نمتنع من نكاحها لأجل زوجها الحربي.
فإن قال قائل: إنما المراد به الرجل إذا خرج إلينا مسلمًا، وخلف امرأته حربية هناك؛ لأن الكوافر اسم للإناث دون الذكور.
стр. 2274
قيل له: لو سلمنا لك ما ادعيت من ذلك، كانت دلالة الآية قائمة على ما وصفنا؛ لأنه إذا ثبت أن خروج الزوج إلينا مسلمًا بقطع العصمة بينه وبينها من سائر الوجوه، فكذلك خروجها؛ لأن المعنى فيه اختلاف الدارين بهما.
وعلى أن الكوافر يجوز أن يكون وصفا للذكور، ويدل عليه: أن أول الخطاب في المهاجرات اللاتي خلفن أزواجهن في دار الحرب.
ومما يدل عليه من جهة اللغة على أن الفواعل يجوز أن يكون اسمًا للذكور قول الشاعر:
وإذا الرجال رأوا يزيد: رأيتهم .... خضع الرقاب، نواكس الأبصار
وقال غيره:
إذ لا أبادر بالمضيق فوارسي .... ولا أوكل بالرعيل الأول
فأطلقوا النواكس، والفوارس على الذكور، فليس يمتنع على هذا أن يكون الكوافر اسمًا للذكور.
ومما يدل على أن اختلاف الدارين يقطع العصمة من الوجوه التي ذكرنا: اتفاق الجميع على وقوع الفرقة بين المسبية وبين زوجها الذي لها في دار الحرب، وأنه لا عدة عليها، وإنما على الذي يريد الوطء من
стр. 2275
المالكين الاستبراء فحسب.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإذا كانت المهاجرة حاملًا: ففيها عن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أنه ليس لها أن تتزوج حتى تضع حملها، وهذه رواية محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
قال: وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن لها أن تتزوج، ولا يدخل بها زوجها حتى تضع حملها.
قال أبو جعفر: هذا أولى القولين به).
قال أبو بكر: الصحيح من قولي أبي حنيفة: أنه لا يجوز نكاحها، وهو أشبه بأصولهم، وذلك لأن ثبوت نسب الحمل من الغير يمنع عقد النكاح، سواء كانت معتدة أو غير معتدة، وليس يجب من حيث منعناها عقد النكاح أن يكون معتدة.
ألا ترى أن للرجل أن يزوج أم ولده إذا لم تكن حاملًا منه، فإن كانت حاملًا منه: لم يكن له أن يزوجها ما دامت حاملًا، وليست مع ذلك بمعتدة، وكان ثبوت نسب الحمل هو المانع من عقد الغير.
وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لها أن تتزوج حتى تنقضي عدتها، حاملًا كانت أو غير حامل".
стр. 2276
وذلك لأنها بانت من زوجها بحصولها إلى دار الإسلام، فلما وقعت البينونة في دار الإسلام وهي مسلمة، لزمتها العدة.
قال أبو بكر: ويلزمهما على هذا الاعتلال إيجاب العدة على المسبية؛ لأن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بحصولها في دار الإسلام.
*****
стр. 2277
باب الرضاع
مسألة: [أحكام الرضاع]
قال أبو جعفر: (وإذا حملت المرأة ممن يلحق نسب ولدها به، فصار لها لبن، فإن أرضعت به صبيًا رضعة واحدة فما فوقها في الحولين: حرمت عليه في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة إلى ثلاثين شهرًا، ويكون هذا الرضيع أخًا لأولاد الزوج من الرضاعة".
قال أبو بكر: هذه الجملة التي ذكرناها تشتمل على مسائل:
منها: إيجاب التحريم بلبن الفحل.
ومنها: وقوع التحريم بالرضعة الواحدة، دون اعتبار العدد.
ومنها: مدة الرضاع الموجب للتحريم.
مسألة: [إيجاب التحريم بلبن الفحل]
فأما القول في لبن الفحل، فإن السلف مختلفون فيه، فروي عن رافع بن خديج، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعطاء بن يسار، وسليمان
стр. 2278
بن يسار، أنه لا يحرم، وهو قول مالك.
وقال ابن الزبير، وابن عباس، وزينب بنت أبي سلمة، ومجاهد، وجابر بن زيد: إنه يحرم.
والأصل في إيجاب التحريم بلبن الفحل: ما روي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "استأذن علي أفلح أخو أبي القعيس، فلم آذن له، ثم سألت النبي ﷺ فقال: "دعيه فليلج عليك، فإنه عمك.
فقلت: إنما أرضعتني النساء، ولم يرضعني الرجال!
فقال: فليلج عليك، فإنه عمك".
وكانت امرأة أبي القعيس أرضعت عائشة.
وأيضًا: قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، والنسب كله يكون من قبل الرجل وإن كانت المرأة هي التي ولدت، فكذلك الرضاع يكون من قبله وإن كانت هي التي أرضعت.
стр. 2279
ومن جهة النظر: أن وطء الرجل لما كان منه الولادة، صار سببًا لنزول اللبن الموجب للتحريم، فوجب أن يتعلق حكم التحريم بالرجل، كهو في المرأة.
والدليل على ذلك: أن الجد لما كان سببًا لحدوث الأب الذي منه كان الولد، كان الأب والجد سواء فيما يتعلق بهما من تحريم ولد الابن.
فصل: [ثبوت التحريم بالرضعة الواحدة]
وأما إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، ومعنى الرضاع معقول في لغة العرب قبل ورود الشرع، غير مفتقر إلى ورود بيان فيه، فلما علق الحكم فيه بالاسم، وجب اعتبار عمومه فيما يتناوله.
ويدل على أن الاسم يتناول القليل والكثير: أن ابن عمر لما قيل له: إن ابن الزبير يقول: "لا تحرم الرضعة والرضعتان"، قال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير. قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
فأخبر وهو رجل من أهل اللسان أن إيجاب التحريم بقليل الرضاع
стр. 2280
معقول من اللفظ.
ويدل عليه أيضًا: قول ابن الزبير وروايته عن النبي ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"، فأطلق الاسم على القليل، فتناوله عموم الآية.
ولأن من خالف ابن الزبير في ذلك لم يخالفه من جهة امتناع إطلاق الاسم على القليل، وإنما خالفه في حكم دون الاسم.
وتقول العرب: لئيم راضع: للذي يرتضع من الشاة لئلا يسمع بحلبه، فيطلب منه.
فثبت أن الاسم معقول في اللغة على قليل الرضاع وكثيره.
فإن قال قائل: إنما كان يصح الاحتجاج بالعموم لو قال: "واللاتي أرضعنكم أمهاتكم"، فأما قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، فالواجب أن يثبت أنها أم، حتى يثبت الرضاع.
قيل له: هذا جهل من قائله بموضوع اللفظ، وذلك لأنه لا فرق بين قوله: "واللاتي أرضعنكم أمهاتكم"، وبين قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، إذ كان كونها أما في هذا الوجه، ليس هو معنى غير الرضاع، وإنما كان يجب ما يقول لو كانت الأمومة بمعنى غير الرضاع، وأما إذا
следующие страницы →