Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وذلك لأنها بانت من زوجها بحصولها إلى دار الإسلام، فلما وقعت البينونة في دار الإسلام وهي مسلمة، لزمتها العدة.
قال أبو بكر: ويلزمهما على هذا الاعتلال إيجاب العدة على المسبية؛ لأن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بحصولها في دار الإسلام.
*****
стр. 2277
باب الرضاع
مسألة: [أحكام الرضاع]
قال أبو جعفر: (وإذا حملت المرأة ممن يلحق نسب ولدها به، فصار لها لبن، فإن أرضعت به صبيًا رضعة واحدة فما فوقها في الحولين: حرمت عليه في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة إلى ثلاثين شهرًا، ويكون هذا الرضيع أخًا لأولاد الزوج من الرضاعة".
قال أبو بكر: هذه الجملة التي ذكرناها تشتمل على مسائل:
منها: إيجاب التحريم بلبن الفحل.
ومنها: وقوع التحريم بالرضعة الواحدة، دون اعتبار العدد.
ومنها: مدة الرضاع الموجب للتحريم.
مسألة: [إيجاب التحريم بلبن الفحل]
فأما القول في لبن الفحل، فإن السلف مختلفون فيه، فروي عن رافع بن خديج، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعطاء بن يسار، وسليمان
стр. 2278
بن يسار، أنه لا يحرم، وهو قول مالك.
وقال ابن الزبير، وابن عباس، وزينب بنت أبي سلمة، ومجاهد، وجابر بن زيد: إنه يحرم.
والأصل في إيجاب التحريم بلبن الفحل: ما روي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "استأذن علي أفلح أخو أبي القعيس، فلم آذن له، ثم سألت النبي ﷺ فقال: "دعيه فليلج عليك، فإنه عمك.
فقلت: إنما أرضعتني النساء، ولم يرضعني الرجال!
فقال: فليلج عليك، فإنه عمك".
وكانت امرأة أبي القعيس أرضعت عائشة.
وأيضًا: قول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، والنسب كله يكون من قبل الرجل وإن كانت المرأة هي التي ولدت، فكذلك الرضاع يكون من قبله وإن كانت هي التي أرضعت.
стр. 2279
ومن جهة النظر: أن وطء الرجل لما كان منه الولادة، صار سببًا لنزول اللبن الموجب للتحريم، فوجب أن يتعلق حكم التحريم بالرجل، كهو في المرأة.
والدليل على ذلك: أن الجد لما كان سببًا لحدوث الأب الذي منه كان الولد، كان الأب والجد سواء فيما يتعلق بهما من تحريم ولد الابن.
فصل: [ثبوت التحريم بالرضعة الواحدة]
وأما إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، ومعنى الرضاع معقول في لغة العرب قبل ورود الشرع، غير مفتقر إلى ورود بيان فيه، فلما علق الحكم فيه بالاسم، وجب اعتبار عمومه فيما يتناوله.
ويدل على أن الاسم يتناول القليل والكثير: أن ابن عمر لما قيل له: إن ابن الزبير يقول: "لا تحرم الرضعة والرضعتان"، قال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير. قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
فأخبر وهو رجل من أهل اللسان أن إيجاب التحريم بقليل الرضاع
стр. 2280
معقول من اللفظ.
ويدل عليه أيضًا: قول ابن الزبير وروايته عن النبي ﷺ : "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"، فأطلق الاسم على القليل، فتناوله عموم الآية.
ولأن من خالف ابن الزبير في ذلك لم يخالفه من جهة امتناع إطلاق الاسم على القليل، وإنما خالفه في حكم دون الاسم.
وتقول العرب: لئيم راضع: للذي يرتضع من الشاة لئلا يسمع بحلبه، فيطلب منه.
فثبت أن الاسم معقول في اللغة على قليل الرضاع وكثيره.
فإن قال قائل: إنما كان يصح الاحتجاج بالعموم لو قال: "واللاتي أرضعنكم أمهاتكم"، فأما قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، فالواجب أن يثبت أنها أم، حتى يثبت الرضاع.
قيل له: هذا جهل من قائله بموضوع اللفظ، وذلك لأنه لا فرق بين قوله: "واللاتي أرضعنكم أمهاتكم"، وبين قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، إذ كان كونها أما في هذا الوجه، ليس هو معنى غير الرضاع، وإنما كان يجب ما يقول لو كانت الأمومة بمعنى غير الرضاع، وأما إذا
стр. 2281
كان هذا اسمًا مستفادا من الرضاع، وليس هو شيئًا غيره، فلا فرق بين تقديم الأم في اللفظ، وبين تقديم ذكر الرضاع.
فإن قيل: هذا كقوله: وأمهاتكم اللاتي كسوتكم، وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، فيحتاج أن يثبت الإعطاء والكسوة حتى تعلم به الأم.
قيل له: ليس كذلك، لأنها لا تصير أما بالكسوة والإعطاء، ولا يكتسب هذا الاسم بهما؛ لأن الأمومة شيء غيرهما، فاحتيج من أجل ذلك أن تثبت الأمومة بثبات ما علق بها من الفعل.
وأما الأم من الرضاع، فليست شيئًا أكثر من وجود الرضاع، وتعلقه به، فوجب اعتبار عموم اللفظ في كونها أما.
ويدل عليه: أن ابن عمر من أهل اللسان، وقد عقل من عموم اللفظ حصول معنى الأمومة بالرضاع اليسير.
ومن جهة السنة: قول النبي ﷺ : "إنما الرضاع من المجاعة".
وقوله: "إنما الرضاع ما أنبت اللحم، وأنشز العظم".
والقليل من الرضاع يسد الجوعة بقسطه، فكذلك نأخذ بقسطه من إنبات اللحم، وإنشاز العظم، فوجب أن يحرم بعموم اللفظ.
стр. 2282
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أن النسب لما كان سببًا لإيجاب التحريم مؤبدًا، تعلق حكمه بوجوده، كذلك الرضاع.
ووجب أن لا يعتبر تكرار الرضاع، كما لا يعتبر في إيجاب التحريم بالنسب ثبوته من جهات كثيرة.
وأيضًا: الجماع الذي تعلق به حكم التحريم، يستوي فيه قليله وكثيره، كذلك الرضاع، إذ كل واحد منهما سبب لإيجاب تحريم مؤبد.
فإن قيل: فالطلاق سبب للتحريم، ولا يتعلق التحريم فيه بالواحدة والثنتين.
قيل له: والطلاق لا يوجب تحريمًا مؤبدًا، وقد قيدنا العلة بدءًا بما كان سببًا لإيجاب تحريم مؤبد.
* وأما ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"، فإن هذا لمخالفنا ألزم منه لنا؛ لأن من أصله: أن دليل هذا اللفظ يقتضي إيجاب التحريم بالثلاث، فلزم إيجاب التحريم بالثلاث، وإذا ثبت التحريم بالثلاث، ثبت بالثنتين، لاتفاقنا جميعًا على أنه لا فرق بين الثانية والثالثة.
ولا يلزمنا على أصلنا أيضًا، وذلك لأنه يحتمل أن يكون النبي
стр. 2283
صلى الله عليه وسلم سئل عن صبي ارتضع رضعة أو رضعتين، ولم يعلموا حصول اللبن في جوفه، فقال: مثل هذا لا يحرم حتى يحصل اليقين بوصوله إلى جوفه، فنقل الراوي الحكم، ولم ينقل السبب الذي خرج عليه الخطاب، كقوله ﵊: "لا ربا إلا في النسيئة"، ومعلوم أنه كلام خارج عن سبب مقصور الحكم عليه، وهو أنه سئل عن النوعين بعضه ببعض، فقال: "لا ربا إلا في النسيئة" في مثل ذلك.
وأيضًا: فقد اختلف الصحابة في قبوله واستعماله، وأنكره جماعة منهم، وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد لا يعترض به على ظاهر القرآن.
وأيضًا: فإنه روي عن ابن عباس أنه قيل له: فيما روي أنه "لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان"، فقال: قد كان ذلك، ثم نسخ، فأخبر أنه منسوخ، فهو أولى؛ لأنه علم التاريخ، وأخبر به.
وأيضًا: يحتمل أن يكون ذلك كان في رضاع الكبير في حال ما كان يحرم رضاع الكبير، وهو الآن منسوخ بالاتفاق، فسقط حكم العدد
стр. 2284
فيه.
* وأما ما روي عن عائشة "أنه كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخن بخمس، وتوفي رسول الله ﷺ وهو مما يتلى".
"وكان في صحيفة تحت السرير، فلما اشتغلنا بموت رسول الله ﷺ فدخلت داجن فأكلتها".
قيل له: لا يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن.
ولأنه غير جائز أن يقال إن شيئًا من القرآن فقد حتى لم ينقل، ولا يجوز أن تذهب تلاوته والعلم به على الأمة.
ولأنه لا يجوز أن يكون القرآن معرضًا لأكل الشاة، حتى لا يصل من أجله إلى الأمة، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾.
فإن قيل: ليس يمتنع نسخ التلاوة، مع بقاء الحكم.
قيل له: لو سلمنا ذلك، لم تكن لك فيه درك، من قبل أن عائشة قالت: "توفي النبي ﷺ وهو مما يتلى".
فأخبرت أنه لم ينسخ إلى أن مات النبي ﷺ ، ولا
стр. 2285
يجوز النسخ بعد موت النبي ﷺ .
على أنه يحتمل أن يكون في رضاع الكبير، فنسخ بنسخ رضاع الكبير.
وأيضًا: فليس كل ما يتلى فهو ثابت الحكم، إذ جائز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة.
فصل: [مدة الرضاع]
وأما القول في مدة الرضاع فإن الكلام فيه من وجهين:
أحدهم: مع أبي يوسف ومحمد في جواز الزيادة على الحولين.
والآخر: مع زفر في الزيادة على الثلاثين شهرًا.
فالدليل على سقوط اعتبار الحولين في نفي التحريم، فهو قول الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾، فاسم الرضاع تناوله بعد الحولين من جهة اللغة، فوجب أن يدخل في العموم.
والدليل على أن الاسم لا يختص بالحولين دون غيره: ما روي من اختلاف السلف في وقوع التحريم برضاع الكبير، وأن عائشة كانت إذا
стр. 2286
أرادت أن تأذن في الدخول عليها، أمرت أختها بأن ترضعه عشر رضعات، فأطلقوا اسم الرضاع على الكبير.
وتقول العرب: لئيم راضع، لمن رضع من الشاة.
فثبت أن ما فوق الحولين يسمى رضاعًا من طريق اللغة، فوجب دخوله في حكم الآية.
ويدل عليه أيضًا: قول الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾.
وقال في سياق الآية: ﴿فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾.
فدلت هذه الآية على وقوع الرضاع بعد الحولين من وجوه أربعة:
أحدها: قوله: ﴿فإن أرادا فصالًا﴾، والفاء للتعقيب، فجعل إرادة الفصال بعد الحولين، وهذا يقتضي أن يكون حكم الرضاع باقيًا بعد الحولين حتى يريدا الفصال، ثم يفطمانه.
والوجه الثاني: أنه ذكر فصالًا منكورًا، ولو كان متعلقًا بمضي الحولين، لعاد إليه الكلام بلفظ التعريف، فيقول: "الفصال"، فلما ذكر
стр. 2287
بلفظ النكره، دل على أنه لم يتناول الحولين.
والوجه الثالث: أنه علقه بإرادتهما، ومشاورتهما، ولو كان مقصورًا على الحولين لما كان للإرادة والمشاورة فيه مدخل.
والوجه الرابع: قوله: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾: فأجاز لهما الاسترضاع بعد الحولين، فدل على أن الاسم يتناوله.
فإن قيل: هذه الآية تدل على أن حكم الرضاع مقصور على الحولين؛ لأنه قال: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فأخبر أن الحولين تمام الرضاع.
قيل له: قد يجوز إطلاق لفظ التمام عليه، والمراد به مقاربة التمام، كما قال النبي ﷺ : "من أدرك عرفة فقد تم حجه"، والمراد به مقاربة التمام؛ لأن عليه طواف الزيارة، وهو فرض من فروض الحج.
стр. 2288
وكما قال الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾،والمعنى مقاربة البلوغ.
وأيضًا: جائز أن يكون تقدير الحولين لما يلزم الأب من نفقة الرضاع، وما يجبر عليه منها، وأنه لا يجبر على نفقة الرضاع أكثر من الحولين متى أراد نقله إلى غذاء الطعام، فيكون تقدير الحولين مستعملًا في هذا الوجه دون ما يتعلق به حكم التحريم من الرضاع.
ودليل آخر: وهو قول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة".
وقوله: "الرضاعة ما أنبت اللحم، وأنشز العظم".
فمتى كان للبن تأثير في سد الجوعة وإنشاز العظم، وإنبات اللحم بعد الحولين: وجب أن يتعلق به حكم التحريم بعموم اللفظ.
فصل: [وجه تحريم الرضاع إلى سنتين ونصف]
وأما وجه تقدير ستة أشهر بعد الحولين، فإن طريقه الاجتهاد، وذلك لأنه قد ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم، وأن الزيادة على الحولين تحرم للدلائل التي قدمنا.
ثم تقدير الستة أشهر دون السنة التي اعتبرها زفر، فإنما هو اجتهاد؛ لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس، وإنما طريقها التوقيف
стр. 2289
والاجتهاد، فلما عدمنا فيه التوقيف، وحصلنا على الاجتهاد في إثبات مقدار المدة، لم يتوجه علينا فيه سؤال، كتقويم المستهلكات، وأروش الجراحات، ومهر المثل، ونحوها من المقادير، إذا غلب في رأي المجتهد مقدار منها، لم يتوجه عليه سؤال في إثبات ذلك المقدار، دون غيره من المقادير.
لأنه لا يقال لمن قال: عندي أن هذا الثواب يساوي عشرة دراهم، أقم الدلالة على أن قيمته عشرة دون أن يكون تسعة ونصف، أو عشرة ونصف، فكذلك ما كان هذا سبيله من المقادير.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀، يحتج لجهة تغليب الرأي في الستة أشهر دون غيرها: بأنه لما كان المعتاد من الرضاع حولين، ثم قامت الدلالة على جواز الزيادة عليهما بما وصفنا، كان أولى المقادير باعتبار المدة التي ينتقل بها الصبي من حال كونه نطفة إلى غذاء اللبن، وهي ستة أشهر؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فاعتبرنا ذلك في نقله من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام، فجعلنا ستة أشهر.
قال أبو بكر: ووجه آخر: وهو أن الله تعالى لما قال: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾، فاشتملت هذه الجملة على ذكر مدتين للحمل والرضاع،
стр. 2290
ثم لما قال: ﴿وفصاله في عامين﴾: حصلت مدة الحمل ستة أشهر، فصار كقوله: حمله ستة أشهر، وفصاله في عامين.
ثم لما ثبت عندنا أنه لا تجاوز زيادة مدة الحمل أكثر المدة، وهي الحولان، وجب ألا يجاوز بالزيادة على المدة المذكورة للرضاع أكثر من المدة التي تضمنتها الآية للحمل، وهي ستة أشهر.
قال أبو بكر: وهذا ما ذكرناه عن أبي الحسن، فإنما هو جهة لتغليب الرأي، وجواز الاجتهاد في إثبات هذه المدة دون غيرها، لا أنه دليل يوجب القطع، وليس نحتاج في مسائل الاجتهاد إلى أكثر من هذا.
مسألة: [رضاع الكبير]
وأما القول في رضاع الكبير، فإنه يروى عن عائشة، وأبي موسى أن رضاع الكبير يحرم.
وهو قول الليث بن سعد.
وقد روي فيه حديث سالم مولى أبي حذيفة "أن النبي ﷺ قال لسهلة بنت سهيل بن عمرو، وهي امرأة أبي حذيفة: أرضعيه خمس رضعات، ثم يدخل عليك".
стр. 2291
فأخذت عائشة بذلك بعد موت النبي ﷺ .
وقال سائر نساء النبي ﷺ : لعل هذه الرخصة كانت من رسول الله ﷺ لسالم وحده.
وقد روي في هذه القصة "أن النبي ﷺ قال لسهلة: أرضعي سالمًا ليذهب ما في وجه أبي حذيفة من الكراهة".
لأنها رأت في وجه أبي حذيفة من الكراهة، ولم يذكر فيه التحريم.
ويحتمل أن يكون أراد به التحريم، وكان خاصًا لسالم، كما خص أبا بردة بن نيار بالجذعة، وأنها لا تجزئ عن أحد بعده، ولا يكون الإجزاء إلا من واجب، لأنه لو لم يكن واجبًا لأجزأه الترك، وكانت الجذعة زيادة على الأجزاء.
وقد روى الأشعت بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة "أن رسول الله ﷺ دخل عليها، وعندها رجل، قالت: فكأنه تغير لونه، قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي –يعني– من الرضاعة.
فقال: "انظرن ما من إخوانكن، فإنما الرضاع من المجاعة".
стр. 2292
وسببه أن تكون عائشة قد رجعت عن قولها في رضاع الكبير؛ لأن حمادًا روى عن الحجاج عن أبي الشعتاء عن عائشة قالت: "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم".
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه "أن عائشة كانت تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان، حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالًا".
وقد روي عن علي، وعمر، وابن مسعود، وابن عباس: "لا رضاع بعد الحولين".
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا رضاع بعد فصال".
و"الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز العظم".
فصل:
قال: (ولو كان حمل هذه المرأة المرضعة ممن لا يلحق نسب ولدها به: كانت هي أمه من الرضاع، وأولادها إخوة لأم).
стр. 2293
لأنه لا نسب له من جهة أب، ولا يتعلق التحريم إلا بمن كان من جهة الأم؛ لأنه إنما يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
مسألة: [لو تزوج زوجتين فأرضعت إحداهما الأخرى]
قال: (ولو تزوج صغيرة وكبيرة، فلم يدخل بالكبيرة حتى أرضعت الكبيرة الصغيرة: بطل نكاحهما، ولا صداق للكبيرة).
وذلك لأن فساد النكاح كان من جهتها قبل الدخول، ولا يختلف في سقوط مهرها أن تكون تعمدت الفساد أو لم تتعمد، ألا ترى أنه لا فرق في سقوط مهرها بين أن ترتد قبل الدخول، وبين أن تختار نفسها بخيار البلوغ، وخيار العتق قبل الدخول، والمعنى في جميع ذلك: أنها استحقت البضع لنفسها بفعلها قبل الدخول، فلا يجوز أن تستحق بدله مع استحقاقها للمبدل عنه، وهو البضع.
* وأما الصغيرة: فلها الصداق؛ لأنها لم تستحق البضع قبل الدخول، ولا يجوز أن يكون فعل غيرها مسقطا لصداقها، كما لا يسقطه طلاق الزوج، فوجب لها نصف المهر.
ثم ينظر: فإن كانت الكبيرة تعمدت الفساد: رجع عليها الزوج بما غرمه من نصف الصداق، وذلك لأن الرضاع نفسه ليس بجناية، وإنما هو سبب لوقوع الفرقة واستحقاق البضع على الزوج، فإن كان متعديًا في السبب: ضمن ما تولد عنه، مثل حافر البئر في ملك الغير بغير أمره، أو في طريق المسلمين، لما كان متعديًا في السبب، ضمن ما حدث عنه.
стр. 2294
وأما إذا لم تتعمد الفساد: فإنها غير متعدية في السبب، فلا تضمن ما حدث عنه من الضمان، كحافر البئر في ملك نفسه يضمن ما يحدث عنه.
ونظير تعمد الفساد: شهادة الشهود بالطلاق قبل الدخول، ثم رجوعهم عنها بعدما غرم الزوج نصف المهر: أنهم يضمنونه للزواج من حيث كانوا متعدين في السبب.
فإن قال قائل: لا ينبغي أن يغرم واحد من هؤلاء للزواج شيئًا، لأن نصف المهر الذي غرمه الزوج، هو بعض ما كان عليه قبل الفرقة، فهم لم يلزموه شيئًا بالفرقة.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأن ورود الفرقة، واستحقاق البضع على الزوج قبل الدخول، يسقط جميع المهر، كما يسقط جميع الثمن بهلاك المبيع قبل القبض.
وإنما يجب عندنا نصف المهر: على جهة الاستئناف، كما تجب المتعة على جهة الاستئناف إذا لم يكن هناك مسمى.
* قال: (وليس للزواج بعد هذا أن يتزوج الكبيرة أبدًا).
وذلك لأنها صارت أم امرأته.
* (وله أن يتزوج الصغيرة؛ لأنه لم يدخل بالأم، ولو كان دخل بالكبيرة: لم يتزوج الصغيرة أبدًا).
стр. 2295
مسألة: [أثر السعوط والوجور في الرضاع]
قال: (السعوط والوجور يحرمان كما يحرم الرضاع).
وذلك لقول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة" وقوله: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، وهذا المعنى يحصل بالسعوط والوجور؛ لأن السعوط يحصل إلى الدماغ، وينزل إلى الجوف، فيغذي ويسد الجوعة، والوجور يصل إلى الجوف فيغذي.
مسألة: [أثر الحقنة في الرضاع]
(وأما الحقنة فلا تحرم شيئًا).
وذلك لأنه لم يصل إلى موضع الغذاء، ولا تأثير له في إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، إذ لا يصل إلى المعدة، وهي موضع الغذاء.
مسألة: [إقرار الزوج بأن زوجته هي أخته من الرضاع]
(ومن تزوج امرأة، ثم قال قبل الدخول بها: هي أختي من الرضاع: انفسخ النكاح بينهما، فإن صدقته: فلا صداق لها، وإن كذبته حلفت
стр. 2296
عليه: كان لها نصف الصداق).
وذلك لأن تحت قوله هذا معنيين: أحدهما: اعترافه بفساد النكاح، وهو يملك فسخه وإبطاله، فيصدق فيه على نفسه.
والثاني: عليهما، وهو سقوط مهرها، فلا يصدق عليها إلا أن تصدقه.
* " ولا يقبل في ذلك من البينة إلا رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان".
لأن ذلك معنى يشهده الرجال، ولا تسقطه الشبهة، فهو كسائر الحقوق التي لا تسقط بالشبهة.
مسألة: [من أرضعت صبيًا من لبن زوجها الأول وقد تزوجت بغيره]
قال: (ومن طلق امرأته، ولها لبن من ولد كانت ولدته منه، وتزوجت آخر وهي كذلك، فأرضعت صبيًا: كان ابنًا وابن زوجها الأول).
وذلك لأن اللبن نزل من الأول بدءًا، فلا يرتفع حكمه بارتفاع النكاح، كما لا يرتفع بالموت، وكما لو حلب منها لبن، ثم ماتت: لم يبطل حكم الرضاع عن لبنها.
стр. 2297
[مسألة:]
قال: (ولو حملت من الثاني، ثم أرضعت صبيًا، فهو ابن الأول دون الثاني حتى تضع).
وذلك لأن الولادة لما كانت سببًا لنزول اللبن، وجب بقاء حكمها إلى أن تحدث ولادة أخرى، كما أن من قطع يد رجل من الزند: كان حكم جنايته قائمًا ما بقيت الجراحة، فإن جاء آخر فقطع ذراعه من المرفق، سقط حكم الجناية الأولى فيما يحدث من السراية، وتعلقت بالثانية، فكذلك ما وصفنا.
(وقال أبو يوسف: إذا عرف أن هذا اللبن الذي أرضعت به الصبي من الثاني: كان الصبي ابن الثاني).
وذلك لأن زيادة اللبن وحدثه عند الحمل: دليل على أنه من الثاني.
ولأبي حنيفة: أن اللبن قد يزيد لأجل الغذاء والوقت من غير حمل، فلا يجوز الحكم بأن الزيادة من الثاني بالشك، بل حكم الأصل أبدًا قائم في كونه من الأول حتى تحدث ولادة أخرى، فيصير من الثاني.
وقال محمد: هو منهما جميعًا، وجعله بمنزلة لبن امرأتين امتزجا في قدح واحد، فيقع الرضاع منهما.
стр. 2298
مسألة: [حكم لبن المرأة الميتة في الرضاع]
قال: (ولبن الميتة كلبن الحية في التحريم).
وذلك لأن البن لا يلحقه حكم الموت؛ لأنه لا حياة فيه، وما لا حياة فيه فحاله بعد الموت كهي قبله.
والدليل على أنه لا حياة فيه: أنه يؤخذ من الحيوان في حال حياته من غير إيلام له، ولو كان فيه حياة لألم الحيوان بأخذه كاللحم، وسائر أعضائه لما كان فيها حياة ألم الحيوان بأخذها منه.
مسألة: [خلط لبن المرضعة مع الماء]
قال: (وإذا صب لبن في ماء، ثم أوجره صبي: فإن كان اللبن هو الغالب: أو جب التحريم).
لأن قوته باقية في تغذية الصبي، وسد جوعته، وقال النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة"، "والرضاعة ما أنبت اللحم".
قال أبو بكر: وهذا الجواب ينبغي أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد.
وينبغي على قول أبي حنيفة أن لا يحرم؛ لأنه يقول: لو أن لبنا جعل فيه طعام: لم يحرم، سواء كان هو الغالب أو الطعام، وينبغي أن
стр. 2299
يكون الماء مثله.
ووجه ذلك: أن اختلاطه بالطعام والماء، يسلبه قوته، حتى لا يمكن الصبي الاقتصار عليه في الغذاء، ولا يقوم عليه بدنه لو دام عليه، فلذلك لم يحرم.
* قال: (وإن كان الماء هو الغالب: لم يحرم).
وذلك لأن قوته زائلة، ولا يمكن الاقتصار عليه في تغذية الصبي.
مسألة: [خلط لبن امرأتين]
قال: (ولو خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى: فالحكم للغالب منهما.
ويسقط حكم القليل في قول أبي يوسف)، وجعله بمنزلة الماء، والطعام إذا غلبا على اللبن، أو غلب اللبن عليهما.
(وقال محمد: يقع التحريم منهما).
وذلك لأنهما من جنس واحد، فلا يصير القليل مستهلكًا في الكثير، وكل واحد منهما يأخذ بقسطه من التغذية، وسد الجوعة؛ لأن كل واحد منهما لا تأثير له في سلب قوة الآخر.
والدليل على ذلك: أن رجلًا لو غصب من رجل زيتًا، فخلطه بزيت آخر، اشتركا فيه في قولهما جميعًا.
стр. 2300
ولو خلطه بشيرج أو دهن من غير جنسه: اعتبر الغالب، فإن كان الغالب هو المغصوب: كان لصاحبه أن يأخذه، ويعطيه بقط ما اختلط بزيته، وإن كان الغالب غير المغصوب: صار المغصوب مستهلكًا فيه، ولم يكن له أن يشاركه، ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه، فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد، والجنسين.
مسألة: [لبن البكر]
قال: (وإذا نزل للمرأة البكر لبن، فأرضعت به صبيًا: حرمت).
لقول النبي ﷺ : "الرضاعة من المجاعة"، و"الرضاعة ما أنبت اللحم"، وذلك موجود في لبن البكر.
وقول الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾: يدل عل ذلك أيضًا.
مسألة: [نكاح صغيرتين أرضعتهما امرأة واحدة]
قال: (وإذا تزوج صغيرتين، فأرضعتهما امرأة إحداهما بعد الأخرى: صارتا أختين، وبانتا من زوجهما).
стр. 2301
وذلك لأنهما صارتا أختين برضاع الثانية في حال واحدة.
* وقد حكي عن بعض الأغفال: أن الأولى تبين دون الثانية، وهذه جهالة مفرطة، من قبل أنهما صارتا أختين معًا، إذ قد يستحيل أن تكون الأولى قد صارت أختًا للثانية، والثانية ليست بأخت لها، وإذا صارتا أختين معًا: وجب أن تبينا.
مسألة:
قال: (ولو تزوج ثلاث صبايا، فأرضعتهن أجنبية واحدة قبل الأخرى: حرمت الأوليان؛ لأنهما قد صارتا أختين، فبانتا، ولم تبن الثالثة؛ لأنها صارت أختا لهما، وليستا تحته).
مسالة: [لبن غير المرأة]
قال: (ولا يحرم من الألبان شيء إلا لبن بنات آدم).
وذلك لأن لبن غيرهن لا يتعلق به حرمة، ألا ترى أنه لا يصح نسبة ما يتعلق بالرضاع من الأمومة والأخوة إليه.
*********
стр. 2302
باب النفقة على الأقارب والزوجات والمطلقات
مسألة: [نفقة الزوجة]
قال أبو جعفر: (على الزوج نفقة زوجته، وكسوتها بالمعروف".
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾.
وقال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾.
وقال النبي ﷺ في خطبته المشهورة: "لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
وعلى ذلك اتفاق أهل العلم.
قال: (على الموسر قدره وعلى المقتر قدره) متاعًا بالمعروف.
стр. 2303
وبذلك قال النبي ﷺ .
وليس من المعروف إلزام المعسر من نفقة زوجته ما يجحف به، ولا إلزام الموسر النزر اليسير الذي لا يكتفى به.
مسألة: [نفقة خادم الزوجة]
قال: (وعلى الزوج أن ينفق على خادم واحد لها).
ذلك لأن عليه أن يقيم لها من يصلح لها الطعام والكسوة؛ لأن الله تعالى لما قال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾، والرزق ما يؤكل: علمنا أن عليه إيصاله إليها على حال يتأتى فيها الأكل.
قال: (وروي عن أبي يوسف: أنها إذا كانت ممن يجل قدرها عن الخادم الواحد، أنفق على من لا بد لها منه من الخدم اثنين أو أكثر من ذلك).
وحمل الأمر فيه على العادة، ولأن هذا من المعروف لمثلها.
стр. 2304
مسألة: [على العبد نفقة زوجته]
قال: (وعلى العبد نفقة زوجته، تكون دينًا عليه يباع فيه).
وذلك لعموم قول النبي ﷺ : "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، ولم يخصص حرًا من عبد.
وأيضًا: فإن النفقة تستحق بالتسليم عن العقد، كالمهر يستحق بملك البضع، فلما لم يختلف الحر والعبد في لزوم المهر، كان كذلك في النفقة.
* قال: (وليس عليه نفقة ولده).
وذلك إن كان من حرة: فهو حر، فلا يجوز أن تلزم العبد نفقة حر، ألا ترى أنه لا يلزمه نفقة ابنه وسائر ذوي الرحم المحرم، وإن كان من أمة: فهو عبد لغيره، ولا تلزمه نفقة عبد غيره.
مسألة: [من عجز عن نفقة زوجته]
قال: (ومن عجز عن نفقة امرأته: استدين عليه، وأنفق على زوجته، فإن لم يقدر على ذلك: فرض لها عليه نفقة، وكانت دينًا لها عليه).
قال أبو بكر: لا يفرق بينهما لأجل النفقة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد
стр. 2305
عسر يسرًا﴾.
فدلت هذه الآية على أن العجز عن الفقه: لا يوجب التفريق، وذلك لأنه أفادنا وجوب النفقة فيما يقدر عليه، ويمكنه إنفاقه، فدل أنها غير واجبة على من لا يقدر عليها.
وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾: يدل على ذلك أيضًا؛ لأن فيه إخبارًا أن من لا يقدر عليها لا يكلفها، وإذا لم يكلف الإنفاق في هذه الحالة لإخبار الله تعالى بزوال تكليفها عنه: لم يجز أن يفرق بينهما من أجل ما ليس عليه إنفاقه.
ويدل عليه أيضًا: قول الله تعالى: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرًا﴾: يعني –والله أعلم- أنه إن لم ينفق في هذه الحال، فإنه سينفق في حال اليسار، ويلزمه ذلك فيها.
ومن جهة النظر: أن الأبضاع لا تستحق بالأموال، والدليل على ذلك:
стр. 2306
أن عجزه عن مهرها: لا يوجب التفريق.
فإن ألزموا ذلك، وقالوا: يفرق بينهما إذا عجز عن المهر.
قيل لهم: هذا خلاف الاتفاق، فإن فقهاء الأمطار متفقون على أن العجز عن المهر لا يوجب التفرق.
وعلى أن جهة استدلالنا مع ذلك صحيحة، لأن الجميع متفقون على أنها لو كان لها عليه دين من غير المهر، فعجز عنه: لم يفرق بينهما من أجله، فكذلك المهر، والنفقة.
والمعنى في ذلك كله: أنه مال، فلا يستحق البضع من أجله. ودليل آخر: وهو أنه لا يخلو وجوب التفريق من أن يكون متعلقا بالماضي، أو بالحال، أو بالمستقبل:
فإن كان للماضي: فقد اتفقوا على أنه لو عجز عما لزمه للماضي، وهو قادر على نفقة الحال، لم يفرق بينهما، ولأن الماضي كسائر الديون، فلا يستحق البضع من أجله.
ولا يجوز أن يكون للمستقبل؛ لأنها لم تجب بعد، فإذا لم يفرق للواجب الماضي، فللمستقبل أحرى أن لا يجب.
وأما الحال: فليست تخلو من أن تكون في حكم الماضي أو المستقبل؛ لأنه لا يخلو من أن يكون واجبًا أو غير واجب، فلما لم يفرق للماضي، والمستقبل، وكانت الحال في حكم أحدهما، لم يجب التفريق.
стр. 2307
ووجه آخر: وهو أنه معلوم أنه كان في أصحاب النبي ﷺ قوم فقراء من المهاجرين والأنصار، ولهم نساء، ولم يوجب النبي ﷺ لهن الخيار في الفرقة، ولو كان لهن الخيار لأعلمهن ذلك، ولو أعلمهن لنقل، فلما لم ينقل مع عموم الحاجة إليه، لكثرة الفقراء هناك، علمنا أن عجز الزواج عن النفقة لا يوجب لها الخيار.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، فإنما جعل للزوج أحد شيئين، فإذا لم يقدر على الإمساك بالمعروف: وجب التسريح، فإذا لم يفارقها: فرق القاضي بينهما؛ لأن الله تعالى قد جعل لها ذلك، لأن من خير بين شيئين ثم عجز عن أحدهما، تعين عليه لزوم الآخر.
قيل له: ومن قال لك أن العاجز عن نفقة امرأته غير ممسك لها بالمعروف حتى يوجب لها حق التسريح؟
ولو كان ذلك، لوجب أن يكون أصحاب الصفة فقراء الصحابة غير ممسكين لنسائهم بالمعروف، وحاشاهم من ذلك؛ لأن هذه صفة ذم، ولا يجوز وصفهم بها.
وعلى أنهم متفقون على أنه لو قدر على نفقتها، وامتنع مع ذلك من الإنفاق عليها، وأساء عشرتها: كان غير ممسك لها بالمعروف، ولم تستحق مع ذلك التفريق، وإنما يكون غير ممسك بمعروف إذا امتنع من حق قد لزمه لها.
стр. 2308
فأما إذا لم ينفق للعجز، فهو ممن قال الله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾، فإذا لم يكن مكلفًا للإنفاق في حال العجز، لم يجز أن يكون غير ممسك لها بمعروف.
فإن قال قائل: لما خير الله النبي ﷺ بين الدنيا والآخرة، فاختار الفقر، خير نسائه، فدل على أن عجز الزوج يوجب لها الخيار.
قيل له: هذا غلط من وجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ لم يكن عاجزًا عن نفقة نسائه، وقد كان يدخر لهن قوت سنة.
وأيضًا: فإنه كان متبرعًا بالتخيير؛ لأن فعله لا يقتضي الوجوب.
وأيضًا: فإنما خيرهن لقول الله تعالى: ﴿إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن﴾، فشرط في تخييرهن إرادة الحياة الدنيا وزينتها، ولا خلاف بين الفقهاء أن امرأة لو أرادت الحياة الدنيا وزينتها: لم يجب لها خيار من أجل إرادتها لذلك.
فإن قال قائل: لما كانت النفقة من موجب العقد، كالوطء، ثم كان عجزه عن الوطء يوجب لها الخيار في الفرقة، وجب أن يكون كذلك
стр. 2309
حكم عجزه عن النفقة.
قيل له: لا خلاف أنه وطئ مرة، ثم عجز، لم يكن لها الخيار، ومخالفنا يزعم أنه لو أنفق، ثم عجز عن الإنفاق: كان لها الخيار، فلم يكن العجز عن النفقة بعد القدرة عليها، كالعجز عن الوطء بعد وجوده، فبطل أن يكون أحدهما أصلًا للآخر.
وعلى أنه إعلال منتقض؛ لأن العجز عن الوطء إن كان علة لوجوب الخيار، لوجب اعتباره في إيجاب الخيار حيثما وجد، فلما وجدناه قد يعجز عن الوطء بعد الوطء الأول، فلا يجب لها خيار، دل على فساد اعتلالك.
وأيضًا: فإنما وجب الخيار لها عند العجز عن الوطء الأول؛ لأنه حق وجب لها، لا يرجع منه إلى بدل عند الفرات، والنفقة لا تسقط بالعجز، ولا يفوت به حقها، لأنها تفرض عليه، فتكون دينا في ذمته، يؤخذ به إذا أيسر.
وبهذا المعنى فارق العاجز عن نفقة عبده في أمرنا إياه بالبيع؛ لأنه لا يرجع عما يفوته منه إلى بدل لا يثبت له على مولاه النفقة في ذمته.
وأيضًا: فإن الموجب لخيارها عند العجز عن الوطء عندنا، هو أنها لا نستحق المهر استحقاقًا صحيحًا إلا بالوطء، والمهر بدل البضع، فمن حيث استحق عليها بضعها استحقاقًا صحيحًا، لزمه أن يملكها بدله تمليكًا صحيحًا، وأما النفقة فليست بدلًا من البضع، فلا يجب من أجلها الخيار.
стр. 2310
وأيضًا: فإن العاجز عن النفقة امرأته: يفرض القاضي لها نفقتها من بيت المال، ولا يمكنه إيصاله إلى الوطء بوجه.
وأيضًا: فقد تصل إلى النفقة من جهة غيره، ولا تصل إلى الوطء من جهة غيره، فلذلك افترقا.
مسألة: [النفقة لا تصير دينًا إلا بحكم القاضي]
قال: (والنفقة لا تصير دينًا إلا بالفرض، وإنما أن يفرضها القاضي، أو يتراضيا على الفرض).
وذلك لأنها تجري مجرى الصلة، والدليل عليه: أنها ليست بدلا عن البضع، لأنها لو كانت كذلك لوجبت بحذاء ملك البضع، وليست بدلا من الاستمتاع؛ لأنه واقع في ملك نفسه، فلا يستحق عليه بدله، لأن من تصرف في ملك نفسه لم يلزمه عنه بدل لغيره.
فلما خلت النفقة من أن تكون بلا من شيء، علمنا أن موضوعها موضوع الصلة، فلا تصير دينًا إلا بالتراضي، أو بفرض القاضي، فتصير حينئذ دينًا بالاتفاق.
والقياس يمنع أن تصير دينًا بالفرض، إلا أنهم تركوا القياس للاتفاق.
فإن قيل: فإن كانت صلة، فالواجب أن لا تصير دينًا بحال، ولا تحصل في حكم الواجب.
قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن كثيرًا من الواجبًات قد يجب لا على معنى الأبدال، لأسباب توجبها، كما تعقل العاقلة الدية عن القاتل، لا على
стр. 2311
جهة بدل عن شيء ملكوه، وكما تجب الصدقات، والزكوات.
ومن أجل وجوبها على وجه الصلة قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لو أعطاها نفقة سنه، ثم مات أو ماتت: أنها لا تضمن ما قبضته للمستقبل.
وكذلك لو وجبت لسنين بفرض الحاكم، ثم مات أحدهما: سقطت؛ لأن وجوبها لما كان على وجه الصلة، صار كأنه وهب لها مالًا، ثم مات أحدهما: فلا يصح الرجوع فيه.
وكذلك إذا مات أحدهما: سقط ما وجب للماضي؛ لأن معنى الصلة لا يصح بعد الموت، وكان كمن وهب مالًا، ولم يقبضه إياه حتى مات: فيبطل.
مسألة: [لزوم النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا]
قال: (وللمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، حاملًا كانت أو غير حامل حتى تنقضي عدتها).
стр. 2312
والدليل عليه قول عمر بن الخطاب ﵁ حين أنكر على فاطمة بنت قيس روايتها عن النبي ﷺ أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها".
فأخبر أن وجوب النفقة والسكنى مأخوذ من الكتاب والسنة.
فلما لم نجد في الكتاب ذكر النفقة منصوصًا للمبتوتة، ووجدنا ذكر السكنى، علمنا أن ما ذكره من السنة إنما هي في النفقة، وعلى أن عمومه يقتضي أن يكون في الأمرين جميعًا الكتاب والسنة.
وقد وجدنا في الكتاب لفظًا يجوز أن يكون المراد به النفقة، وهو قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متع بالمعروف﴾.
وعلى أنه قد روى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عمر قال: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة
стр. 2313
سمعت النبي ﷺ يقول: لها السكنى والنفقة".
فعزى وجوبها إلى النبي ﷺ سماعًا، ونصًا.
ودليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
وذلك ينتظم الثلاث وما دونها، ثم قال نسق الخطاب: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾، ومعلوم أن ذلك راجع إلى ما دخل تحت اللفظ من البينونة وغيرها، فلما لم يكن الحمل شرطًا في غير المبتوتة في استحقاق النفقة، وإنما استحقتها لأجل كونها معتدة من طلاق، كان كذلك المبتونة.
وأيضًا: لا تخلو الحامل المبتوتة من أن تستحق النفقة لأجل الحمل، أو لأجل كونها معتدة من الطلاق، فلو كانت استحقتها لأجل الحمل، لوجب أن يكون إذا كان للحمل مال، أن تكون النفقة في مال الحمل، فلما اتفق الجميع على أنها لا تستحق النفقة من مال الحمل، دل على أنها لم تستحقها لأجل الحمل، وإنما تستحقها لأنها معتدة من طلاق.
стр. 2314
ودليل آخر: وهو اتفاقنا جميعًا على وجوب السكى، وهو حق في مال، فوجبت النفقة أيضًا، قياسًا عليها، ومن حيث هي حق في مال، فجرت مجرى السكنى.
وأيضًا: المعنى الذي به تستحق النفقة في حال الزوجية، هو تسليم نفسها في بيت الزوج، والدليل عليه أن الناشزة لا نفقة لها، لعدم التسليم، فالتي سلمت نفسها في بيت الزوج لها النفقة لوجوده، فلما كان التسليم الذي به استحقت النفقة في حال النكاح موجودًا في حال العدة، وجب أن تستحق النفقة.
فإن قال قائل: إن السكنى مفارقة للنفقة في الوجوب، وليس تجب النفقة من حيث وجبت السكنى، لأن براءتها من النفقة جائزة، ولا تجوز البراءة من السكنى عندكم في حال العدة.
قيل له: يوجب السكنى معنيان:
أحدهما: كونها في المنزل.
والآخر: ما يلزم الزوج من الإسكان واستئجار الموضع إن لم يكن مالكًا.
فأما براءتها من الكون في المنزل: فغير جائز؛ لأنه حق الله تعالى.
وأما من جهة المال: فجائز لها إسقاطه عن الزوج، بأن تعطي هي الأجرة، ولا ترجع بها على الزوج، ونحن فإن كلامنا فيما يلزم الزوج من
стр. 2315
النفقة، والسكنى وإن كان في أحدهما حق لله تعالى ليس في الآخر مثله.
فإن قيل: السكنى التي تجب في حال البينونة، غير السكنى الواجبة في حال الزوجية.
والدليل على ذلك: أنه يجوز تراضيهما في حال الزوجية على النقلة، والخروج من المنزل، ولا يجوز خروجها في حال العدة.
قيل له: فهذا يؤكد أمر السكنى في حال العدة على حال الزوجية؛ لأنها مع ما لزم الزوج من الإسكان، لزم فيه حق لله تعالى في منع الخروج، وما تأكد به أمر السكنى في العدة من حق الله تعالى، لم يمنع لزومها الزوج في ماله، كذلك لا يمنع لزوم النفقة.
فإن فيل: روت فاطمة بيت قيس أن وزجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل النبي ﷺ لها السكنى ولا النفقة.
قيل له: أحد شرائط قبول أخبار الآحاد عندنا: تعريها من نكير السلف على راويها، ومتى كان من السلف نكير على راويها: لم يجز لنا قبولها.
وحديث فاطمة بنت قيس قد أنكره عمر بن الخطاب، وعائشة، وأسامة بن زيد، وغيرهم من علماء السلف.
قال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه
следующие страницы →