Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
جهة بدل عن شيء ملكوه، وكما تجب الصدقات، والزكوات.
ومن أجل وجوبها على وجه الصلة قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لو أعطاها نفقة سنه، ثم مات أو ماتت: أنها لا تضمن ما قبضته للمستقبل.
وكذلك لو وجبت لسنين بفرض الحاكم، ثم مات أحدهما: سقطت؛ لأن وجوبها لما كان على وجه الصلة، صار كأنه وهب لها مالًا، ثم مات أحدهما: فلا يصح الرجوع فيه.
وكذلك إذا مات أحدهما: سقط ما وجب للماضي؛ لأن معنى الصلة لا يصح بعد الموت، وكان كمن وهب مالًا، ولم يقبضه إياه حتى مات: فيبطل.
مسألة: [لزوم النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا]
قال: (وللمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، حاملًا كانت أو غير حامل حتى تنقضي عدتها).
стр. 2312
والدليل عليه قول عمر بن الخطاب ﵁ حين أنكر على فاطمة بنت قيس روايتها عن النبي ﷺ أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها".
فأخبر أن وجوب النفقة والسكنى مأخوذ من الكتاب والسنة.
فلما لم نجد في الكتاب ذكر النفقة منصوصًا للمبتوتة، ووجدنا ذكر السكنى، علمنا أن ما ذكره من السنة إنما هي في النفقة، وعلى أن عمومه يقتضي أن يكون في الأمرين جميعًا الكتاب والسنة.
وقد وجدنا في الكتاب لفظًا يجوز أن يكون المراد به النفقة، وهو قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متع بالمعروف﴾.
وعلى أنه قد روى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن عمر قال: "لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة
стр. 2313
سمعت النبي ﷺ يقول: لها السكنى والنفقة".
فعزى وجوبها إلى النبي ﷺ سماعًا، ونصًا.
ودليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
وذلك ينتظم الثلاث وما دونها، ثم قال نسق الخطاب: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾، ومعلوم أن ذلك راجع إلى ما دخل تحت اللفظ من البينونة وغيرها، فلما لم يكن الحمل شرطًا في غير المبتوتة في استحقاق النفقة، وإنما استحقتها لأجل كونها معتدة من طلاق، كان كذلك المبتونة.
وأيضًا: لا تخلو الحامل المبتوتة من أن تستحق النفقة لأجل الحمل، أو لأجل كونها معتدة من الطلاق، فلو كانت استحقتها لأجل الحمل، لوجب أن يكون إذا كان للحمل مال، أن تكون النفقة في مال الحمل، فلما اتفق الجميع على أنها لا تستحق النفقة من مال الحمل، دل على أنها لم تستحقها لأجل الحمل، وإنما تستحقها لأنها معتدة من طلاق.
стр. 2314
ودليل آخر: وهو اتفاقنا جميعًا على وجوب السكى، وهو حق في مال، فوجبت النفقة أيضًا، قياسًا عليها، ومن حيث هي حق في مال، فجرت مجرى السكنى.
وأيضًا: المعنى الذي به تستحق النفقة في حال الزوجية، هو تسليم نفسها في بيت الزوج، والدليل عليه أن الناشزة لا نفقة لها، لعدم التسليم، فالتي سلمت نفسها في بيت الزوج لها النفقة لوجوده، فلما كان التسليم الذي به استحقت النفقة في حال النكاح موجودًا في حال العدة، وجب أن تستحق النفقة.
فإن قال قائل: إن السكنى مفارقة للنفقة في الوجوب، وليس تجب النفقة من حيث وجبت السكنى، لأن براءتها من النفقة جائزة، ولا تجوز البراءة من السكنى عندكم في حال العدة.
قيل له: يوجب السكنى معنيان:
أحدهما: كونها في المنزل.
والآخر: ما يلزم الزوج من الإسكان واستئجار الموضع إن لم يكن مالكًا.
فأما براءتها من الكون في المنزل: فغير جائز؛ لأنه حق الله تعالى.
وأما من جهة المال: فجائز لها إسقاطه عن الزوج، بأن تعطي هي الأجرة، ولا ترجع بها على الزوج، ونحن فإن كلامنا فيما يلزم الزوج من
стр. 2315
النفقة، والسكنى وإن كان في أحدهما حق لله تعالى ليس في الآخر مثله.
فإن قيل: السكنى التي تجب في حال البينونة، غير السكنى الواجبة في حال الزوجية.
والدليل على ذلك: أنه يجوز تراضيهما في حال الزوجية على النقلة، والخروج من المنزل، ولا يجوز خروجها في حال العدة.
قيل له: فهذا يؤكد أمر السكنى في حال العدة على حال الزوجية؛ لأنها مع ما لزم الزوج من الإسكان، لزم فيه حق لله تعالى في منع الخروج، وما تأكد به أمر السكنى في العدة من حق الله تعالى، لم يمنع لزومها الزوج في ماله، كذلك لا يمنع لزوم النفقة.
فإن فيل: روت فاطمة بيت قيس أن وزجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعل النبي ﷺ لها السكنى ولا النفقة.
قيل له: أحد شرائط قبول أخبار الآحاد عندنا: تعريها من نكير السلف على راويها، ومتى كان من السلف نكير على راويها: لم يجز لنا قبولها.
وحديث فاطمة بنت قيس قد أنكره عمر بن الخطاب، وعائشة، وأسامة بن زيد، وغيرهم من علماء السلف.
قال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه
стр. 2316
لها، لها السكنى والنفقة".
وقالت عائشة: "لا خير لفاطمة بنت قيس في ذكر هذا الحديث".
وكان أسامة بن زيد إذا سمعها تذكر ذلك، رماها بكل شيء في يده إنكارًا عليها.
وقال سعيد بن المسيب: تلك امرأة فتنت الناس –يعني- بروايتها لهذا الحديث.
وذكر أبو إسحاق أن الأسود بن يزيد سمع الشعبي يحدث بمثل هذا، وقد أنكره عمر عليها.
وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن فاطمة بنت قيس أفتت ابنة أختها، وقد طلقها زوجها ألبتة بالانتقال من بيت زوجها، وأنكر ذلك مروان، وأرسل إلى فاطمة يسألها عن ذلك، فذكرت أن رسول الله ﷺ أفتاها بذلك، فأنكر ذلك مروان وقال: ما سمعت بهذا الحديث من أحد قبلك، وسآخذ بالعصمة التي وجدت الناس عليها فأخبر مروان أن العصمة التي كان الناس عليها خلاف ما روت فاطمة
стр. 2317
بنت قيس من ذلك.
فإن قال قائل: إنما أنكر هؤلاء عليها روايتها في نفسي السكنى؛ لأنها في كتاب الله، وهو قوله: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾، وقوله: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾.
قيل له: أما عمر فلم يفرق بين السكنى، والنفقة فيما أنكر عليها، وأخبر مع ذلك أنه سمع النبي ﷺ يوجبها.
وأما عائشة، وأسامة، وغيرهما، فإنهم أنكروا جملة الخبر، ولم يفرقوا فيما أنكروا بين السكنى والنفقة.
وعلى أنها لا يخلو من أن يكون إخبارها عما أخبرت به من نفي السكنى والنفقة صحيحًا، أو هما: فإن كانت أوهمت في ذكر السكنى: فالنفقة مثلها، وإن كانت لم توهم فيه، وإنما أسقطت سكناها لعلة: فتلك العلة بعينها هي المسقطة للنفقة.
والذي عندنا في ذلك أن خبرها فيما أخبرت به عن النبي ﷺ صحيح، وإنما أخطأت في معنى الخبر، وهو الذي أنكره عمر، ومعنى الخبر عندنا: أن سبب إخراجها من بيت الزوج كان من جهتها، فصارت بمنزلة الناشزة التي تخرج من بيت الزوج، فلا تستحق
стр. 2318
سكنى، ولا نفقة.
وقد روي عن عائشة أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم لسوء خلقها.
وقال سعيد بن المسبب: إنها استطالت على بيت أحمائها بلسانها، فأمرها بالانتقال.
وروي عن عروة بن الزبير أن فاطمة بن قيس قالت: يا رسول الله! إن زوجي طلقني ثلاثًا، فأخاف أن يقتحم علي، فأمرها بالتحول".
فهذه الأخبار تدل على أن سبب النقلة كان من جهتها لسوء خلقها، واستطالتها بلسانها على أحمائها، فصارت كالناشز، إذ كان سبب الخروج من جهتها، فلذلك سقطت نفقتها، وكذلك نقول فيمن خرجت من بيت زوجها في عدتها، أو كان منها سبب أوجب الخروج، لأنها لا تستحق النفقة ما دامت في غير بيت الزوج.
فإن قال قائل: فما وجه النكير عليها في روايتها عن الصحابة مع صحة هذا المعنى عندكم؟
قيل له: إنما وقع النكير عليها من جهة أنها ظنت أن لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة، لأجل أنها مبتوتة، لا لمعنى غيره، وتأولت قصتها على
стр. 2319
هذا الوجه، فوقع النكير عليها من هذه الجهة.
فإن قال قائل: تخصيص الله تعالى الحامل بالذكر في إيجاب النفقة لها، فيه دلالة على أن لا نفقة لغير الحامل في قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾.
قيل له: ليس في تخصيه الحامل بالذكر في أيجاب النفقة لها ما ينفي وجوبها لغير الحامل؛ لأن الآية متضمنة للطلاق البائن والرجعي، وذكر الحمل راجع إليهما، ولم يوجب ذلك كون الحمل شرطًا في استحقاق النفقة في حال العدة من الطلاق الرجعي، فكذلك الثلاث، والبائن.
وأيضًا: فإن المخصوص بالذكر، لا يدل على أن ما عداه حكمه بخلافه، نحو قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾: لا يدل على أن لنا أن نقتله إذا لم نخش الإملاق.
ومع ذلك فإن لذكر الحامل فائدة ليست في غيره، سوى ما ادعيت من إسقاط النفقة لغير الحامل، وهي أنه لما كان جائزًا أن يكون الحمل ذا مال، فيشتبه علينا أمر نفقتها في حال الحمل: هل هي من مال الحمل أو على الزوج؟ أفادنا تعالى بذلك أن الحمل وإن كان ذا مال، فإن نفقة الأم على الزوج، وليست في مال الحمل.
стр. 2320
وأيضًا: لما كانت مدة الحمل قد تطول وتقصر، وقد كان يجوز أن يتوهم أن لا نفقة لها إلا في مقدار مدة ثلاث حيض في العادة وإن كانت حاملًا، أزال الله تعالى هذا الإلباس عنا، وأبان أن نفقة الحامل مستحقة على الزوج مع بقاء العدة، وإن طالت مدة الحمل.
قال أبو بكر: وهذا الذي قدمناه من الحجاج فإن عظمه على مالك والشافعي، في إيجابهما السكنى للمبتوتة، دون النفقة.
* فأما ابن أبي ليلى: فإنه يقول لا سكنى لها ولا نفقة.
وروى نحو ذلك الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس، وهو ضعيف السند.
ويحتج فيه أيضًا بجملة حديث فاطمة بيت قيس، ويتأول في قوله: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ وقوله: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾: أنه على الطلاق الرجعي؛ لأنه قال: ﴿فإذا بلغن أجلهن
стр. 2321
فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾، وقال تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾.
قال أبو بكر: ذكر الرجعة في هذا الموضوع لا يدل على أن الحكم مقصور على الرجعى دون البائن؛ لأن قوله: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ينتظم الأمرين جميعًا، من البائن والرجعي، وذكره للرجعي عقيبه هو بعض ما انتظمته الجملة، كقوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فذلك في الرجعي، والبائن، ثم قوله: ﴿ويعولتهن أحق بردهن﴾: في الرجعي.
وكقوله: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾، وهو عموم في المسلمين والكافرين دون المسلمين، ولم يوجب ذلك تخصيص اللفظ بدءًا في هذا الصنف دون غيره، فكذلك ما وصفنا.
стр. 2322
مسألة: [نفقة الأمة المطلقة]
قال أبو جعفر: (ومن طلق زوجته وهي أمة طلاقًا بائنًا، فإن كان مولاها بوأها بيتًا: فلها النفقة، وإن لم يبوئها بيتًا: فلا نفقة لها).
قال أبو بكر: قد بينا أن النفقة في هذا الباب مستحقة بتسليمها في بيت الزوج، فإذا بوأها المولى معه بيتا، فقد وجد التسليم، فاستحقت النفقة، وإن لم يبوئها: لم تستحق، لعدم التسليم.
ألا ترى أن الناشز لا نفقة لها، ولذلك لو غصبها غاصب، فمنعها من الزوج: لم يكن لها نفقة.
ولا فرق بين حال الزوجية، وحال العدة، لأن المعنى الذي به تستحق النفقة في الحالين جميعًا معنى واحد، وهو تسليمها في بيت الزوج.
وإنما لم يجبر المولى على التبوئة في حال النكاح ولا بعده، من قبل أنه مالك لخدمتها، وتلك الخدمة لم تستحق عليها بعقد النكاح، لأن الزوج لا يملك استخدامها، فإذا كانت الخدمة باقية في ملك المولى لم تستحق عليه بالنكاح: كان له أن يستخدمها، وفي استخدامه إياها منع التبوئة، وفي إيجاب التبوئة إبطال الخدمة على المولى، وذلك غير جائز.
مسألة: [لزوم نفقة الأبوين على الولد]
قال: (ويجبر الرجل على نفقة أبويه إذا كانا محتاجين وإن لم يكونا
стр. 2323
زمنين".
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، وليس من المعروف تركهما جائعين مع القدرة على سد جوعتهما.
وأيضًا قال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، وعمومه يقضي جواز أخذ مال الابن في حال اليسار والإعسار، إلا أن الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز له أخذه بغير رضاه في حال اليسار، فخصصناه، وبقي حكم العموم في حال الإعسار في مقدار الحاجة.
مسألة: [لزوم نفقة الأولاد الصغار على الأب]
قال: (ويجبر على نفقة أولاده الصغار إذا كانوا فقراء).
ذلك لقول الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾، ثم قال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، فأوجب على الأب نفقة الرضاع.
стр. 2324
وقال في الآية الأخرى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، فخص الأب بإيجاب النفقة دون أحد سواه.
مسألة: [نفقة الأب على البنات المحتاجات، والذكور الكبار الزمنى]
قال أبو جعفر: (وإن كانوا كبارًا محتاجين: أجبر على نفقة الإناث منهم، ولم يجبر على نفقة الذكور، إلا أن يكون منهم زمانة أو عمى أو نحوه، فيجبر على نفقته).
وذلك لأنه لما ثبت وجوب نفقة الصغار عليه لعجزهم عن الكسب والتصوف، وكان الكبار الزمنى، والإناث بهذا المنزلة لعجزهم عن الكسب، صاروا في معنى الصغار.
ألا ترى أن الصغار لو كان لهم مال: لم يجبر الأب على نفقتهم، لاستغنائهم عنه، فدل على أن نفقة الصغير ليست مستحقة لأجل الصغر، وإنما هي للحاجة، والعجز عن التصرف، وإذا كانوا فقراء لزمته نفقتهم لحاجتهم إليه مع العجز عن الكسب، فالكبار الزمنى والإناث بهذه المنزلة.
مسألة: [النفقة على كل ذي رحم محرم]
(ويجبر الرجل على نفقة كل ذي رحم محرم إذا كانوا ممن يرثهم، فيراعي في صغارهم الفقر، وفي كبارهم الفقر والزمانة، وفي إناث الكبار الفقر دون الزمانة).
стр. 2325
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك﴾.
فاقتضى عمومه إيجاب نفقة الولد على كل وارث؛ لأن الوارث في هذا الموضوع اسم للجنس، لدخول الألف واللام عليه.
فإن قال قائل: المعنى في قوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾: يعني به في أن لا يضارهما؛ لأنه تعالى قال: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ ثم قال تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾، يعني في النهي عن المضارة.
قيل له: هو على الأمرين جميعًا، ولا يخرج شيء منه إلا بدليل؛ لأن لفظ العموم يقتضيه.
وعلى أن معنى الكلام لا يستقيم لو كان المراد المضارة فحسب؛ لأنه لا مدخل للوارث مع الأبوين في المضارة، والوارث والأجنبي في ذلك سواء.
وأوجب أن يكون لذكره الوراث واختصاصه به فائدة ليست في غيره، وقد ذكر الله تعالى الأبوين جميعًا في الآية، وبين حكم كل واحد منهما في أنه لا يضار بالولد.
والمعنى فيه: أنه ليس للأب أخذه من الأم وتسليمه إلى غيرها، ولا
стр. 2326
للأم أن تغيبه عنه وتمنعه من رؤيته، والوقوف على أمره، والإشراف عليه، فحال المضارة إنما هي مع بقاء الأبوين، فلا معنى لذكر الوارث فيها إلا إيجاب النفقة عليه في حال فقد الأب.
وأيضًا: فإن كان المراد في حال موت الأب، فلم يخص الوارث بالنهي عن المضارة إلا وهو ممن تلزمه النفقة، فنهى عن المضارة فيما، ولولا ذلك لكان هو والأجنبي سواء.
فإن قال قائل: فأوجبها عن ابن العم إذا كان وارثًا.
قيل له: خصصناه بدلالة، وإلا فالعموم يقتضيه.
فإن قيل: فلا توجبها على الخال مع ابن العم؛ لأن ابن العم هو الوارث، والخال غير وارث.
قيل له: الخال من أهل الميراث، وإن كان هناك وارث أولى منه، فلم يخرج هو من أن يكون من أهل الميراث.
والمعنى الموجب للاقتصار بالنفقة على ذي الرحم المحرم إذا كان من أهل الميراث، دون من كان بخلاف هذه الصفة: اتفاق فقهاء الأمصار على أن مولى النعمة ليس عليه نفقة مولاه وإن كان وارثًا، فكذلك الزوجة ليس عليها نفقة الزوج الصغير وإن كانت وارثته، فعلمنا أن كونه ذا رحم محرم شرط مع كونه من أهل الميراث في استحقاق النفقة.
ومن جهة النظر: أن الأب إذا كان عبدًا، لم تجب عليه النفقة، وكذلك الكافر ليس عليه نفقة أخيه المسلم، وأن الوالد المسلم تجب عليه
стр. 2327
نفقة ولده، فعلمنا أن وجوب النفقة متعلق بكونه ذا رحم محرم من أهل الميراث بما دللنا عليه من سقوطها عن مولى النعمة والمرأة.
مسألة: [نفقة الأقارب مع اختلاف الأديان]
قال أبو جعفر: (وإن اختلفت الأديان لم يجبر أحد منهم على نفقة أحد سواه، إلا الزوج المسلم على امرأته الكتابية، والأب الكافر على أولاده الصغار الذين صاروا مسلمين بإسلام أمهم، والرجل على أبيه الفقير المخالف له في دينه، وأمه الفقيرة مثله في القياس).
قال أبو بكر: أما وجوب النفقة عليه لزوجته الكافرة: فهو عموم الآي والسنن التي قدمناها، لأنه لم يفرق بين الكافرة والمسلمة.
ولأن المعنى الذي به استحقت المسلمة النفقة موجودة في الكافرة، وهو تسليم نفسها بحق النكاح في بيت الزوج.
ولأن النفقة لما كانت مستحقة بالتسليم، كالمهر مستحق بالعقد، وهما من موجب النكاح، ثم لم تختلف الكافرة والمسلمة في استحقاق المهر، وجب أن لا تختلفا في استحقاق النفقة.
وأيضًا: فإنها لما كانت حقًا في مال مستحقًا بسبب الزوجية: يجب في حال الغنى والفقر، وصار كالمهر.
* وأما وجوبها على الكافر للولد الصغير المسلم: فلقوله تعالى:
стр. 2328
﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾.
ولم يفرق في ظاهر الخطاب بين الكافر والمسلم، فهو عليهما.
وأيضًا: فإن نفقة الرضاع، لما أشبهت النفقة المستحقة بالنكاح، من جهة وجوبها للمرأة، وجب أن تجب على الكافر للصغير المسلم، كما وجب على المسلم للمرأة الكتابية، وأن لا يمنع اختلاف الدينين من وجوبها، كما لم يمنع اختلاف الدينين من وجوب نفقة النكاح.
* وأما الأب الكافر، فإنما وجبت نفقته على ابنه المسلم، لقوله تعالى: ﴿وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، فأمر بمصاحبتهما بالمعروف في حال كفرهما، وليس من المعروف تركهما جائعين مع إمكان سد جوعتهما.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ انه قال: "إنما أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم"، والدلالة فيه على ما وصفنا من وجهين:
стр. 2329
أحدهما: عموم اللفظ في الفريقين من الكفار والمسلمين، إذ ليس معه دلالة التخصيص.
والثاني: أن المعنى الذي من أجله جعله كسبًا للمسلم، وهو ثبوت نسبه منه بالأبوة، موجود في الكافر.
مسألة: [لا يشارك الأب أحد في نفقته على ولده]
قال: (ولا يشارك الرجل في النفقة على ولده أحد، ولا يشارك الولد أيضًا في النفقة على والده أحد).
فأما الأب، فإنما لم يشارك في النفقة على ولده، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، وقال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، فأوجب عليه النفقة دونها، با أوجب لها لأجل الولد، فدل على أنه لا يشارك فيها، إذ لو شورك فيها لكان بعضها عليه، وبعضها عليها.
* وإنما لم يشارك الولد غيره في النفقة على والده، لقول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فأضاف المال إليه.
وكما لم تجب نفقته على غيره إذا كان له مال، كذلك مال ابنه كماله، فلا تجب نفقته على غيره.
стр. 2330
مسألة: [وجوب نفقة الصغار على أبيهم ولو كان فقيرًا]
قال: (ولا يجبر فقير على نفقة أحد إلا الأب على ولده الصغار، وعلى زوجته، وأمه الفقيرة).
فأما نفقته على ولده الصغار، فإنها تشبه نفقة الزوجة من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن الله تعالى أوجب نفقة الرضاع لها عليه، كما أوجب لها نفقة الزوجية.
فلما كان الفقير مجبرًا على نفقة زوجته، وجب أن يجبر على نفقة ولده الصغار، ويجبر على نفقة الزوجة مع الفقر؛ لأن ذلك بمنزلة الدين، وسائر حقوق الآدميين، التي لا تختلف فيها حال الإعسار واليسار، ألا ترى أنه يجبر على نفقتها وإن كانت موسرة.
ولقول الله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾، وهذا يدل على وجوب نفقة الزوجة والولد الصغير في حال الفقر؛ لأن هذه نفقة الرضاع، وهي لها.
وقوله: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾: يدل أيضًا على نفقة الولد الصغير في حال الفقر؛ لأنه لم يفرق بين الغنى والفقر.
ويدل على وجوبها للزوجة: قول النبي ﷺ : "ولهن
стр. 2331
عليكم نفقتهن وكسوتهن بالمعروف"، ولم يفرق بين حال الإعسار واليسار.
[وجوب نفقة الأم على ولدها ولو كان فقيرًا]
وأما نفقة الأم، فإنها لزمته في حال الفقر، لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، ولم يفرق بين حال الفقر والغنى، فإذا أمكنه سد جوعتها، لزمه ذلك.
[وجوب نفقة الأب الزمن على ولده ولو كان فقيرًا]
وأما الابن، فإنه لا يجبر في حال الفقر على نفقة أبيه إذا كان سليمًا لا زمانة به؛ لأنه يمكنه السعي للكسب والنفقة على نفسه، كما يسعى الابن الكبير، والأم ليست كذلك، إذ ليس لها نهوض لكسب.
فإن كان الأب زمنًا لا يقدر على الكسب: أجبر الابن على أن يدخله في نفقته وكسبه، كما قلنا في الأم.
مسألة: [لزوم نفقة الصبي والأب المعسرين على الأم الموسرة]
قال: (وإن كان الصبي معسرًا وأبوه معسرًا، وأمه موسرة: فإن الأم تؤمر بالنفقة عليه، ويكون ذلك دينًا لها على الأب).
وذلك لأن الأب لما لم يشارك في النفقة، لم تجب نفقته على غيره؛
стр. 2332
لأن الأب تلزمه نفقة الصغير في حال الإعسار واليسار، فإذا لم يقدر عليها، لم تسقط عنه، كما لا تسقط نفقة الزوجة بالإعسار، بل تفرض عليه، وتستدين عليه، فتنفق على نفسها.
وإنما أمرت هي بالنفقة، لأنها موسرة، وهي التي تلزمها نفقته إذا لم يكن أب.
[مسألة: نفقة الصبي الفقير وأمه موسرة وأبوه ميت وجده موسر]
قال: (وإذا كان الصبي فقيرًا، وله أم موسرة، وأبوه ميت، وجده موسر: فإن النفقة عليهما على قدر موارثتهما منه لو توفي).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾، فلما كانت النفقة مستحقة بالميراث، كانت على قدر المواريث، ألا ترى أن من ليس من أهل الميراث: لا تلزمه النفقة.
* قال: (وكذلك يشاركها في نفقة الصغير العم، وسائر العصبات سواء معها، وليس أحد منهم كالأب).
لأن الله تعالى أفرد الأب بإيجاب النفقة عليه دون سائر الورَّاث.
قال: (وإن كان له خال وابن عم: فالنفقة على الخال؛ لأنه من أهل
стр. 2333
الميراث ذو رحم محرم، وابن العم وإن كان وارثًا في هذه الحال، فإنه ليس بذي رحم محرم".
وقد بينا قبل ذلك أنها لا تستحق بالميراث وحده، دون كونه ذا رحم محرم.
مسألة: [لزوم نفقة الرجل الزمن على أخيه إن لم يكن ولد]
قال: (وإذا كان الرجل زمنًا معسرًا، وله ابنه معسرة، وله ثلاثة إخوة متفرقين: فإن نفقته على أخيه لأبيه وأمه خاصة، دون إخوته الآخرين".
قال أبو بكر: وذلك لأنه لو مات: ورثه أخوه لأبيه وأمه مع ابنته، دون الأخوين.
والابنة المعسرة ليس عليها نفقة الأب؛ لأنها معسرة، ولا تقدر على الكسب، وليست في هذا الوجه كالابن الفقير يجبر على نفقة أبيه الزمن إذا كان ممن يكتسب.
فإن كان الابن زمنًا لم يجبر عليها.
* قال: (ونفقة الابنة في مسألتنا على عمها أخي أبيها لأبيه وأمه خاصة، دون عميها الآخرين).
стр. 2334
وذلك لأن الأب لما كان معسرًا، كان بمنزلة الميت، ولو كان ميت كان الذي يرثها عمها لأبيها وأمها، دون الآخرين.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ولو كان مكان الابنة ابن زمن فقير: كانت نفقة الأب على أخيه لأبيه وأمه، وعلى أخيه لأمه، على ستة أسهم: على أخيه لأبيه وأمه من ذلك خمسة، وعلى أخيه لأمه واحد".
وذلك لأن الابن لما حجبهم جميعًا عن الميراث، جعل كالميت، ولو كان الابن ميتًا: كان ميراث الأب بين أخويه اللذين ذكرنا على سنة.
[مسألة:]
قال: (ونفقة الابن على عمه أخي أبيه وأمه خاصة، دون عميه الآخرين".
وذلك لأن الابن لما كان يحجبهم: كان كالميت، ولو كان ميتًا: لاستحق ميراث الابن عمه لأبيه وأمه، دون الآخرين.
مسألة: [وجوب نفقة الرجل على الابن الموسر دون الأب الموسر]
قال: (وإذا كان الرجل زمنًا فقيرًا، وله أب موسر، وابن موسر:
стр. 2335
فنفقته على الابن، دون الأب".
وذلك لقول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك".
فإذا كان مال الابن كمال الأب، صار الأب غنيًا بمال الابن، فلا تجب نفقته على أبيه.
*******
стр. 2336
باب أحكام المطلقات في عدتهن في النفقة والسكنى
مسألة: [وجوب النفقة والسكنى للمطلقة في العدة]
قال أبو جعفر: (وللمطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة، حاملًا كانت أو غير حامل).
وقال أبو بكر: قد بينا هذه المسألة فيما سلف.
* قال: (وسواء كانت مسلمة أو كافرة).
وذلك لأن جميع ما قدمنا من الدلائل في إيجاب نفقة العدة، لا يفرق بين نفقة الكافرة والمسلمة، وكما لم تختلف الكافرة والمسلمة في نفقة النكاح، وجب أن لا تختلفا في نفقة العدة؛ لأنها مستحقة في الحالين بعقد النكاح.
مسألة: [نفقة المفارقة لزوجها بحق]
قال: (وكل فرقة جاءت من قبلها بغير معصية، نحو خيار البلوغ، واختيار المخيرة نفسها، وخيار العتق: فإنها لا تبطل نفقتها".
لأنها منعت نفسها منه بحق، فأشبهت المرأة تمنع نفسها من الزوج
стр. 2337
لاستيفاء المهر، فلا تسقط نفقتها.
مسألة: [نفقة المفارقة لزوجها بغير حق]
قال: (وكل فرقة جاءت من قبلها بمعصية: فلا نفقة لها فيها).
والأصل فيه: الناشزة لما كان منع نفسها بمعصية: لم تستحق النفقة، كذلك كل فرقة إذا كانت من قبلها بمعصية، نحو الردة، وتقبيل ابن الزوج لشهوة.
* قال: (ولها السكنى في جميع ذلك حتى تنقضي عدتها).
وذلك لأن السكنى في العدة حق الله تعالى، لا تصح البراءة منه، فلا تسقط بمنعها نفسها من الزوج.
مسألة: [لا نفقة ولا سكنى للمعتدة من نكاح فاسد]
قال: (وكل عدة وجبت من نكاح فاسد: فلا سكنى لها ولا نفقة.
وكذلك أم الولد إذا أعتقها مولاها، أو عتقت بموته).
وذلك لما بينا أن النفقة مستحقة بتسليم نفسها في بيت الزوج، وأن وجوبها متعلق بوجوب السكنى، فإذا لم تجب السكنى لم تجب النفقة، والنكاح الفاسد لم يستحق به تسليم نفسها في بيته، ولا استحقت به السكنى، كذلك في العدة؛ لأن حال العدة ليست بآكد من حال النكاح في استحقاق النفقة، فإذا لم تستحقها في حال النكاح، لم تستحقها في حال العدة.
فإن قال قائل: قولك إن استحقاق النفقة متعلق بوجوب السكنى،
стр. 2338
منتقض على أصلك؛ لأنك توجب السكنى للتي جاءت الفرقة من قبلها بمعصية، نحو تقبيل ابن الزوج، والردة، ولا توجب لها النفقة.
قيل له: هذا غلظ؛ لأنا قلنا إن وجوب النفقة متعلق بوجوب السكنى، والتي جاءت الفرقة من جهتها بمعصية، قد وجبت لها النفقة، إلا أنها أسقطتها بمنعها نفسها، وهي مما تصح البراءة منها، فصارت كأنها وجبت لها، فأبرأته منها.
وأما السكنى، فلا تصح البراءة منها، فلذلك ثبتت، ولم تسقط بمنعها نفسها.
فصل: [نفقة أم الولد بعد العتق]
قال أحمد: وأما أم الولد إذا أعتقت، فإنما لم تجب لها نفقة من قبل أن عدتها واجبة عن الوطء، فأشبهت العدة من النكاح الفاسد، إذ كانت واجبة عن الوطء، فلم تجب لها نفقة، كما لم تجب للمعتدة من نكاح فاسد.
وأيضًا: فإنها إذا لم تستحق السكنى، لم تستحق النفقة، إذ كان وجوب النفقة متعلقًا بوجوب السكنى.
وأيضًا: فإن فراش الملك لم تستحق به النفقة، فالعدة منه أحرى أن لا تستحق بها.
فإن قيل: فراش الملك تستحق به النفقة؛ لأن نفقة أم الولد واجبة على
стр. 2339
مولاها في حال بقاء فراشها.
قيل له: لم تستحقها بالفراش، وإنما استحقتها بالملك، ألا ترى أنها لو لم يكن لها فراش الاستيلاد، وكانت أمة غير أم الولد: لا تستحق النفقة.
وليست هذه من نفقة العدة في شيء، ألا ترى أن نفقة النكاح من نفقة العدة، فتستحقها المرأة على جهة إيجاب فرضها على الزوج، وتصير دينًا عليه بعد الفرض بمرور الأوقات، وأن الأمة لا يثبت لها ذلك على جهة الفرض، ولا تصير دينًا على المولى بحال، فعلم أن النفقة المستحقة في حال الملك، ليست هي النفقة المستحقة بالفراش والزوجية، والعدة.
مسألة: [لا نفقة ولا سكنى للمتوفى عنها زوجها]
قال أبو جعفر: (ولا سكنى ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها في مال الزوج، حاملًا كانت أو غير حامل).
قال أبو بكر: أما إذا كانت غير حامل، فلا خلاف أنه لا نفقة لها في مال الزوج، قال الله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾، فجعل نفقتها على نفسها.
* واختلف السلف في نفقتها إذا كانت حاملًا:
стр. 2340
فقال ابن مسعود، وابن عمر، وشريح، وأبو العالية، وإبراهيم، والشعبي: نفقتها من جميع الميراث.
وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء: لا نفقة لها في مال الزوج، بل نفقتها على نفسها.
والنظر يدل على ذلك؛ لأنهم اتفقوا على أن غير الحامل لا نفقة لها، فالحامل مثلها؛ لأن حكم الحامل والحائل لا يختلف عندنا في وجوب النفقة.
وأيضًا: فإن النفقة الواجبة في المستقبل غير مستحقة بعقد النكاح، وإنما تستحق حالًا فحالًا، وقد زال ملك الميت بالموت إلى ورثته، فلا تجب لها نفقة في مال غير الزوج.
وليست النفقة كالديون الواجبة في حال الحياة؛ لأن وجوب الدين يمنع الميراث، والنفقة لم تكن واجبة في حال الحياة، فتمنع الميراث، إنما نريد إيجابها بعد الموت في حال قد استحقه غيره.
وأيضًا: لا تخلو هذه النفقة من أن يتعلق وجوبها بالحمل، لأجل العدة، أو لأجل الولد:
فإن كان لأجل الولد: فالواجب أن تكون في نصيب الولد، ولا تكون في جميع الميراث، كما تجب بعد الوضع.
стр. 2341
وإن كانت واجبة لأجل العدة: فالواجب أن تستحقها وإن لك تكن حاملًا بوجود العدة، فلما بطل ذلك، صح قولنا، وبطل ما سواه.
مسألة:
قال: (ومن طلق امرأته، فأنفق عليها في عدتها حتى مصى أكثر من حولين، ثم جاءت بولد فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: ترد على الزوج نفقة ستة أشهر مما كانت أخذت، وقال أبو يوسف: لا ترد شيئًا".
فأما أبو حنيفة، فإنه ذهب في ذلك إلى أنا قد علمنا أن هذا الولد من غير الزوج؛ لأنه عن حمل حادث بعد البينونة، فلا يلحق الزوج، إذ لم تكن فراشًا في تلك الحال، فحمل أبو حنيفة أمرها على الصحة والجواز، ولم يحمل أمرها على أنها جاءت به من الزنى، ولكنه جعلها كأنها تزوجت منذ ستة أشهر، وحملت من ستة أشهر.
وحكمنا عليها بذلك إقرار منها بأن عدتها قد كانت انقضت قبل ذلك بستة أشهر؛ لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك يتضمن إقرارًا منها، فإنها قد أخذت نفقة ستة أشهر بغير استحقاق، فعليها أن تردها.
* والمسألة مبنية على أن الطلاق بائن، ولو كان الطلاق رجعيًا، لكان حدوث الحمل في العدة رجعة؛ لأنه محكوم بأن الولد من وطئه؛ لبقاء الفراش.
* وذهب أبو يوسف إلى أنه لما لم نعلمها تزوجت، ولم يحصل منها إقرار قبل ذلك بانقضاء العدة، والعدة كانت باقية إلى أن وضعت: فلم
стр. 2342
يكن عليها رد شيء مما أخذت.
************
стр. 2343
باب الحضانة
مسألة: [الأم أحق بالحضانة]
قال أبو جعفر: (وإذا بانت المرأة من زوجها، ولها منه ولد صغير: فإن الأم أحق بحضانته).
قال أبو بكر: والأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولدهن حولين كاملين﴾، ثم قال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، فأوجب على الزوج لهن النفقة، وجعلهن أولى بإمساكهم منه.
وقال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾.
وقال النبي الله عليه وسلم للأم: "أنت أحق به ما لم تزوجي"، يعني: بالولد الصغير.
ومن جهة النظر: أن أحدًا لا يستحق الولاية على الصغير فيما يضر بالصغير، ألا ترى أن الأب لا تجوز هبته لمال الصغير، ولا بيع ماله بأقل
стр. 2344
من القيمة بما لا يتغابن الناس فيه.
وإذا كان كذلك، فالأحوط للصغير، والأنفع له أن يكون عند الأم؛ لأنها أحنى عليه، وأرفق به، وأحرى بأن تشفق عليه، وفي التفريق بينه وبين الأم ضرر عليه.
وإذا كان كذلك لم يكن للأب ولاية في إمساكه وحضانته مع الأم، وكانت الأم أولى به لحق الصغير.
مسألة: [ترتيب الأحق بالحضانة]
قال أبو جعفر: (ثم الجدة التي من قبل الأم، ثم الجدة من قبل الأب، ثم الأخت من الأب والأم، ثم الأخت من قبل الأم، ثم الخالة، ثم الأخت من الأب، ثم العمة).
قال أبو بكر: وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الأخت من الأب أولى من الخالة، وهو أيضًا قول زفر.
ووجهه: أنها أقرب إلى الصبي من الخالة.
والأصل في هذه المسائل: أن الأم لما كانت أولى بولاية الحضانة من الأب، وجب أن يكون من كان جهة الأم أقرب إلى الصبي، فهو أولى بالولاية منه، فكانت الجدة من قبل الأم أولى من الجدة من قبل الأب، لأن لها ولادًا من جهة الأم، فكانت أولى.
стр. 2345
ثم الجدة من قبل الأب أولى من الأخت؛ لأن لها ولادًا، وهذه الولاية مستحقة بالولاد في الأصل، فمن لها ولاد فهي أحق بالحضانة ممن لا ولاد له.
وأيضًا: فإن الجدة بمنزلة الأم، كما أن الجد بمنزلة الأب في الولاية على الصغير.
ولا حق للأخ والأخت في الولاية مع الجد، ولأن الجدة أحنى على الصبي، وأشفق عليه من الأخت فيما جرت به العادة.
ثم بعد الجدتين: الأخت من الأب والأم؛ لأنها أقرب إلى الصغيرة، ولها قرابة من وجهين: من أب وأم جميعًا.
ثم الأخت من قبل الأم؛ لأن هذه الولاية مستحقة من جهة الأم، فمن كانت قرابتها من جهة الأم، فهي أولى.
ثم الخالة أولى من الأخت من الأب؛ لأن قرابتها من جهة الأم وإن كانت أبعد من الأب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الخالة والدة".
وجعلها أحق بالولد في قضية ابنة حمزة ﵁، لما اختصم علي، وجعفر، وزيد بن حارثة في بيت حمزة بن عبد المطلب، فقال علي: هي ابنة عمي، وقال جعفر: هي بيت عمي، وخالتها عندي، وقال زيد: هي ابنة أخي، آخيت بيني وبين حمزة، فقال النبي صلى الله عليه
стр. 2346
وسلم: "ادفعوها إلى خالتها، فإن الخالة بمنزلة الأم".
*وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الأخت من الأب أولى من الخالة، وهو أيضًا قول زفر.
ثم الأخت من الأب أولى من العمة؛ لأن قربهما جميعًا من قبل الأب، والأخت أقرب.
مسألة: [مدة حضانة الأم والجدة بالنسبة للصبي والجارية]
قال: (والأم والجدتان أحق بالغلام حتى يستغني ويأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، وبالجارية حتى تحيض).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن الولاية المستحقة بالولاد على الصغير لا تزول إلا بالبلوغ، إلا فيما كان فيه ضرر على الصغير، فلا تستحق حينئذ إلا بعد الولاية عليه.
فأما الأم والجدتان فقد استحققن هذه الولاية بالولاد، فوجب أن لا تزول إلا بالبلوغ، كالأب والجد لما استحقا الولاية على الصغير بالولاد، لم تزل ولايتهما إلا بالبلوغ، فكذلك قلنا إن حق الحضانة ثابت للأم والجدتين في الجارية إلى أن تحيض.
стр. 2347
وأما الغلام فإن في بقائه عندهن ضررًا عليه إذا عقل؛ لأنه يتخلق بأخلاق النساء، وينشأ على آدابهن، فلم يكن لهن عليه ولاية إذا بلغ أن يأكل وحده ويشرب وحده، لأنه قد بلغ حال قبول التأديب، فكان الأب أولى به لتأديبه وتعليمه، وقد بينا أنه لا ولاية لأحد على الصغير فيما فيه ضرر عليه، فلذلك زالت ولايتهن.
فإن قال قائل: هلا خيرت الغلام؟ لما روى زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رجلًا طلق امرأته، واختصما في ابنها منه، فقال النبي ﷺ : "يا غلام هذه أمك، وهذا أبوك، فاختر أيهما شئت، فأخذ الغلام بيد أمه".
قيل له: يجوز أن يكون الغلام قد كان بلغ، ويدل عليه ما ذكر في هذا الحديث أنها قالت: يا رسول الله! إنه يريد أن ينزع ابني مني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة.
وقد روى أن عليًا خير غلامًا قد بلغ، وقال لأخ له صغير: لو قد بلغ هذا أيضًا خيرناه.
وروي أن عمر بن الخطاب خاصم أم عاصم في عاصم إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي
стр. 2348
أعطف عليه وأحنى وأرحم.
مسألة: [مدة حضانة الأخوات والخالات]
قال: (وأما الأخوات والخالات والعمات فهن أحق بالغلام والجارية حتى يستغنيا، فيأكلا وحدهما ويلبسا وحدهما).
لأن كل واحدة من هؤلاء لم تستحق الولاية من جهة الولاد، وإنما ثبت لها ذلك ما دام الصغير يحتاج إلى الحضانة، فإذا استغنى عنها، فلا ولاية لها.
مسألة: [حضانة المجوسية، والنصرانية واليهودية]
قال: (والمجوسية، واليهودية، والنصرانية في ذلك بمنزلة المسلمة).
وذلك لأن هذا لا يخلو من أن يكون من حق المرأة، أو من حق الصغير، وأيهما كان، لم يختلف فيه حكم المسلم، والذمي.
مسألة: [حق أم الولد في الحضانة]
قال: (وأم الولد إذا مات عنها سيدها بمنزلة الحرة المسلمة).
стр. 2349
وذلك لأنها قد ملكت أمر نفسها بالحرية، فلم تختلف وسائر الحرائر في حق الحضانة.
مسألة: [حق الحضانة بعد الزوج]
قال: (ومن تزوجت من هؤلاء: فلا حق لها في الحضانة، وكانت بمنزلة الميتة).
وذلك لأن النبي ﷺ قال الأم الصغير حين خاصمت زوجها: "أنت أحق به ما لم تزوجي".
رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ .
ومن جهة النظر: إن في كونه عند الأم ضررًا عليه إذا كان لها زوج؛ لأنه يكون في جفاء، وقلة نظر، ولا ولاية لها عليه فيما يضر به.
مسألة: [الأب أحق بالأولاد بعد مدة الحضانة]
قال: (وإذا استغنى الغلام أو الجارية، وخرجا من الحضانة: فالأب أحق بهما بغير تخيير للغلام والجارية).
وذلك لأنه لا قول لهما في حال الصغر، واختيارهما كلا اختيار، ألا ترى أنهما لا قول لهما في سائر الأحكام، فكذلك في اختيار أحد الأبوين.
стр. 2350
وأما ما رواه زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أن امرأة قالت: يا رسول الله! زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة، فخير النبي ﷺ الغلام، فاختار أمه.
فإن معناه عندنا: أن الغلام كان بالغًا، ودل عليه أنها قالت: قد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة.
وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: "هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي أعطف عليه، وأحنى وأرحم.
مسألة: [زواج الأم من ذي رحم محرم من الصبي]
قال أبو جعفر: (ولا يحرم أحد ممن ذكرنا الحضانة بزوج ذي رحم محرم من الصبي والصبية في شيء مما ذكرناه).
قال أبو بكر: هذا لا نعرفه من مذهب القوم، بل المشهور من قولهم، وما دونوه في كتبهم: أن كل واحدة من هؤلاء، إذا كان لها زوج، فلا حق لها في الحضانة إلا الجدة، فإن لها حق الحضانة إذا كان زوجها جد الصبي، ولم يذكروا معه سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان زوج من لها الحضانة.
وعسى أن يكون أبو جعفر قاس ذوي الرحم المحرم على جد
следующие страницы →