← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وسلم: "ادفعوها إلى خالتها، فإن الخالة بمنزلة الأم". *وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الأخت من الأب أولى من الخالة، وهو أيضًا قول زفر. ثم الأخت من الأب أولى من العمة؛ لأن قربهما جميعًا من قبل الأب، والأخت أقرب. مسألة: [مدة حضانة الأم والجدة بالنسبة للصبي والجارية] قال: (والأم والجدتان أحق بالغلام حتى يستغني ويأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، وبالجارية حتى تحيض). قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن الولاية المستحقة بالولاد على الصغير لا تزول إلا بالبلوغ، إلا فيما كان فيه ضرر على الصغير، فلا تستحق حينئذ إلا بعد الولاية عليه. فأما الأم والجدتان فقد استحققن هذه الولاية بالولاد، فوجب أن لا تزول إلا بالبلوغ، كالأب والجد لما استحقا الولاية على الصغير بالولاد، لم تزل ولايتهما إلا بالبلوغ، فكذلك قلنا إن حق الحضانة ثابت للأم والجدتين في الجارية إلى أن تحيض.

стр. 2347

وأما الغلام فإن في بقائه عندهن ضررًا عليه إذا عقل؛ لأنه يتخلق بأخلاق النساء، وينشأ على آدابهن، فلم يكن لهن عليه ولاية إذا بلغ أن يأكل وحده ويشرب وحده، لأنه قد بلغ حال قبول التأديب، فكان الأب أولى به لتأديبه وتعليمه، وقد بينا أنه لا ولاية لأحد على الصغير فيما فيه ضرر عليه، فلذلك زالت ولايتهن. فإن قال قائل: هلا خيرت الغلام؟ لما روى زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أن رجلًا طلق امرأته، واختصما في ابنها منه، فقال النبي ﷺ : "يا غلام هذه أمك، وهذا أبوك، فاختر أيهما شئت، فأخذ الغلام بيد أمه". قيل له: يجوز أن يكون الغلام قد كان بلغ، ويدل عليه ما ذكر في هذا الحديث أنها قالت: يا رسول الله! إنه يريد أن ينزع ابني مني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة. وقد روى أن عليًا خير غلامًا قد بلغ، وقال لأخ له صغير: لو قد بلغ هذا أيضًا خيرناه. وروي أن عمر بن الخطاب خاصم أم عاصم في عاصم إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي

стр. 2348

أعطف عليه وأحنى وأرحم. مسألة: [مدة حضانة الأخوات والخالات] قال: (وأما الأخوات والخالات والعمات فهن أحق بالغلام والجارية حتى يستغنيا، فيأكلا وحدهما ويلبسا وحدهما). لأن كل واحدة من هؤلاء لم تستحق الولاية من جهة الولاد، وإنما ثبت لها ذلك ما دام الصغير يحتاج إلى الحضانة، فإذا استغنى عنها، فلا ولاية لها. مسألة: [حضانة المجوسية، والنصرانية واليهودية] قال: (والمجوسية، واليهودية، والنصرانية في ذلك بمنزلة المسلمة). وذلك لأن هذا لا يخلو من أن يكون من حق المرأة، أو من حق الصغير، وأيهما كان، لم يختلف فيه حكم المسلم، والذمي. مسألة: [حق أم الولد في الحضانة] قال: (وأم الولد إذا مات عنها سيدها بمنزلة الحرة المسلمة).

стр. 2349

وذلك لأنها قد ملكت أمر نفسها بالحرية، فلم تختلف وسائر الحرائر في حق الحضانة. مسألة: [حق الحضانة بعد الزوج] قال: (ومن تزوجت من هؤلاء: فلا حق لها في الحضانة، وكانت بمنزلة الميتة). وذلك لأن النبي ﷺ قال الأم الصغير حين خاصمت زوجها: "أنت أحق به ما لم تزوجي". رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ . ومن جهة النظر: إن في كونه عند الأم ضررًا عليه إذا كان لها زوج؛ لأنه يكون في جفاء، وقلة نظر، ولا ولاية لها عليه فيما يضر به. مسألة: [الأب أحق بالأولاد بعد مدة الحضانة] قال: (وإذا استغنى الغلام أو الجارية، وخرجا من الحضانة: فالأب أحق بهما بغير تخيير للغلام والجارية). وذلك لأنه لا قول لهما في حال الصغر، واختيارهما كلا اختيار، ألا ترى أنهما لا قول لهما في سائر الأحكام، فكذلك في اختيار أحد الأبوين.

стр. 2350

وأما ما رواه زياد بن سعد عن هلال بن أسامة عن سليم أبي ميمونة عن أبي هريرة أن امرأة قالت: يا رسول الله! زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقاني من بئر أبي عنبة، فخير النبي ﷺ الغلام، فاختار أمه. فإن معناه عندنا: أن الغلام كان بالغًا، ودل عليه أنها قالت: قد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: "هو لها ما لم تتزوج، أو يكبر فيختار لنفسه، وقال: هي أعطف عليه، وأحنى وأرحم. مسألة: [زواج الأم من ذي رحم محرم من الصبي] قال أبو جعفر: (ولا يحرم أحد ممن ذكرنا الحضانة بزوج ذي رحم محرم من الصبي والصبية في شيء مما ذكرناه). قال أبو بكر: هذا لا نعرفه من مذهب القوم، بل المشهور من قولهم، وما دونوه في كتبهم: أن كل واحدة من هؤلاء، إذا كان لها زوج، فلا حق لها في الحضانة إلا الجدة، فإن لها حق الحضانة إذا كان زوجها جد الصبي، ولم يذكروا معه سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان زوج من لها الحضانة. وعسى أن يكون أبو جعفر قاس ذوي الرحم المحرم على جد

стр. 2351

الصبي إذا كان زوج الجدة. مسألة: [انتقال الولد إلى بلد آخر في الحضانة] قال أبو جعفر: (وإن أرادت المطلقة الحرة أن تنتقل بولدها إلى بلد غير البلد الذي طلقت فيه، فتحضن الولد هناك، فإن كان عقد نكاحها هناك: كان لها ذلك، وإن وقع النكاح في بلد آخر: فليس لها ذلك، وإنما ننظر في هذا إلى عقدة النكاح أين وقعت، لا إلى ما سوى ذلك). قال أبو بكر: هذا الإطلاق في اعتبار عقدة النكاح غير صحيح، وقد أطلق محمد في الجامع الصغير لفظا يشبه هذا، وربما أشكل على من حمله على ظاهره. والصحيح من قولهم: ما ذكره محمد في كتاب الطلاق، وهو: أنه ليس لها أن تخرجهم من البلد الذي طلقها فيه، إلا إلى بلدها إذا كانت عقدة النكاح فيه، وليس لها أن تخرجهم إلى بلد غير بلدها وإن وقعت فيه عقدة النكاح، ولا إلى بلدها إذا لم تقع فيه عقدة النكاح. والأصل في ذلك: أن في الاغتراب بالأولاد ضررًا عليهم، فليس لها أن تفعل ذلك، إلا أن يكون عقد النكاح وقع في بلدها، فلها أن تخرج بهم إليه، وذلك لأن وطنها في ذلك الموضع إنما استحق عليها بعقد النكاح، فمتى ارتفع العقد عاد حكم وطنها الذي كانت فيه على ما كان عليه؛ لأن الزوج إنما استحق إخراجها عن وطنها بالعقد، فإذا ارتفع

стр. 2352

العقد، فها أن ترجع إلى بلدها بالأولاد، لزوال المنى الذي من أجله استحق عليها الكون هناك. كما أنها لو أخرجت الأولاد بعد الطلاق من بلدها، كان لها أن تردهم إلى بلدها، لأن فيه ردًا للأولاد إلى وطنها، وليس فيه اغتراب بالأولاد. * وأما إذا لم يكن عقد النكاح في بلدها: فليس لها أن تخرجهم إلى بلدها، ولا إلى غيره؛ لأنها لم تستحق عليه الكون في بلدها بعقد النكاح، إذ قد كانت في غير بلدها قبل العقد، فصار بلدها وغير بلدها سواء في حق الأولاد، ومنعها إخراجهم إلى شيء من البلدان. مسألة: [انتقال الأم بالولد إلى قرية أخرى] قال أبو جعفر: (وإن كان تزوجها في قرية، فأرادت أن تنقلهم إلى قرية أخرى، فإن أمكن أباهم أن يلم بهم، ويرجع من يومه إلى قريته: فلها ذلك، وإن كان على خلاف ذلك: فليس لها ذلك). وذلك لأن القريتين إذا كان بينهما ما لا يمنع الأب عن رؤية الصبي في كل يوم، صارتا بمنزلة محلتين في بلد واحد، أو جانبين في مصر واحد، فلها أن تمسكهم في أي موضع منها شاءت. وأما إذا لم يكن بينهما ما وصفنا، وهو بمنزلة السفر والاغتراب بالأولاد: فليس لها ذلك.

стр. 2353

* قال: (وكذلك إن أرادت أن تنقلهم من قرية إلى مصر). قال أبو بكر: وهذا مبني على أن المصر ليس بمصرها، ولم يقع النكاح فيه، لأنه إذا كان مصرها، وكان عقد النكاح فيه: فلها أن ترجع إليه. [مسألة:] قال: (وإن أرادت أن تنقلهم من مصر إلى قرية: لم يكن لها ذلك على الوجوه كلها). قال أبو بكر: والمسألة على أن عقد النكاح لم يكن في القرية، فإن كان عقد النكاح في القرية، وهي من أهلها: فلها أن تردهم إليها، على ما بينا في إخراجها إياهم إلى مصر آخر. وإنما لم يكن لها أن تخرجهم من المصر إلى القرية وإن أمكن لأبيهم رؤيتهم في كل يوم: من قبل أن مقام الأولاد هناك ضررًا عليهم، لأنهم ينشؤون على أخلاق أهل السواد، ويبعدون من مواضع العلوم والآداب. *********

стр. 2354

باب نفقة المماليك والبهائم مسألة: [نفقة المملوك] قال أبو جعفر: (وعلى مالك المملوك نفقته وكسوته بالمعروف). وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال في المماليك: "إنهم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تكسون". وقال ﵊: "لا يدخل الجنة سيء الملكة". ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. * قال أبو جعفر: (فإن أبى: أوجروا، وأنفق عليهم من أجرهم). وذلك لأنه يمكننا التوصل إلى الإنفاق عليه من مال مولاه ببذل منافعه.

стр. 2355

* قال: (فإن كانت جارية لا يؤاجر مثلها، أو غلامًا زمنًا: أجبر على الإنفاق عليه، أو بيعه إن رأى ذلك القاضي). وذلك لأن هذا حق له على المولى، يلزمه الخروج إليه منه، فيجبر عليه كما يجبر على أداء سائر حقوق الآدميين. * وأما البيع: فإن ينبغي أن يكون في قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما يريان البيع على الحر البالغ لأجل حق الغير. وأما أبو حنيفة، فإنه لا يرى جواز البيع على الحر، ولكن يحبس حتى يبيع إذا استحق عليه البيع. فإن قيل: ما الفرق بين هذا، وبين العاجز عن نفقة امرأته؟ هلا فرقت بينهما، كما أجبرته على بيع العبد إذا عجز عن نفقته. قيل له: لأنه ليس في ترك التفريق بينهما فوات حقها إذا كانت ذمته صحيحة تثبت النفقة فيها على مرور الأوقات، وفي ترك بيع العبد فوات حقه؛ لأنه لا يثبت له حق النفقة في ذمة المولى، ولا يصير دينًا عليه. مسألة: [الإنفاق على البهائم] قال أبو جعفر: (وأما البائهم: فإنه يؤمر مالكوها بالإنفاق عليها فيما بينهم وبين الله تعالى، ولا يجبرون عليها فيما رواه محمد عن أصحابه). وإنما لم يجبر على ذلك؛ لأن البهائم لا تثبت لها حقوق الأداء، ولا

стр. 2356

يصح ذلك لها، والإجبار على النفقة إنما وجب لأنه حق يثبت للمملوك على المولى، كسائر حقوق الناس، ولكنه يفتى فيما بينه وبين الله تعالى، لأن فيه تعذيب الحيوان، وقد روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن تعذيب البهائم، وأن يتخذ شيء من الروح غرضًا". وأيضًا: فيه إتلاف ماله، وقد "نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال". وكما "نهى عن ترك سقي زرعه ونحله حتى يتلف". ولا يجبر عليه في القضاء. * قال أبو جعفر: (وقد روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف، ولم يحك فيه خلافًا: أنه يجبر أرباب البهائم على النفقة عليها، أو على بيعها). ويشبه أن يكون ذهب فيه إلى ما روي من الآثار في النهي عن تعذيب الحيوان. ********

стр. 2357

باب الزوجين يختلفان في متاع البيت مسألة: [اختلاف الزوجين في متاع البيت] قال أبو جعفر: (وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: ما كان من متاع الرجال: فهو للرجل، وما كان من متاع النساء: فهو للمرأة، وما كان للرجال والنساء: فهو للرجل). قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن للرجل يدًا في المنزل، وكذلك المرأة والدليل على أن للمرأة يدًا في المنزل: أن المرأة وأجنبيًا لو تنازعا متاعًا في منزل الزوج، والزوج لا يدعيه: أنا نجعل اليد للمرأة منه، دون الأجنبي، فدل ذلك على أن للمرأة يدًا في المنزل كما للزوج، إلا أن يد كل واحد منهما في المنزل من طريق الحكم، لا من طريق المشاهدة والحقيقة. وإذا كان كذلك: اعتبرنا أظهر اليدين تصرفا، وآكدهما حالًا، فقلنا: ما كان للرجال: فهو للرجل؛ لأن الظاهر أنه هو المتصرف فيه دون المرأة، وما كان للنساء: فهو للمرأة؛ لأن الظاهر أنها هي المتصرفة فيه. ألا ترى أن هذا الصنف من هيئة المتاع من نحو تقطيع الثوب،

стр. 2358

ونسجه، إنما يفعل لأجل المرأة، فإذا لم نعلم من قاطع الثوب على هذه الصفة: حكمنا بأن المرأة هي التي قطعته على هذا الوجه، إذ ليس هناك متصرف فيه على هذا الوجه، ولا من يقطع له ذلك على هذه الصفة غيرها، فكانت هي أظهر يدًا فيه، وأكثر تصرفًا. وليس هذا كالبزاز، والإسكاف إذا اختلفا في قالب خف هو في أيديهما، فلا يكون الإسكاف أولى به من البزاز وإن كان الظاهر أن الغالب مما يتصرف فيه الإسكاف دون الآخر، وذلك لأن يد كل واحد منهما في هذه الحال من طريق المشاهدة إذا كانا متعلقين به، فهو في أيديهما نصفان، والنصف الذي في يد كل واحد منهما ليس في يد صاحبه منه شيء، فلا يستحقه. كما أن الغالب لو كان كله في يد البزاز، وادعاه إسكاف ليس في يده منه شيء: لم يحكم به له، وكان صاحب اليد أولى، فكذلك إذا كان في أيديهما، فإن يد كل واحد منهما ثابتة في نصف القالب، دون النصف الآخر الذي في يد صاحبه. وأما المرأة والزوج، فإن لكل واحد منهما يدا في جميع ما في المنزل، فوجب اعتبار آكد اليدين، وأظهرهما تصرفا. ونظير الزوج والمرأة: ما قال أصحابنا في المستأجر والمؤاجر إذا اختلفا في باب موضوع في الدار، أو جذوع موضوعة في غير البناء، فادعاه كل واحد منهما: أنا ننظر: فإن كان هذا الباب المقلوع مصراعًا لباب آخر في البناء، ووفقًا له: فالقول قول رب الدار، وإن لم يكن

стр. 2359

كذلك: فهو للمستأجر. وكذلك الجذع إن كان في السقف أجذاع منقوشة، أو مصورة مثل صورتها ونقشها، وإذا جمع بينهما كان بعضها وفقًا لبعض: قرب الدار أولى بها، ولا يصدق المستأجر أنه له، وإن كان على غير ذلك: فالقول قول المستأجر. وكذلك لو أن خياطًا في دار رجل يخيط قميصًا، واختلفا فيه: فإن صاحب الدار أولى بالقميص، ولو اختلفا في المقراض والإبرة: كان الخياط أولى بهما. وكذلك قربة السقاء، وما جرى مجرى ذلك. * وإنما جعل ما كان للرجال والنساء للرجل خاصة: من قبل أنهما لما تساويا في ظهور يدهما في الشيء المدعى، ثم كان المنزل للرجل: وجب أن يكون أولى به؛ لأنه آكدهما يدًا. ألا ترى أن رجلًا لو كان راكبًا لدابة، وآخر متعلق بلجامها، فتنازعاها: أن الراكب أولى باليد وإن كان المتعلق باللجام يوجب له اليد لو انفرد، إلا أنه لما كان الراكب أظهر تصرفًا، وآكد يدًا: كان أولى. وكذلك لو أن رجلًا كان لابس ثوب، وآخر متعلق به: كان اللابس أولاهما باليد.

стр. 2360

مسألة: قال: (وإن كان أحدهما ميتًا: فالجواب كذلك، إلا أن ما كان منه للرجال والنساء: فهي للحي منهما في قول أبي حنيفة). وذلك لأن يد الميت زائلة، ويد الآخر باقية، فإذا لم يكن هناك تصرف ظاهر يوجب كون الميت أولى: كان الحي أولى، لبقاء يده. (وقال محمد: الموت والحياة سواء، لا يكون الحي أولى). لعلمنا أن جميع ذلك قد كان في أيديهما، فاستحقاه قبل الموت على ما وصفنا، فلا يتغير حكمه بالموت. (وقال أبو يوسف: الحياة والموت سواء، وتعطى المرأة مقدار ما يجهز به مثلها، والباقى للزوج). وذلك لأن المنزل للزوج، والمرأة في يده أيضًا، ألا ترى أن رجلين لو ادعيا نكاح امرأة، وأقاما بينة: أن المرأة للذي المرأة في يده أولى بالنكاح. إلا أن الظاهر مع ذلك أن المرأة تنتقل إلى بيت الزوج بجهاز مثلها، فالظاهر أنها قد استحقت ذلك، وأنها أولى به من الزوج، كما يكون الخياط أولى بالمقراض والإبرة من صاحب الدار وإن كان في بيته.

стр. 2361

مسألة: [اختلاف الذمية مع زوجها المسلم في متاع البيت] قال: (والذميان في ذلك، والذمية تحت المسلم: كالزوجين المسلمين في جميع ما وصفنا". وذلك أن اختلاف الدينين لا يوجب اختلافًا في الحقوق والأيدي، فلذلك كان المسلم والكافر فيه سواء، ألا ترى أن المسلم والكافر لا يختلفان في سائر الحقوق التي هي حقوق للآدميين. مسألة: [حكم متاع البيت حال اختلاف الزوجين وأحدهما عبد] قال: (وإن كان أحد الزوجين عبدًا، فإن أبا حنيفة قال: المتاع للحر منهما في حياته، ولورثته بعد وفاته). وذلك لأن العبد لا يد له؛ لأنه لا يملك، ولا تثبت له خصومة ولا حق إذا كان محجورًا عليه. قال: (وقال أبو يوسف ومحمد: العبد المأذون له في التجارة، والمكاتب بمنزلة الحر في ذلك). وليس ذلك بخلاف منهما لأبي حنيفة، وهذا ينبغي أن يكون قولهم جميعًا، لأن المأذون والكاتب لهما أيد صحيحة، ولهما حق الخصومة

стр. 2362

والإمساك، فكانا بمنزلة الحر في ذلك. وما تقدم من أن الحر أولى من العبد: إنما هو في العبد المحجور عليه، لأنه لا يد له في حال الحجر. *******

стр. 2363

كتاب القصاص والديات في الجراحات مسألة: [الدية في جناية الصبي والمجنون على العائلة] قال أبو جعفر: (وإذا جنى الصبي الذي لم يبلغ، أو المجنون في حال جنونه على رجل، فقتله: كانت ديته على عاقلته). قال أبو بكر: وذلك لأن قصد الصبي لا حكم له، فصار عمده وخطؤه سواء. والدليل على أنه لا حكم لقصده: أنه لا قصاص عليه في جنايته، ولا يستحق المأثم بفعله وإن عمد إليه وقصده، ولو كان لقصده حكم، للزمه القصاص إذا تعمد كما يلزمه البالغ، وإذا كان كذلك: صارت جنايته وإن قصدها في حكم الخطأ، فلزمت العاقلة. فإن قال قائل: لما لم يكن الصبي من أهل التكليف، وجب أن لا يثبت عليه حكم جنايته، كالبهيمة.

стр. 2364

قيل له: ليس حكم الجناية مقصورًا على صحة التكليف؛ لأن الناسي والمخطئ لا تكليف عليهما فيما نسيا أو أخطآ فيه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان". ثم لم يسقط عن المخطئ حكم جنايته من أجل زوال التكليف عنه. قال الله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، فالدية حكم جنايته وإن كان مخطئًا غير مكلف لما أخطأه. وكذلك الصبي هو بمنزلة المخطئ؛ لأنه ممن تثبت عليه الحقوق، وله، وليس كالبهيمة، لأنها ليست ممن تثبت عليها الحقوق، ولا لها، فلذلك اختلف حكم الصبي وحكمها. ألا ترى أن الصبي إذا استهلك مالًا لغيره ضمنه، كما يضمن البالغ، وأن البهيمة لا يتعلق عليها ضمان جنايتها في المال، وذلك لما وصفنا أنها

стр. 2365

بمنزلة جناية الخطأ. فصل: [جناية الصبي فيما دون النفس] قال أبو بكر: (وكذلك كل جناية تكون منه فيما دون النفس: فديتها على العاقلة). وذلك لما وصفنا أنها بمنزلة جناية الخطأ. مسألة: [الدية في الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين] قال: (وما وجب فيه الدية: فهو على عاقلته في ثلاث سنين). قال أبو بكر: الأصل فيه: أن عمر بن الخطاب قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين بحضرة الصحابة من غير نكير من واحد منهم عليه، ولا مخالف له، فصار ذلك أصلًا يجب الرجوع إليه، كسائر العقود التي عقدها لكافة أهل الإسلام بحضرة الصحابة، فلم يختلف عليه منهم أحد فصارت أصولًا لا يسع خلافها. نحو عقده مع بني تغلب في مضاعفة العشر عليهم في أموالهم، ووضع الخراج على أهل سواد العراق، وأهل الشام، وتصنيف

стр. 2366

طبقات أهل المذمة في الجزية، وتقدير الدية ألف دينار، وقد كانت في زمن النبي ﷺ مائة من الإبل. فهذه أمور عقدها عمر بحضرة الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه، فثبت حكمها من وجهين: أحدهما: أن مثل هذا إذا استفاض وظهر، ولم يغيره أحد من الخلفاء الراشدين بعده فهو اتفاق، واتفاق الصدر الأول حجة لا يجوز خلافه. والوجه الآخر: إن كل عقد عقده إمام من أئمة العدل لكافة الأمة، فهو لازم لأول الأمة وآخرها. والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويعقد عليهم أولهم".

стр. 2367

فمعنى قوله: بعقد عليهم أولهم: أن ما يعقده الإمام للكافة، فهو لازم لمن جاء بعده، وعمومه يقتضي ذلك، إذ كان هذا أصلًا صحيحًا. ثم جعل عمر ﵁ الدية على العاقلة في ثلاث سنين، ويثبت أن قيمة دية النفس الواجبة بنفس القتل إنما تجب مؤجلة في ثلاث سنين، الثلث وما دونه في سنة، وما زاد على الثلث إلى الثلثين في سنة أخرى، ثم الثلث الباقي وما دونه في سنة أخرى. مسألة: قال أبو جعفر: (وما كان فيه نصف الدية: فهو في سنتين، ثلث الدية في سنة، والسدس الباقي في سنة أخرى). وإنما كانت هذه الزيادة في سنة أخرى، ولم تكن في نصف سنة: من قبل أن الغرة، وهي خمسة مائة درهم على العاقلة في سنة، وهو ما دون الثلث، فدل ذلك على أن الثلث وما دونه واجب في سنة. وما ذكرناه من هذا الأصل الذي قدمنا أفادنا معنيين: أحدهما: وجوب الدية على العاقلة، والثاني: أنها مؤجلة. وفي إيجاب الدية على العاقلة وإن لم يذكر فيها التأجيل سنتين، قد رويت عن النبي ﷺ فيها أخبار، منها:

стр. 2368

ما رواه جرير وشعبة عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن فضيلة عن المغيرة بن شعبة "أن النبي ﷺ قضى في الجنين بغرة، وجعله على عاقلة المرأة". وروى مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن خالد عن الشعبي عن جابر "أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة". وروى ابن المبارك عن معمر عن الزهري قال المغيرة بن شعبة: "قضى رسول الله ﷺ أن المرأة يعقل عنها عصبتها، ويرثها بنوها". وروى إبراهيم بن موسى الرازي قال: حدثنا معمر الرقي عن خصيف عن زياد بن أبي مريم "أن امرأة أعتقت عبدًا لها، ثم توفيت، وتركت ابنًا لها وأخاها، ثم توفي مولاها بعد، فأتى أخوها وابنها النبي ﷺ في ميراثه، فقال رسول الله ﷺ : ميراثه لابن المرأة. فقال أخوها: يا رسول الله! لو جر جريرة على من كانت؟ قال: عليك. قال: يا رسول الله! لو أنه جر جريرة كانت علي، ويكون ميراثها

стр. 2369

لهذا؟ قال: نعم". قال أبو بكر: أفادنا هذا الخبر معنيين، أحدهما: هو وجوب الدية على العاقلة. والثاني: أن العاقلة ليست من أهل ميراث الجاني فحسب، وأنه قد يجوز أن يعقل من لا يحوز الميراث. مسألة: [ما تحمله عاقلة الجاني من الدية] قال أبو جعفر: (وما كان مقداره دون نصف عشر الدية: فهو على الجاني في ماله، لا تحمله العاقلة عنه). قال أبو بكر: القياس أن لا يلزم العاقلة من جنايته شيء، كما لا يلزمها جنايته في الأموال. والعموم أيضًا ينفيه، لقول الله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. وقال النبي ﷺ لرجل رأى معه آخر، فقال: "هذا ابنك؟ قال: بلي، قال: أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه". فهذا العموم ينفي لزوم العاقلة حكم جنايته.

стр. 2370

وفي الأصل أيضًا: أن الجناية على الأموال لا تلزم غير الجاني، وكان القياس أن لا يلزم العاقلة شيء من جناية الجاني، إلا أنه لما ثبت عن النبي ﷺ إيجاب الدية في الغرة على العاقلة، وكانت قيمة الغرة خمسمائة درهم، نصف عشر الدية، تركوا له ظواهر الآية والقياس معه، وخصوها بما وردت به السنة، واتفق عليها علماء السلف. والمعنى في لزوم الدية العاقلة: أن العقل في الأصل مبني على التناصر، وكانوا يتناصرون بالقبائل، ثم صارت النصرة في أيام عمر ﵁ بالدواوين والرايات، فلذلك جعلها عمر على ذلك، فأمر أهل نصرته بمواساته إذا كانت جنايته واقعة على وجه الخطأ، ولم يكن عمدًا يوجب القصاص، لئلا يجحف بالقاتل في لزومه جميع الدية. ولهذا المعنى فرق فيه بين القليل والكثير؛ لأنه قد يمكنه في العادة أن ينهض بالقليل وإن عجز عن الكثير، ولأجل التخفيف جعلت مؤجلة. ثم جعل الفصل بين القليل والكثير على ما وردت به السنة، وهو نصف عشر الدية.

стр. 2371

ويدل عليه من جهة النظر: أن ما دون الموضحة ليس له أرش مقدر بنفسه، فأشبه ضمان الأموال، لما لم يكن لها تقدير في أنفسها، لزمه في ماله دون عاقلته، وما كان له أرش مقدر في نفسه، فهو مشبه بالنفس، لكونه مقدرًا في نفسه، وكان على العاقلة. فإن قال قائل: فإن أرش الأنملة مقدر، وهو ثلث دية الأصبع، فينبغي أن تحمله العاقلة. قيل له: ليس أرشها مقدرًا بنفسها، بل هو مقدر بغيرها، وهو الأصبع، ونحن إنما شبهنا ما دون الموضحة بالأموال من حيث لم يكن له أرش مقدار بنفسه. فإن قيل: المعنى في تحمل العاقلة، ما كان في عمده قصاص. قيل له: لا اعتبار بالقصاص؛ لأنه اعتبار ساقط عند الجميع، لأن مخالفنا لا يوجب القصاص في الباضعة، والمتلاحمة، ويجعلها على العاقلة.

стр. 2372

ولأنه لو قطعت يده من نصف الساعد عمدًا: لم يجب فيه القصاص، وخطؤه تحمله العاقلة، فعلمنا أن القصاص لا تأثير له في ذلك. فإن قال قائل: إذا غرمت العاقلة خمسمائة، فقد غرمت ما دونها، وكل جزء منها، فيجب أن تغرمه على الانفراد. قيل له: القصاص يجب في الكل، ولا يجب في البعض، وكذلك [القطع يجب في سرقة عشرة دراهم فيها مجتمعة، ولا يجب في بعضها]. وكذلك الزكوات، والطلاق الثلاث يتعلق الحكم فيها بمقدار ما، ولا يتعلق بما دونه. مسألة: [وجوب القصاص بين المسلم والكافر] قال أبو جعفر: (والقصاص بين الرجال والأحرار العقلاء البالغين في الأنفس وما دونها، مسلمين كانوا أو كفارًا، غير الحربيين). قال أبو بكر: أما الحجة في وجوب القصاص بين المسلم والكافر

стр. 2373

الذمي، فهو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وفيه دلالة من وجهين على ما قلنا: أحدهما: عموم قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وذلك ينتظم الكافر والمسلم، لشمول الاسم لهم. وافتتاح الخطاب بذكر المؤمن لا يوجب الاقتصار بحكم الآية على إيجاب القصاص للمسلم دون الكافر؛ لأن الخطاب توجه على المؤمنين بوجوب القصاص عليهم في القتلى، ولم يقيد القتلى بذكر الإيمان، فكان مقتضى اللفظ وجوب القصاص على المؤمن لسائر القتلى. وأيضًا: لا ينفي وجوب القصاص للذمي على الذمي؛ لأنه خاطبهم بوجوب القصاص عليهم، ولم يصف المقتول بالإيمان، بل أطلق ذكره تسمية القتل من غير تقييد له بشرط الإيمان، فقال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، ولم يقل في قتلى المؤمنين. والوجه الآخر من الدلالة: قوله: ﴿الحر بالحر﴾، وذلك عموم أيضًا في إيجاب القصاص بينهما. فإن قال قائل: قوله في نسق التلاوة: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾: ينفي أن يكون الكفار داخلين فيه؛ لأن الكافر ليس بأخ للمسلم. قيل له: لو سلمنا ذلك أن المراد الأخوة في الدين: لم يوجب ذلك

стр. 2374

تخصيص العموم المذكور في ابتداء الآية، إذ لا يمتنع أن يطلق لفظ عام ينتظم مسميات، ثم يعطف عليه بعض من دخل في الجملة بحكم يختص ببعض ما انتظمته الجملة، ثم لا يوجب ذلك تخصيص ما ورد مطلقا في ابتداء الخطاب. كقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بولديه إحسانًا﴾، وهو عموم في الكافرين والمسلمين، ثم قال: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾، وهذا لا محالة في الأبوين الكافرين. وكقوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، وعمومه في المبتوتة والرجعية، ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، وهو حكم خاص في بعض من شمله عموم اللفظ الأول، ولم يوجب كون ابتداء الخطاب جاء مطلقا أن يكون مقصورًا على من كان حكمه في الطلاق دون جميعهن، وقد بينا ذلك في مواضع. وأيضًا: فإنه لم يثبت أن المراد الأخوة من جهة الدين، وليس يمنع إطلاق لفظ الأخوة بينهما، من حيث كان جنسه، وإن كان مخالفا له في دينه، كقوله تعالى: ﴿كذبت عاد المرسلين (١٢٣) إذ قال لهم أخوهم هود ألا

стр. 2375

تتقون﴾، ولم يرد الأخوة من جهة الدين. * ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾، وشريعة من كان قبلنا من الأنبياء لازمة حتى يثبت نسخها على لسان نبينا ﷺ . قال الله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾. * ودليل آخر: قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، وقوله: ﴿سلطانًا﴾: وإن كان لفظًا مجملًا، فإن الأمة متفقة على أنه قد أريد به القود في المسلمين، وإذا صح أن القصاص مراد، صارت مفسرة به، فصار كقوله: فقد جعلنا لوليه قودًا. * ومن جهة السنة: ما روى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "ألا ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: أن يقتص، أو يأخذ الدية". وروى ابن أبي ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي قال:

стр. 2376

قال النبي ﷺ في خطبته يوم فتح مكة: "من قتل قتيلًا فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا". ولم يفرق بين المسلم والكافر، فهو على عمومه في الفريقين جميعًا. * ويدل عليه أيضًا: حديث عثمان وابن مسعود وعائشة عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس". وروى إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول". وروي قتل المسلم بالكافر عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. وروى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني "أن النبي ﷺ أقاد مسلمًا بذمي، وقال: أنا أحق من

стр. 2377

أوفى بذمته". فهذا خبر مفسر مبين لما أجملته الأخبار الأخر، وهو وإن كان مرسلًا، فإن إرساله عندنا لا يضره. * فإن قيل: روى الشعبي عن أبي جحيفة عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقتل مؤمن بكافر". وروى الحسن عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده". قيل له: نجمع بينه وبين سائر الأخبار، وظواهر الآي التي ذكرناها، فتقول: لا يقتل مؤمن بكافر معاهد لا ذمة له، وهو الحربي المستأمن، ويجعل سائر ما وصفنا من الظواهر في سائر الكفار، ما خلا المعاهد. وأيضًا: في فحوى هذا الخبر ما يوجب أن يكون الحكم مقصورًا على الحربي دون غيره، وذلك لأنه عطف عليه قوله: "ولا ذو عهد في عهده"، ومعلوم أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده":كلام غير مستقل بنفسه، بل هو مفتقر إلى إضمار؛ لأنه لا يصح ابتداء الخطاب به، وكل كلام هذا سبيله: فهو مفتقر إلى ضمير، وضميره ما تقدم ذكره من نفي القتل على وجه القصاص، إذ لم يتقدم في الخبر ذكر القتل إلا على هذا الوصف.

стр. 2378

فصار تقديره: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بالكافر الذي تقدم ذكره، والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي المستأمن، فثبت أن المراد مقصور على الحربي. فإن قيل: الضمير في: "ذي العهد": قيل: مطلق، ويصح الخطاب به، كأنه قال: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده، فأفادنا أن عهده يحظر دمه. قيل له: قد بينا أن الكلام المفتقر إلى الإضمار: سبيله أن يكون ضميره ما تقدم ذكره في أول الخطاب، ومعلوم أن الذي جرى ذكره في ابتداء الخطاب ليس هو قتلًا على الإطلاق، فيضمر في النسق، وإنما المذكور بدءًا قتل مخصوص، وهو القتل على وجه القصاص، فكأنه قال: "ولا يقتص من ذي عهد في عهده بالكافر"، ولو أضمرنا فيه قتلًا مطلقًا، كنا قد أضمرنا فيه غير ما أظهره بدءًا، وهذا لا يجوز. وأيضًا: فحكم كل كلام النبي ﷺ أن يحمل على فائدة مجددة، ولو حملناه على ما قلت، لسقطت فائدته؛ لأنه يكون مقصورًا على النهي عن بعض العهد، وخفر الأمان، وقتل من لا يستحق القتل، وهذا معنى قد علمناه بغير هذا الخبر، فاقتضى الخبر فائدة غيره، ولا فائدة فيه إلا ما وصفنا. فإن قيل: لو سلمنا أن المراد نفي القصاص عن ذي العهد، لم يكن فيه دلالة على أن أول الخطاب مقصور على كافر حربي؛ لأن تقديره: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بكافر، فأقل أحواله أن يقتل ذو العهد بكافر أي كافر كان، وهذا هو مقتضي اللفظ، إلا أن تقوم الدلالة على أن ذا العهد يقتل ببعض الكفار، وهم الذميون، وليس في ذلك ما ينفي أن

стр. 2379

يكون قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر": عمومًا في نفي قتل المؤمن بسائر الكفار. قيل له: هذا غلط من قبل أن اللفظ الثاني إذا اقتضى أن يكون عائدًا على ما تقدم ذكره من الخطاب، صار كقوله: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده بالكافر الذي تقدم ذكره، فيرجع اللفظ إلى المعهود والمبدوء ذكره. ولو حملناه على ما قلت، لكان ذلك خطابًا مبتدأ غير عائد على اللفظ المتقدم، ولو كان كذلك لاستغنى بنفسه عن عوده إليه، وقد بينا أن اللفظ غير مستقبل بنفسه، بل عائد إلى ما تقدم ذكره، وأنه مضر بما قبله. ألا ترى أنك إذا قلت: لقيت رجلًا، ثم عطفت عليه كلامًا آخر، قلت: قال لي الرجل، ولا يجوز أن تقول: قال لي رجل، لأنه يصير غير الأول. ونظير هذا من الكلام: قوله تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾، فمعناه: والحافظات فروجهن، لأنه غير مستغن بنفسه، فصارت الفروج مضمرة في ذكرهن، كأنه قال: والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن. ونحو قوله: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾، ثم قال في آية أخرى: ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾، يعني من

стр. 2380

تقدم ذكر عددهم في الآية الأخرى. فإن قال قائل: روي في بعض حديث علي عن النبي ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر"، ولم يذكر فيه: "ولا ذو عهد في عهده"، وإطلاق ذلك يقتضي نفي القصاص بينهما، إذ ليس في الحديث ما يخصه. قيل له: هما جميعًا حديث واحد، وروي فيهما جميعًا أنه أخبر عما في صحيفة عنده عن النبي ﷺ ، وإنما إسقاط ذي العهد من جهة بعض الرواة، فأما أصل الحديث فهو ما وصفنا؛ لأن كلام الرواة عزاه إلى الصحيفة. وأيضًا: لو لم يكن في الخبر دليل على أنه حديث واحد، لكان الواجب حملهما جميعًا على أنهما وردا معًا، وذلك لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ قال ذلك في وقتين، مرة مطلقًا من غير ذكر ذي العهد، وتارة مع ذكر ذي العهد. * وأيضًا: في بعض الأخبار ما يدل على أن الحكم مقصور على الكافر الحربي، وهو ما روي أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع حين طالبوا بدخول الجاهلية: "ألا إن كل دم كان في الجاهلية، فهو موضوع تحت قدمي هاتين، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده".

стр. 2381

فكأنه قال: لا يقتل بكافر قتل في الجاهلية، لأن الخطاب عليه خرج. فإن قيل: خروج الخطاب على سبب، لا يوجب أن يكون الحكم مقصورًا عليه، بل يعتبرون اللفظ إذا كان أعم من السبب. قيل له: كذلك هو، إلا أنا نقصره عليه بدلالة، ودلالته ما وصفنا. * ومن جهة النظر: أن الذمي محقون الدم حقنًا لا يرفعه مضي الوقت، وليس ببعض للقاتل ولا ملكه، فأشبه المسلم من هذا الوجه. ولا يلزم عليه الحربي، لأن حقن دم الحربي محصور بوقت؛ لأنه لا يترك في دار الإسلام، ويرد إلى دار الحرب، فيستباح دمه. ولا يلزم عليه الأب؛ لأنه بعضه، ولا عبده؛ لأنه ملكه. * وأيضًا: قد اتفقنا جميعًا على أن ذميًا لو قتل ذميًا، ثم أسلم: قتل به، وهو مسلم بذمي، فلو كان الإسلام مما يمنع القصاص في الابتداء، لمنعه إذا طرأ بعد وجوبه قبل استيفائه، ألا ترى أنه لما لم يجب القصاص بين الأب والابن إذا قتله، كان كذلك حكمه إذا ورث ابنه القود عن غيره، فمنع ما عرض من ذلك استيفاؤه، كما منع من ابتداء وجوبه. قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن المسلم

стр. 2382

يقتل بالحربي المستأمن، وشبهه بالذمي، لأجل الأمان". وعندهما: لا يقاد من المسلم. له: لأن الحربي مباح الدم، إلا أن إباحته مؤجلة بالأمان، ومتى رجع إلى داره: عاد إلى حكم الإباحة، وهو كالدين المؤجل، وجود الأجل فيه لا يخرجه عن وجوبه، كذلك وجود الأجل في الإباحة، لا يسلبه حكم الإباحة من الوجه الذي ذكرنا. مسألة: [القصاص بين العبيد والأحرار] قال أبو جعفر: (والعبيد والأحرار في القصاص في الأنفس سواء". قال أبو بكر: الدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وذلك عموم في الكل. فإن قال قائل: قد بين المراد بقوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾. قيل له: لا يوجب ذلك تخصيص العموم؛ لأنه تفسير لبعض ما انتظمته الجملة، وقد بينا نظائر ذلك فيما سلف، كقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولولديك

стр. 2383

إلى المصير (١٤) وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾، فلم يدل على خصوص قوله: ﴿ووصينا الإنسان﴾. وكما فسر النبي ﷺ الربا في ستة أشياء، وهي بعض ما دخل في آية الربا. وليس في استعمال عموم اللفظ إسقاط فائدة قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ لأنه كلام خرج على سبب، وهو ما روي أنه كان بين حيين من العرب قتال، ولأحدهما طول على الآخر، فأبوا أن يقتلوا بالعبد منهم، إلا الحر من غيرهم، وبالأنثى منهم الذكر، فنهاهم عن ذلك بقوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾. وأيضًا: قد اتفق الجميع على قتل الأنثى بالذكر، والعبد بالحر، ولم يوجب ذلك إسقاط فائدة اللفظ، كذلك قتل الحر بالعبد. ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس

стр. 2384

والعين بالعين﴾، وهذا الحكم وإن كان مكتوبًا على بني إسرائيل، فهو لازم لنا حتى يثبت نسخه. ويدل عليه أيضًا: قوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل﴾، وقد بينا أن المراد به القود، فكل مقتول ظلمًا فهذا حكمه بحق العموم، إلا ما قام الدليل على خصوصه. ومن جهة السنة: قول النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، وعمومه يقتضي دخول العبد فيه. وأيضًا: قد اتفق الجميع على دخول العبد فيه إذا قتل حرًا، فدل أن اللفظ قد انتظمه، فوجب أن يكون عامًا في الجميع. فإن قيل: التكافؤ يقتضي المماثلة، وليس العبد بمثل الحر. قيل له: قد جعله النبي ﷺ مثله حين جعل كل مسلم كفؤ المسلم في باب القصاص. وروى إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال النبي ﷺ : "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول"، ولم يفرق بين الحر والعبد.

стр. 2385

ومن جهة النظر: أن اعتبار المساواة ساقط في الأنفس، والدليل عليه اتفاقنا جميعًا على قتل العشرة بالواحد. فإن قيل: النفس الواحدة مكافئة لعشرة أنفس. قيل له: والعبد مكافئ للحر. على أن صاحبهم قد نقض هذا، فقال: إذا قتل واحد عشرة: قتل، وأخذ منه تسع ديات، فلم يجعل النفس الواحدة مكافئة لعشرة. فإن قال قائل: العبد مال، فلا تتلف به نفس ليست بمال. قيل له: ولا نتلف نفسًا هو مال، فلا نوجب القصاص بين العبيد في الأنفس، كما قال إبراهيم، والشعبي، وإياس بن معاوية، وجعلوه كالبهيمة.
следующие страницы →