← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فكأنه قال: لا يقتل بكافر قتل في الجاهلية، لأن الخطاب عليه خرج. فإن قيل: خروج الخطاب على سبب، لا يوجب أن يكون الحكم مقصورًا عليه، بل يعتبرون اللفظ إذا كان أعم من السبب. قيل له: كذلك هو، إلا أنا نقصره عليه بدلالة، ودلالته ما وصفنا. * ومن جهة النظر: أن الذمي محقون الدم حقنًا لا يرفعه مضي الوقت، وليس ببعض للقاتل ولا ملكه، فأشبه المسلم من هذا الوجه. ولا يلزم عليه الحربي، لأن حقن دم الحربي محصور بوقت؛ لأنه لا يترك في دار الإسلام، ويرد إلى دار الحرب، فيستباح دمه. ولا يلزم عليه الأب؛ لأنه بعضه، ولا عبده؛ لأنه ملكه. * وأيضًا: قد اتفقنا جميعًا على أن ذميًا لو قتل ذميًا، ثم أسلم: قتل به، وهو مسلم بذمي، فلو كان الإسلام مما يمنع القصاص في الابتداء، لمنعه إذا طرأ بعد وجوبه قبل استيفائه، ألا ترى أنه لما لم يجب القصاص بين الأب والابن إذا قتله، كان كذلك حكمه إذا ورث ابنه القود عن غيره، فمنع ما عرض من ذلك استيفاؤه، كما منع من ابتداء وجوبه. قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن المسلم

стр. 2382

يقتل بالحربي المستأمن، وشبهه بالذمي، لأجل الأمان". وعندهما: لا يقاد من المسلم. له: لأن الحربي مباح الدم، إلا أن إباحته مؤجلة بالأمان، ومتى رجع إلى داره: عاد إلى حكم الإباحة، وهو كالدين المؤجل، وجود الأجل فيه لا يخرجه عن وجوبه، كذلك وجود الأجل في الإباحة، لا يسلبه حكم الإباحة من الوجه الذي ذكرنا. مسألة: [القصاص بين العبيد والأحرار] قال أبو جعفر: (والعبيد والأحرار في القصاص في الأنفس سواء". قال أبو بكر: الدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وذلك عموم في الكل. فإن قال قائل: قد بين المراد بقوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾. قيل له: لا يوجب ذلك تخصيص العموم؛ لأنه تفسير لبعض ما انتظمته الجملة، وقد بينا نظائر ذلك فيما سلف، كقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولولديك

стр. 2383

إلى المصير (١٤) وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾، فلم يدل على خصوص قوله: ﴿ووصينا الإنسان﴾. وكما فسر النبي ﷺ الربا في ستة أشياء، وهي بعض ما دخل في آية الربا. وليس في استعمال عموم اللفظ إسقاط فائدة قوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾؛ لأنه كلام خرج على سبب، وهو ما روي أنه كان بين حيين من العرب قتال، ولأحدهما طول على الآخر، فأبوا أن يقتلوا بالعبد منهم، إلا الحر من غيرهم، وبالأنثى منهم الذكر، فنهاهم عن ذلك بقوله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾. وأيضًا: قد اتفق الجميع على قتل الأنثى بالذكر، والعبد بالحر، ولم يوجب ذلك إسقاط فائدة اللفظ، كذلك قتل الحر بالعبد. ودليل آخر: وهو قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس

стр. 2384

والعين بالعين﴾، وهذا الحكم وإن كان مكتوبًا على بني إسرائيل، فهو لازم لنا حتى يثبت نسخه. ويدل عليه أيضًا: قوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل﴾، وقد بينا أن المراد به القود، فكل مقتول ظلمًا فهذا حكمه بحق العموم، إلا ما قام الدليل على خصوصه. ومن جهة السنة: قول النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، وعمومه يقتضي دخول العبد فيه. وأيضًا: قد اتفق الجميع على دخول العبد فيه إذا قتل حرًا، فدل أن اللفظ قد انتظمه، فوجب أن يكون عامًا في الجميع. فإن قيل: التكافؤ يقتضي المماثلة، وليس العبد بمثل الحر. قيل له: قد جعله النبي ﷺ مثله حين جعل كل مسلم كفؤ المسلم في باب القصاص. وروى إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال النبي ﷺ : "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول"، ولم يفرق بين الحر والعبد.

стр. 2385

ومن جهة النظر: أن اعتبار المساواة ساقط في الأنفس، والدليل عليه اتفاقنا جميعًا على قتل العشرة بالواحد. فإن قيل: النفس الواحدة مكافئة لعشرة أنفس. قيل له: والعبد مكافئ للحر. على أن صاحبهم قد نقض هذا، فقال: إذا قتل واحد عشرة: قتل، وأخذ منه تسع ديات، فلم يجعل النفس الواحدة مكافئة لعشرة. فإن قال قائل: العبد مال، فلا تتلف به نفس ليست بمال. قيل له: ولا نتلف نفسًا هو مال، فلا نوجب القصاص بين العبيد في الأنفس، كما قال إبراهيم، والشعبي، وإياس بن معاوية، وجعلوه كالبهيمة.

стр. 2386

ومن حيث اتفقا على وجوب القصاص فيما بين العبيد في الأنفس، وعلى قتل العبد بالحر، وجب مثله فيما بينهم وبين الأحرار، وصح بذلك أن جهة المال غير معتبرة. وأيضًا: فقد اتفقوا أيضًا على لزوم الكفارة في قتل العبد خطأ، ولم يكن بمنزلة من قتل دابة. ودليل آخر: وهو أن العبد محقون الدم حقنًا لا يرفعه مضي الوقت، وليس ببعض للقاتل، ولا ملكه، فأشبه الحر. فإن قيل: لما لم تقطع يد الحر بيد العبد، لم يقتل به، كما لم تقطع يد المسلم بيد الحربي، لم يقتل به. قيل له: هذا اعتلال فاسد؛ لأنه لو قطع يد رجل شلاء: لم تقطع يده بها، ولو قتله، قتل به. وأيضًا: فإن اعتبار المساواة واجبة في الأعضاء، غير واجبة في الأنفس، بدلالة أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ويقتل الصحيح البالغ بالصبي، والمجنون، والزمن، وناقص الأعضاء، ويقتل عشرة بواحد، ولا تؤخذ عشر أيد بيد. وأيضًا: روى ليث عن الحكم أن عليًا وابن مسعود قالا: "من قتل عبدًا متعمدًا: فهو قود".

стр. 2387

ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافهما، فثبتت حجته. مسألة: [لا قصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (ولا قصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس). قال أبو بكر: وذلك لوجوب اعتبار المساواة فيما دون النفس، لاتفاق الجميع على أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء. مسألة: [جناية العبد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (والواجب فيما جناه العبد على الحر أن يدفعه مولاه، أو يفديه منه بالأرش). وذلك أن الجناية ثبتت في رقبة العبد إذا كانت مما لا يجب فيما القصاص، كما ثبتت في رقبته إذا وجب فيها القصاص، وتستحق بها الرقبة، فكذلك في الخطأ، يثبت في الموضوع الذي يثبت فيه العمد، إلا أن العمد يستحق به إتلاف الرقبة بالقصاص، والخطأ تستحق به الرقبة لولي الجناية إلا أن يفديه الولي؛ لأنه إذا حصل لولي الجناية أرش جنايته، فقد استوفى حقه.

стр. 2388

مسألة: [جناية الحر على العبد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (وجناية الحر على العبد فيما دون النفس توجب عليه ما نقصه لمولاه في ماله، لا على عاقلته). وإنما لم يلزم العاقلة ما جنى على العبد فيما دون النفس، من قبل أن حكم ما دون النفس من الجناية عليه حكم الأموال، والدليل عليه: أنه لا قصاص في عمده، فصار كالجناية على الدابة ونحوها. مسألة: (فإن فقأ عينيه، ففي قول أبي حنيفة: مولاه بالخيار: إن شاء أمسكه، ولا شيء له، وإن شاء سلمه إلى الجاني، وأخذ جميع قيمته). وذلك لأن موجب الجناية هو جميع القيمة، والدليل عليه أن العين من العبد نصفه، ولا خلاف بينهم أنه لو فقأ إحدى عينيه: كان عليه نصف قيمته، فوجب أن يكون أرش العينين جميع القيمة. ثم إذا لزمه جميع القيمة فأداها، لم يجز بقاء العبد على ملكه مع أخذ القيمة، لأنه لا يجوز اجتماع الشيء وبدله في ملكه فيما يصح تمليكه، فلذلك لم يكن له شيء إذا لم يسلم إليه العبد. * وأما في قولهما: فالمولى بالخيار: إن شاء ضمن الفاقئ نقصان الفقء، وأمسك العبد، وإن شاء سلمه العبد، وأخذ القيمة.

стр. 2389

وشبهاه برجل خرق ثوب رجل خرقًا، فأتى على أكثره: فصاحب الثوب بالخيار عندهم جميعًا: إن شاء أخذ النقصان، وأمسك الثوب، وإن شاء أخذ القيمة وسلم إليه الثوب. وفرق أبو حنيفة بينهما من جهة أن أرش العينين مقدر، وهو القيمة، كما أن أرش إحداهما مقدر وهو نصف القيمة، فلم يكن له أن يعدل عن موجب الجناية إلى غيرها، وليس نقصان الخرق مقدرًا، فلذلك كان له الخيار في تضمين القيمة مع تسليم الثوب، وإن شاء ضمن النقصان. مسألة: [جناية الحر على العبد] قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة فيما جناه الحر على العبد من قطع عضو، أو فقء عين: فعليه فيه جزء من قيمته إلا حصته من عشرة دراهم من قيمته). قال أبو بكر: هذا الإطلاق في النقصان غير صحيح في قول أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة إنما يعتبر ذلك فيما زاد على دية الحر، أو أرش عضو يده، أو كان أرشه مثل أرش الحر، فينقص منه، فإذا لم يبلغ دية الحر: فإنه لا ينقص منه شيئًا. نحو أن يقطع يد عبد قيمته خمسة آلاف، فيجب عليه ألفان وخمس مائة، لا ينقص منها شيء، فإن كان قيمة العبد عشرة آلاف أو أكثر، فعلى الجاني خمسة آلاف إلا خمسة دراهم، وكذلك لو قتله: كان عليه عشرة آلاف إلا عشرة دراهم في قول أبي حنيفة ومحمد.

стр. 2390

* وقال أبو يوسف: عليه قيمته بالغة ما بلغت. وروي نحو قول أبي يوسف عن عمر، وعلي، وابن عباس. وروي مثل قول أبي حنيفة عن عبد الله بن مسعود، وإبراهيم وعطاء، وسعيد بن المسيب، والشعبي. * والكلام في هذه المسألة من وجهين: أحدهما: في منع ضمان قيمته بأكثر من الدية، والآخر في النقصان عن الدية. فأما الدليل على امتناع مجاوزته الدية: فهو أن قيمة النفس في الجناية لم تجعل أكثر من الدية، والدليل عليه: أن من قتل من الأحرار لم يجاوز به الدية، مع تفاضل الأنفس، وتفاوت ما بينهما، فثبت أن قيمة النفس في الجناية لا يجوز أن تكون أكثر من الدية، وضمان العبد بالقتل من طريق الجناية، ولا يجوز أن يضمن بأكثر من الدية. والدليل على أن ضمانه من طريق الجناية: أن العاقلة تتحمله، وتجب فيه الكفارة في الخطأ، والقود في العمد. ولا يشبه الغصب، فيضمن الغاصب قيمته بالغة ما بلغت، من قبل أن ضمان الغصب ضمان الأموال، وله أصل متفق عليه، فهو مردود إليه. وأما ضمانه بالقتل، فهو من طريق الجناية، فكان مردودًا إلى أنفس

стр. 2391

الأحرار، في أن قيمتها ليست بأكثر من الدية. فإن قال قائل: لما اتفق الجميع على حطها عن دية الحر إذا كانت القيمة ناقصة، وجب مثله في الزيادة، لأنها قد أشبهت الأموال في جواز النقصان. قيل له: وجوب النقصان لا يخرجه من ضمان الجنايات؛ لأنه دية المرأة أنقص من دية الرجل، وضمانه ضمان الجنايات، ولا يجوز أن تزاد ديتها مع ذلك على دية الرجل الحر. وكذلك دية الجنين أنقص من دية الحي، ولم ينف أن يكون ضمانه ضمان الجنايات، ولا يزاد على الدية من حيث نقص منها. فإن قيل: لما لم يعتبر فيه قدر معلوم، وكان حكم التقويم قائمًا مع إتلافه بالجناية، صح أن حكمه حكم الأموال، دون الجنايات على الأحرار. قيل له: وجوب التقويم، وكون بدله غير مقدر، لا يخرجه من حكم الجناية، ألا ترى أن ما تجب فيه الحكومة من الجنايات على الأحرار غير مقدر، بل هو مقوم، ولا يخرجه ذلك من أن يكون ضمانه ضمان الجناية، وأنه ليس بمال.

стр. 2392

وكذلك تقوم العبد بالقتل، لم يمنع لزوم قيمته العاقلة، ووجوب الكفارة في الخطأ، والقود في العمد، وكذلك لا يسلبه حكم ضمان الجناية في المنع من المجاوزة به الدية. * وإذا ثبت أنه لا يجاوز بقيمته دية الحر: وجب النقصان؛ لأن الناس فيه على قولين: منهم من يجاوز بها الدية، فيوجبها بالغًا ما بلغ، ومنهم من لا يجاوز بها الدية، وكل من لم يجاوز بها الدية: نقص عنها، فلما صح عندنا بما ذكرنا أنه لا يجاوز بها الدية: وجب أن ينقص عنها. * وإنما كان النقصان عشرة دراهم؛ لأن كل من أوجب النقصان، لم يقدر بغير ذلك. مسألة: [دية أعضاء العبيد] قال أبو جعفر: (وفي أذن العبد إذا قطعت، وحاجبه إذا نتف فلم ينبت: النقصان). قال أبو بكر: وروى محمد في إملائه عن أبي حنيفة: أن في إحدى أذني العبد، أو إحدى حاجبيه: نصف القيمة، كما يجب في الحر نصف الدية. وهذا الذي حكيناه عن أبي حنيفة من رواية محمد، هو مرجوع عنه، وحاصل الجواب فيه ما ذكره أبو جعفر.

стр. 2393

روى الرجوع أبو يوسف. وفي قول أبي يوسف ومحمد في ذلك مثل قول أبي حنيفة الآخر. والأصل في ذلك: أن الجنايات على الأحرار يعتبر فيما ذهاب الزينة على حيالها، والنفع على حياله. والدليل على صحة ذلك: اتفاق الجميع من فقهاء الأمطار أن في إحدى أذني الحر: نصف الدية، وعظم ما يراد منها الزينة، فقد روي عن النبي ﵊ "أن في الأذن نصف الدية"، رواه محمد بن إسحاق عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا. وكذلك الأنف: فيه الدية، والمبتغى منه الجمال، وفي اليدين: الدية، وكذلك العين إذا ذهب ضوؤها، والأسنان، وسائر الأعضاء التي فيها المنافع. وكذلك في ذهاب العقل، أو ماء الصلب من ضربة: ففيه الدية، وإنما أبطل المنفعة، فثبت بذلك أن الجنايات على الأحرار يعتبر فيها الجمال على حياله، والنفع على حياله.

стр. 2394

وأما الجنايات على العبيد: فإنما يعتبر فيها المنفعة فحسب؛ لأن ذلك عظم ما يراد منها، وشعر الحاجب واللحية والأذن إنما أعظم ما يراد منها الجمال، فلا يجب فيها أرش مقدر، وإنما يجب النقصان، كما يجب في الدابة وسائر الحيوان التي هي أموال. وأيضًا: فإن الجناية فيما دون النفس على العبيد، لما كان حكمها حكم ضمان الأموال، من جهة سقوط القصاص في عمدها، أشبهت الجناية على سائر الأموال من غير بني آدم، إذ كان عظم ما يراد منها وجود النفع. مسألة: [لا قصاص بين العبيد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (ولا قصاص بين العبيد فيما دون النفس، ولا بين الأحرار والعبيد). قال أبو بكر: وذلك لوجود اعتبار المساواة فيما دون النفس، فلا تؤخذ يد الحر بيد العبد، لعدم المساواة. ولا تؤخذ يد العبد بيد الحر، لمعنى آخر، وهو أن حكم اليدين مختلف في باب تقويم إحداهما، وعدم تقويم الأخرى، فلم تؤخذ إحداهما بالأخرى وإن كانت يد القاطع أنقص، كما لم تؤخذ يد اليسرى باليمنى، لاختلافهما فيما يتعلق بهما من الحكم. ألا ترى أن اليمنى تقطع في السرقة وقطع الطريق، ولا تقطع اليسرى

стр. 2395

عندنا، فلما اختلف حكمها، لم تؤخذ إحداهما بالأخرى. وكذلك يد الحر والعبد، ويد الرجل والمرأة. ولا تؤخذ يد العبد بيد العبد؛ لأن المساواة بينهما إنما تعلم من طريق التقويم والاجتهاد، ولا يجوز إيجاب القصاص على هذا الوجه. والدليل على صحة ذلك: أن من قطع يد رجل من نصف الساعد: لم يقتص منه؛ لأن المساواة فيه لا تعلم إلا من طريق الاجتهاد، فصار ذلك أصلًا في امتناع إيجاب القصاص من جهة الاجتهاد. مسألة: [القصاص بين النساء] قال: (والقصاص واجب بين النساء الحرائر في الأنفس وما دونها). وذلك لتساويهن في الأعضاء، لأن أروشها مقدرة، ولسن كالعبيد فيما بينهم فيما دون النفس؛ لأن أرش يد كل واحد منهم لا يعلم إلا من طريق التقويم. مسألة: [القصاص بين الرجال والنساء] قال: (ولا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس، والقصاص بينهن وبين الرجال في النفس). وإنما لم تجب فيما دون النفس، لما بينا من اختلاف حكم يد المرأة والرجل، والتساوى معتبر فيما دون النفس، ولا اعتبار به في النفس،

стр. 2396

فلذلك وجب القصاص في الأنفس. وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس"أن النبي ﷺ : قتل رجلًا بامرأة"، وروي عن أنس من طرق. وقد روي موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا يونس عن الحسن "أن رجلًا جرح امرأته، فترافعوا إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : القصاص مرتين، فأنزل الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، الآية، فقال النبي ﷺ : "أردنا أمرًا، وأراد الله غيره". فصار أصلًا في نفي القصاص فيما بين الرجل والمرأة فيما دون النفس. مسألة: [قتل الجماعة بالواحد] قال أبو جعفر: (وتقتل الجماعة بالواحد، ولا تؤخذ يدان بيد). قال أبو بكر: روي عن عمر أنه قتل جماعة بواحد من أهل اليمن،

стр. 2397

وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به"، وذلك بحضرة الصحابة، من غير خلاف ظهر من أحد منهم عليه، فصار إجماعًا. وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا﴾، فجعل قاتل الواحد كقاتل جماعة، فإذا اشترك جماعة في قتل رجل، فصاروا كلهم في حكم من قتلوا الناس جميعًا، فيقتلون كلهم. وأيضًا: قوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، ولم يفرق بين من قتله واحد أو اثنان، وقد ثبت أن السلطان المذكور هو القود، فيجب أن يثبت له على جماعتهم. وأيضًا: النفس لا تتبعض في الإتلاف، وكل واحد منهم في الحكم كأنه أخذ بجميعها، فوجب عليه القود، ألا ترى أن التطليقة لما لم تتبعض، كان إيقاعه لبعضها إيقاعًا لجميعها، كذلك مشاركته لغيره في أخذ النفس، وهي لا تتبعض كأخذ جميعها، فلزمه القود.

стр. 2398

ويدل عليه أيضًا: قول النبي ﷺ : "العمد قود". فإن قال قائل: روى يزيد بن هارون عن جويبر عن الضحاك عن النبي ﷺ قال: "لا يقتل اثنان بواحد". قيل له: يحتمل أن يكون في رجلين قتلا، وأحدهما من لا يجب عليه القصاص، وتكون دلالته ما قدمنا. فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾ ينفي أخذ النفسين بالنفس. قيل له: إنما أوجب أخذ النفس بالنفس، والنفسان بالنفس لا ذكر له في الآية، فهو موقوف على دليله. وإن قيل: قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾: ينفي قتل الأنفس بالواحد، لأن القصاص يقتضي المماثلة والمساواة، والنفس الواحدة غير مساوية للجماعة. قيل له: لا دلالة فيها على ما ذكرت؛ لأن القصاص ليس هو أن يستوفي مثل ما أتلف عليه في مقادير أجزائه، لأن الكبير يقتل بالصغير، وإنما معنى القصاص: أن يتلف عليه نفسه، كما أتلف نفس المقتول، وقد قلنا إن كل واحد من هؤلاء متلف للنفس في الحكم.

стр. 2399

وكذلك إن احتج بقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. قلنا له: إن هذا إنما أتلفنا عليه مثل ما تناول؛ لأنه متناول لجميع النفس في الحكم، إذ كانت النفس لا تتبعض في الإتلاف، فيستحق عليه مثل ما أتلف. * وأما اليدان فلا تؤخذان بيد واحد؛ لأن اعتبار المساواة واجب فيما دون النفس، بدلالة أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء بالاتفاق، فكذلك لا تؤخذ يدان بيد. مسألة: [القصاص بين الوالد والولد] قال: (ولا قصاص بين والد وولده فيما جناه الوالد في النفس، ولا فيما دونها). وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن حده قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقتل والد بولده".

стр. 2400

ولقول النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك"، فأضافه إليه كما أضاف إليه مال، وإطلاق هذه الإضافة ينفي القود، كما لم يقتل المولى بالعبد؛ لإضافته إليه بالملك. وكون الأب غير مالك لابنه، لا ينفي استدلالنا من الوجه الذي قلنا؛ لأن القود تسقطه الشبهة، وصحة إطلاق الإضافة كإضافة الملك شبهة في سقوطه. ويدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم"، فأضاف الولد إليه، وسماه كسبًا، كما أن عبده كسبه، فصار ذلك شبهة في سقوط القود. وأيضًا: لا خلاف بين الفقهاء في أنه لو حذفه بسيفه، فقتله: لم يقتل به، فكذلك إذا ذبحه. كما لم يختلف حكم القود في الأجنبي في حذفه إياه بالسيف، أو ذبحه، فلما انتفى القود في أحدهما: دل على أنه إنما لم يقتل في حذفه إياه بالسيف، لأنه ممن لا يقتل به بحال.

стр. 2401

فإن قال قائل: لأنه يملك تأديب ابنه، وحذفه إياه بالسيف على وجه التأديب. قيل له: لا يجوز له تأديبه بالسيف بلا خلاف، فلا فرق في هذا بينه وبين الأجنبي. فإن قيل: فأوجب القود عليه إذا قتل ابنه وهو عبد لحق المولى. قيل له: لا يجوز ذلك، من قبل أن المولى لا يملك هذا المعنى من عبده، ألا ترى أنه لا يجوز له قتله، ولا يجوز إقراره أيضًا عليه بالقتل، فلا فرق بين أن يكون حرًا أو عبدًا في نفي القصاص عن الأب. وأيضًا: فإن أحدًا لم يفرق بينهما. ويدل على صحة قولنا: أن الابن لو ورث قودًا على الأب من جهة غيره: لم يكن له أن يقتله، فدل على أنه لا يملك القود عليه بحال. مسألة: [قطع يمين رجلين عمدًا] قال: (وإذا قطع يمين رجلين عمدًا: كان لهما أن يقطعا يده اليمنى، ويضمناه دية يد بينهما. ولو قتل رجل رجلين: قتل بهما، ولا شيء عليه لهما غير ذلك). قال أبو بكر: وإنما كان هذا هكذا، من قبل أنهما إذا أخذا اليد بينهما، فكل واحد منهما مستوف لنصفها، واعتبار المساواة واجب فيما دون النفس، فلم يجز أن نجعله مستوفيًا لجميع حقه، وهو إنما استوفى نصفه، فبقي له إلى تمام حقه النصف، فيستوفيه من المال؛ لأن القاطع

стр. 2402

ممسك لذلك لنفسه، لأنه قضى به حقًا عليه، فانتقل حق المقطوع إلى المال. * وأما النفس: فلما سقط فيها اعتبار المساواة: جاز أن يكون مستوفيًا لحقه بأخذ بعض النفس مع صاحبه، كما لو اقتص منه وهو مريض، كان مستوفيًا لحقه، ولم يكن له خيار في العدول عنه إلى المال قبل القتل. ولو قطع يده، ويد القاطع شلاء: كان له أن يعدل عن القصاص إلى المال، لأجل نقصان يده عن يده. وأيضًا: فلما كانت اليد قد يجب فيها مال من غير شبهة، أشبهت الجناية على الأموال من هذا الوجه. والدليل على أنه قد يجب فيها المال من غير شبهة: أن يد القاطع إذا كانت شلاء: كان للمقطوع يده أخذ الدية، ولا يجب مثله في النفس إذا كان القاتل ناقصًا عن المقتول. ويدل على الفرق بينهما: ما قد مناه من أنه لا يجوز أخذ اليدين باليد الواحدة، ويجوز أخذ النفسين بالنفس الواحدة. ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قتل رجلين عمدًا، ثم حضر ولي أحدهما، فاستوفى القصاص لنفسه: أنه لا شيء للآخر. ولو قطع يديهما، فحضر أحدهما، واستوفى اليد بالقصاص: كان للآخر دية اليد؛ لأنه قد ثبت بما قدمناه أن استحقاق بعض اليد يوجب

стр. 2403

المال، فكذلك استحقاق جميعها. ولما كان استحقاق بعض النفس لا يوجب المال، كذلك كان استحقاق جميعها، فثبت بما وصفنا إيجاب الفرق بين من قطع يد رجلين فقطع لهما، وبين قتل رجلين إذا قتل لهما. مسألة: [اجتمع في الجناية من لو تفرد بها وجب القصاص مع من لو تفرد بها يجب القصاص] قال: (وإذا اجتمع في الجناية من لو تفرد بها وجب القصاص فيها، ومن لو تفرد بها لم يلزمه القصاص: لم يكن عليهما فيما قصاص. وكان عليهما الدية: على الذي لو تفرد بها كان عليه القصاص: في ماله، وعلى الآخر: على عاقلته). قال أبو بكر: الأصل فيه: أن النفس لما لم تتبعض في الإتلاف، وكانت محظورة في الأصل، ثم اجتمع فيها سبب الإباحة، وهو قتل من يجب عليه القود، وسبب الحظر، وهو قتل من لا قود عليه: كان سقوط الفرد لوجود جهة الحظر أولى من وجوبه، لوجود جهة الإباحة، أعني إباحة دم القاتل. والدليل على صحة ذلك: اتفاق الجميع على أن أحدهما لو كان مخطئًا، والأخر عامدًا: لم يقتل العامد، وكذلك إذا كان أحدهما مجنونًا، والأخر صحيحًا، أو أحدهما بسيف، والآخر بعصا: وجب

стр. 2404

أن يكون وجود فعل من لا يستحق عليه القود بفعله مسقطًا للقود عن الآخر. ويدل عليه: الجارية بين رجلين، إذا وطئها أحدهما: لم يجب عليه حد؛ لأن ظهره محظور، فلا يستباح مع وجود سبب الإباحة والحظر معًا، وكان اعتبار جهة الحظر أولى. ووجه آخر في أن سقوط القود فيما وصفنا أولى من وجوبه: وهو أن القود قد يتحول مالًا بعد ثبوته، والمال لا يتحول قصاصا بوجه، فكان ما لا ينفسخ إلى غيره، أولى بالإثبات مما ينفسخ. وليس هذا كرجلين قتلا رجلًا عمدًا، وعفا الولي عن أحدهما: فيقتل الآخر، من قبل أنهما قد استحقا القود بدءًا، وسقوطه عن الآخر بالعفو، ليس بشبهة في سقوطه عن الآخر، ولو كان هذا موجبًا للقصاص في مسألتنا، لأوجبه إذا كان أحدهما مخطئًا، والآخر عامدًا، فلما لم يدل ذلك على وجوب القصاص على العامد فيما إذا كان الآخر مخطئًا، كذلك فيما وصفناه. وأيضًا: فإنه إذا عفا عن أحدهما، فقد سقط حكم قتله، وصار بمنزلة من لم يشارك فيه، فلذلك وجب القود على الآخر. وأما المجنون، فحكم فعله ثابت على وجه الخطأ، وذلك موجب لحظر الدم، فلذلك اختلفا.

стр. 2405

وأيضًا: فإن كلامنا فيما يتعلق حكمه بالفعل من الإيجاب، فلا يجوز أن يلزم عليه البقاء، لأن البقاء غير الوجوب بدءًا، وقد يختلف حكم الابتداء والبقاء في كثير من الأصول، نحو العدة تمنع ابتداء عقد النكاح، وإذا طرأت عليه لم تمنع بقاءه، وإباق العبد يمنع ابتداء العقد، ولو أبق بعد البيع، لم يفسد العقد. فإن احتجوا بظواهر الآي والسنن الموجبة للقود على العامد. قيل لهم: ما وصفنا من الدلالة يخصه. وأيضًا: فإن الظواهر إنما أوجبت القود في العمد، وهذا في حكم الخطأ بما وصفنا. وأيضًا: كما لا تلزمك ظواهر الآي والسنن في إسقاطك القود عن العامد مع المخطئ، كذلك لا تلزمنا في العاقل مع المجنون. * قال أبو بكر: وأما قوله: إنما يلزم العامد الذي لو انفرد لزمه القصاص: في ماله، وما لزم الآخر: فعلى عاقلته: فمن قبل أن فعل العامد لا شبهة فيه، وهو يوجب القصاص لو انفرد، وإنما سقط بفعل الآخر، فصار كأحد وليي الدم إذا عفا: فيلزم القاتل نصيب الآخر في ماله. وأما فعل الآخر: فإنه لم يكن مما يوجب القود لو انفرد، فصار خطأ، فلزم عاقلته. ولهذا المعنى قال أصحابنا في الأب إذا قتل ابنه عمدًا: أن عليه الدية

стр. 2406

في ماله؛ لأن فعله عمد لا شبهة فيه، فاستحق به القصاص، وسقط في الثاني حين تعذر استيفاؤه. كذلك إن قطع رجل يد رجل من نصف الساعد عمدًا: فعليه الأرش في ماله؛ لأن فعله عمد لا شبهة فيه، وسقوط القود لتعذر استيفائه. ******

стр. 2407

باب كيفيات القتل والجراحات قال أبو جعفر: (والقتل على ثلاثة أوجه: عمد، وخطأ، وشيبه عمد. فأما العمد: فهو ما تعمده بسلاح، أو بغيره مما يجرح، فقتله به: ففيه القود، وهو القصاص بالسيف، لا بما سواه، ولا دية فيه، إلا أن يصطلح على ذلك الجاني وولي المجنى عليه، فيبطل القود، ويكون ما اصطلحا عليه على الجاني في ماله حالًا، إلا أن يكون وقع الصلح بينهما على أنه إلى أجل، فيكون إلى ذلك الأجل). قال أبو بكر: قد جمع عدة مسائل في هذا الفصل قبل استيفاء أحكام وجود القتل الذي بدأ بذكرها، فالوجه أن نتكلم في كل مسألة منها، ثم نرجع إلى باقي أقسام القتل التي ابتدأ بها. فمنها: حقيقة قتل العمد الموجب للقود باتفاق من أصحابنا. ومنها: أن قتل العمد لا يوجب الدية إلا بتراضيهما عليها، وهذه المسألة قد اختلف فيها فقهاء الأمطار، فقال بعضهم: للولي أن يختار

стр. 2408

الدية بغير رضا القاتل. ومنها: جواز الصلح من قتل العمد على مال. ومنها: أن ما يقع عليه الصلح من مال، فهو حال في ماله ما لم يشترط فيه الأجل. * فأما حقيقة العمد الذي وصفه، فلا خلاف في وجوب القود به، ويقتضيه عموم قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وقوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، وقوله: ﴿النفس بالنفس﴾، وقول النبي ﷺ : "العمد قود". وأما الدليل على أن القتل العمد لا تستحق به إلا الدية إلا بتراضيهما: فقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾. فأوجب القصاص بالآية، ولم يذكر المال، فلا يجوز إثبات المال

стр. 2409

فيه؛ لأنه زيادة في النص، ولا يجوز عندنا الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ. وقوله: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، وقد ثبت باتفاق الجميع أن القود مراد، فصار القود كالمنطوق به في اللفظ، إذ كان مرادًا بالاتفاق، فصار تقديره: ومن قتل مظلومًا، فقد جعلنا لوليه قودًا، فيكون هو الواجب دون غيره. ويدل عليه قوله: ﴿النفس بالنفس﴾. ومن جهة السنة: حديث إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول"، فلم يجعل للولي إلا أحد شيئين: القود، أو العفو، وموجب الدية مخالف للخبر. وروى سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عميًّا، أو رميًا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا، فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدًا فقود به، فمن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة

стр. 2410

والناس أجمعين". فأوجب في العمد القود، لا غير، ولعن من منع منه، فانتقى به الخيار في أخذ الدية من ثلاثة أوجه: أحدها: أن في إثبات الخيار زيادة في النص، ولا يجوز ذلك عندنا إلا مثل ما يجوز به النسخ. والثاني: أن في الأصول: أن كل من ثبت له حق على غيره، فليس له نقله إلى البدل إلا بتراضيهما، ألا ترى أن من كان له على آخر دراهم، فليس له نقلها إلى الدنانير إلا برضاه، وكذلك سائر الحقوق لا تنتقل إلى الأبدال إلا بالرضا. والثالث: أن قوله: "من قتل عمدا فقود به": يقتضي وجوب القود أبدًا، إلا حال يقوم الدليل على جواز إسقاطه. فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ بعد قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾: يدل على أن للولي أخذ الدية بغير رضا القاتل؛ لأنه قد أوجب المال بعد العفو عن القصاص، وألزم الآخر الأداء إليه بإحسان، وقد أثبت المال مع القصاص على وجه التخيير.

стр. 2411

قيل له: ليس في الآية دليل على ما ادعيت؛ لأن اسم العفو في اللغة يقع على التسهيل والتوسعة والفصل، كقوله: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾، معناه: سهل عليكم، وكقوله: ﴿خذ العفو﴾: يعني الفضل. فاحتمل أن يكون عفوًا من جهة القاتل، بأن يسهل ويسمح بإعطاء الدية برضا الولي، فندب الولي إلى اتباعه بالمعروف، وأمر القاتل بأدائه إليه بإحسان، وتكون فائدته: تسهيله علينا، وتخفيفه عنا في إباحة أخذ المال عن القصاص. وقد روي عن ابن عباس أنه لم يكن في بني إسرائيل غير القصاص في العمد، ولم يكن بينهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ الآية. قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الولي الدية في العمد، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان. قال: على هذا أن يتبع بالمعروف، وعلى هذا أن يؤدي بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ فيما كان كتب على من قبلكم. رواه مجاهد وغيره عن ابن عباس.

стр. 2412

وقال فيه جابر بن زيد: "العفو": أن يقبل الدية في العمد برضا أهله. فأطلق ابن عباس اسم العفو على إعطاء القاتل الدية، وأبان فائدة الآية في تخفيفه عنا ما كان مغلظًا على بني إسرائيل من وجوب القصاص لا غير. فإن قبل: العفو في اللغة هو: ترك حق له إلى بدل. قيل له: إن العفو يقع على ما ذكرت، وعلى ما قلنا أيضًا، ولولا أن اسم العفو يحتمل ما وصفنا، لما تأوله ابن عباس عليه، إذ غير جائز لأحد أن يتأول الآية على معنى لا يصلح أن يكون اللفظ عبارة عنه بحال. وعلى أن ابن عباس حين قال: إن العفو يقع على بذل القائل الدية، فليس يخلو من أن يكون قاله من طريق اللغة أو الشرع، فإن قاله من جهة اللغة، فهو حجة فيها، إذ كان من أهلها، وإن قاله من جهة الشرع، لم يقله إلا توقيفًا؛ لأن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفًا. وعلى أنه إن كان اسم العفو يقع على ما ذكرت من إسقاط حق إلى بدل، فقد هدمت أصلك ونقضته على لسانك؛ لأنك إذا جعلت له الدية، فإنما أسقطت القود إلى بدل آخر غيره، وذلك خلاف ما يقضيه اللفظ، فيدل على أن المراد ما وصفنا، وأنه لو كان الأمر على ما زعم لقال: ﴿فمن عفي عنه﴾، ولم يكن يقول: ﴿فمن عفي له﴾، ومعناه صحيح؛ لأنه

стр. 2413

قال: فمن سهل له بإعطاه المال، فليأخذه. ويعضد هذا التأويل قول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، وقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. فحظر أخذ مال الغير إلا بالتراضي، فوجب أن يحمل معنى ما اختلفنا فيه على موافقة هذه الألفاظ، وهو مع ذلك عموم يصح الاحتجاج به ابتداء في المسألة. ووجه آخر في تأويل الآية: وهو أنه يحتمل أن يكون المراد عفو بعض الأولياء، فيتبع من لم يعف بحصته من الدية، ودلالة هذا التأويل ظاهرة في فحوى الآية من وجهين: أحدهما: قوله ﴿فمن عفي له من أخيه﴾، و "من" للتبعيض. والآخر: قوله: ﴿شيء﴾: لم يقل: "الكل". ويصححه أيضًا: أن الذي أمر بالاتباع هو غير العافي، فدل أن المال ثبت له بعفو غيره. ودليل آخر: وهو أن النفس مما له مثل يستحقه الولي، وهو القود، فوجب أن يكون القود هو الواجب، لقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه

стр. 2414

بمثل ما اعتدى عليكم﴾. ويدل على صحة ذلك أيضًا: اتفاق الجميع على أن من استهلك ما له مثل، كان المثل هو الواجب دون القيمة، فوجب أن يكون المستحق بالقتل هو القود لا غير، وأن لا ينقل إلى القيمة إلا بالتراضي. ويدل عليه أيضًا: أن ما دون النفس لما كان له مثل، لم يجز نقله إلى القيمة إلا بالتراضي. وأما ما روى أبو شريح الكعبي وأبو هريرة عن النبي ﷺ "أن من قتل قتيلًا فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا"، فإن معناه عندنا: إباحة الدية برضا القاتل. والدليل عليه: ما ذكر في حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل عن سفيان بن أبي العوجاء عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال: "من أصيب بقتل، أو بخبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية". فسوى بين القتل وبين الخبل، والخبل: والجراح.

стр. 2415

وقد اتفق الجميع أنه لا يأخذ الأرش فيما دون النفس إلا برضا الجارح كذلك النفس. فإن قيل: العموم يقتضي إيجاب الخيار فيهما جميعًا، وإنما خصصنا ما دون النفس بدلالة، وبفي حكم العموم في النفس. قيل له: وجميع ما قدمناه دليل على أن رضا القاتل شرط في استحقاق الدية. ويدل على صحة تأويلنا: ما روي في بعض ألفاظ الحديث: "إما أن يقتل، وإما أن يفادي"، والمفاداة تكون من اثنين، وهو كقول الله تعالى: ﴿فإما منًّا بعد وإما فداء﴾، فكان رضا الأسير شرطًا في الفداء، وإن لم يكن مذكورًا في اللفظ، إذ كان لفظ المفاداة يقتضيه. فإن احتجوا من جهة النظر بإن في دفع الدية إحياء نفسه، ومن قدر على إحياء نفسه كان عليه إحياؤها، فتلزمه الدية شاء أو أبى. قيل له: الموضع الذي يلزم فيه إحياء النفس لا يختلف فيه حكم الجاني وحكم غيره، في أن على كل واحد منهم إحياء نفس من قد أشرف على التلف، كالمضطر إلى الطعام والشراب، فيلزم على ذلك أن يجبر الولي على أخذ الدية لإحياء نفس القاتل.

стр. 2416

وأيضًا: كان ينبغي أن لا يختلف حكم الدية وما فوقها، لأن من كان عليه إحياء نفسه لم يختلف فيه حكم الدية وما فوقها. وأيضًا: كما يلزمه إحياء نفسه، فعليه إحياء أعضائه، وقد اتفقوا أنه لا يؤخذ منه الأرش إلا برضاه. فإن قيل: لما جاز الصلح من الدم على مال، دل على أن القتل يوجب المال باختيار الولي، كما يوجب القود. قيل له: يجوز إيقاع الطلاق بمال برضا المرأة، ولا يدل على أنه له أن يلزمها المال بغير رضاها. فصل: وأما جواز الصلح من قتل العمد على مال، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. وقول النبي ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بالخيار: أن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية". ونسخ بذلك ما كان على بني إسرائيل من وجوب القصاص لا غير،

стр. 2417

تخفيفًا من الله عنا. فصل: وأما قوله: إن ما وجب من المال بالصلح من دم العمد، فهو في ماله حال: من قبل أن هذا مال يستحقه بعقد، وكل مال وجب عن عقد، فهو حال حتى يشترط الأجل، كأئمان البياعات، والمهور، وسائر الأبدال، لا تثبت الآجال فيها إلا بالشرط، كذلك ما وصفنا. وليس هذا كقتل الخطأ، ومن قتل ابنه عمدًا، فتكون الدية في ثلاث سنين، من قبل أن المال في هذا الوجه وجب بنفس القتل لا بعقد، وقيمة النفس الواجبة بالقتل لا تجب إلا مؤجلة. مسألة: [لا كفارة في القتل العمد على الجاني] قال أبو جعفر: (ولا كفارة في ذلك على الجاني). قال أبو بكر: والأصل في ذلك عندنا: أن المنصوص لا يقاس على غيره، ولا تصلح الزيادة فيه إلا بمثل ما يجوز به نسخه، لأن الزيادة في النص الذي يمكن استعماله على ظاهره، يوجب النسخ، فلما نص الله

стр. 2418

تعالى على قتل العمد بإيجاب القود، دون الكفارة، كما قضى على حكم الخطأ بإيجاب الكفارة والدية: وجب علينا إجراه حكم كل واحد من القتلين على ما ورد به التوقيف، دون قياسه على صاحبه في زيادة فيه، أو نقصان منه. كما أنه لما نص على حكم الوضوء في أربعة أعضاء، وعلى حكم التيمم في عضوين، لم يرد أحدهما على الآخر في إكمال الأعضاء. وكما أنه لما نص على قطع يد السارق، ونص على قطع يد قاطع الطريق ورجله، لم يحمل أحدهما على الآخر، إذ كان كل واحد منهما منصوصا على حكمه. فإن قال قائل: ليس قياس العامد على المخطئ قياس المنصوص على المسكوت؛ لأن الكفارة في العمد غير منصوص عليها. قيل له: حكم قتل العمد منصوص عليه من غير إيجاب الكفارة، فلا تلحق به الكفارة مع القود؛ لأنه لا يخرجه ذلك من أن يكون قد قاس المنصوص على المنصوص، كما أن العضوين في التيمم، وقطع الرجل في السرقة وإن لم يكن مذكورًا في الآية، لم يجز إيجابها قياسًا على المذكور في الوضوء، إذ كل واحد منهما منصوص على حكمه. فإن قيل: لما ذكر الشهادة في بعض المواضع مقيدة بوصف العدالة، ثم أطلقها في موضع غير مقيدة بشرط العدالة، كانت العدالة مشروطة في الجميع، وكان المسكوت عنه من صفة العدالة، محمولًا على

стр. 2419

المنصوص عليه فيها. قيل له: ليس كذلك، لأنا إنما شرطنا العدالة في الجميع بعموم لفظ ينتظم سائر الشهادات، وهو قوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. فإ قيل: حملتم خطأ قتل الصيد على عمده، وإن كان المنصوص عليه هو العمد. قيل له: لأن الخطأ غير منصوص على حكمه في الكتاب. فإن قيل: قستم الآكل والشارب في شهر رمضان على المجامع في إيجاب الكفارة. قيل له: ليس كما ظننت، بل بعموم لفظ يقتضيها، وهو ما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله! أفطرت في شهر رمضان، فأجابه عن الجميع بإيجاب الكفارة، فصار ذلك كعموم لفظ من النبي ﷺ في إيجابها على كل مفطر، إلا ما قام دليله. وأيضًا: قد اتفق الجميع على أن كفارة شهر رمضان غير مقصورة على ما ورد به الأثر، ألا ترى أن هناك معنى مطلوبا به تعلق وجوب الكفارة، فساغ الاجتهاد في طلب المعنى. فإن قيل: حملتم التيمم على الوضوء في استيعاب اليدين إلى المرفقين.

стр. 2420

قيل له: ليس كذلك، بل لأخبار رويت عن النبي ﷺ في استيعابهما إلى المرفقين، منها: ما روي في حديث عمار، وفي حديث الأسلع، وحديث ابن عباس. وأيضًا: فإن من أصلنا: أنه لا يجوز إثبات الكفارات قياسا، وإنما طريقها التوقيف. فإن احتجوا بما روى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف بن الديلمي عن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب –يعني النار- بالقتل، قال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار". قيل له: هذا الحديث لا يصححه أهل المعرفة بالحديث، وذلك لأن الغريف بن الديلمي مجهول لا يدرى من هو؟ ولا يعرف إلا من هذا الحديث. وعلى أنه لو صح، لم تثبت الزيادة المذكورة في رواية ضمرة، وهو قوله: "أوجب –يعني النار- بالقتل": من قبل أن ابن المبارك، وهاني بن
следующие страницы →