← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وأيضًا: كان ينبغي أن لا يختلف حكم الدية وما فوقها، لأن من كان عليه إحياء نفسه لم يختلف فيه حكم الدية وما فوقها. وأيضًا: كما يلزمه إحياء نفسه، فعليه إحياء أعضائه، وقد اتفقوا أنه لا يؤخذ منه الأرش إلا برضاه. فإن قيل: لما جاز الصلح من الدم على مال، دل على أن القتل يوجب المال باختيار الولي، كما يوجب القود. قيل له: يجوز إيقاع الطلاق بمال برضا المرأة، ولا يدل على أنه له أن يلزمها المال بغير رضاها. فصل: وأما جواز الصلح من قتل العمد على مال، فالأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. وقول النبي ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بالخيار: أن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية". ونسخ بذلك ما كان على بني إسرائيل من وجوب القصاص لا غير،

стр. 2417

تخفيفًا من الله عنا. فصل: وأما قوله: إن ما وجب من المال بالصلح من دم العمد، فهو في ماله حال: من قبل أن هذا مال يستحقه بعقد، وكل مال وجب عن عقد، فهو حال حتى يشترط الأجل، كأئمان البياعات، والمهور، وسائر الأبدال، لا تثبت الآجال فيها إلا بالشرط، كذلك ما وصفنا. وليس هذا كقتل الخطأ، ومن قتل ابنه عمدًا، فتكون الدية في ثلاث سنين، من قبل أن المال في هذا الوجه وجب بنفس القتل لا بعقد، وقيمة النفس الواجبة بالقتل لا تجب إلا مؤجلة. مسألة: [لا كفارة في القتل العمد على الجاني] قال أبو جعفر: (ولا كفارة في ذلك على الجاني). قال أبو بكر: والأصل في ذلك عندنا: أن المنصوص لا يقاس على غيره، ولا تصلح الزيادة فيه إلا بمثل ما يجوز به نسخه، لأن الزيادة في النص الذي يمكن استعماله على ظاهره، يوجب النسخ، فلما نص الله

стр. 2418

تعالى على قتل العمد بإيجاب القود، دون الكفارة، كما قضى على حكم الخطأ بإيجاب الكفارة والدية: وجب علينا إجراه حكم كل واحد من القتلين على ما ورد به التوقيف، دون قياسه على صاحبه في زيادة فيه، أو نقصان منه. كما أنه لما نص على حكم الوضوء في أربعة أعضاء، وعلى حكم التيمم في عضوين، لم يرد أحدهما على الآخر في إكمال الأعضاء. وكما أنه لما نص على قطع يد السارق، ونص على قطع يد قاطع الطريق ورجله، لم يحمل أحدهما على الآخر، إذ كان كل واحد منهما منصوصا على حكمه. فإن قال قائل: ليس قياس العامد على المخطئ قياس المنصوص على المسكوت؛ لأن الكفارة في العمد غير منصوص عليها. قيل له: حكم قتل العمد منصوص عليه من غير إيجاب الكفارة، فلا تلحق به الكفارة مع القود؛ لأنه لا يخرجه ذلك من أن يكون قد قاس المنصوص على المنصوص، كما أن العضوين في التيمم، وقطع الرجل في السرقة وإن لم يكن مذكورًا في الآية، لم يجز إيجابها قياسًا على المذكور في الوضوء، إذ كل واحد منهما منصوص على حكمه. فإن قيل: لما ذكر الشهادة في بعض المواضع مقيدة بوصف العدالة، ثم أطلقها في موضع غير مقيدة بشرط العدالة، كانت العدالة مشروطة في الجميع، وكان المسكوت عنه من صفة العدالة، محمولًا على

стр. 2419

المنصوص عليه فيها. قيل له: ليس كذلك، لأنا إنما شرطنا العدالة في الجميع بعموم لفظ ينتظم سائر الشهادات، وهو قوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. فإ قيل: حملتم خطأ قتل الصيد على عمده، وإن كان المنصوص عليه هو العمد. قيل له: لأن الخطأ غير منصوص على حكمه في الكتاب. فإن قيل: قستم الآكل والشارب في شهر رمضان على المجامع في إيجاب الكفارة. قيل له: ليس كما ظننت، بل بعموم لفظ يقتضيها، وهو ما روي أن رجلًا قال: يا رسول الله! أفطرت في شهر رمضان، فأجابه عن الجميع بإيجاب الكفارة، فصار ذلك كعموم لفظ من النبي ﷺ في إيجابها على كل مفطر، إلا ما قام دليله. وأيضًا: قد اتفق الجميع على أن كفارة شهر رمضان غير مقصورة على ما ورد به الأثر، ألا ترى أن هناك معنى مطلوبا به تعلق وجوب الكفارة، فساغ الاجتهاد في طلب المعنى. فإن قيل: حملتم التيمم على الوضوء في استيعاب اليدين إلى المرفقين.

стр. 2420

قيل له: ليس كذلك، بل لأخبار رويت عن النبي ﷺ في استيعابهما إلى المرفقين، منها: ما روي في حديث عمار، وفي حديث الأسلع، وحديث ابن عباس. وأيضًا: فإن من أصلنا: أنه لا يجوز إثبات الكفارات قياسا، وإنما طريقها التوقيف. فإن احتجوا بما روى ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف بن الديلمي عن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب –يعني النار- بالقتل، قال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار". قيل له: هذا الحديث لا يصححه أهل المعرفة بالحديث، وذلك لأن الغريف بن الديلمي مجهول لا يدرى من هو؟ ولا يعرف إلا من هذا الحديث. وعلى أنه لو صح، لم تثبت الزيادة المذكورة في رواية ضمرة، وهو قوله: "أوجب –يعني النار- بالقتل": من قبل أن ابن المبارك، وهاني بن

стр. 2421

عبد الرحمن بن أخي إبراهيم بن أبي عبلة، قد رويا هذا الحديث عن ابن أبي عبلة، فلم يذكروا أنه أوجب بالقتل، وأكثر ما قالوا: "في صاحب لنا أوجب"، وهؤلاء أثبت من ضمرة فيما تفرد به من هذا اللفظ. وعلى أنه لو ثبت، وسلم لهم لفظ الحديث، لم يصح الاحتجاج به، لما في لفظه من الدلالة على أنه تأويل من الراوي؛ لأنه قال: أوجب –يعني النار- بالقتل. فإن قيل: إنما قال: يعني في النار خاصة دون القتل. قيل له: بل هو عليهما جميعًا. وعلى أنه لو ثبت اللفظ على ما ادعوه، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف، وذلك لأنه ﷺ قال لهم: "أعتقوا عنه"، ولم يقل: عليه أن يعتق عن نفسه، ولا خلاف أن السائلين لم يكن عليهم أن يعتقوا عنه إلا بعد سماعهم ذلك من النبي ﷺ ، لا قبل ذلك، فأين موضع الدلالة من الخبر على وجوبها على القاتل؟ وليس له ذكر في الخبر، وما في الخبر فغير واجب بالاتفاق، وكيف يدل على وجوبها في غيرها؟. فإن راموا إثباتها من طريق القياس، فقد بينا أنه لا تثبت الكفارات بالقياس.

стр. 2422

وعلى أنا مع ذلك نبين لهم فساد قياسهم في إثبات هذه الكفارات، بأن نقول لهم: بينوا وجه القياس فيها. فإن قال: أقيسه على الخطأ بمعنى: أنه أتلف نفسا محظورة، وذلك موجود في العمد. قيل له: هذا غلط؛ لأن الحظر لا يتناول فعل الخطأ، قال الله تعالى: ﴿إن نسينا أو أخطانا﴾. وقال النبي ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان". فإن قيل: لما قال: ﴿من قتل بغير نفسن﴾، كان كالمخطئ. قيل له: فيجب إيجابها على من قتل مرتدا أوحربيا؛ لأنه قتل نفسا بغير نفس. فإن قيل: المعنى في المخطئ: أنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها. قيل له: اعتبار الحظر والإباحة، وعدم الأمر ووجود النهي، ساقط في المخطئ، لأنه لا يلحقه حكم الحظر فيما تناول، كالناس والنائم، فإذا لم يكن الوصف الذي جعلته علة للعامد موجودا في المخطئ، لم يصح للقياس وجه. وأيضًا: الواقف في صف المشركين من المسلمين، لنا قتله إذا لم

стр. 2423

نعلمه مسلمًا، ومع ذلك تجب الكفار، فعلمنا أن وجوب الكفارة لا يتعلق بالأمر والنهي. فإن قيل: لما وجبت على المخطئ، مع عدم المأثم، فالعدمد أولى بها، مع اكتسابه المأثم بالقتل. قيل له: هذا الذي ذكرت بعينه، يمنع قياسها على المخطئ؛ لأنا قد بينا أن موضوعها لا لمأثم، إذ لا مأثم على المخطئ، فلو أوجبناها على العامد قياسًا على المخطئ، لوجب أن يكون وجوبها متعلقا بالمأثم، وليس ذلك موضوعها في الأصل. وعلى أن سجود السهو وجب في الأصل على الساهي، ولم يجب على العامد وإن كان أغلظ من السهو فيما يتعلق به من الإساءة. وعلى أن سجود السهو وجب في الأصل على الساهي، ولم يجب على العامد وإن كان أغلظ من السهو فيما يتعلق به من الإساءة. وعلى أن قياسهم لو ساغ في إثبات الكفارة، أو سلمناه لهم: كان معارضًا بقياس مثله في نفيها، وهو اتفاق الجميع على أن من قتل رجلًا قودًا: لم يكن عليه كفارة، والمعنى فيه: أنه قتله غير مخطئ في قتله، فكل من باشر قتلًا هو غير مخطئ فيه، فلا كفارة عليه. ويستدل على المسألة من جهة العموم: بقول النبي ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه"، فلا يجوز إثبات الكفارة في ماله إلا بطيبة من نفسه بحق العموم.

стр. 2424

فصل: [قتل الخطأ] قال أبو جعفر: (وأما الخطأ فهو ما أصابه فقتله مما لم يرده، وإنما أراد غيره، ففي ذلك الدية على العاقلة في ثلاث سنين). قال أبو بكر: الخطأ ضربان: أحدهما ما قال، والآخر: أن يقصده بعينه بالضرب والقتل، إلا أنه يظنه ممن يجوز له قتله، كالذي يرمي رجلًا في صف الكفار يظنه كافرًا، فإذا هو مسلم، فهذا أيضًا خطأ. وقد روي "أن المسلمين قتلوا يوم أحد أبا حذيفة بن اليمان ظنوه مشركًا، فجعل النبي ﷺ فيه الدية". ونظيره: ما ذكره أبو جعفر: أن يرمي صيدًا أو كافرًا، فيصيب مسلمًا،

стр. 2425

فهذا أيضًا خطأ، والدية فيه على العاقلة، لما روي أن النبي ﷺ جعل الدية على العاقلة. وهي عليهم في ثلاث سنين، لما بيناه فيما سلف، وهو ما روي في ذلك عن همر بحضرة الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، ولا ظهور خلاف منهم إياه. فصل: [دية الخطأ] (ودية الخطأ أخماسًا: عشرون ابن مخاض، وعشرون ابنة مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة). قال أبو بكر: هي أسنان الإبل في الصدقات، وزادت سن، وهو ابن مخاض، وهذا قول أصحابنا جميعًا، وهو قول عمر بن الخطاب،

стр. 2426

وعبد الله بن مسعود. وروى عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطأ أرباعًا خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمسون وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، أربعة أسنان مثل أسنان الزكاة. وروي عن عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت في الخطأ: ثلاثون جذعة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت مخاض. وروي عنهما مكان الجذع الحقاق. فأما الحجة لقول أصحابنا: فهي ما رواه الحجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك الطائي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "في دية الخطأ: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو مخاض ذكورًا".

стр. 2427

وقال بعض من وافق أصحابنا في الأخماس، عشرون ابن لبون مكان بني مخاض، وهذا الحديث قد نص على بني مخاض، وأبان عن خطأ قوله. وأيضًا: في حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ ، وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن "أن في النفس مائة من الإبل". وعمومه يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم، فلما اتفق الجميع على أن ما دون الأخماس على الوجه الذي ذكرناه لا يؤخذ في الدية، ثبت هذا القدر من الأسنان، وما فوقها لم نثبته إلا بدليل، وفي إيجاب ابن لبون مكان بني مخاض، زيادة سن، فلا نثبتها إلا بدليل. وأيضًا: فابن لبون مساو لابنة مخاض، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "فإن لم تجد بنت مخاض فابن لبون". ذكر في الصدقة، فيصير في معنى إيجاب أربعين بنت مخاض، وهذا فاسد بالاتفاق. فإن قيل: ابن اللبون له أصل في الوجوب في الزكاة، ولا يؤخذ ابن

стр. 2428

مخاض فيها، فكان ابن اللبون أولى. قيل له: إنما يؤخذ ابن اللبون على وجه البدل، فهو بمنزلة الشاتين لما أخذنا على وجه البدل في الزكاة، لم نوجب في الدية. وأيضًا: لما كانت دية الخطأ في الأصل موضوعة على التخفيف، فجعلت في ثلاث سنين، وعلى العاقلة، وألزم كل واحد ثلاث دراهم أو أربعة، كانت أخف من الزكاة، لأنها تلزم وقت الوجوب، فلما كان في الزكاة أربعة أسنان، وجب تخفيف دية الخطأ عنها، فيزداد فيها سن آخر تخفيفًا. فصل: [مقدار الدية من الفضة] قال أبو جعفر: (ومن الورق: عشرة آلاف درهم، ومن الذهب: ألف دينار، ولا يؤخذ في الدية شيء غير هذه الأصناف الثلاث). فأما الحجة في أنها من الدراهم عشرة آلاف درهم: فهي ما روى الشعبي عن عبيدة السلماني "أن عمر بن الخطاب جعل الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم". وذلك بمحضر من الصحابة، فصار ذلك أصلًا كسائر العقود التي عقدها على كافة الأمة، وقد بيناها فيما تقدم.

стр. 2429

وأيضًا: كما ثبت تقديره للدنانير، ولم تجز الزيادة عليها بالاتفاق، كذلك الدراهم. فإن قيل: في هذا الحديث أنه جعل على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة الشاة، وعلى أهل الحلل الحلل. وأبو حنيفة لا يرى أخذ شيء من ذلك في الديات إلا بالتراضي، ولم يكن محجوبًا بقضية عمر، كذلك الزيادة على عشرة آلاف. قيل له: لأن تقديره الدية من الدراهم على وجه تقويم الإبل، كتقديرها من الدنانير، إذ هما أثمان الأشياء، وبهما تقوم المستهلكات. وأما الشاة والبقر والحلل، فغير جائز أن يكون على جهة التقدير لقيمة الإبل، لأن هذه الأصناف لا تقوم بها المستهلكات، فدل على أنه أخذها برضا العاقلة عن الدراهم والدنانير، كمن له على آخر درهم فيأخذ عنها عروضًا. فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه جعل الدية اثني عشر ألفًا. قيل له: لم يبين في الخبر من أي الأوزان أوجبها: اثني عشر ألفًا، وتصحيح الخبر يوجب أن يكون اثني عشر ألفا وزن ستة، فيكون عشرة آلاف وزن سبعة، لأن الدراهم كانت مختلفة، بعضها: وزن ستة،

стр. 2430

وبعضها: وزن سبعة. وأيضًا: لما اتفقوا على أنها من الذهب ألف دينار، ثم اختلفوا في تقويم ذلك، كانت العشرة آلاف أولى بأن تكون هي القيمة، لأن قيمة الدينار حينئذ كانت عشرة، والدليل على ذلك: أن كل دينار عدله عشرة دراهم في الزكاة. وعن علي ﵁: "لا قطع في أقل من دينار، أو عشرة دراهم". وهن علي أيضًا: في خطبته حين قال لأصحابه: "وددت أن لي بكل عشرة منكم رجلًا من بني فراس بن غنم، وصرف الدينار بالدراهم، فجعل العشرة بأداء الدينار". و"ضرب عمر ﵁ الجزية على من بلغ الحلم أربعين درهمًا، أو أربعة دنانير". فثبت بذلك أن قيمة الدينار كانت يومئذ عشرة دراهم. وقد اتفق الجميع على أنه لا يجوز أن يتعدى بالدية القيمة التي كانت في الصدر الأول من أجل زيادة قيمة الإبل، فثبتت العشرة آلاف على ما

стр. 2431

قلنا، ولم نثبت الزيادة. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن الدية كانت على عهد رسول الله ﷺ مئة بعير، كل بعير أوقية، فذلك أربعة آلاف، فلما كان زمن عمر غلت الإبل، ورخص الورق، فجعل عمر أوقية ونصفًا، ثم غلت الإبل، فجعل عمر أوقيتين، ثم لم تزل تغلو ويرخص الورق، حتى جعلها عمر اثني عشر ألفًا، ومن العين ألف دينار. فدل ذلك على أن الورق قيمة الإبل، واتفق الجميع على أن تقويمها غير جائز الآن، وأن الدية قد استقرت من الدراهم والدنانير على مقدار معلوم، لا تجوز الزيادة فيه ولا النقصان، فلما روي عن عمر المقداران جميعًا، وجب التوفيق بينهما، فقلنا: اثنا عشر ألفًا وزن ستة. وأيضًا: لو اختلف الخبران، وتعذر الجمع بينهما، لكان الواجب إثبات ما اتفقوا عليه، وإسقاط ما اختلفوا فيه، فثبت العشرة آلاف، ويسقط ما عداها. وقد روى محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس: "أن رجلًا قتل على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفًا". هذا حديث واهي السند، لأن محمد بن مسلم الطائفي ضعيف

стр. 2432

جدًا، وقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة ولم يذكر فيه ابن عباس. وعلى أنه لو صح، لم يكن فيه بيان موضع الخلاف، لأنه لم يبين من أي الأوزان كانت، وجائز أن تكون كانت وزن ستة على ما قدمنا. فصل: ولم يجعل أبو حنيفة الدية في شيء من غير هذه الأصناف، وذلك لأن سبيل إثباتها التوقيف، لاتفاق الفقهاء على أنه لا يجوز إثباهتها من سائر العروض والحيوان، ولا توقيف معنا فيما عدا ما وصفنا، ولا اتفاق، فلم نثبته. وأيضًا: لما قال النبي ﷺ : "الدية مائة من الإبل"، ثم نقلت عن الإبل إلى غيرها على وجه التقويم، وكان التقويم إنما يقع في الأصول بالدراهم والدنانير، دون ما عداها، وجب أن تكون الدية مقصورة عليها دون غيرها.

стр. 2433

فإن قيل: إذا لم يكن طريقه الاجتهاد، ثم روي عن عمر أنه جعلها من الحلل والشاة والبقر، على أنه قال توقيفًا، إذ لا يظن به أنه قاله تظننًا وتخمينًا. قيل له: لو لم يكن فيه وجه غير ما ذكرت، للزم ما قلت، إلا أنه لا يمنع أن يكون فعل ذلك تخفيفًا على من لزمه ذلك، لأن تلك كانت من أموال من أوجبها عليهم، فتراضى الجميع به. كما روي "أن النبي ﷺ أمر معاذًا أن يأخذ من من كل حالم دينارًا، أو عدله معافر في الجزية". وكما قال معاذ لأهل اليمن: "ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير، فإنه أيسر عليكم، وخير لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار". لا على معنى أن ذلك هو الواجب عليهم شاؤوا أو أبوا، لكنه أخذه على معنى تحري المصلحة للفريقين، فكذلك فعل عمر في ذلك، فلما احتمل ما وصفناه: لم يجز أن نثبته توقيفًا. * وقال أبو يوسف ومحمد: الدية من الشاة ألفا شاة مسنة قنية،

стр. 2434

ومن البقر مائتا بقرة، ومن الحلل مائتا حلة، ومن الأصناف الثلاثة على ما قال أبو حنيفة، وذهبا فيه إلى ما روي عن عمر بن الخطاب في ذلك، من غير خلاف من أحد من الصحابة. فصل: [كفارة قتل الخطأ] قال أبو جعفر: (والكفارة: تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد: فصيام شهرين متتابعين). لقول الله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾، وهذا هو المتفق عليه. مسألة: [تعريف العاقلة] قال أبو جعفر: (والعاقلة هم: أهل الديوان الذين يأخذون الأعطية، ولا يدخل فيهم النساء والصبيان ولا المماليك، ولا من لا عطاء له في ديوان).

стр. 2435

قال أبو بكر: موضوع الدية في الأصل على العاقلة على التناصر، وقد كانوا يتناصرون بالأنساب والقبائل، فكانت الدية عليهم، ثم لما كان عمر فرض الأعطية، ودون الدواوين، صار التناصر بالدواوين، فجعلها على أهل الديوان في أعطياتهم، ولذلك جعلها في ثلاث سنين؛ لأنه جعل في كل عطاء الثلث منها، فصارت الدية كلها في ثلاث سنين، وكان ذلك منه بحضرة الصحابة من غير نكير من أحد منهم عليه، فصار إجماعًا. ومما يدل على أن موضوع الدية على التناصر، لا على النسب فحسب: أن النساء والصبيان لا يدخلان في العقل؛ لأنهم لا نصرة فيهم. ويدل عليه أيضًا: أنها حين كانت على القبائل، كان الحليف يدخل معهم في العقل مع عدم النسب، لأنه من أهل النصرة. فإن قال قائل: المسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم، وعلى

стр. 2436

بعضهم نصر بعض إذا احتاج إليه، فما معنى قولكم: إن العقل على التناصر؟ قيل له: إن عمر لما دون الدواوين، جعل أهل كل ديوان يدًا واحدًا في نصرة بعضهم لبعض في القتال والغزو، وحفظ الحريم، وسد الثغر، ونحو ذلك من الأمور التي تدهمهم، فيحتاجون فيها إلى التناصر، فكان الرجل من أهل الديوان أخص بنصرة أهل ديوانه ممن لا ديوان له: معه قرابة كان، أو غير قرابة. ألا ترى أنهم تميزوا بالدواوين، فقيل: تميم الكوفة، وتميم البصرة، وضبة الكوفة، وضبة البصرة، فكانت تميم قبيلة واحدة في الأصل، ثم تميزوا باختلاف دواوينهم وأعطياتهم، فكان أهل ديوان البصرة بعضهم أولى بنصرة بعض من غيرهم، وكذلك أهل سائر الدواوين. مسألة: [اشتراك الجاني مع العاقلة في الدية] قال أبو جعفر: (ويعقل الجاني مع عاقلته جناية نفسه إذا كان رجلًا حرًا صحيح العقل). قال أبو بكر: وذلك لما روى يحيى بن زكريا عن سعد بن طارق عن نعيم بن أبي هند عن سلمة بن نعيم قال: "شهدت مع خالد بن الوليد يوم اليمامة، فضربت رجلًا بالسيف، فقال: إني مسلم بريء مما عليه مسيلمة.

стр. 2437

قال: فذكرته لعمر بن الخطاب فقال: عليك وعلى قومك الدية". وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، ولم يرو عن أحد من السلف خلافهما. وأيضًا: فإن العاقلة إنما تعقل عنه على جهة النصرة، وهذا أولى بنصرة نفسه. وأيضًا: فإنها تعقل عنه على جهة المواساة والتخفيف عنه، فينبغي أن يدخل فيها معهم؛ لأنه لا أقل من أن يكون كواحد منهم. مسألة: [دفع الدية حال عدم وجود أهل الديوان] قال أبو جعفر: (فإن لم يكن ديوان: عادت الدية على القبائل، على ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ حتى ردها عمر إلى الدواوين). قال أبو بكر: وذلك لما بيناه أن التناصر كان بالقبائل، ثم صار بالديوان، فانتقل العقل إلى أهل الديوان، فإذا ارتفع الديوان: صار التناصر بالقبائل، فصارت الدية عليهم. مسألة: [مقدار الواجب من الدية على كل رجل من العاقلة] قال أبو جعفر: (والذي يغرمه كل رجل من الدية: ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم، لا أكثر من ذلك، فإن تجاوز ذلك في التقسيط إلى ما هو أكثر، ضم إلى العاقلة أقرب القبائل إليها في النسب، حتى يصيب كل

стр. 2438

رجل ما ذكرنا). وذلك لأنها موضوعة على التخفيف، فلا يلزم كل رجل منهم ما يجحف به، وإنما يلزم كل رجل منها ما يخفف به عليه، ألا ترى أن العاقلة إنما تحملها عن الجاني تخفيفًا عنه، فلأن يخفف عنهم، وليسوا جناة أولى. ويضم إليهم أقرب القبائل؛ لأنهم أهل نصرته عند عدم الآخرين. مسألة: [دفع الدية حال عدم وجود العاقلة] قال أبو جعفر: (وإن كان الجاني لا عاقلة له، فقد روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الدية عليه في ماله، ولم يحك في ذلك خلافًا، والمشهور عنه ما ذكره في غير موضع من كتبه: أن الدية في بيت مال المسلمين) ز قال أبو بكر: كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: إن الصحيح من قولهم: إن الدية في بيت مال المسلمين، وأن رواية من روى في ماله شاذة. ووجه إيجابها في بيت المال: أن جماعة المسلمين هم أهل نصرته، إلا أنه ليس بعضهم أخص به من بعض، فوجب أن يكون في مالهم، وهو بيت المال.

стр. 2439

ويدل على ذلك: أنه لو مات، لكان ماله لبيت المال. مسألة: [دية الخطأ إن كان القاتل ذميًا] وقال أصحابنا في الذمي إذا لم يكن له عاقلة: إن الدية عليه في ماله إذا قتل رجلًا خطأ، وليس فيه اختلاف رواية، وذلك لأنه لا ولاية بينه وبين المسلمين، ولا توارث، ولا يعقل عنهم بيت المال؛ لأنه مال المسلمين. فإن قيل: فلو مات الذمي، ولا وارث له: كان ماله لبيت المال، فوجب أن يكون عقله عليهم. قيل له: لا يستحقه بيت المال من جهة الولاية، وإنما يستحقه من جهة أنه مال في دار الإسلام، لا مالك له، مثل مال المعادن، وكنوز المشركين إذا ظهر عليها الإمام. ولأن مال الكفار مغنوم في الأصل، وإنما ترك في أيديهم بالذمة، فإذا زالت الذمة، ولم يكن هناك مستحق له من جهته: عاد إلى حكم الغنيمة. وأما المسلم إذا مات، فإنما كان ماله لبيت المال على جهة الموالاة التي بينهم، كما قال الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. مسألة: [قتل شبه العمد] قال: (وأما شبه العمد: فهو ما تعمد ضربه بغير سلاح، سواء كان

стр. 2440

مما يقتل مثله أو لا يقتل، بعد أن لا يكون له حد يجرح ويقطع، مثل الحجر، والعصا، ونحوهما، ففيه الدية مغلظة في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: ما كان الغالب من ذلك أن يقتل: فهو عمد، وفيه القود). والحجة لقول أبي حنيفة: ما رواه سفيان وشعبة وزهير وقيس عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف". وقال زهير وقيس: "سوى الحديد، وفي كل خطأ أرش". فإن طعنوا فيه من جابر الجعفي، وأنه قد تكلم فيه. قيل له: قد وثقه سفيان الثوري، وحمل عنه قوم ثقات جلة. وحدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن جابر عن أبي عازب قال: سمعت النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن محمد العسكري قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يوسف بن

стр. 2441

يعقوب الضبيعي قال: حدثنا سفيان الثوري وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال: قال ريول الله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش". وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عقبة بن مكرم قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حسين بن بنت النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء سوى الحديدة خطأ، ولكل خطأ أرش". ودليل آخر: وهو ما روى سفيان عن علي بن زيد عن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح: "ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل". وروى أبو معاوية عن حجاج عن قتادة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "قتيل السوط والعصا شبه عمد". وروى سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عميا أو رميا يكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا، فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدا فقود به". قال أبو بكر: قول النبي ﷺ : "قتيل عمد الخطأ قتيل

стр. 2442

الوسط والعصا": فيه دلالة من وجهين على صحة قولنا: أحدهما: عموم قوله: "في العصا": فهو على ما يقتل في العادة، وما لا يقتل، بحق العموم. الثاني: جمعه بين السوط والعصا، معلوم أن السوط مما لا يقتل في الغالب، والعصا الكبير مما يقتل في الغالب، وفائدة جمعه بينهما إعلامنا بتساوي حكمهما وأن كان أحدهما مما لا يقتل، والآخر مما يقتل. دليل آخر: هو ما روى يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فقتلت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على العاقلة". وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة "أن امرأتين ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط، فقتلها، فقضى رسول الله ﷺ بالدية على عاقلة القاتلة، وقضى فيما في بطنها بالغرة". ومعلوم أن عمود الفسطاط يقتل في الغالب، ولم يوجب به قودًا. وقد روى ابن جريح عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن عمر نشد الناس قضاء رسول الله ﷺ في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: "إني بين امرأتين، وإن أحدهما ضربت

стр. 2443

الأخرى بمسطح، فقتلها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة، وأن تقتل مكانها". قال أبو بكر: وليس هذا مضادًا للحديث الأول، لأنا نصححهما جميعًا، فنقول إنهما خبران كل واحد منهما في امرأة على حدة. فأما الأولى فإنها قتلت بعمود الخشب، فلم يوجب النبي ﷺ فيه القود، وأما الأخرى فإن من الأعمدة ما يكون في رأسها حديدة، فجائز أن تكون قتلتها بحديد العمود، فأوجب النبي ﷺ فيه القود، وكذلك قولنا. ويحتمل أن يكون في رأس العمود حدة، فبعجتها به، كالرمح، فهذا عندنا فيه القود. وإن كان الخبران وردا في قصة واحدة، فجائز أن يكونوا أخبروا النبي ﷺ أنها قتلتها بالعمود ضربًا، فلم يوجب فيه قودًا، ثم أخبر أنها بعجتها به، فأوجب فيه القود، فكان جواب النبي ﷺ على حسب ما ظهر من سؤال القوم. وأيضًا: روى سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال: "شبه العمد الضربة بالخشبة، والقذفة بالحجر العظيم، وفيه الدية أثلاثًا".

стр. 2444

ورواه أيضًا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁. ومعلوم أن شبه العمد اسم شرعي مفهوم المعنى من جهة اللغة قبل مجيء الشرع، وأسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفًا، فعلمنا أن عليًا إنما قال ذلك توقيفًا. فإن قال قائل: إذا كان مثله يقتل، فهو عمد محض، وليس شبه عمد. قيل له: لا يجوز فيه غير ما قلنا؛ لأنه لو كان مثله لا يقتل، مثل اللطمة ونحوها، لسقطت فيه جهة العمد، وكان خطأ محضًا، إذ هو غير عامد به إلى القتل، وما قلناه صحيح موافق لمعنى الخبر؛ لأنه جمع فيه العمد والخطأ، فهو عمد في الفعل، خطأ في الحكم. ويدل على ذلك: أن العمد واخطأ إنما هو صفة الفعل؛ لأنه قال: "قتيل خطأ العمد"، فينبغي أن يكون القصد إلى القتل موجودًا مع الفعل، حتى يصح وصفه بأنه عمد، ويكون خطأ مع ذلك من طريق الحكم، حتى يسقط القود عنه. ومما يدل على أن للآلة تأثيرًا في وجوب القود وسقوطه، وأن الحكم متعلق به دون القصد إلى القتل: اتفاق الجميع على أن السكين الصغيرة التي لا تقتل مثلها في الغالب، والكبيرة التي تقتل، لا يختلفان في وجوب القود بهما، وأن السوط واللطمة ونحوهما لا يجب بهما القود وإن عمد بهما إلى الضرب.

стр. 2445

وليس هاهنا معنى يفرق بينهما غير اختلاف الآلة، فوجب أن يكون الحكم متعلقًا بها، ولزم اعتبارها فيما اختلفنا فيه، وأن لا يعتبر ما يقتل مثله أو لا يقتل، إذ كان الحكم لا يتعلق به، ولا تأثير له فيه، وبمثل هذا المعنى يعتبر تصحيح العلل، وهو كا يوجد من تأثيرها في الأصول، وتعلق الأحكام بها. فإن قال قائل: فأنت تقيد بالحجر والعصا إذا كان لهما حد. قيل له: لأنه قد صار في معنى السلاح والحديد، فلأجل أن الآلة نفسها قد صارت في معنى الحديد: وجب القود بها، فلم يتعلق الحكم في هذه الحال أيضًا إلا بالآلة. فإن احتجوا بعموم الآيات الموجبة للقود، نحو قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وقوله: ﴿النفس بالنفس﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾. قيل له: قد اتفق الجميع على أن هذه الآيات واردة في حكم العمد دون الخطأ، وما ذكرناه خطأ لا يطلق عليه اسم العمد؛ لأن النبي ﷺ قال: "ألا إن قتيل الخطأ العمد". وأيضًا خبرنا متأخر عن الآيات؛ لأن فيه بيان حكم القود، والخطأ،

стр. 2446

وشبه العمد، وذلك بعد استقرار حكم وجوب القود في العمد والخطأ، فذكر شبه العمد، وهو قتل بينهما، لا عمد محض، ولا خطأ محض. فإن احتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا العقل". وهو عام في سائر وجوه القتل إلا ما قام دليله. وبما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "العمد قود". قيل لهم: أما قوله: "العمد قود": فإنما يتناول عمدًا محضًا، ولم يدخل فيه ما لا يسمى عمدًا على الإطلاق، وفي هذا الخبر بعينه، وهو خبر ابن عباس –الذي تقدم ذكر سنده ومتنه- وذكر القتل بالعصا والحجر، وأن فيه الدية، فعلمنا أن العمد المطلق المذكور في هذا الخبر، غير داخل في شبه العمد. وأما قوله: "من قتل قتيلًا فأهله بين خيرتين": فإنما ذكر فيه حكم ما يجب عن القتل العمد، وليس فيه ذكر السبب الذي يقع به القتل. وفي خبرنا ذكر الآلة التي يقع بها القتل، وكل واحد من الخبرين وارد في معنى غير ما ورد فيه الآخر، فلا يتعارضان؛ لأن التعارض إنما يقع إذا وردا في معنى واحد. وهذا أصل صحيح يعتبره أصحابنا في اختلاف الأخبار، ونظيره ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها

стр. 2447

فليصلها إذا ذكرها". فهذا حكم وارد في إيجاب القضاء على تارك الصلاة في وقتها، وليس فيه بيان حكم الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، من التي تحظر فيها. ثم روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند الغروب"، فكان ذلك واردًا في بيان حكم الأوقات التي تحظر فيها الصلاة، فلم يكن قوله: "فليصلها إذا ذكرها": معارضًا له، لورود كل واحد منهما في معنى، غير ما ورد فيه الخبر الآخر. وأيضًا: قد اتفقنا جميعًا أن قوله: "من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين": في العمد، وكذلك قوله: "العمد قود": فلا يدخل فيه ما سماه النبي ﷺ خطأ. فإن احتجوا بحديث أنس: "أن يهوديًا قتل جارية من الأنصار على أوضاح لها بحجر، فأقاده النبي ﷺ منها". قيل له: ليس فيه بيان موضع الخلاف؛ لأنه لم ينقل إلينا صفة الحجر الذي به قتلها، وجائز أن يكون كان له حد. وليس فيه عموم لفظ من النبي ﷺ فيجرى على ظاهره، وإنما فيه حكاية فعل من القاتل وقع على وصف لا يدرى كيف

стр. 2448

هو، وإيجاب قود من النبي ﷺ ، فإذا احتمل أن يكون كما قلنا، واحتمل غيره: سقط الاحتجاج به. وأيضًا: يحتمل أن يكون اليهودي نقض العهد، فقتله النبي ﷺ من أجل ذلك، ويدل عليه ما روي أن النبي ﷺ رجمه، وليس هذا حكم من يقتل قودًا. فإن قال قائل: عندكم ذا العهد لا ينتقض عهده لقتل المسلم، حتى يرجع إلى دار الحرب. قيل له: قد كانت حول المدينة قرى اليهود، وهي كانت دار حرب، فليس يمتنع أن يكون اليهودي لما قتل الجارية هرب، فأخذ في حدود دار الحرب، ومن كان كذلك، فهو ناقض للعهد، يجب قتله إذا ظفر به. فإن قيل: فأنت تقتل الخانق إذا كثر منه ذلك، وقاطع الطريق إذا قتل بعصا. قيل له: إنما أقتلهم حدًا، لا قودًا، وقد يقتل قاطع الطريق وإن لم يقتل إذا كان ردءًا لمن قتل. قال أبو بكر: وقد أقاد أبو حنيفة ممن أحرق رجلً بالنار، لأن تأثيرها في تفريق الأجزاء أكثر من تأثير السلاح، فكان حكمها حكمه.

стр. 2449

ووجه آخر: وهو أن القود لما كان مما يسقط بالشبهة، وجب أن يكون اختلاف الناس في نفس القتل: هل هو عمد أو غير عمد؟ شبهة في سقوطه، كما كان اختلافهم في الوطء: هل هو زنى أو ليس بزنى؟ شبهة في سقوط الحد، ألا ترى أن عمر بن الخطاب لما قال في المتعة: "إنها زنى، وإني لو تقدمت فيها لرجمت". وقال غيره: "ليس بزنى: كان اختلافهم في الفعل على هذا الوجه شبهة في سقوط الحد عن الواطئ على وجه المتعة. فصل: قال أبو بكر: ويحكى عن بعض أهل المدينة أن القتل خطأ، أو عمد، وأنه لا يعرف شبه العمد: وفيما روي عن النبي ﷺ في حكم خطأ العمد، واختلاف الصحابة بعده في كيفية أسباب شبه العمد، ووجوب تغليظها على دية الخطأ، ما يقضي بفساد قول من أباه. فصل: [وجوب الكفارة في قتل شبه العمد] قال أبو جعفر: (وفي شبه العمد كفارة). قال أبو بكر: وذلك لأن الدية وجبت فيه بنفس القتل، كقتل الخطأ، وليس ذلك كالعمد إذا دخلت فيه شبهة، فأوجبت الدية؛ لأن الدية هاهنا لم تجب بنفس القتل، وإنما وجبت لدخول الشبهة.

стр. 2450

فصل: [صفة الدية في شبه العمد] قال: (والدية في شبه العمد مغلظة إذا كانت من الإبل –دون سائر الأصناف- أرباعًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وفي قول محمد: أثلاثًا: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون ما بين ثنية إلى باذل عامها، كلها خلفة في بطونها أولادها). قال أبو بكر: اختلف السلف من الصدر الأول في دية شبه العمد، مع اتفاقهم على تغليظها على دية الخطأ في الأسنان: فروي عن عبد الله بن مسعود أرباعًا، نحو ما حكيناه عن أبي حنيفة. وقال عمر، وعلي وأبو موسى والمغيرة بن شعبة نحو ما حكيناه من قول محمد. ويروى عن علي أيضًا في شبه العمد رواية أخرى: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ما بين ثنية إلى باذل عامها في بطونها وأولادها.

стр. 2451

وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي ﷺ : "الدية مائة من الإبل". اقتضى عمومه كل ما يقع عليه الاسم، فأوجبناها أرباعًا، لاتفاق الجميع على وجوب هذا القدر، ولم نوجب الزيادة؛ لأن العموم ينفيها. ومن جهة النظر: أن الأسنان لما كانت متساوية في الخطأ، وجب مثله في شبه العمد، وإذا كانت الأسنان متساوية: وجبت أرباعًا، لأن كل من قال بتساوي الأسنان أوجبها أرباعًا. وأما ما روي: "في قتيل خطأ العمد: أربعون منها خلفة، في بطونها أولادها": فإن أمر الدية كان مشهورًا، والحاجة إلى معرفتها ماسة لعموم البلوى بها، فلو كان ذلك محفوظًا عن النبي ﷺ في مثل ذلك المشهد الذي حكوا فيه، وهو فتح مكة، لما اختلف الصحابة في اسنانها هذا الاختلاف، كما لم يختلف في عددها. فلما لم نجد النقل فيه مستفيضًا، وكان رواية القاسم بن ربيعة عن ابن عمر، وإسناده مع ذلك مضطرب؛ لأن خالدًا الحذاء يرويه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه

стр. 2452

وسلم، ولا نعلمه روي من غير هذا الوجه: دل ذلك على أنه غير محفوظ عنه على حسب ما رواه. وأيضًا: فإن ما كان هذا سبيله، فإنه لا يقبل فيه أخبار الآحاد، ولا سبيل إليه من طريق الاجتهاد، فأثبتنا منه ما اتفقوا عليه، وأسقطنا الزيادة المختلف فيها، إذ لا دليل عليها. مسألة: [شبه العمد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (وكل ما ذكرنا في النفس أنه شبه العمد، فهو فيما دون النفس عمد). قال أبو بكر: وهذا الذي ذكره في نفي حكم شبه العمد عما دون النفس، فإنما هو في حكم القصاص خاصة؛ لأن رجلً لو ضرب رجلًا بعصا أو بحجر، فأوضح عن رأسه، أو لطمه، فكسر سنه: كان القصاص قائمًا بينهما. والأصل فيه: ما روى أنس "أن الربيع لطمت جارية، فكسرت ثنيتها، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع!! لا، والذي بعثك بالحق نبيًا. فقال النبي ﷺ : كتاب الله: القصاص.

стр. 2453

ثم تراضوا على الأرش". فأوجب النبي ﷺ القصاص في السن باللطمة، ومثله إذا حدث عنه القتل: لم يقتص منه. ويدل عليه أيضًا: عموم قوله: ﴿والسن بالسن والجروح قصاص﴾. * فأما حكم شبه العمد فيما دون النفس: فهو ثابت عندهم في تغليظ الأرش فيما لا يستطاع فيه القصاص، مثل أن يقطع يده من نصف الذراع عمدًا، فيكون عليه الأرش مغلظًا، وكذلك الجائفة والآمة، ويكون مع ذلك في ماله، ولا يكةن على العاقلة. ولا يكون بمنزلة النفس؛ لأن النفس في شبه العمد تحملها العاقلة؛ لأن النبي ﷺ "أوجب دية المرأة التي قتلت بمسطح على عاقلة القاتلة"، وكان القياس في النفس أيضًا أن يكون في ماله، إذ هو عمد في الفعل، كالأب إذا قتل ابنه عمدًا، فتكون الدية في ماله، إلا أنهم

стр. 2454

تركوا القياس في النفس، للأثر، وحملوا أمر ما دونها على القياس، كأحد الورثة إذا عفا عن نصيبه من الدم: يكون للباقين حصتهم من الدية في مال القاتل. *******

стр. 2455

باب أحكام العمد مسألة: [الاشتراك في القتل] قال أبو جعفر ﵀: (وإذا عدا رجل على رجل فشق بطنه، وأخرج حشوته، ثم ضرب رجل عنقه بالسيف عمدًا: فالقود على الذي ضرب عنقه بالسيف، وعلى الأول الأرش). قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك: اتفاق الجميع من فقهاء الأمصار أن من جرح رجلً جراحة أشرف منها على التلف، إلا أنه يرجى بقاؤه يومًا ونحو ذلك، ثم قتله آخر: أن القود على الثاني. ولو لم يجب على الثاني القود: لكان لو كان ممن يبقى شهرًا أو سنة، لوجب أن لا يقاد من الثاني، وهذا لا خلاف فيه. فقلنا على هذا: إنه إذا كان في الغالب: أنه لو لم يقتل: يبقى يومًا أو بعض يوم: لم يكن الأول قاتلًا، وكان الثاني هو القاتل. وأما إذا كانت الجراحة الأولى بحيث تأتي على نفسه، ولم يبق منها
следующие страницы →