← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وجه قول أبي حنيفة: ما روي عن النبي ﷺ : "الدية مائة من الإبل". اقتضى عمومه كل ما يقع عليه الاسم، فأوجبناها أرباعًا، لاتفاق الجميع على وجوب هذا القدر، ولم نوجب الزيادة؛ لأن العموم ينفيها. ومن جهة النظر: أن الأسنان لما كانت متساوية في الخطأ، وجب مثله في شبه العمد، وإذا كانت الأسنان متساوية: وجبت أرباعًا، لأن كل من قال بتساوي الأسنان أوجبها أرباعًا. وأما ما روي: "في قتيل خطأ العمد: أربعون منها خلفة، في بطونها أولادها": فإن أمر الدية كان مشهورًا، والحاجة إلى معرفتها ماسة لعموم البلوى بها، فلو كان ذلك محفوظًا عن النبي ﷺ في مثل ذلك المشهد الذي حكوا فيه، وهو فتح مكة، لما اختلف الصحابة في اسنانها هذا الاختلاف، كما لم يختلف في عددها. فلما لم نجد النقل فيه مستفيضًا، وكان رواية القاسم بن ربيعة عن ابن عمر، وإسناده مع ذلك مضطرب؛ لأن خالدًا الحذاء يرويه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه

стр. 2452

وسلم، ولا نعلمه روي من غير هذا الوجه: دل ذلك على أنه غير محفوظ عنه على حسب ما رواه. وأيضًا: فإن ما كان هذا سبيله، فإنه لا يقبل فيه أخبار الآحاد، ولا سبيل إليه من طريق الاجتهاد، فأثبتنا منه ما اتفقوا عليه، وأسقطنا الزيادة المختلف فيها، إذ لا دليل عليها. مسألة: [شبه العمد فيما دون النفس] قال أبو جعفر: (وكل ما ذكرنا في النفس أنه شبه العمد، فهو فيما دون النفس عمد). قال أبو بكر: وهذا الذي ذكره في نفي حكم شبه العمد عما دون النفس، فإنما هو في حكم القصاص خاصة؛ لأن رجلً لو ضرب رجلًا بعصا أو بحجر، فأوضح عن رأسه، أو لطمه، فكسر سنه: كان القصاص قائمًا بينهما. والأصل فيه: ما روى أنس "أن الربيع لطمت جارية، فكسرت ثنيتها، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع!! لا، والذي بعثك بالحق نبيًا. فقال النبي ﷺ : كتاب الله: القصاص.

стр. 2453

ثم تراضوا على الأرش". فأوجب النبي ﷺ القصاص في السن باللطمة، ومثله إذا حدث عنه القتل: لم يقتص منه. ويدل عليه أيضًا: عموم قوله: ﴿والسن بالسن والجروح قصاص﴾. * فأما حكم شبه العمد فيما دون النفس: فهو ثابت عندهم في تغليظ الأرش فيما لا يستطاع فيه القصاص، مثل أن يقطع يده من نصف الذراع عمدًا، فيكون عليه الأرش مغلظًا، وكذلك الجائفة والآمة، ويكون مع ذلك في ماله، ولا يكةن على العاقلة. ولا يكون بمنزلة النفس؛ لأن النفس في شبه العمد تحملها العاقلة؛ لأن النبي ﷺ "أوجب دية المرأة التي قتلت بمسطح على عاقلة القاتلة"، وكان القياس في النفس أيضًا أن يكون في ماله، إذ هو عمد في الفعل، كالأب إذا قتل ابنه عمدًا، فتكون الدية في ماله، إلا أنهم

стр. 2454

تركوا القياس في النفس، للأثر، وحملوا أمر ما دونها على القياس، كأحد الورثة إذا عفا عن نصيبه من الدم: يكون للباقين حصتهم من الدية في مال القاتل. *******

стр. 2455

باب أحكام العمد مسألة: [الاشتراك في القتل] قال أبو جعفر ﵀: (وإذا عدا رجل على رجل فشق بطنه، وأخرج حشوته، ثم ضرب رجل عنقه بالسيف عمدًا: فالقود على الذي ضرب عنقه بالسيف، وعلى الأول الأرش). قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك: اتفاق الجميع من فقهاء الأمصار أن من جرح رجلً جراحة أشرف منها على التلف، إلا أنه يرجى بقاؤه يومًا ونحو ذلك، ثم قتله آخر: أن القود على الثاني. ولو لم يجب على الثاني القود: لكان لو كان ممن يبقى شهرًا أو سنة، لوجب أن لا يقاد من الثاني، وهذا لا خلاف فيه. فقلنا على هذا: إنه إذا كان في الغالب: أنه لو لم يقتل: يبقى يومًا أو بعض يوم: لم يكن الأول قاتلًا، وكان الثاني هو القاتل. وأما إذا كانت الجراحة الأولى بحيث تأتي على نفسه، ولم يبق منها

стр. 2456

إلا اضطراب للموت كما يبقى المذبوح: فالأول هو القاتل دون الثاني. ألا ترى أن رجلًا لو ذبح شاة وسمى: كان ذلك ذكاة صحيحة إذا لم يبق هناك من الحياة إلا الاضطراب للموت، ولو وقعت بعد ذلك في ماء أو ذبحها مجوسي: لم يبطل ذلك ذكاته، ولو لم يكن ذلك ذبحًا: لما كانت مذكاة بالذبح. مسألة: [القصاص في الجراح] قال: (وإذا قطع رجل يدي رجل ورجليه عمدًا، فإن بريء: كان عليه القصاص في جميع ذلك). وذلك لأن استيفاء القصاص ممكن، والذي حصل من الجناية هو القطع فحسب، قال الله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾. مسألة: [موت المجروح] قال: (وإن مات من ذلك كله: قتل، وبطل القطع). وذلك لأن حكم الجناية موقوف على ما يؤول إليه، والدليل على ذلك: أن من قطع يد رجل من نصف الذراع، أو شجه مأمومة أو جائفة: لم يكن عليه قصاص، فإن صارت نفسًا: قتل وبطل حكم الشجة والجراحة، فدل ذلك على أن حكم الجناية معتبر بما ينتهي إليه، فإذا آلت إلى النفس: كانت الجناية هي النفس، فوجب عليه القصاص في

стр. 2457

النفس، وبطل حكم ما دونها، لقول الله تعالى: ﴿النفس بالنفس﴾. فإن قال قائل: قال الله تعال: ﴿والجروح قصاص﴾، فينبغي أن يستوفى منه القصاص فيما دون النفس إذا كان استيفاؤه ممكنًا. قيل له: لو أوجبنا القصاص فيما دون النفس، ثم لم يمت: احتجنا أن نقتله بعد ذلك فليس هذا بقصاص، لأن القصاص أن تجرحه مثل جراحته، ولا تزيد عليها، وإذا جرحته مثل جراحته، ثم قتلته، فليس هذا بقصاص، فلما لم ينفك من وجوب القتل في جميع الأحوال، علمنا أن الواجب هو النفس، وأن حكم ما دونها ساقط في هذه الحال. وعلى أن هذا لو كان اعتبارًا صحيحًا، لوجب أن يكون ما دون النفس لو كانت آمة أو جائفة فمات منها، أن تقتله، وتوجب في الآمة والجائفة أرشهما، كما اقتصصت منه فيما أمكن فيه القصاص مما دون النفس وقتله، فلما لم يجب أرش المأمومة والجائفة مع القتل المتولد منهما، دل ذلك على سقوط حكم ما دون النفس فيما وصفنا.

стр. 2458

مسألة: [حكم من قطع يد رجل ثم قتله قبل برء اليد] قال أبو جعفر: (ومن قطع يد رجل عمدًا، ثم قتله بعد ذلك عمدًا بالسيف، فإن كان لم يبرأ من القطع حتى قتله: فعليه القصاص في النفس خاصة، ولا قصاص عليه في اليد). قال أبو بكر: هذا قول أبي يوسف ومحمد، وأما قول أبي حنيفة: فللولي أن يقطع يده، ثم يقتله. وجه قول أبي حنيفة: عموم قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، وقال الله تعال: ﴿والجروح قصاص﴾، فكان له القصاص في جميع ذلك، لعموم هذه الآيات. وليس ذلك مثل أن يقطع يده، فيؤول إلى النفس، فلا يكون له قطع اليد، بل يقتله فحسب: من قبل أن القطع قد صار نفسًا، وقد بينا أن حكم الجناية موقوف على ما يؤول إليه، وفي مسألتنا حكم القطع ثابت لم يصر نفسًا، وإنما حدثت النفس من جناية أخرى. يدل على هذا: أن إحداهما لو كانت خطأ، والأخرى عمدًا: وجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، فدل على أن إحداهما غير متعلقة

стр. 2459

بالأخرى. * وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنهما لو كانتا جميعًا خطأ، لوجبت دية النفس، وسقط حكم ما دونها؛ لأنهما جميعًا كانتا قبل البرء، فكذلك إذا كانتا جميعًا عمدًا، تعلق الحكم بالنفس، وسقط حكم ما دونها. مسألة: قال أبو جعفر: وإن بريء من اليد، ثم قتله: كان عليه القصاص في اليد والنفس). قال أبو بكر أيده الله: وهذا قولهم جميعًا، وذلك لأن وقوع البرء منهما يوجب إفراد كل واحدة منهما بحكمها دون الأخرى، وإذا لم يقع البرء: فكأنهما جناية واحدة، ألا ترى أنه لو شج رجلًا عشرين موضحة، واحدة بعد أخرى قبل البرء، ثم برأ منها كلها، كان عليه الدية في ثلاث سنين إذا كانت خطأ، وكان جميعها جناية واحدة، ولو شجه موضحة، فبرأ منها، ثم لا يزال يشجه موضحة بعد البرء حتى شجه عشرين مواضح، كانت عليه الدية في سنة واحدة، ولم يتعلق حكم واحدة منهن بغيرها. مسألة: [اعتبار السبب في القتل] قال أبو جعفر: (ومن رمى رجلًا مسلمًا بسهم، فارتد المرمي، ثم وقع به السهم، فقتله: فإن عليه الدية في قول أبي حنيفة، ولا شيء عليه

стр. 2460

في قول أبي يوسف ومحمد). قال أبو بكر: أبو حنيفة يعتبر في مسائل الرمي حال السبب، ويجعل ما يتولد عنه كأنه حادث عند وجود السبب، وذلك لأن الرمي لما كان سببًا يوجب الوقوع لا محالة، ثم حصل الوقوع في النفس، صار كأنه قتله بنفس الرمي. فإن كان مسلمًا حينئذ: وجبت الدية، ولم يجب القصاص للشبهة، وحدوث الرد لا يرفع حكم السبب، إذ كان الوقوع موجبًا بالرمي لا محالة، وما تولد عنه: فمن فعله، كأنه أوقعه عند السبب. وعلى هذا قال في محرم رمى صيدًا، ثم حل، ثم وقع السهم بالصيد: أنه يضمنه، وإن رماه وهو حلال، ثم أحرم، ثم وقع السهم: لم يضمنه، اعتبارًا لحال السبب. * وأما أبا يوسف ومحمد، فإنهما قالا: لما حصل الوقوع في مرتد، وهو مباح الدم، صار كوقوعه في حائط، أو فيما لا يكون به جانيًا. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو رماه وهو مرتد، ثم أسلم، ثم وقع به السهم، فقتله وهو مسلم: فلا شيء عليه في قولهم جميعًا).

стр. 2461

قال أبو بكر: أما على أصل أبي حنيفة، فهو صحيح، لأنه علق الحكم بالسبب، والسبب وجد وهو مباح الدم، فكأنه قتله وهو مرتد. وهذا يشهد لأبي حنيفة عليهما في المسألة الأولى، حين علقا الحكم في هذه بالسبب، ولم يعتبرا الوقوع به بحال السبب. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن رمى عبدًا، فأعتقه مولاه، ثم وقع به السهم، فقتله، ففي قول أبي حنيفة: عليه قيمة لمولاه). قال أبو بكر أيده الله: وهذا مستمر على ما بينا من أصله، لأنه اعتبر السبب، فكأنه قتله وهو عبد. (وفي قول محمد: على الرامي لمولى العبد ما بين قيمته مرميًا إلى غير مرمي، ولا شيء له غير ذلك). وذلك لأنه ذهب إلى أن العبد صار ناقصًا بالرمي في ملك مولاه قبل وقوع السهم به، فوجب على الرامي النقصان، إذ كان النقصان حادثًا من فعله، ثم لما عتق، فوقع به السهم، وكان من أصل محمد اعتبار حال الوقوع: لم يكن عليه بالوقوع شيء؛ لأن ابتداء الرمي كان وهو في ملك المولى، وسقط حكم وقوعه بالعتق. ألا ترى أنه لو قطع يد عبد، فأعتقه مولاه، ثم مات: أن عليه أرش اليد وما نقصته جنايته إلى أن أعتقه، ولا شيء عليه بعد ذلك؛ لأن العتق يبطل حكم السراية الحادثة بعد ذلك.

стр. 2462

مسألة: [موت المرتد بعد قطع يده] قال أبو جعفر: (ومن قطع يد مرتد، فأسلم، ثم مات: فلا شيء على القاطع). قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك أن الجناية إذا لم تكن مضمونة، فالسراية غير مضمونة، والدليل عليه: أن من قطع يد حربي، ثم أسلم، ثم مات: لم يضمن السراية، لأن الجناية لم تكن مضمةنة، وكذلك لو قطع يد عبده، ثم أعتقه، ثم مات: لم يضمن السراية، لأن الجناية لم تكن مضمونة. فصل: قال: (وإن قطعها وهو مسلم، ثم ارتد، ثم مات: فعلى القاطع دية اليد، لا غير). وذلك لأنه لما ارتد صار مباح الدم، بحيث لو ابتدأ الجناية عليه، لم يضمنها، فصارت الردة بمنزلة البراءة من السراية، إذ كانت السراية حادثة بعد الردة. * قال: (وإن رجع إلى الإسلام، ثم مات منها: فإن على القاطع دية النفس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف). قال أبو بكر أيده الله: وذلك لأن الجناية إنما يتعلق حكمها بالابتداء أو الانتهاء، وما بينهما لا يتعلق به حكم، والدليل على ذلك: أن رجلًا لو قطع يد رجل من نصف الذراع: لم يجب عليه فيه القصاص، فإن آلت إلى

стр. 2463

النفس: وجب عليه القصاص في النفس، فتعلق الحكم بما انتهت إليه الجناية. وكذلك لو قطع يده من المفصل، فتآكلت إلى نصف الذراع: لم يجب القصاص، فإن مات منها: قتل به، فصار حكم الجناية موقوفًا على ما تؤول إليه. فلما كانت الجناية في مسألتنا مضمونة في الابتداء، وكانت نهايتها في حال يجوز أن تكون النفس مضمونة فيها، سقط حكم ما بينهما من الردة الحادثة. * (وقال محمد: لا شيء عليه غير دية اليد)، وجعل الردة بمنزلة البراءة من الجناية. والانفصال في ذلك لأبي حنيفة: أن الردة لا تكون بمنزلة البراءة حتى يموت عليها؛ لأن حكم الردة موقوف على الإسلام والموت، وقد كانت الجناية مضمونة، فوقف حكم السراية أيضًا على حكم الردة. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو كان ارتد، ولحق بدار الحرب، ثم رجع إلى دار الإسلام مسلمًا، ثم مات من القطع: فلا شيء على القاطع غير دية يده في قولهم جميعًا). وذلك لأن لحاقه بدار الحرب مرتدًا، يقطع حقوقه، ألا ترى أنا نقسم ماله بين ورثته بعد لحاقه، ولا نفعل ذلك قبل اللحاق، فصار كالبراءة من السراية.

стр. 2464

مسألة: قال أبو جعفر: (ومن قطع يد عبد خطأ، فأعتقه مولاه، ثم مات منها: فلا شيء على القاطع غير أرش اليد). وذلك لأن حكم السراية تابع للجناية، ولا يجوز أن ينفرد بحكم دونها، والدليل عليه: أن من قطع يد حربي، ثم أسلم، ثم مات: لم يكن على القاطع شيء، من قبل أن ابتداء الجناية لما لم يكن مضمونًا، لم يجز أن تكون سرايتها مضمونة، فقلنا على هذا: إن الجناية كانت مضمونة على الجاني للمولى، فلما أعتقه لم تخل السراية لو كانت مضمونة من أن تكون مضمونة للمولى أو للعبد، ولا يجوز أن تكون مضمونة للولى؛ لأنه غير مالك له بعد العتق. وكما أنه لو ابتدأ الجناية عليه في هذه الحال، لم يستحقها المولى، كذلك لا يجوز أن يستحق ضمان السراية. ولا يجوز أن تكون مضمونة للعبد، لأنا قد بينا أن حكم السراية أن يكون تابعًا للجناية، فلما لم تكن الجناية مضمونة للعبد، لم يجز أن تكون سرايتها مضمونة له. فلما لم يصح ضمانها للمولى، ولا للعبد لما وصفنا، لم يبق هناك وجه آخر للضمان، فبطل. ولهذه العلة بعينها قالوا: إذا باعه المولى بعد القطع، سقط حكم السراية. وليس قطع اليد في هذا، مثل الرمي في قول أبي حنيفة حين أوجب عليه بالرمي جميع القيمة وإن أعتقه المولى، ثم وقع به السهم، فمات، ولم يوجب في القطع إلا أرش اليد: من قبل أن الرمي سبب يوجب الوقوع

стр. 2465

لا محالة، لاستحالة وجود رمي لا يحصل عنه الوقوع، فمتى حصل الوقوع في شخص تلفت به نفسه: صار جانيًا به يوم الرمي، إذ كان موجبه من الوقوع متولدًا من فعله، لأن ما تولد من رميه من فعله. وأما القطع فليس بموجب للسراية لا محالة، إذ لا يمتنع وجود القطع مع عدم السراية. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو كان قطع يد العبد عمدًا، فأعتقه مولاه، ثم مات، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: إن كان المولى هو وارثه، لا وارث له غيره: فله أن يقتل الجاني، وإن كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه، أو يدخل معه في ميراثه: فلا قصاص على الجاني، وعليه أرش اليد للمولى، ولا شيء له غيره). قال أبو بكر أيده الله: وذلك لأنه لم يكن له وارث غير المولى، فإن الجناية ابتداؤها كان مضمونًا للمولى، وكذلك انتهاؤها؛ لأن المولى هو المستحق في هذه الحال لضمان السراية، فلما كان المستحق لضمان الجناية والسراية جميعًا هو المولى، كان له القصاص في النفس، كأنه مات في ملك المولى قبل أن يعتقه. فإن قال قائل: السبب الذي به استحق الجناية كان الملك، وقد زال، فينبغي أن يبطل حكم السراية، كما يسقط لو كان وارثه غير المولى.

стр. 2466

قيل له: لا يجب ذلك، من قبل أنه لا اعتبار بزوال ملكه، إذ كان هو المستحق له في الحالين، فلا يجوز أن نبطله، ثم نوجبه له، لأنه لا يجوز أن يستحق ذلك على نفسه، وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن لزوال ملكه حكم في سقوط حكم الجناية. * (وقال محمد لا قصاص عليه في الوجهين جميعًا، وعليه أرش اليد للمولى، ولا شيء عليه غير ذلك). وذهب في ذلك إلى أن المولى لم يستحق السراية بالسبب الذي كان به يستحق الجناية؛ لأنه استحق ضمان الجناية بدءًا بالملك، وقد زال، والعبد لم يستحق لنفسه ضمان السراية بعد العتق، فتنتقل منه إلى المولى بالميراث، فلا يجوز أن يثبت حكم السراية للمولى، إذ لو ثبت ذلك له، لكان ثبوته من جهة الميراث، والعبد لم يستحق ذلك فيورث عنه، ألا ترى أن سائر ورثته لا يستحقون ضمان السراية، فكذلك المولى. مسألة: [لا قصاص في الأعضاء إلا بعد البرء] قال: (وإذا قطع يد رجل أو غيرها من الأعضاء: لم يقتص منه حتى يبرأ).

стр. 2467

وذلك لما روى أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن النبي ﵊: "نهى أن يستقاد من الجراح حتى تبرأ". ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن النبي ﵊، ويجوز أن يكونا قد روياه. ولأنه لا يؤمن أن يؤول إلى النفس، أو إلى موضع يسقط معه القصاص، فيسقط حكم القطع، ويتعلق حكم الجناية بما يؤول إليه. مسألة: (ومن قطع يد رجل من نصف ذراعه عمدًا: فلا قصاص عليه فيه، وعليه دية والحكومة). وذلك لأن الذراع عضو غير اليد، فينفرد بحكمه في إيجاب الحكومة، ألا ترى أن القطع في السرقة يتعلق باليد دون الذراع، فقد أتلف بذلك عضوًا، ونقص آخر، فيجب في اليد الدية، وفي بعض الذراع الحكومة؛ لأنه ليس له أرش مقدر. * (وقال أبو يوسف في الإملاء: عليه دية اليد لا غير). وجعل الذراع تبعًا لليد غير مقدر، كما كانت الكف تابعة للأصابع، والمعنى فيهما: أن أرش اليد مقدر، وأرش الذراع غير مقدر، فتتبعها

стр. 2468

الذراع، كما تبعت الكف الأصابع، إذ كان أرش الأصابع مقدرًا، وأرش الكف غير مقدر. والانفصال للقول الأول من هذا: أن الذراع عضو على حياله، منفرد عن اليد، ألا ترى أنها لا تقطع مع اليد في السرقة، وأما الكف فهي من جملة اليد، غير منفرد عنها بحكم، فكانت تبعًا. مسألة: [مقدار الدية في قطع الأصابع] قال: (ولو قطع أصابع يد رجل كلها خطأ، فبرأ منها: فعليه في كل أصبع منها عشر الدية، وفي جميع ذلك نصف الدية على عاقلته، في السنتين: في السنة الأولى: ثلثان، وفي السنة الثانية: ثلث). قال أبو بكر: وهذا إذا قطعها قبل البرء من الآخر، فتكون كجناية واحدة، كأنه قطع يده، فيكون عليه أرشها في سنتين، لما بينا فيما سلف. ولو كان قطع كل أصبع بعد البرء من الأولى: كان ذلك كله في سنة، من قبل أن حكم كل واحدة منفردة بنفسها بها، كأنه لم يقطع غيرها فيما يتعلق به من التأجيل. مسألة: قال: (ولا قصاص في عظم ما خلا السن). وذلك لأن القصاص استيفاء المثل، وذلك غير ممكن في العظم المكسور؛ لأنه لا يوقف على الموضع بعينه.

стр. 2469

وأما السن فإنما وجب فيها القصاص، لقول الله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾. وفي حديث أنس حين كسرت الربيع سن جارية من الأنصار، فقال النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص". ولأنه يمكن استيفاء المثل: إن كان قلع جميع السن: قلعت سنه، وإن كسر البعض: فإنه يبرد منه بمقداره. مسألة: قال: (ولا قصاص في جائفة ولا في آمة). قال أبو بكر أيده الله: الأصل في ذلك كله: أن كل ما لا يوقف على حده إلا من طريق الاجتهاد: لم يجب فيه قصاص، لأن المجتهد يخطئ ويصيب، والقصاص مما تسقطه الشبهة، فلا يجوز إثباته إلا مع حصول اليقين باستيفاء المثل. قال أبو بكر: وما ذكره أبو جعفر من أروش الشجاج والموضحات فما فوقها، ففيها كلها نص عن النبي ﷺ . بعضها في حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه

стр. 2470

لعمرو بن حزم، وبعضها من غير هذا الطريق، وكرهت الإطالة بذكر أسانيدها، ولأنها أخبار مشهورة. وما دون الموضحة من الشجاج: ففيها حكومة عدل، ولا تكون الموضحة إلا في الرأس والوجه، ولا يكون أرشها في سائر البدن إلا حكومة عدل، ولا يكون فيها مثل ما في الوجه والرأس، وذلك لأن اسم الموضحة في الإطلاق إنما يتناول ما كان منه في الرأس والوجه، وفيها وردت السنة بإيجاب خمس من الإبل. وما في سائر البدن من الجراحات وإن أوضحت العظم، فإنها لا تلحق بها من الشين ما يلحقه بها إذا كانت في الرأس والوجه، فلذلك كان فيها الحكومة، إذ ليس في مقدار أرشه توقيف. مسألة: [عدم القصاص بين اليد السليمة والشلاء] قال أبو جعفر: (ولا قصاص في يد سليمة بيد شلاء). وذلك لما وصفنا من اعتبار المساواة فيما دون النفس. * قال: (ومن قطع يمين رجل صحيحة، ويمين القاطع شلاء: فالمقطوع بالخيار: إن شاء أخذ يد القاطع الشلاء، ولا شيء له غيرها،

стр. 2471

وإن شاء ضمن القاطع دية يده الصحيحة) ز وذلك لأنه لما وجب اعتبار المساواة فيما دون النفس، كان للمقطوع أن يعدل عن القصاص إلى الدية ليستوفي بدل ما أخذ منه سواء، إذ لم يمكنه استيفاء المثل بالقصاص، كرجل اشترى عبدًا فاستحق صحة العبد على البائع، فإن وجده ناقصًا، فلم يمكنه استيفاؤه صحيحًا على حسب ما اقتضاه العقد: كان له أن يعدل عنه إلى البدل الذي هو الثمن، فيفسخ البيع ويسترجع الثمن. * (قال: (فإن لم يختر شيئًا من ذلك، حتى ذهبت اليد الشلاء من السماء، أو قطعها إنسان بغير حق: بطل حق المقطوع الأول). وذلك لأن الواجب في الأصل كان القصاص حتى ينقله إلى البدل، كما أن المشتري إذا وجد العبد معيبًا، والذي في ملكه الآن العبد دون الثمن، فإن هلك العبد، وتعذر رده: لم يكن له الرجوع بالثمن، كذلك ذهاب يده من الوجه الذي ذكرنا يسقط حق المجني عليه الأول، إذ لم يكن قد وجب عليه المال قبل ذلك. مسألة: [لا قصاص في الشجاج] قال أبو جعفر: (ولا قصاص في شيء من الشجاج غير الموضحة). قال أبو بكر أيده الله: قال محمد في الأصل: إن القصاص يجب في

стр. 2472

الموضحة والسمحاق والباضعة والدامية. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: لا قصاص في الشجاج إلا في الموضحة والسمحاق إن أمكن القصاص في السمحاق. قال أبو بكر: وجملة القول فيها: إن أمكن استيفاء القصاص فيه، بأن يجرح مثل جراحته سواء، حتى يبلغ الحد الذي بلغت جراحة الجاني اقتص منه، وما تعذر فيه ذلك: لم يقتص منه. وإذا كان كذلك، فالصحيح ما روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن الباضعة والدامية لا يمكن استيفاء القصاص فيها إلا اجتهادًا. وقد اتفقوا في الآمة والجائفة والمتلاحمة، أنه لا قصاص فيها، إذ لا يوصل إلى استيفاء المثل إلا اجتهادًا. وأما السمحاق، فإنها هي التي بينها وبين العظم جلدة رقيقة، فإن أمكن بلوغ ذلك الموضع بالقصاص، لا يتعدى إلى غيرها: ففيها القصاص، كالموضحة نفسها. * قال: (واختلف أبو يوسف ومحمد في المتلاحمة: فقال محمد: هي التي يلتحم فيها الدم، وبالتحامه فيها سميت متلاحمة). قال: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إنها هي التي تشق الجلد، ولا تأخذ من اللحم شيئًا). قال أبو بكر: هذا ما ذكره أبو جعفر من وصف قولهما، وقد روي عن أبي يوسف أن المتلاحمة دون السمحاق، وفوق الباضعة.

стр. 2473

قال أبو بكر: وهذا اختلاف في العبارة، ولم يختلفوا أن الجراحة كلما كانت أعظم، فحكومتها فيها أكثر. مسألة: [تعريف الحكومة] قال أبو جعفر: (والحكومة في كل ما ذكرنا: أن يقوم المجني عليه حين وقعت به الجناية لو كان عبدًا، ثم يقوم لو كان عبدًا ليس به الجناية، فينظر: كم بينهما من القيمة؟ فيكون عليه ما يقابله من الدية). قال أبو بكر: وقد حكى ذلك عن أصحابنا، وكان أبو الحسن ﵀ يأبى هذا الاعتبار في الجنايات على الأحرار، ويقول: إن الاعتبار فيها: أن يقرب إلى أدنى الشجاج التي فيها أرش معلوم، فينظر كم مقدارها منها في قلة الجراحة أو كثرتها؟ فيوجب من الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدرة. مسألة: [حضور أولياء القتيل القصاص] قال: (ولا يقتص من القاتل إلا بحضرة جميع أولياء القتيل إذا كانوا كبارًا). وذلك لأن الغائب لا يولى عليه لأجل غيبته، ولا يجوز للحضور استيفاء حقه، ولا يمكنهم استيفاء حقوقهم دون حضور الغائب، فلذلك لم يقتص حتى يحضروا جميعًا. [مسألة:] قال: (فإن قتل رجل له وليان: كبير وصغير، فللكبير أن يقتص قبل أن

стр. 2474

يكبر الصغير في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقتص حتى يكبر الصغير فيقتصا جميعًا). وجه قول أبي حنيفة: أن الحسن بن علي ﵄ اقتص من ابن ملجم قاتل علي ﵁، وله ورثة صغار غيره، وذلك بحضرة الصحابة من غير نكير من أحدهم عليه، فصار إجماعًا من السلف. فإن قال قائل: إنما اقتص؛ لأنه كان إمامًا، أو لأنه كان وصي علي ﵄. قيل له: عند مخالفنا: إن الإمام والوصي لا يقتص للصغير في النفس، فعلم أنه لم يقتص من حيث هو إمام، وإنما اقتص من جهة أن الصغير

стр. 2475

ممن يولى عليه، والنفس لا تتبعض في الإتلاف. وأيضًا من جهة النظر: إن الصغير لما كان ممن يولى عليه، وكانت النفس لا تتبعض في الإطلاق، صار الكبير مستحقًا للقصاص من حيث لم يتبعض القصاص، وكان الصغير ممن يولى عليه، فصار وليًا عليه في استيفاء القصاص، ألا ترى أن النكاح لما لم يتبعض، كان لأحد الوليين تزويج الصغير بحق الولاية، ولأن هذا مما لا يتبعض، وليس كذلك الكبير الغائب، لأن الغائب لا يستحق الولاية عليه لغيبته، والصغير تستحق عليه الولاية لصغره. مسألة: [عفو بعض الورثة عن القصاص] قال: (ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، من رجل أو امرأة: بطل القصاص، وكان للآخرين حصتهم من الدية). وذلك لأن الدم موروث عن الميت كسائر ماله، والدليل عليه قول الله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾، والدم مما ترك الميت؛ لأن الميت قد يترك ما هو مال، ويترك أيضًا حقًا ليس بمال. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، والمرأة ليست بولي، فلا ترث الدم.

стр. 2476

قيل له: بل هي ولي للدم ولغيره، قال الله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾، ولم يفرق بين الرجال والنساء، ألا ترى أنه لو قتل عبد لها: كان لها أن تقتل القاتل، ولو قطعت امرأة يدها: كان لها أن تقتص، فعلمنا أن الولاية في القصاص لا يختص بها الذكور دون الإناث. فإذا كان لها نصيب من الدم: جاز عفوها، وسقط القصاص، لتعذر استيفائه للباقين، إذ لا يمكنهم استيفاؤه في بعض النفس، وانتقل حقهم إلى الدية، كالعمد إذا دخلت فيه شبهة، فتجب الدية. وهو معنى قول الله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾، يعني والله أعلم: إن عفا بعض أولياء الدم. وقد روي فيه حديث عن النبي ﷺ ، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا الحسن بن يسار الخياط قال: حدثنا داود بن أبي سيد قال: حدثنا الوليد عن الأوزاعي أن حصينًا حدثه أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن يخبر عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: "على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول، وإن كانت امرأة". قال الوليد: وتفسير هذا: أن لكل ذي سهم عفوًا.

стр. 2477

مسألة: [حكم السراية في الجنايات بعد العفو] قال: (ومن قطع يد رجل عمدًا، فعفا له عن اليد، ثم مات منها فعليه الدية في قول أبي حنيفة). لأنا قد بينا أنه قد عفا عما ليس بحقه؛ لأن حكم الجناية يتعلق بما تؤول إليه، فإذا آلت إلى النفس، علمنا أن حقه كان النفس، فعفا هو عن غير حقه. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لما عفا عن اليد: سقط ضمان اليد، فلم يضمن السراية). ألا ترى أنه لو أمره بقطع يده ابتداء، فقطعها: لم يضمن ما تولد عنها من السراية؛ لأن اليد لم تكن مضمونة، فكذلك ما تولد منها. ولأبي حنيفة: أنه إذا أمره بقطعها ابتداء: لم تكن اليد مضمونة قط، فلم يضمن السراية، كمن قطع يد حربي أو مرتد، وفي مسألتنا قد كانت اليد مضمونة، ثم اختلفا في سقوط الضمان بعفوه عن اليد، فلم يسقط الضمان، لأنه عفا عن غير حقه، فلم يسقط ضمان السراية، وكان القياس أن يجب القصاص في النفس، إلا أنه أسقطه للشبهة، وأوجب الدية. مسألة: [حكم العفو عن الجناية وما يحدث منها] قال: (ولو عفا عن اليد وما يحدث منها، أو عن الجناية، ثم مات المقطوع: لم يكن على القاطع شيء في قولهم جميعًا).

стр. 2478

وذلك لأنه لأنه أبرأ من النفس، وتصح براءته، لوجود سبب الإتلاف، كما يجوز تعجيل الزكاة لوجود سبب الإيجاب، وهو النصاب، وكما جاز تعجيل الأجرة لوجود العقد الذي هو سبب لاستحقاقها عند استيفاء المنافع. وإنما كان عفوه عن الجناية عفوًا عن النفس، من قبل أن الجناية اسم لليد ولما يحدث منها بالقطع، فإذا مات منه: كانت الجناية هي النفس، فصحت البراءة منها. مسألة: [الصلح في الجنايات] قال: (وإذا صالحه عن قطع اليد عمدًا وما يحدث منها، على قليل أو كثير: جاز وإن كان صاحب فراش، فإذا مات أو بريء: فالصلح ماض؛ لأن الدم ليس بمال). والدليل عليه: أنه يستوفى من رقبة الحر، وليست بالمال. ويدل عليه أيضًا: أن الموصى له لا يثبت له فيه حق، ولا يثبت فيه حق الغرماء. ولو كان مالًا، لثبت حق هؤلاء فيه، وإذا لم يكن مالًا، فأخرجه: جازت براءته في المرض من جمع المال، ألا ترى أن البضع لما لم يكن مالًا، فأخرجه عن ملكه بالطلاق في المرض، لم يتقوم عليها، وكان من جميع المال، فجازت براءته، وإذا صح أنه ليس بمال: جاز ما أخذ عنه

стр. 2479

من بدل قليل أو كثير، كما جاز له اسقاطه بغير بدل. مسألة: [موت المقتص منه بقطع يد بعد إيفاء القصاص] قال: (ومن قطع يد رجل عمدًا، فاقتص له منه الإمام، ثم مات المقتص منه من القصاص، فإن أبا حنيفة قال: دية نفس المقتص منه على المقتص له. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه). قال أبو بكر أيده الله: قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ ، رواه أبو زرعة في كتابه عن إبراهيم بن موسى الرازي قال: حدثنا أبو ثور عن معمر عن عمرو بن شعيب يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: "من استقاد من آخر، ثم مات المستقاد منه، غرم المستقاد ديته). فإن ثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ سقط معه قول

стр. 2480

كل قائل. وأيضًا لأبي حنيفة: أن الجنايات معتبرة بما يؤول إليه، ويسقط معها حكم الابتداء، ألا ترى أنه لو قطع يده من نصف الساعد، فمات: كان عليه القصاص من النفس، وصار قاتلًا، وبطل حكم الجراحة، فلما تناول المقتص له اليد على أنها حقه، ثم سرت إلى النفس: علمنا أنه تناول غير حقه، فلزمه ضمانه. ولا يشبه هذا الرجل يأذن للرجل في قطع يده، فيقطعها، ثم يموت المقطوع، فلا ضمان على القاطع؛ لأن هذه الجناية لما كانت بأمره، كان كأنه هو الفاعل لها، فلا يتعلق ضمان سرايتها عل القاطع. ولا يشبه أيضًا القطع في السرقة؛ لأن القطع هناك يقع للسارق، ولأنه ردع له، وزجر عن العود إلى مثله بقوله تعالى: ﴿جزاء بما كسبا﴾، فأشبه الإذن في قطع اليد. فإن قيل: فهل يختلف عندكم حكم ضمان النفس في إذن المقتص منه في القطع، أو عدم إذنه. قيل له: لا يختلف؛ لأنه لم يستحق القصاص من جهة إذنه، ووجود إذنه وعدمه فيه سواء. وكذلك كان يحكي أبو الحسن ﵀. ودليل آخر: وهو أن المقتص له، أخذ اليد على وجه البدل عن يده، وفي الأصول: أن الأشياء المأخوذة على وجه الأبدال، تكون مضمونة

стр. 2481

على أخذها، كالمقبوض على وجه البيع والقرض ونحوهما. وإذا كانت اليد مضمونة على المقتص له، وجب أن يضمن ما تولد منها من السراية، كما أن قاطع يد غيره بغير حق، لما أخذها مضمونة، ضمن ما سرى إليه القطع. وأيضًا: فكل ما تناولها، وجب أن يكون ما سرت إليه اليد مضمونًا، ألا ترى أن من ضرب امرأته للتأديب، كان ما تولد منه مضمونًا عليه وإن كان الضرب مباحًا؛ لأنه تناول ذلك لنفسه. ووجه قولهما: أنه قطعها، وله القطع، فلا يضمن ما تولد منه، إذ لم يكن متعديًا فيه. مسألة: قال: (ومن قتل رجلًا عمدًا، وللمقتول ولي، فقطع الولي يد القاتل، ثم عفا عنه: فعلى الولي دية يده في ماله في قول أبي حنيفة). وذلك لأنه قد استوفى حقه بالعفو؛ لأن حقه كان النفس لا غير، فحصلت اليد مقطوعة بغير حق، ولها قيمة مع العفو، فإذا أتلف ماله قيمة من جهة التعدي: ضمن. وأما إذا قطع اليد، ثم قتله: فلا شيء عليه؛ لأن اليد لا قيمة لها مع إتلاف النفس بالقصاص، فإذا أتلف ما لا قيمة له: لم يضمن، وإن تعدى فيه، ألا ترى أنه لو قطع يد مرتد: كان مسيئًا، ولا يضمنها مع ذلك.

стр. 2482

* (وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه). لأنه قد كان مستحقًا لإتلاف النفس، فتتلف به اليد، فلما استحق إتلاف اليد بوجه، لم يضمنها، وصار كمن أخذ بعض حقه، وعفا عن الباقي. ولأبي حنيفة: أن إتلاف اليد ليس بحق له بوجه، وله قيمة مع العفو، فيضمنها. ومعنى آخر لأبي حنيفة: وهو أنه لا يخلو من أن يكون عافيًا عن بعض حقه، أو عن جميعه، فإن كان عافيًا عن جميعه: صارت اليد مضمونة، لأنه أخذها مع سقوط حقه، وإن كان عافيًا عن بعض حقه: فالعفو عن بعض الدم عفو عن الجميع، فتحصل اليد مضمونة أيضًا.

стр. 2483

باب الديات في الأنفس وما دونها مسألة: [دية المسلمين وأهل الذمة] قال أبو جعفر: (وديات المسلمين، وديات أهل الذمة سواء). قال أبو بكر أيده الله: وذلك أن لفظ الدية لما كانت مجملا في كتابه،

стр. 2484

وهو قوله تعالي:﴾ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبةٍ مؤمنه ودية مسلمة إلى أهله ﴿، وقال:﴾ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ﴿، وكان مفتقرًا إلى البيان، إذ لم يكن في ظاهر اللفظ دلالة على مقدارٍ بعينه دون غيره. ثم روى الحكم عن مقسم عن ابن عباس "أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من المشركين لهما أمانٌ، ولم يعلم بذلك، فوداهما رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى قومهما دية الحرين المسلمين". فكان فعله ذلك ﵊ واردًا مورد البيان، فكان على الوجوب؛ لأن فعل النبي ﵊ إذا ورد على وجه البيان: فهو على الوجوب. فإن قيل: فيجب على هذا الأصل أن يكون إعطاء النبي صلي الله عليه وسلم الدية من عنده على الوجوب أيضًا، لوروده مورد البيان، فيوجب ذلك أن تكون دية الكافر على الإمام، أو في بيت المال. قيل له: لولا قيام الدلالة لوجب ذلك، ولكن الدلالة قد قامت على أن النبي صلي الله عليه وسلم كان متبرعًا في أدائها عن القاتل. وأيضًا: في كتاب عمرو بن حزم: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:

стр. 2485

"وفي النفس مائة من الإبل". وهو عام في المسلم والكافر؛ لأنه لم يفرق بينهما. وأيضًا: روى إبراهيم بن سعد عن الزهري قال: "كان أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانا معاهدين مثل دية المسلم". وروى سعيد بن أبي أيوب قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبد الله بن الحكم أخبره "أن رفاعة بن الموأل اليهودي قُتل بالشام، فجعل عمر ديته ألف دينار". وقال الزهري: كانت دية المسلم والمعاهد على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان واحدًا، حتى جاء معاوية، فجعل لهم النصف، والنصف على بيت المال. ومن جهة النظر: إنه لما كان المسلم والذمي متساويين في وجوب القصاص، وتقويم الدية، وجب أن يتساويا في المقدار. ولا يلزم عليه العبد؛ لأنه غير مقدر القيمة، ولا المرأة، لأنه لا قصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس. فإن قيل: روى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن

стр. 2486

جده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "عقل أهل الكتاب على النصف من عقل المسلمين". ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بإسناده، وقال فيه: "دية الكافر نصف دية المسلم". قيل له: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل، فكيف يحتجون به في إثبات مقدار الدية؟ وأيضًا: قد روى: "أنه قضى في الكافر بثلث دية المسلم". فتعارض كل واحد منهما من هذين الخبرين، فيسقطان، ويبقي لنا ما قدمناه من الدلائل. فإن احتجوا بما روى عبد الله بن صالح قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "دية المجوسي ثمانمائة". قيل له: هذا حديث ساقط، لا يُحتج بمثله؛ لأن عبد الله بن لهيعة ضعيف، لاسيما من رواية عبد الله بن صالح عنه.

стр. 2487

ولو ثبت: احتمل أن يكون المراد عبدًا مجوسيًا قتل، وكان قيمته ثمانمائة، فأوجبها النبي صلي الله عليه ولسم، فنقل الراوي الحكم دون السبب، ويكون قوله: "دية المجوسي ثمانمائة": إشارة إلى عينٍ وتعريف لها، كما قال ﵊: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وكقوله: ولد الزنى شر الثلاثة". وكذلك ما روي في أن "دية الكافر على النصف من دية المسلم، أو الثلث من ديته": فهو محمول على ذلك لو ثبت الخبر. فإن قيل: لما نقصت دية المرأة عن دية الرجل، لأجل نقصان دينها، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي العقول منكن"، وكان نقصان الدين موجودًا في الكافر، وجب أن تنقص ديته. قيل له: فينبغي أن لا يكون له دية بتة؛ لأنه لا دين له رأسًا، ولأنه جعل نقصان دين المرأة من جهة تركها الصلاة في حال الحيض، لأنه لما قيل له: "ما نقصان دينهنٍ؟ قال: تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي، ونقصان عقلها: أن شهادة امرأتين شهادة رجل".

стр. 2488

والذمي لا يصح منه وقوع الصلاة، ولا شهادة له، فواجب على هذا أن لا تكون له دية رأسًا. مسألة: [دية المرأة في النفس وما دونها] قال: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها). وروي نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁. قال أبو بكر: أما النفس وما فوق الثلث فيما دون النفس، فلا خلاف فيه بين الفقهاء. وقال أهل المدينة: عقلها مثل عقل الرجل في الثلث وما دونه، فإذا زاد على الثلث، كان على النصف من عقل الرجل. وحُكي "عن ربيعة الرأي أنه سأل سعيد بن المسيب: عمن قطع أصبع امرأة؟ فقال: فيها عشر من الإبل، قال: فأصبعين؟ قال: عشرون، قال: فثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل، قال: فأربعًا؟ قال: عشرون من الإبل. قال: فقلت: لما كثرت جروحها، وعظمت مصيبتها: نقص أرشها؟ فقال: أعراقي أنت! هكذا السنة". والحجة لقولنا: اتفاق الجميع فيما جاوز الثلث أنه على النصف من

стр. 2489

دية الرجل، فوجب أن يكون كذلك الثلث، إذ ليس للثلث اختصاص في التقويم ليس لغيره، ألا ترى أن سائر المتلفات يستوي فيها حكم الثلث وما فوقه، في أنه بمقدار من الكل، فكذلك ما دونه. وأيضًا: لما أدت مقالتهم إلى نقصان الأرش مع زيادة الجرح، كان ذلك خلاف الأصول، وما عدم فيه التوقيف، ونفاه الأصول: فهو ساقط. فإن قال قائل: هذا كما تقولون فيمن شج رجلاً موضحة، فيكون فيها خمسمائة درهم، فإن شجه موضحة أخرى بالقرب منها: كان فيها خمسمائة أخرى، فإن شجة أخرى بينهما، حتى اتصلت الأولي بالثانية: كانت كلها بمنزلة الموضحة الواحدة: كان فيها خمسمائة، فقد نقص الأرش مع زيادة الجرح. قيل له: هذا غلط علينا، لأن من قولنا: الأرش الأول قائم لكل واحدة منها، واتصال الأولي بالثانية لا يُسقط من الأرش. مسألة: [ما تحمله العاقلة من دية الرجل والمرأة] قال أبو جعفر: (والذي تحمله العاقلة من دية الرجل والمرأة نصف عشرها فصاعدًا). وذلك لما بينا فيما تقدم. والأصل فيما ذكر من الأعضاء: أن كل عضو في البدن منه واحد: ففيه جميع الدية، نحو الأنف، والذكر، واللحية، وشعر الرأس. وكل شيء في البدن منه اثنان: ففيهما جميع الدية، وفي أحدهما

стр. 2490

نصف الدية، نحو اليدين، والرجلين، والأثنيين، والأذنين. وكل ما كان في البدن منه أربعة: ففي جميعه الدية، وفي كل واحد: ربعٌ الدية، نحو أشفار العينين. وفي حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "في الأنف إذا أوعب جدعه: الدية، وفي العينين: الدية، وفي الشفتين: الدية، وفي اللسان: الدية، وفي السن: خمس من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل: عشر من الإبل، وفي البيضتين: الدية". وروي شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء، وقال بخنصره وإبهامه". وروي سعد عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن أبي موسي الأشعري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الأصابع سواء". وروي أشعث عن الزهري قال: "قضى رسول الله صلي الله عليه وسلم في الذكر إذا استؤصل، أو قطعت حتفته الدية". "وقضى النبي صلي الله عليه وسلم في الصلب بالدية".
следующие страницы →