← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

جده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "عقل أهل الكتاب على النصف من عقل المسلمين". ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بإسناده، وقال فيه: "دية الكافر نصف دية المسلم". قيل له: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل، فكيف يحتجون به في إثبات مقدار الدية؟ وأيضًا: قد روى: "أنه قضى في الكافر بثلث دية المسلم". فتعارض كل واحد منهما من هذين الخبرين، فيسقطان، ويبقي لنا ما قدمناه من الدلائل. فإن احتجوا بما روى عبد الله بن صالح قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "دية المجوسي ثمانمائة". قيل له: هذا حديث ساقط، لا يُحتج بمثله؛ لأن عبد الله بن لهيعة ضعيف، لاسيما من رواية عبد الله بن صالح عنه.

стр. 2487

ولو ثبت: احتمل أن يكون المراد عبدًا مجوسيًا قتل، وكان قيمته ثمانمائة، فأوجبها النبي صلي الله عليه ولسم، فنقل الراوي الحكم دون السبب، ويكون قوله: "دية المجوسي ثمانمائة": إشارة إلى عينٍ وتعريف لها، كما قال ﵊: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وكقوله: ولد الزنى شر الثلاثة". وكذلك ما روي في أن "دية الكافر على النصف من دية المسلم، أو الثلث من ديته": فهو محمول على ذلك لو ثبت الخبر. فإن قيل: لما نقصت دية المرأة عن دية الرجل، لأجل نقصان دينها، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي العقول منكن"، وكان نقصان الدين موجودًا في الكافر، وجب أن تنقص ديته. قيل له: فينبغي أن لا يكون له دية بتة؛ لأنه لا دين له رأسًا، ولأنه جعل نقصان دين المرأة من جهة تركها الصلاة في حال الحيض، لأنه لما قيل له: "ما نقصان دينهنٍ؟ قال: تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي، ونقصان عقلها: أن شهادة امرأتين شهادة رجل".

стр. 2488

والذمي لا يصح منه وقوع الصلاة، ولا شهادة له، فواجب على هذا أن لا تكون له دية رأسًا. مسألة: [دية المرأة في النفس وما دونها] قال: (ودية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها). وروي نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁. قال أبو بكر: أما النفس وما فوق الثلث فيما دون النفس، فلا خلاف فيه بين الفقهاء. وقال أهل المدينة: عقلها مثل عقل الرجل في الثلث وما دونه، فإذا زاد على الثلث، كان على النصف من عقل الرجل. وحُكي "عن ربيعة الرأي أنه سأل سعيد بن المسيب: عمن قطع أصبع امرأة؟ فقال: فيها عشر من الإبل، قال: فأصبعين؟ قال: عشرون، قال: فثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون من الإبل، قال: فأربعًا؟ قال: عشرون من الإبل. قال: فقلت: لما كثرت جروحها، وعظمت مصيبتها: نقص أرشها؟ فقال: أعراقي أنت! هكذا السنة". والحجة لقولنا: اتفاق الجميع فيما جاوز الثلث أنه على النصف من

стр. 2489

دية الرجل، فوجب أن يكون كذلك الثلث، إذ ليس للثلث اختصاص في التقويم ليس لغيره، ألا ترى أن سائر المتلفات يستوي فيها حكم الثلث وما فوقه، في أنه بمقدار من الكل، فكذلك ما دونه. وأيضًا: لما أدت مقالتهم إلى نقصان الأرش مع زيادة الجرح، كان ذلك خلاف الأصول، وما عدم فيه التوقيف، ونفاه الأصول: فهو ساقط. فإن قال قائل: هذا كما تقولون فيمن شج رجلاً موضحة، فيكون فيها خمسمائة درهم، فإن شجه موضحة أخرى بالقرب منها: كان فيها خمسمائة أخرى، فإن شجة أخرى بينهما، حتى اتصلت الأولي بالثانية: كانت كلها بمنزلة الموضحة الواحدة: كان فيها خمسمائة، فقد نقص الأرش مع زيادة الجرح. قيل له: هذا غلط علينا، لأن من قولنا: الأرش الأول قائم لكل واحدة منها، واتصال الأولي بالثانية لا يُسقط من الأرش. مسألة: [ما تحمله العاقلة من دية الرجل والمرأة] قال أبو جعفر: (والذي تحمله العاقلة من دية الرجل والمرأة نصف عشرها فصاعدًا). وذلك لما بينا فيما تقدم. والأصل فيما ذكر من الأعضاء: أن كل عضو في البدن منه واحد: ففيه جميع الدية، نحو الأنف، والذكر، واللحية، وشعر الرأس. وكل شيء في البدن منه اثنان: ففيهما جميع الدية، وفي أحدهما

стр. 2490

نصف الدية، نحو اليدين، والرجلين، والأثنيين، والأذنين. وكل ما كان في البدن منه أربعة: ففي جميعه الدية، وفي كل واحد: ربعٌ الدية، نحو أشفار العينين. وفي حديث الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "في الأنف إذا أوعب جدعه: الدية، وفي العينين: الدية، وفي الشفتين: الدية، وفي اللسان: الدية، وفي السن: خمس من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل: عشر من الإبل، وفي البيضتين: الدية". وروي شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء، وقال بخنصره وإبهامه". وروي سعد عن غالب التمار عن مسروق بن أوس عن أبي موسي الأشعري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الأصابع سواء". وروي أشعث عن الزهري قال: "قضى رسول الله صلي الله عليه وسلم في الذكر إذا استؤصل، أو قطعت حتفته الدية". "وقضى النبي صلي الله عليه وسلم في الصلب بالدية".

стр. 2491

مسألة: [دية قطع الذكر والأنثيين] قال أبو جعفر: (وإذا قطع الذكر، ثم الأنثيين طولا أو عرضًا، ففيهما ديتان، ولو قطعت الأنثيان أولا، ثم الذكر: كان فيه دية وحكومة). قال أبو بكر: أما إذا بدأ بالذكر، فقد وجبت الدية في الذكر، ولم يتغير حال الأنثيين بقطع الذكر، فإذا قطعهما: وجبت دية أخرى. وإذا بدأ بقطع الأنثيين: فقد وجبت الدية في الأنثيين، وزالت منفعة الذكر، لأن نفعه بالأنثيين؛ لأن نسل الإنسان يكون بهما، فصار كاليد الشلاء، فوجبت فيه حكومة. فصل: [دية مفاصل الأصابع] قال: (وفي كل مفصل من مفاصل الأصابع قسطه من دية الأصبع، فإذا كان له مفصلان، مثل الإبهام: ففيه نصف دية الأصبع، وإن كانت ثلاثة مفاصل: ففيها ثلث دية الأصبع، كما أن في كل أصبع من أصابع اليد خمس دية اليد، ولم يختلف فيها حكم الإبهام وغيرها، كذلك يجب أن لا يختلف حكم المفاصل). مسألة: [دية قلع الأسنان] "من ضرب رجلاً ضربة، فألقى أسنانه كلها: فعليه دية وثلاثة أخماس دية، وذلك لأن في كل سن نصف عشر الدية، والأسنان اثنان وثلاثون، فيكون فيها ستة عشر ألفًا، وهي دية وثلاثة أخماس دية، على الجاني من

стр. 2492

ذلك في السنة الأولي ثلثا الدية). وذلك لأن الدية كلها تجب في ثلاث سنين، في كل سنة الثلث وثلاثة أخماس الدية، وهي ستة آلاف في سنتين، في السنة الأولي منها ثلث الدية، والباقي في السنة الثانية، فكذلك لزم الجاني في السنة الأولي ثلثا الدية في ذلك من العشرة آلاف، التي هي كمال الدية، وثلث الدية من الستة آلاف، وعليه في السنة الثانية من الدية ثلث الدية وما بقي من ثلاثة أخماس الدية، وعليه في السنة الثالث ثلث الدية، وهو ما بقي عليه. مسألة: [دية ثدي المرأة] قال: (وفي ثديي المرأة الدية، وفي أحدهما نصف الدية). وذلك لأن لثدييها منفعة الرضاع واللبن، فكان كاليدين والرجلين والأنثيين ونحوهما. * (وفي حلمتي ثدييها الدية، وفي إحداهما نصف الدية). لأن منفعة الثدي في الحلمتين، كمنفعة الذكر في الحشفة، ومنفعة اليدين في الأصابع. مسألة: [دية قطع ثدي الرجل] قال: (وفي ثديي الرجل حكومة عدل).

стр. 2493

وذلك لأنه لا نفع فيهما من جهة الرضاع ونحوه، ففارق ثديه ثدي المرأة، وصار كقطعة لحم قطعها من جسده، ففيها حكومة عدل. مسألة: [دية قطع اليد فيها أصبع أو أصبعان] قال: (ومن قطعت يده، وليس فيها إلا أصبع أو أصبعان: ففيها دية ما فيها من الأصابع، ولا شيء في الكف في قول أبي حنيفة). وذلك لأن الأصبع مقدرة في نفسها، والكف غير مقدرة، وهي متصلة بالأصبع، فوجب أن تكون تابعة لها، كما كانت تابعة للأصابع كلها. وليس بقاء الأصبع مثل بقاء المفصل الواحد مع الكف، في أنها لا تتبعه، من قبل أن المفصل غير مقدر بنفسه، وإنما هو مقدر بغيره، وهو الأصبع، ألا ترى أن الأصبع التي فيها مفصلان: ففي أحدهما نصف دية الأصبع، وإن كان فيها ثلاث مفاصل: ففيه ثلث دية الأصبع، فعلمت أ، هـ مقدر بغيره، فلذلك لم تتبعه الكف، وأما الأصبع، فليست تابعة لغيرها، فتتبعها الكف. ولا يلزم على ما قلنا أيضًا، أن تكون الذراع تابعة لليد، وذلك من قبل أن الذراع غير متصلة بعضو مقدر؛ لأنها متصلة بالكف، فأرش الكف غير مقدر، والمقدر هو الأصابع، فلما كان بينهما وبين المقدر عضو غيرها، وهو الكف، لم يجز أن تكون تابعة لغيرها؛ لأنها لو كانت تابعة

стр. 2494

لتبعت الكف دون الأصابع، والكف غير مقدرة، فلا تتبعها الذراع. * (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: ينظر إلى أرش الكف، وغلى أرش ما بقي من الأصبع أو الأصبعين، فيدخل القليل في الكثير). وذلك لأن الكف لا تكون تابعة للأصبع إذا كان أرشها أكثر من أرش الأصبع؛ لأن الأكثر لا تتبع الأقل في أحكام الجنايات. * (فإن كان فيها ثلاث أصابع: فالكف تابعةٌ للأصابع في قولهم جميعًا). لأنه معلوم أن الكف لا يكون أكثر أرشًا من ثلاث أصابع، إذ كان الأرش إنما يقل ويكثر على حسب منافع العضو، ومعلوم أن منفعة ثلاث أصابع أكثر من منفعة الكف. مسألة: [دية قتل العبد خطأ] قال: (وإذا قتل الحر عبدًا خطأ: فعليه قيمته على عاقلته في ثلاث سنين، وينقص من الدية عشرة دراهم). وقد بينا ذلك فيما تقدم. * (وقال أبو يوسف: قيمته على العاقلة بالغةً ما بلغت). فأوجب كمال القيمة وألزمها العاقلة؛ لأنها قيمة النفس، وقيم النفوس مختلفة، واختلافها لا يُخرجها من أن تكون بدلاً للنفس، كالجنين ديته

стр. 2495

خمسمائة، والمرأة ديتها خمسة آلاف، فلم يكن النقصان ما يسلبه حكم أبدال النفوس في لزومها العاقلة، كذلك زيادتها لا تخرجها من حكم أبدال النفوس، وإلزامها العاقلة. (قال: وروي أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن عليه قيمته في ماله بالغة ما بلغت، ولا تحملها العاقلة). وذلك لأنه إذا ضمنه من طريق المال حين جاوز بها الدية، صار بمنزلة استهلاك الدواب وسائر الحيوان، والثياب ونحوها، ولا تحمله العاقلة. * قال: (وما جني على العبد فيما دون النفس: لا تحمله العاقلة في قولهم جميعًا). وذلك لأن ضمانه ضمان الأموال، ألا ترى أنه لا يجب فيها قصاص، ولا كفارة بحال، وكان كاستهلاك سائر الأموال يلزمه في ماله. مسألة: [دية الجنين] قال: (ومن ضرب بطن امرأةٍ، فألقت جنينًا ميتًا، ففيه غرة: عبد أو أمة). قال أبو بكر أيده الله: روى وجوب الغرة في الجنين عن النبي صلي الله عليه

стр. 2496

عليه وسلم جابر بن عبد الله والمغيرة بن شعبة، وأبو هريرة، وحمل بن مالك بن النابغة. وهو اتفاق من الأمة واتفقوا أيضًا أنها نصف عشر الدية، إلا أنهم اختلفوا في قيمتها من الدراهم، فمن جعل الدية عشرة آلاف، جعل قيمة الغرة خمسمائة، ومن جعلها اثني عشرة ألفًا، جعل قيمتها ستمائة درهم. وهي على العاقلة في سنة. وأما كونها على العاقلة، فقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم. وأما كونها في سنة: فهو اتفاق من الفقهاء. مسألة: [دية الجنين إذا خرج حيًا، ثم مات] قال: (وإن خرج حيًا ثم مات: كانت فيه الدية كاملة، وذلك كله على العاقلة، وكان على القاتل كفارة في هذا الوجه، ولا كفارة عليه في الوجه الأول). وإنما وجبت الدية كاملة إذا خرج حيًا؛ لأنه قد أتلف نفسًا كاملة، فوجب فيها ما يجب في سائر نفوس الأحرار الأحياء. ووجبت فيه الكفارة؛ لأنه قد باشره بالقتل، لأن الضربة قد لحقته،

стр. 2497

وأثرت فيه، فمن أجلها سقط. وليس بمنزلة حافر البئر في سقوط الكفارة عنه، من قبل أنه لم يباشر القتل، وإنما فعل السبب من غير مباشرة. * قال: (وإن خرج ميتًا: فلا كفارة فيه). من قبل أن الكفارة في الأصل إنما وجبت في النفس الكاملة، ولم يحكم له بحكم النفس الكاملة في باب إيجاب الدية، فلم يجز إيجاب الكفارة فيه، كما لم يجب في الأعضاء. وأيضًا: لما كان موضوع الكفارة في الأصل في النفس التامة، ولم تكن هذه نفسًا تامة: لم يجز إيجابها فيها، إذ غير جائز إثبات الكفارة بالقياس. مسألة: [توريث الغرة] قال: (والغرة موروثة عن الجنين على فرائض الله . وذلك لما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن المرأة التي ضربت: ألفت جنينًا ميتًا، ثم ماتت، "فقضى رسول الله صلي الله عليه وسلم عاقلتها بالدية، وفي الجنين بغرة". فأفردها عن حكم الأم في باب إيجاب الغرة منه، مع وجوب دية الأم، فثبت أن حكمه في باب البدل حكم النفس، فوجب أن يكون

стр. 2498

لورثته، ولو كان محكومًا له بحكم الأعضاء، لدخلت الغرة في الدية، كما لو قطع يدها، ثم ماتت من القطع، دخلت دية اليد في النفس. ويدل على ذلك: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما أوجب في الجنين الغرة، قال حمل بن مالك بن النابغة: "كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح، واستهل؟! فمثل ذلك يطل". فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب، فيه غرة: عبد أو أمة". فلم ينكر النبي ﵊ قول حمل بن مالك، أن ذلك دية الجنين، ولم يقل: إن ذلك وجب بجنايته على المرأة. فثبت أن الغرة واجبةٌ بجنايته على الجنين، دونها، وأنه بمنزلة نفس مباينة لها في حكم الغرة. وأيضًا: فقد اتفقوا على أنه لو خرج حيًا، ثم مات: كانت ديته لورثته، كذلك إذا خرج ميتًا. فإن قيل: إذا خرج حيًا، صار حكمه حكم النفس الكاملة في باب وجوب الدية، وإذا خرج ميتًا، لم تجب فيه الدية، فدل على أن حكمه حكم أمه، كعضو من أعضائها، فينبغي أن تكون الغرة للأم.

стр. 2499

قيل له: ما كان بمنزلة عضوها، لا يتغير حكمه بالانفصال، لأن أعضاءها لا يجوز أن تصير في حكم النفس بالانفصال والمباينة. وأيضًا مخالفة الجنين بغرة في نقصان الدية، لا تخرجه من حكم النفس؛ لأن الأنفس مختلفة الديات، كالمرأة والرجل، والعبد والحر، وعند مخالفنا الكافر والمسلم، فلم يخرجهم من حكم النفوس اختلاف مقادير ديانهم. فإن قيل: فأوجب فيه الكفارة، إذ كان في حكم النفس. قيل له: ليست علة وجوب الميراث وجوب الكفارة؛ لأنه قد يورث عنه بدل نفسه من لا تجب عليه الكفارة، مثل من يقتله صبي، أو يقع في بئر حفرها في الطريق. فلا يجوز أن يكون وجوب الميراث في بدل النفس علة لوجوب الكفارة، وإنما الكفارة لها شرط آخر، وهو أن يكون المقتول على حال يصح وصفه معها بالإيمان أو الكفر، إما عن طريق الحكم، أو من جهة الحقيقة، لقول الله تعالي:﴾ ومن قتل مؤمنًا خطئا فتحرير رقبةٍ ... ﴿قال:﴾ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله. وتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ ﴿، فأوجب الكفارة على قاتل المؤمن والكافر، وليست هذه صفة الجنين.

стр. 2500

مسألة: [خروج الجنين ميتًا بعد موت الأم] قال: (ولو قتلت امرأة، ثم خرج من بطنها جنين ميت: فلا شيء في جنينها). وذلك لأنه غير معلوم حدوث موت الجنين من الضربة، وجائز أن يكون مات بموت الأم، لا بالضربة. وأيضًا: فإنها ماتت، وهو بمنزلة عضو منها، ثم باينها، فلا يجب فيه شيء. *قال: (وإن خرج قبل موتها، ثم ماتت: كان فيه غرة). لأنه قد انفصل منها في الحياة، ووجبت فيه الغرة، فلا يتغير حكمه بعد ذلك بموت الأم؛ لأنها ماتت وهو منفصل منها. [مسألة:] قال: (والغرة في الذكر والأنثى سواء). وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسأل عن الجنين: أذكر أم أنثى؟ فأوجب فيه الغرة، فدل أنهما سواء فيهما. وأيضًا: هو اتفاق من الأمة. مسألة: [دية جنين غير المسلمة] قال: (وجنين الكافرة كجنين المسلمة).

стр. 2501

لأنهما لا يختلفان في بدل النفس وما دونها عندنا. مسألة: [دية جنين الأمة من مولاها] قال: (في جنين الأمة من مولاها كما في جنين الحرة). لأن الجنين حر، وهذا اتفاق من الفقهاء، وهذا يدل على أن الجنين ليس بمنزلة عضو من أعضائها إذا باينها وهي حية؛ لأنه لو كان كذلك، لما كان فيه غرة، لأنه لا يجوز أن يكون عضو من أعضائها حرًا، وسائرها أمة. مسألة: [دية جنين الأمة من غير مولاها] قال: (وفي جنين الأمة من غير مولاها إذا خرج حيًا، ثم مات: قيمته، وإن خرج ميتًا: فإن كان ذكرًا ففيه نصف عشر قيمته لو كان حيًا، وإن كان أنثى: ففيها عشر قيمتها لو كانت حية). وذلك لأن الغرة من دية الرجل: نصف عشرها، ومن دية المرأة: عشرها، وكذلك جنين الأمة يجب أن يكون هذا اعتباره، فينقص من قيمة الأنثى تسعة أعشارها، ومن قيمة الذكر تسعة أعشار ونصف، كما نقصنا من دية الحر الذكر تسعة أعشار ونصفًا، ومن دية الأنثى تسعة أعشار. ومن الدليل على سقوط اعتباره بقيمة الأم: أن الجنين لو كان من مولى الأمة، لكان فيه الغرة، ولم يعتبر بالأم، كذلك إذا كان رقيقًا، الواجب اعتباره بنفسه، دون أمه. وأيضًا: لما كانت هذه جناية على الجنين، ولم تكن جناية على الأم.

стр. 2502

وجب اعتبار أرشه بنفسه دون أمه. * قال: (وروي أصحاب الإملاء عن أبي يوسف ﵀: أن في جنين الأمة: ما نقص أمه، كجنين البهيمة). وذلك لأنه مال، وهو مستمر على أصله، لأنه يوجب في الرقيق القيمة وإن جاوزت الدية بالغًة ما بلغت. مسألة: [الجناية على الجنين] (وكل جناية جنيت على مولود: من فقء عين، أو قطع عضو: ففيه حكومة حتى تعلم سلامته). وذلك لأنا لما لم نعلم صحة العضو، لم نحكم فيه بكمال الأرش إلا بيقين. وأيضًا: فإن الأصل أنه غير سليم الأعضاء، حتى تعلم سلامتها، لأن الأصل: النطفة، والمضغة، والعلقة، أو نحو ذلك، فلما لم تعلم صحة العضو، فهو على الأصل. مسألة: [ذهاب البصر ونحوه بالجناية] قال: (وفي ذهاب البصر بالضربة، وسواد العين، وشلل اليد: الدية كاملة). وذلك لما وصفنا من أن جهة النفع معتبرة على الانفراد وإن لم يذهب

стр. 2503

به الجمال، ألا ترى أن العقل أو السمع إذا فقدا بالضربة: وجب في كل واحدة منهما الدية. * قال: (وأرش ذلك في ماله إذا كان عمدًا). وذلك لأنه عمد سقط القصاص فيه، لتعذر استيفائه. مسألة: [الجناية على السن] قال: (ومن ضرب سن رجل، فتحركت: استؤني فيها حولا). قال أبو بكر أيده الله: وقد روي ذلك عن جماعة من السلف. ويدل عليه ما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه "نهي أن يتقاد من الجراح حتى تبرأ". * قال: (فإن استوت وعادت كما كانت، فإن أبا حنيفة ﵁ قال: لا شيء فيها). وذلك لأن الأرش إما يجب للأثر، ولا أثر هناك، ألا ترى أن من لطم رجلاً: لم يجب عليه أرش؛ لأنه لم يؤثر فيه، ولا يجب عليه للألم أرش. قال: (وقد روي عن أبي يوسف ﵀: أن فيها حكومة للألم). * قال: (وإن سقطت، أو اسودت: كان فيها ديتها). قال أبو بكر: أما إذا سقطت: فلتلف العضو، وإذا اسودت: فلذهاب

стр. 2504

الجمال، وقد بينا أن الجمال معتبر في الأحرار على حياله. مسألة: [اختلاف الضارب والمضروب في الجناية] قال: (فإن اختلف الضارب والمضروب وقد سقطت، أو اسودت، فقال الضارب: حدث من غير جنايتي، وقال المضروب: من جنايتك، فالقول في ذلك قول المضروب استحسانًا، والقياس أن القول قول الضارب. ولو اختلفا في الموضحة، وقد صارت منقلة على هذا الوجه: كان القول قول الشاج). قال أبو بكر: أما وجه القياس في السن: فهو أنه لما كان جائزًا أن يكون سقوطها من الضربة، وجائز أن يكون من غيرها: كان القياس أن لا يلزمه الضمان بالشك. ووجه الاستحسان: أن الضربة سبب لإتلاف السن، فصارت كالجراحة في كونها سببًا لتلف النفس، فلو جرحه فلم يزل صاحب فراش، حتى مات، حكمنا بحدوث الموت عن الجراحة، كذلك يجب أن يحكم بحدوث السقوط والسواد في السن عن الضربة، لكونها سببًا لذلك. وليس كذلك الشجة الموضحة إذا صارت منقلة، لأن المنقلة ليست هي نفس الموضحة، وإنما هي ذهاب عضو آخر غير المشجوج، فالقول قول الشاج في أنه لم يتلف هذا العضو، والضربة تلفت بها نفس السن المضروبة الحادث فيها الجناية، كما تلفت بالجراحة النفس الحادثة فيها الجراحة.

стр. 2505

ووجه آخر: وهو أنه لما قيل في السن يستأني بها حولا، فجعل الحول نهاية لحصول حكم الضربة، علمنا أن حكمها متعلق بما يوجد في آخر الحول من أمر الضربة، لولا ذلك لم يكن للاستيناء بها معني، وأما الشجة فلم يقدر في انتظارها وقت، فيحصل فيه حكم الضربة، فكان القول قول الشاج في مقدار ما تناوله. فإن قيل: هلا جعلت القول قول المشجوج، كما لو لم يزل مريضًا صاحب فراش حتى مات، كان محكومًا بحدوث الموت عن الجراحة. قيل له: لا فصل بينهما من هذه الجهة؛ لأنه لو علم في الموضحة أنه لم يزل مريضًا من الموضحة، حتى صارت منقلة: كان القول قول المشجوج. ونظير مسألتنا من المنقلة: أن تعلم الجراحة، ولا نعلم أنه كان مريضًا من ذلك، ثم مات المجروح: فالقول قول الجارح أنه لم يمت من جراحته. فإن قيل: فاعتبر ذلك في السن أيضًا. قيل له: المسألة في السن على أنها تحركت بالضربة، وكونها متحركة إلى أن سقطت أو اسودت، بمنزلة كون الرجل مريضًا من الجراحة حتى يموت. فإن قيل: فعلى هذا لا معنى لتخصيصه السن بالاستحسان، وترك القياس فيها، إذ كان الحكم في جميع ذلك على وجه واحد. قيل له: الاستحسان في السن أنه جعل تحركها بمنزلة المرض من الجراحة.

стр. 2506

مسألة: [نبات السن بعد القلع] قال: (ومن قلع سن رجلٍ، فنبتت كما كانت: فلا شيء على القانع في قول أبي حنيفة ومحمد). وذلك لأن أرش الجنايات إنما يتعلق حكمها بحصول الأثر، والدليل عليه: أنه لو لطم رجلاً: لم يجب عليه أرش إذ لم يحصل بها أثر، وكذلك قالوا في الموضحة إذا التأمت، ونبت عليها الشعر: أنه لا شيء فيها، وكذلك السن إذا نبتت، فقد عاد النفع والجمال على ما كان، ولم يبق هناك أثر، فلم يجب شيء. * قال: (وروي عن أبي يوسف ﵀: أن عليه حكومة للألم). مسألة: [الجناية على الظفر] قال: (ومن قطع ظفر رجل، فنبت متغيرًا: ففيه حكومة عدل). وذلك لأنه نبت معيبًا، والعيب اليسير في العضو يوجب الحكومة، ولا يجب به أرش جميع العضو إذا لم يأت على عامة منفعته، أو يذهب بجماله. وليس تغير الظفر كتغير السن إلى السواد ونحوه، من قبل أن سواد السن يذهب بجمالها، وليس كذلك الظفر. [مسألة:] قال: (ومن قلع سن رجلٍ، فأخذها المقلوعة سنه، فأثبتها في

стр. 2507

مكانها، فثبتت، وقد كان القلع خطأ: فعلى القالع أرشها كاملاً، وكذلك الأذن). قال: (وقد روى عن محمد أنه قال في ذلك: على الجاني مقدار أجر علاج مثل ذلك). قال أبو بكر: السن إذا أثبتت في مكانها: لم تثبت، ولم تتصل بالعروق والأعصاب، فهو بمنزلة لو أخذ قطعة عظم فوضعها في موضع السن، فلا يسقط أرشها، وكذلك الأذن. وما حكاه أبو جعفر عن محمد في وجوب نفقة العلاج، فإنما هذا ينبغي أن يكون في السن إذا ثبتت، والجراحة إذا اندملت وذهب أثرها، فأما في موضع السن المقلوعة في موضعها، فليس ينبغي أن يكون هذا جوابه؛ لأن وضعها هناك وتركها سواء. مسألة: [دية ذهاب شعر الرأس من الشجاج] قال أبو جعفر: (ومن شج رجلاً موضحًة خطأ، فذهب منها شعر رأسه: فعلى عاقلته الدية، ويدخل أرش الموضحة فيها، وإن ذهب بعض الشعر: نظر في أرشه وارش الموضحة، فيدخل القليل في الكثير). قال أبو بكر: وذلك لأن الرأس كله عضو واحد، والدية واجبة فيه لأجل التأثير، لا للألم، والدليل عليه: أن الموضحة لو اندملت، ونبت عليها الشعر حتى لم يبق لها أثر لم يجب فيها أرش، فلما صار الأثر في

стр. 2508

جميع الرأس، وهو عضو واحد: دخل أرش الموضحة في الدية، لأنه قد ضمن أرش جميع الشعر. فما قد ضمن من تأثير الموضحة من وجه، لا يجوز أن يضمنه من وجه آخر، ألا ترى أن ضمانها جميعًا من جهة سقوط الشعر وحصول الأثر، ولا جائز أن يضمن ذلك الجزء مرتين، ولا يكون الشعر تبعًا للموضحة، كما كانت الكف تبعًا للأصبع عند أبي حنيفة؛ لأن الشعر مقدر الأرش، وأرش الكف غير مقدرة. مسألة: [تداخل الأرش في الدية] وقال أبو جعفر: (ولو لم يذهب الشعر منها، ولكن ذهب منها عقله: دخل أرشها في دية العقل). قال أبو بكر أيده الله: وذلك لأن العقل ليس بعضو من البدن، بل هو كالنفس، فلو أن الموضحة صارت نفسًا، لدخلت فيها، كذلك في العقل. * قال: (ولو ذهب منها السمع أو البصر: كان في كل واحد منهما الدية، ولم يدخل أرش الموضحة في ذلك). قال أبو بكر: وذلك لأنها أعضاء مختلف أرش كل واحد منها، فيجب بغير المعنى الذي يجب به أرش صاحبه. وليس كذلك الموضحة وشعر الرأس، لأن ضمانهما جميعًا وجب

стр. 2509

بمعنى واحد، هو الأثر، وهو الشين اللاحق بذهاب الشعر، وليسا كالعقل، لأنهما عضوان كاليد والرجل ونحوهما، والعقل ليس بعضو من البدن، فهو كالنفس. ووجه آخر: وهو أنه لا ينتفع بسائر الأعضاء إلا مع وجود العقل، كما لا ينتفع بها إلا مع وجود النفس والروح، فأشبه العقل الروح من هذا الوجه، وكما دخل أرش الموضحة في دية النفس، فكذلك يدخل في العقل. ومما يبين لك الفصل بين شعر الرأس والسمع والبصر في دخول الموضحة في الشعر دونها: أن أرش الموضحة يتعلق بذهاب الجمال من الشعر، وكذلك ذهاب شعر الرأس، وضمان السمع والبصر لأجل المنفعة، فلا يدخل أحدهما في الآخر. فإن قيل: فضمان العقل لأجل المنفعة، وضمان الشعر لأجل الجمال، فيجب أن لا تدخل الموضحة في العقل. قيل له: إنما قلنا ذلك في أعضاء البدن، فأما ما ليس بعضو من البدن، فله أصل آخر وهو النفس، فرددناه إليها. قال أبو بكر: وفي أصل أبي حنيفة: أن أرش الموضحة لا يدخل إلا في شيئين: في شعر الرأس، وفي العقل، ولا يدخل في غيرهما، وهو قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وروي عن أبي يوسف: أن أرش الموضحة يدخل في الشعر والعقل والسمع والكلام، ولا يدخل في البصر؛ لأنه ظاهر، والسمع والكلام والعقل ليست بظاهرة.

стр. 2510

مسألة: [الدية في ذهاب قوة الشم وماء الظهر] قال أبو جعفر: (وإذا ضربه، فذهب شمه، أو ماء ظهره: فعليه الدية). وذلك لأن هذا العضو ليس له نظير في البدن، كالأنف والذكر ونحوهما. مسألة: [دية عدم استمساك البول من الضرب] قال أبو جعفر: (ومن رمي امرأة بحجر، فأفضاها به، فإن كانت يستمسك البول: فعليه ثلث الدية)، لأنها بمنزلة الجائفة. قال: (وإن كانت لا تستمسك البول: فعليه دية كاملة). وذلك لأنه قد أبطل عليها منفعة العضو، كقطع الذكر والأنف ونحوهما. مسألة: [من قطع أصبعًا فشلت أخرى] قال: (ومن قطع أصبع رجلٍ، فشلت أصبع أخرى إلى جانبها: فعليه الأرش في الأصبعين، ولا قصاص عليه في واحدة منهما في قول أبي حنيفة). وذلك لأن هذه جناية واحدة، قد وجب بها مال، فلا يجب بها قصاص؛ لأن وجوب المال له شبهة في نفي القصاص، ألا ترى أنه لو

стр. 2511

قطع أصبعه، فشلت اليد: لم يجب القصاص عندهم جميعًا، والمعني في ذلك: أن جميع ذلك حادث عن فعل واحد، وقد وجب به مال، فيفي وجوب القصاص؛ لأن وجوب المال يكسبه حكم الخطأ. ويدل عليه: أن رجلين لو قتلا رجلاً، أحدهما مخطئًا والآخر عامدًا لم يجب القصاص على واحد منهما؛ لأن هذه النفس قد وجب بها مال في إتلافها، وهي لا تتبعض، فكذلك حكم الفعل الذي لا يتبعض، لما وجب به المال، انتفى وجوب القصاص. * (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: عليه القصاص في الأصبع المقطوعة، وفي التي شلت الأرش). وذهبا في ذلك إلى أن العضوين إذا لم يكن أحدهما تابعًا للآخر: لم يمنع وجوب المال في أحدهما من وجوب القصاص في الآخر وإن حدث من جنايته على الأول، فالأصبعان ليست إحداهما تابعة للأخرى، ألا ترى أن أرش إحداهما لا يدخل في الأخرى، وأما الأصبع إذا قطعت، فشلت بها اليد، فإن الأصبع من جملة اليد، وتابعة لها، ويدخل أرشها فيها، فيسقط القصاص بوجوب المال به. مسألة: [سراية الجناية] قال: (ومن قطع أصبع رجلٍ، فسقطت كفه من المفصل، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: لا قصاص عليه في ذلك، وعليه دية اليد، وقال محمد: عليه القصاص في اليد).

стр. 2512

وجه قول أبي حنيفة: أن الله تعالي قال:﴾ والجروح قصاص ﴿، وهو لم يجرح موضع المفصل من اليد، وإنما قطع الأصبع، فلم يجب القصاص في اليد؛ لأنه لم يقطعها، وإنما صار قطعة للأصبع سببًا لتلفها، فوجب المال في اليد، وإذا وجب المال: سقط القصاص في الأصبع. وأما محمد: فإنه ذهب إلى أن الجناية إنما يتعلق حكمها بما يؤول إليه، والدليل عليه: أنه لو قطع يده، ثم مات منها: وجب القصاص في النفس، وسقط حكم اليد، وكذلك الأصبع إذا سقط منها اليد: وجب القصاص في اليد، وسقط حكم الأصبع. ولأبي حنيفة: أن هذا الاعتبار صحيح في النفس، غير واجب فيما دونها، لاتفاقهم جميعًا أنه لو قطع يده خطأ، فشلت اليد الأخرى أو الرجل: لم يدخل أرش إحداهما في الأخرى، ولو مات منها: دخل أرش اليد في النفس. مسألة: [كيفية القصاص في الشجاج] قال أبو جعفر: (وإذا شجه موضحة، فأخذت ما بين قرني المشجوج، وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاج، فإن المشجوج بالخيار: بين الأرش، وبين القصاص بمقدار طول الشجة فحسب).

стр. 2513

وذلك لأنه لا يجوز له أن يستوفى ما بين قرني الشاج كله بالقصاص؛ لأن ذلك أكثر من حقه، وقال الله تعالي:﴾ والجروح قصاص ﴿، والقصاص استيفاء المثل، ومعلوم إذا كان هكذا، أنه قد لحقه من الشين بالشجة أكثر مما يلحق الشاج بالقصاص، فصار كالعضو الناقص عن عضو المشجوج، مثل أن تكون يد القاطع شلاء، ويد المقطوع صحيحة، فيكون للمقطوعة يده الخيار: في أخذ الأرش، أو القصاص. * قال: (ويبدأ المشجوج من أي الجانبين أحب). وذلك لأن القصاص حق قد ثبت له في هذا الموضع من رأسه، فله أن يبدأ من أي موضع منه شاء. * (حتى يبلغ منها مقدار شجته في طولها). * قال: (وإن كانت الشجة لا تأخذ ما بين قرني المشجوج، وهي تأخذ ما بين قرني الشاج ويفضل، فإن المشجوج بالخيار: إن شاء أخذ الأرش، وإن شاء اقتص له ما بين قرني الشاج لا يزاد عليه شيء). قال أبو بكر: قال في الكتاب: "لا تأخذ ما بين قرني المشجوج"، وفي النسخ الصحيحة: "أن الشجة ما بين قرني المشجوج، وتفضل عن قرني الشاج"، وهو الصحيح؛ لأنها إذا كانت لا تأخذ بين قرني المشجوج، فليس يجوز أن يستوعب بالقصاص ما بين قرني الشاج كله وإن كان مقدار جراحته أو بعضها، كما لا يجوز أن يستوفى له بمقدار

стр. 2514

جراحته فيما يفضل عن قرني الشاج. والمسألة في كتبنا على ما ذكرناه، وعسى أن يكون الذي في كتاب أبي جعفر غلطًا من الكاتب. ووجه المسألة على ما قلنا: أنه إذا شج ما بين قرني المشجوج: فغير جائز أن يقتص له في أكثر مما بين قرني الشاج؛ لأنه يلحقه بذلك من الشين أكثر مما لحق المشجوج بشجته، وله الخيار، لتعذر استيفاء مثل شجته في مقدارها. فصل: قال: (وإذا كانت الشجة في طول رأس المشجوج، وهي تأخذ من رأس الشاج من جبهته إلى قفاه، فإنه بخير المشجوج: فإن شاء أخذ الأرش، وإن شاء اقتص منه مقدار شجته إلى مثل موضعها في رأسه، لا يزاد على ذلك). وهذا ما بينا في الشجة واعتبار الشين اللاحق به، وامتناع استيفاء أكثر من مقدار الشجة على الحد الذي بينا. *********************

стр. 2515

باب القسامة مسألة: [حكم القسامة، وبيان من الذي يحلف] قال أبو جعفر: (وإذا وجد قتيل في محلة قوم، فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلاً: بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، ثم يغرمون الدية). قال أبو بكر أيده الله: والأصل في ذلك أنه لا يجوز أن يستحق أحد بيمينه على غيره شيئًا بدلائل الكتاب والسنة. قال الله تعالي:﴾ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴿، فمنع أن يستحق أحدٌ بيمينه على غيره حقًا. وقال النبي صلي الله عليه وسلم: "لو أعطى الناس بدعاويهم، لا دعي

стр. 2516

ناس دماء قومٍ وأموالهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". وفي هذا الخبر ضروب من الدلائل على صحة ما قلنا: أحدهما: أنه منع أن يعطي أحد بدعواه شيئًا، ويمينه دعواه؛ لأن اليمين لا تخرج خبره المحلوف عليه من أن يكون دعوى، فالمستحق بيمينه مستحق بدعواه. والثاني: أن دعواه قوله، ويمينه قوله، فمن حيث منع أن يستحق بدعواه، وجب أن يمنع الاستحقاق باليمين، إذ كلاهما قوله. فإن قال قائل: فقد جاز أن يبرأ المدعى عليه من حق المدعى بيمينه، ولا يبرأ بجحوده دون الحلف عليه، فكذلك المدعي. قيل له: إنما منع النبي صلي الله عليه وسلم أن يستحق بالدعوى بقوله، فوقفنا عند ذلك، وما عداه: فحكمه موقوف على الدليل. ولم نقل: إن اليمين لا حكم لها في الأصول حتى يلزمنا ما قلت. وما قلت من إن المدعى عليه يبرأ من حق المدعي: فهو خطأ، إذ اليمين لا تبرئه من الحق، وإنما تفصل بينهما، وتقطع الخصومة في الحال من غير استحقاق لأحدهما على صاحبه شيئًا، ألا ترى أن المدعى لو جاء بالبينة بعد ذلك: قبلت بينته. والوجه الثالث من دلالة الخبر: قوله ﵊: "البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه"، والأولياء غير مدعى عليهم، فلا

стр. 2517

تجب عليهم اليمين. فإن قيل: أكثر ما فيه إيجاب اليمين على المدعى عليه، وليس فيه نفيها عن غيره. قيل له: هذا غلط من قبل أن قوله: "اليمين": اسم للجنس، فما من يمين إلا وهي التي على المدعى عليه، وإذا استغرق المدعى عليه جنس اليمين، لم يبق هناك يمين تكون على المدعى. وهذا مثل ما قلنا في قوله تعالي:﴾ إنما الصدقات للفقراء ﴿، أنه ينفي وجوب الصدقات للأغنياء؛ لأن الصدقة لما كانت اسما للجنس، فاستوعبها الفقراء، فلم يبق هناك صدقة قد تكون لغيرهم. وكذلك قوله ﵊: "إنما الصدقة عن ظهر غني"، هو بهذه المنزلة، ونظائر ذلك كثيرة. وليس هو من جنس ما ظنه مخالفونا، من أن المخصوص بالذكر: يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه، هذا عندنا قول مردود وساقط، والأول صحيح. وإذا ثبت ما وصفنا، بطل أن تكون الإيمان على أولياء المقتول، ووجب أن تكون على أهل المحلة إذ قد اتفقوا أنه لابد في القامة من خمسين يمينًا، وانتفت الأيمان على المدعين، ووجبت أن تكون على

стр. 2518

المدعى عليهم. * قال أبو بكر: ووجود القتيل يلزم أهل المحلة شيئين: الأيمان، والدية جميعًا، وهما جميعًا حقان لأولياء القتيل، لا يسقط أحدهما بالآخر، بل يجبرون عليهما جميعًا. ويدل على صحة قولنا: ما روي ابن أبي ذئب عن الزهري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم "قضى بالقسامة على المدعى عليهم". وروي إسماعيل بن عياش قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن مكحول عن عمرو بن أبي خزاعة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم "قضى بالقسامة على المدعى عليهم". فإن قيل: روي "أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا في القسامة". قيل له: معناه: إلا في القسامة، فإنه يحلف من لم يدعى عليه القتل بعينه. ويحتمل: "إلا في القسامة": بأنه لا يبرأ باليمين من الخصومة؛ لأن الدية تجب فيها مع اليمين. وقد روي أبو إسرائيل عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:

стр. 2519

"وجد قتيل بين قريتين، فأمر النبي صلي الله عليه وسلم، فذرع ما بينهما، فوجدت إحداهما أقرب، فألقاه على أقربهما". فهذا الخبر يوجب الدية على أهل المحلة، وأوحينا اليمين بالأخبار الأخر. وقد روي مثل ذلك عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب ﵄، من قولهما. * وأما حديث القسامة في حديث قتيل خيبر: فإن أحد من يرويه سهل بن أبي حثمة، ويدل اضطراب ألفاظه، واختلاف الرواة في متنه، على أن الذي روي فيه غير مضبوط في الأصل. هذا مع ظهور النكير من السلف لما روي فيه من الألفاظ، التي يردها ظاهر الكتاب والسنة الثابتة، واتفاق الأمة، ويحيلها حجة العقل، ويمنع مجئ العبارة بمثلها. فأما اضطراب ألفاظه: فمن جهة أن بعضهم يروي "أن النبي صلي الله عليه وسلم بدأ بالأنصار، فعرض عليهم اليمين، وقال لهم: أتحلفون،

стр. 2520

وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على ما لم نشاهد، ولم نحضر؟ قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود". وفي بعضها: "أن النبي ﵊ قال لهم: يُقسم خمسون منكم على رجل، فيدفع بديته، وهم قد كانوا قالوا حين ادعوا القتل: إن اليهود قتلوه، ولم يكن يخبر منهم أحد غير عبد الرحمن بن سهل وأخيه المقتول عبد الله بن سهل". ثم روي في بعض ألفاظ هذا الحديث: "أن النبي ﵊ بدأ فعرض الأيمان على اليهود أنهم يحلفون خمسين يمينًا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وكتبوا إليه: إنا نحلف. فقالت الأنصار: لا نرضى بأيمان اليهود. فقال للأنصار: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ وذلك كله بعد مطالبة النبي صلي الله عليه وسلم للأنصار بالبينة على ما ادعوا. فقالوا: ومن أين نصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم، ولم يكن بخيبر غير أخيه عبد الرحمن بن سهل. فقد أعلموا النبي صلي الله عليه وسلم بدءًا، أنه لم يحضر هناك من شهد على قتله، ثم قالوا مع ذلك: إنهم قتلوه، مع إخبارهم بأنهم لم يشهدوا ذلك. فكيف يجوز أن يقول النبي صلي الله عليه وسلم لهم بعد ذلك:

стр. 2521

"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، وقد قال الله تعالي:﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴿وقال:﴾ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴿وقال:﴾ إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴿. * ففي هذا الفصل معنيان تردهما الأصول: أحدهما: أنهم قد قالوا: لم يشهد هناك منا احد، ثم قالوا: هم قتلوه، ظنًا منهم بأنهم القاتلون. ولو كان هذا الخبر صحيحًا لما ترك النبي صلي الله عليه وسلم النكير عليهم، وقال لهم: "لا تدعوا عليهم القتل بالظن والحسبان". والثاني: وهو أشنعهما، أنه عرض عليهم الأيمان على أنهم قتلوه، مع علمه بأنهم لم يشهدوا ذلك، ولم يعلموه، فكيف يجوز أن يبيح لهم الإخبار عن الشيء بما لا يؤمن أن يكونوا كاذبين فيه، ثم الحلف عليه؟

стр. 2522

وعلى أن الأنصار قد استنكرت ذلك لأنفسها، بأن تحلف على ما لا تعلم، والنبي صلي الله عليه وسلم أشد نكرة له. وهذان المعنيان يردهما ظاهر الكتاب، ويحيلهما العقل، ويمنع جوازهما على النبي صلي الله عليه وسلمن فانتفي بذلك أن يكون ذلك حكمًا للنبي صلي الله عليه وسلم، وشريعًة له. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد قال محمد بن إبراهيم: وايم الله. ما كان سهل بأكثر علمًا منه، ولكنه كان أسن منه، إنه قال له: والله ما هكذا كان الشأن ولكن سهلاً أوهم ما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب إلى اليهود حين كلمه الأنصار، أنه وجد فيكم قتيل بين أبياتكم فدوه، فكتبوا إليه يحلفون بالله: ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلاً، فوداه رسول الله صلي الله عليه وسلم من عنده". قال محمد بن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب – وحلف بالله – أن ما قال سهل لباطل، مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد. فبطل ما روي عن سهل على ما ذهب إليه مخالفنا، وأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر الأنصار بالأيمان على الوجه الأول الذي ادعوه،

стр. 2523

لمخالفته لهذه الأصول التي وصفنا. * ووجه آخر مما خالف فيه الأصول: وهو أن الأنصار ادعوا القتل على جماعتهم، لا على رجل بعينه منهم، فكيف يجوز أن يستحقوا الدم بأيمانهم على غير معروف؟ وروي فيه: "أنهم قالوا: لا نرضي بأيمان اليهود، قال: فيقم منكم خمسون رجلاً أنهم قتلوه". فرد اليمين عليهم حين لم يرضوا بأيمان المدعى عليهم. ولا تأثير في الأصول لرضا المدعى بيمين المدعى عليه، ولا لعدم رضاه بها، وأنه لا فرق بين اليهود والمسلمين في الأيمان. وفيه: أن اليهود بذلوا الأيمان، فردها النبي صلي الله عليه وسلم على الأنصار مع بذلهم لها، فإن كانت اليمين عليهم بدءًا، فلا خلاف أنه لا يرد على المدعى مع بذل المدعى عليه لها وإن كانت على المدعين، فكيف عرضها على المدعى عليهم؟ وفي بعض ألفاظه: أنه بدأ بالمدعين، ثم باليهود. وفي بعضها: أنه بدأ باليهود ثم بالمدعين. وأحد هذين اللفظين خطأ لا محالة: إن كان بدأ بالأنصار ثم باليهود، فغير جائز أن يكون عاد إلى الأنصار، فعرض عليهم الأيمان بعد إخبارهم أنهم لا يحلفون على ذلك، وأنه لا علم لهم به.

стр. 2524

وإن كان بدأ باليهود ثم بالأنصار، فغير جائز أن يكون عاد إلى اليهود بعد إباء الأنصار اليمين، لأن ذلك يوجب أن تكون اليمين كانت على اليهود ابتداء دون الأنصار، وبذلهم إياهم يمنع ردها على الأنصار. فدل جميع ما وصفنا على اضطراب حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة، وأنه غير مضبوط في الأصل على نحو الذي روى فيه. * وقد روي ذلك غير سهل بن أبي حثمة، فلم يذكر فيه: رد اليمين على الأنصار. فمنه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمر القريعي قال: حدثنا الحسن بن علي بن راشد قال: حدثنا هشيم عن أبي حيان التيمي عن عباية بن رافع بن خديج قال: "أصبح رجل من الأنصار مقتولاً بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلي الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له. فقال: ألكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله، لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون على ما هو أعظم من هذا. قال: فاختاروا منهم خمسين رجلاً، فأستحلفهم، فأبوا، ووداه النبي صلي الله عليه وسلم من عنده". فلم يذكر في هذا الحديث شيئًا من التخليط الذي في حديث سهل بن أبي حثمة؛ لأنه ليس فيه أن الأنصار قالوا: إن اليهود قتلوه، تظننًا منهم

стр. 2525

وحسبانًا، وإنما فيه: أنهم قد يجترئون على ما هو أعظم من هذا. وليس فيه: أنه قال: "أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم"، وإنما طالبهم بالبينة، فلما لم يكن لهم بينة، ذكر لهم يمين اليهود، وهو موافق للأصول، ليس فيه لفظ منكر، ولا معني ممتنع. * ولو صح اللفظ المذكور في حديث سهل من قوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟، كان ذلك القول منه على وجه النكير عليهم، حين قالوا: "لا نرضي بأيمان اليهود"، قال: "أفتريدون أن تحلفوا أنتم إذ لم ترضوا بأيمانهم؟ ". كما قال الله تعالي:﴾ أفحكم الجاهلية يبغون ﴿. وكقول النبي ﷺ للمرأة التي شكت أن زوجها لا يصل غليها. فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك". وكان ذلك منه على جهة الإنكار عليها في إرادتها الرجوع إلى زوجها الأول قبل دخول الثاني بها. وقد حكم عمر بن الخطاب ﵁ في قتيل وجد بين قريتين، فألقاه على أقربهم، وألزم أهل القرية القسامة والدية.
следующие страницы →