Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، وقد قال الله تعالي:﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴿وقال:﴾ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴿وقال:﴾ إن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴿.
* ففي هذا الفصل معنيان تردهما الأصول:
أحدهما: أنهم قد قالوا: لم يشهد هناك منا احد، ثم قالوا: هم قتلوه، ظنًا منهم بأنهم القاتلون.
ولو كان هذا الخبر صحيحًا لما ترك النبي صلي الله عليه وسلم النكير عليهم، وقال لهم: "لا تدعوا عليهم القتل بالظن والحسبان".
والثاني: وهو أشنعهما، أنه عرض عليهم الأيمان على أنهم قتلوه، مع علمه بأنهم لم يشهدوا ذلك، ولم يعلموه، فكيف يجوز أن يبيح لهم الإخبار عن الشيء بما لا يؤمن أن يكونوا كاذبين فيه، ثم الحلف عليه؟
стр. 2522
وعلى أن الأنصار قد استنكرت ذلك لأنفسها، بأن تحلف على ما لا تعلم، والنبي صلي الله عليه وسلم أشد نكرة له.
وهذان المعنيان يردهما ظاهر الكتاب، ويحيلهما العقل، ويمنع جوازهما على النبي صلي الله عليه وسلمن فانتفي بذلك أن يكون ذلك حكمًا للنبي صلي الله عليه وسلم، وشريعًة له.
وقد ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد قال محمد بن إبراهيم: وايم الله. ما كان سهل بأكثر علمًا منه، ولكنه كان أسن منه، إنه قال له: والله ما هكذا كان الشأن ولكن سهلاً أوهم ما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب إلى اليهود حين كلمه الأنصار، أنه وجد فيكم قتيل بين أبياتكم فدوه، فكتبوا إليه يحلفون بالله: ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلاً، فوداه رسول الله صلي الله عليه وسلم من عنده".
قال محمد بن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب – وحلف بالله – أن ما قال سهل لباطل، مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد.
فبطل ما روي عن سهل على ما ذهب إليه مخالفنا، وأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر الأنصار بالأيمان على الوجه الأول الذي ادعوه،
стр. 2523
لمخالفته لهذه الأصول التي وصفنا.
* ووجه آخر مما خالف فيه الأصول: وهو أن الأنصار ادعوا القتل على جماعتهم، لا على رجل بعينه منهم، فكيف يجوز أن يستحقوا الدم بأيمانهم على غير معروف؟
وروي فيه: "أنهم قالوا: لا نرضي بأيمان اليهود، قال: فيقم منكم خمسون رجلاً أنهم قتلوه".
فرد اليمين عليهم حين لم يرضوا بأيمان المدعى عليهم.
ولا تأثير في الأصول لرضا المدعى بيمين المدعى عليه، ولا لعدم رضاه بها، وأنه لا فرق بين اليهود والمسلمين في الأيمان.
وفيه: أن اليهود بذلوا الأيمان، فردها النبي صلي الله عليه وسلم على الأنصار مع بذلهم لها، فإن كانت اليمين عليهم بدءًا، فلا خلاف أنه لا يرد على المدعى مع بذل المدعى عليه لها وإن كانت على المدعين، فكيف عرضها على المدعى عليهم؟
وفي بعض ألفاظه: أنه بدأ بالمدعين، ثم باليهود.
وفي بعضها: أنه بدأ باليهود ثم بالمدعين.
وأحد هذين اللفظين خطأ لا محالة: إن كان بدأ بالأنصار ثم باليهود، فغير جائز أن يكون عاد إلى الأنصار، فعرض عليهم الأيمان بعد إخبارهم أنهم لا يحلفون على ذلك، وأنه لا علم لهم به.
стр. 2524
وإن كان بدأ باليهود ثم بالأنصار، فغير جائز أن يكون عاد إلى اليهود بعد إباء الأنصار اليمين، لأن ذلك يوجب أن تكون اليمين كانت على اليهود ابتداء دون الأنصار، وبذلهم إياهم يمنع ردها على الأنصار.
فدل جميع ما وصفنا على اضطراب حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة، وأنه غير مضبوط في الأصل على نحو الذي روى فيه.
* وقد روي ذلك غير سهل بن أبي حثمة، فلم يذكر فيه: رد اليمين على الأنصار.
فمنه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن عمر القريعي قال: حدثنا الحسن بن علي بن راشد قال: حدثنا هشيم عن أبي حيان التيمي عن عباية بن رافع بن خديج قال:
"أصبح رجل من الأنصار مقتولاً بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلي الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له.
فقال: ألكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟
فقالوا: يا رسول الله، لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون على ما هو أعظم من هذا.
قال: فاختاروا منهم خمسين رجلاً، فأستحلفهم، فأبوا، ووداه النبي صلي الله عليه وسلم من عنده".
فلم يذكر في هذا الحديث شيئًا من التخليط الذي في حديث سهل بن أبي حثمة؛ لأنه ليس فيه أن الأنصار قالوا: إن اليهود قتلوه، تظننًا منهم
стр. 2525
وحسبانًا، وإنما فيه: أنهم قد يجترئون على ما هو أعظم من هذا.
وليس فيه: أنه قال: "أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم"، وإنما طالبهم بالبينة، فلما لم يكن لهم بينة، ذكر لهم يمين اليهود، وهو موافق للأصول، ليس فيه لفظ منكر، ولا معني ممتنع.
* ولو صح اللفظ المذكور في حديث سهل من قوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم"؟، كان ذلك القول منه على وجه النكير عليهم، حين قالوا: "لا نرضي بأيمان اليهود"، قال: "أفتريدون أن تحلفوا أنتم إذ لم ترضوا بأيمانهم؟ ".
كما قال الله تعالي:﴾ أفحكم الجاهلية يبغون ﴿.
وكقول النبي ﷺ للمرأة التي شكت أن زوجها لا يصل غليها. فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك".
وكان ذلك منه على جهة الإنكار عليها في إرادتها الرجوع إلى زوجها الأول قبل دخول الثاني بها.
وقد حكم عمر بن الخطاب ﵁ في قتيل وجد بين قريتين، فألقاه على أقربهم، وألزم أهل القرية القسامة والدية.
стр. 2526
وقال الحارث بن الأرفع: يا أمير المؤمنين أنعطي أيماننا وأموالنا، فقال: نعم، فبم نبطل دم هذا.
وكان ذلك منه بمحضر من الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، ولا مخالف له.
ولو كان ما رواه سهل بن أبي حثمة إحلاف أولياء الدم خمسين يمينًا صحيحًا، لما خفي مثله على عمر ومن حضره من الصحابة، حتى يقضى بخلافه بين أظهرهم.
ولو كان محفوظًا عند واحد منهم قصة قتيل خيبر على ما رواه سهل، لذكره لعمر ونبه عليه، ولم يكن ليقره على ما أمضى الحكم بخلاف سنة النبي ﷺ .
وقال ابن عباس: القسامة على المدعى عليهم
ورواه محمد بن شجاع عن موسى بن داود عن معتمر بن سليمان عن حصيف عن زياد بن أبي مريم قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني وجدت أخي قتيلاً في بني فلان، فقال: اجمع منهم خمسين، فيحلفون بالله ما قتلوه، ولا علموا قاتلاً.
قال: يا رسول الله ما لي من أخي إلا هذا؟
قال: بلى، لك مائة من الإبل".
стр. 2527
وهذا الحديث قد أفادنا معنيين: أحدهما: وجوب القسامة على أهل المحلة دون المدعي، والآخر: غرامة الدية مع الأيمان.
* ويدل على أن الدية تلزم أهل المحلة بوجود القتيل: ما روي في حديث قتيل خيبر، "أن النبي ﵊ كتب إلى اليهود: إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله".
وفي بعضه: "أن النبي ﵊ قال لهم: "وجد قتيل بين أظهركم: فدوه".
وقد روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلي الله عليه وسلم فرق ديته عليهم، يعني اليهود، وأعانهم بنصفها".
فصل: [إذا لم يتم العدد في القسامة خمسين]
قال أبو جعفر: (فإن لم يكمل العدد خمسين رجلاً: كررت عليهم الأيمان حتى تكمل خمسين يمينًا).
وذلك لأن هذه الأيمان حق للولي، كالمال، فله أن يستوفي ممن يمكنه استيفاؤها منهم، وفي حديث رافع بن خديج الذي قدمنا عن النبي ﷺ قال: "اختاروا منهم خمسين رجلاً، فاستحلهم"، فجعل الخيار إليهم فيمن يُستحلف، وإذا لم يكمل عدد الرجال خمسين،
стр. 2528
كررت عليهم الأيمان، ليستوفي عددها ممن أمكن منهم.
مسألة: [إذا وجد قتيل بين قريتين]
قال: (وإذا وجد قتيل بين قريتين: كان على أقربهما إليه القسامة والدية).
لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلي الله عليه وسلم، وقضاء عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر من الصحابة.
مسألة: [وجوب الحبس عند النكول عن اليمين]
قال أبو جعفر: (وإن نكلوا عن اليمين: حبسوا حتى يحلفوا).
وذلك لأن اليمين لما كانت حقًا للأولياء، أجبروا عليها كما يجبرون على أداء المال إذا امتنعوا منه.
وليست اليمين في القسامة كهي في غيرها من الحقوق؛ لأن اليمين على الانفراد لا تكون حقًا للمدعى في سائر الحقوق إلا في القسامة، ألا ترى أنهم إذا حلفوا: لم يبرأوا من الدية، وفي سائر الحقوق إذا حلف المدعى عليه: لم يغرم شيئًا.
مسألة: [الكافر والمسلم في القسامة سواء]
قال: (والمسلم والكافر في ذلك سواء).
стр. 2529
وذلك لأن هذا من حقوق العباد، فلا يختلفان فيه، كما لا يختلفان في الأيمان في سائر الدعاوي.
مسألة: [القسامة على أهل الخطة]
قال: (والقسامة على أهل الخطة، دون السكان والمشترين، إلا أن لا يبقي أحد من أهل الخطة، فيكون على المشترين).
وذلك لأن أهل الخطة قد ثبت لهم اختصاص وولاية في الموضع دون الناس كلهم، بإحيائهم إياه، وإخطاطهم له، فكانوا أولى بالعقل قبل ملك المشترين، فلا ينتقل هذا الحق عنهم ما بقي منهم أحد.
كما أن أهل المسجد هم أولى بعمارته والإمامة فيه من غيرهم، مع اشتراكهم جميعًا في إباحة الصلاة فيه، إلا أن أهله لما كان لهم هذا الضرب من الاختصاص، كانوا أولى به، كذلك أهل الخطة أولي من المشترين.
وأيضًا: فإن أهل الخطة صاروا عاقلًة للموضع، لما لزمهم بدءًا من نصرة الموضع، فلا ينتقل ذلك عنهم ما بقي منهم أحد، كالعاقلة من جهة الأب، ومن جهة الأم، ما دام هناك عاقلة من جهة الأب: لم تعقل عنه عاقلة الأم، حتى إذا انقرضوا: صار العقل على عاقلة الأم، كذلك ما وصفنا.
ولا يجب اعتبار الملك في ذلك فحسب، دون ما وصفنا؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب إسقاط الدية رأسًا؛ لأنه لا ملك لأحد منهم في طرق
стр. 2530
المحلة وشوارعها، ولا في مساجدها، ومع ذلك تلزم به الدية.
* ولو وجد في ملك رجل: لم تلزم أهل المحلة القسامة، وإنما تلزم مالك الموضع وعاقلته، فدل على سقوط اعتبار الملك فيه.
* (فإذا لم يبق أحدٌ من أهل الخطة، فهي على المشترين).
لأن حق أهل الخطة قد بطل عن المحلة، فهو كعدم العاقلة من جهة الأب، فينتقل العقل إلى عاقلة الأم.
* (وروي عن أبي يوسف: أن القسامة على الملاك والسكان، لتساويهم جميعًا في اليد في الموضع).
مسألة:
قال: (ومن وجد ميتًا في قبيلة لا أثر به: لم يكن فيه قسامة، ولا دية).
وذلك لأن هذا ميت، وليس بقتيل، والقسامة في الأصل إنما وجبت في القتيل، ولو وجبت في الموتى، لما خلت المحال من القسامة، ومن الدية، لوجود الموتى فيه.
* قال أبو جعفر: (والمسجد في جميع ما ذكرنا كالمحلة).
وذلك لأن أهل المحلة لهم اختصاص بالمسجد، كاختصاصهم في المحلة نفسها، فوجب أن يكون بمنزلة المحلة.
стр. 2531
مسألة: [إذا وجد قتيلاً في داره]
قال: (ومن وجد قتيلاً في دار نفسه: فديته على عاقلته في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن الدية الواجبة في هذه الحال لغيره وهم الورثة، وهو قد كان أخص بالموضع إلى أن قتل، فصار بمنزلة غيره لو وجد قتيلاً في داره.
* وقال أبو يوسف ومحمد: لو وجبت الدية على عاقلته: لكانت له، تقضى منه ديونه، وتنفذ فيه وصاياه، فكيف يجوز أن تعقل عنه عاقلته له؟
والدليل على أن وجود القتيل في داره بمنزلة مباشرته للقتل: أن المكاتب إذا وجد في داره قتيل: غرمه كأنه باشر قتله، ولو قتل رجل نفسه خطأ: لم تغرم عاقلته ديته، كذلك إذا وجد قتيلاً في دار نفسه.
مسألة: [إذا وجد قتيل في السوق أو في المسجد]
قال: (ومن وجد قتيلاً في سوق من أسواق المسلمين، أو في مسجد جماعتهم: فديته على بيت المال، وليس فيه قسامة).
وذلك لأنه ليس أحد أخص بالموضع من غيره، والجماعة متساوون في ثبوت الحق فيه، فكانت الدية على جماعتهم، والذي يلزم كافة المسلمين يؤخذ من بيت مالهم.
стр. 2532
مسألة: [إذا وجد قتيل في القبيلة]
قال: (ومن وجد قتيلاً في قبيلة، فادعى الأولياء على رجل من غير القبيلة، وشهد له رجلان من القبيلة: لم تجز شهادتهما، ولا شيء عليهم في قول أبي حنيفة).
وذلك لأن وجود القتيل فيما بينهم، قد ألزمهم القسامة والدية، لما بينا فيما سلف، ولزوم ذلك يمنع قبول شهادتهم على غيرهم في إسقاط ذلك عنهم.
ويجوز أن يكون الولي إنما ادعي على غيرهم، لتجوز شهادتهم، والشهادة متى دخلت فيها التهمة: منعت قبولها.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: شهادتهم جائزة).
وذلك لأنهم قد أبرؤوا من القسامة والدية بدعوى الولي القتل على غيرهم، فلا نفع لهم في هذه الشهادة، فجازت.
مسألة: [وجود نصف القتيل ومعه الرأس]
قال: (وإذا وجد من القتيل نصفه ومعه الرأس: ففيه القسامة والدية، وإن لم يكن معه رأس: فلا قسامة ولا دية، وإن وجد نصف البدن مشقوقا بالطول: فلا شيء فيه، وكذلك إن وجد عضو من أعضائه: رأس، أو يدٌ أو نحوها: فلا شيء فيه).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك اتفاق المسلمين على أن قتيلاً واحدًا لا
стр. 2533
يجب فيه قسامتان وديتان.
* فإذا وجدنا الأكثر من البدن: وجبت الدية والقسامة، كما لو وجدوا أصبعًا مقطوعةً: لم يكن فقد الأصبع مانعًا من القسامة والدية، كذلك وجود الأقل من البدن.
* وإذا وجد النصف، ومعه الرأس: فهذا مع الرأس أكثر من نصفه.
* وإن لم يكن معه رأس: فليس يخلو من أن يكون المفقود منه النصف سواء، أو أكثر من النصف.
فإن كان النصف سواء: فغير جائز إيجاب القسامة والدية؛ لأنه لو وجب ذلك، لوجب في النصف الآخر مثله، فكان يكون فيه إيجاب قسامتين وديتين في قتيل واحد، وذلك خلاف الاتفاق.
أو أن يكون المفقود هو الأكثر، والموجود هو الأقل، وقد قلنا إن الأقل لا حكم له، ولو وجب ذلك، لوجب في اليد والرجل، فكان يجب في قتيل واحد عشر قسامات، وعشر ديات، وهذا خطأ بالاتفاق.
* وإن كان مشقوقًا بالطول، فوجد أحد النصفين: لم يجب فيه شيء، لما وصفنا.
مسألة: [إذا وُجد بهيمة مذبوحة في المحلة]
قال: (ولا قسامة في بهيمة، ولا غرم إذا وجدت في محلة).
ولا نعلم فيه خلافًا، وهو بمنزلة الثوب وسائر الأموال.
стр. 2534
مسألة: [حكم العبد في القسامة]
قال: (وفي العبد القسامة والقيمة).
قال أبو بكر: وذلك لأن العاقلة تغرمها، ويجب فيه القصاص في العمد، والكفارة في الخطأ.
قال أبو جعفر: (ولا قسامة فيه في قول أبي يوسف).
قال أبو بكر: لأنه جعله بمنزلة البهيمة، وهو سديد على ما روي عنه في أن العاقلة لا تحمله، ويجاوز به الدية.
مسألة: [إذا وُجد قتيل في دار مكاتب]
قال: (وإذا وجد قتيل في دار مكاتب: فعليه أن يسعى في الأقل من قيمته، ومن دية القتيل، إلا عشرة دراهم).
وذلك لأن وجود القتيل في الدار بمنزلة مباشرة القتل من صاحب الدار، فكأن المكاتب باشر قتله، فيلزم الأقل من قيمته، ومن الدية إلا عشرة دراهم؛ لأن قيمة العبد لا تكون في الجناية أكثر من ذلك، ألا ترى أنه لو قتل وقيمته عشرون ألفًا، غرم قاتله عشرة آلاف إلا عشرة دراهم.
وإنما كان وجود القتيل في الدار بمنزلة مباشرة القتل؛ لأنه هو المالك لها، ولا حق لأحد من أهل المحلة فيها، فلا يلزم أهل المحلة منه شيء، إذ ليس لهم حق في داره بوجه، فلما اختص هو بلزوم ذلك، أشبه قتل المباشرة من هذا الوجه.
стр. 2535
وليس كذلك للقتيل الموجود في المحلة، لأن حق جماعتهم في المحلة سواء، وهم أخص بها من سائر الناس، فلزمت أهلها.
مسألة: [إذا وُجد قتيل في دار عبدٍ مأذون]
قال: (وإذا وُجد في دار عبد مأذون له، وعليه دين أو لا دين عليه: فالدية والقسامة على عاقلة مولاه).
وذلك لأن المولى هو المالك للدار، والعبد لا يملكها بوجه، وليس العبد كالمكاتب؛ لأن ملك المكاتب له دون مولاه، وملك العبد للمولي.
فإن قيل: فإذا كان على العبد دين يحيط بقيمته وما في يده، لم يملك المولى الدار في قول أبي حنيفة، فينبغي أن يكون عليه كالمكاتب.
قيل له: إنه وإن كان كذلك، فإن ذلك من أجل حق الغرماء، لا لأجل أن العبد أحق به من مولاه، ولا يستحق به ملكًا حقيقة أبدًا، والغرماء أيضًا لا يستحقون ملك الدار، لأجل دينهم، أما المكاتب فإن له ضربًا من الملك، ومتى عتق تم ملكه، كملك الحر، فلذلك اختلفا.
* قال: (وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان عليه دين: دفعه المولى أو فداه).
قال أبو بكر: جعله بمنزلة جنايته بيده، كالقتيل الموجود في دار المكاتب.
стр. 2536
مسألة: [لا يدخل في القسامة امرأة ولا صبي ولا عبد]
قال أبو جعفر: (ولا يدخل فيمن يقسم امرأة، ولا صبي، ولا عبد).
يعني في المحلة، وذلك لأن القسامة تلزم بوجود القتيل على وجه النصرة والولاية، كما تلزم الدية، وليس هؤلاء من أهل النصرة والعقل والولاية.
مسألة: [إذا وُجد قتيل في دار امرأة]
قال: (وإن وُجد قتيل في دار امرأة في مصر لا عشيرة لها فيه: فالأيمان تكرر عليها في هذا الموضع في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف فقال: يضم إليها أقرب القبائل منها، فيقسمون ويغرمون الدية لهم).
وإنما لزمها الأيمان كما يلزمها في سائر الدعاوي، والفرق بينها وبين الأيمان في الدعاوى، أن سائر الدعاوى فيها يمين واحدة، وهذه خمسون يمينًا، ولا يخرجها ذلك من أن تكون بمثابة الأيمان في الدعاوى، وليس لزومها متعلقًا بالعقل والولاية، فلذلك لم يمتنع لزومها المرأة، ألا ترى أن المكاتب لا يدخل في قسامة أهل المحلة وغرمهم، وتلزمه القسامة إذا وُجد قتيل في داره، فكذلك المرأة.
стр. 2537
* ولأبي يوسف: أنها لو كانت بمنزلة الأيمان في الدعاوي، لاكتفى فيها بيمين واحدة، فلما استحلفت فيها خمسين يمينًا، دل على أنها من جهة العقل والولاية دون الدعاوي.
مسألة: [حكم الذمي في القسامة]
قال: (وعلى الذمي القسامة والدية في القتيل الموجود في داره، تكرر عليه الأيمان).
لأنه أخص بملك الدار من غيره، ولأن الذمي والمسلم لا يختلفان في حقوق الآدميين.
مسألة: [وجود القتيل في دار اليتامي]
قال: (ومن وجد قتيلاً في قريةٍ ليتامى، ولا عشيرة لهم فيها: فعلى عاقلتهم القسامة والدية).
قال أبو بكر: أما الصغار فلا قسامة عليهم؛ لأن قولهم كلا قول، وكما لا يُستحلفون في سائر الدعاوى، لكن القسامة والدية على عواقلهم؛ لأنهم أهل نصرتهم والولاية عليهم.
قال أبو بكر: قد ذكر محمد مسائل في القتيل الموجود في الدار، فقال في بعضها: الدية والقسامة على صاحب الدار وعاقلته.
وقال في بعضها: القسامة على صاحب الدار خاصة، والدية على العاقلة.
стр. 2538
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: المسائل التي أوجب فيها القسامة والدية جميعًا على العاقلة: هي إذا كانت العاقلة معهم في المصر.
والمسائل التي أوجب فيها القسامة على صاحب الدار خاصة، والدية على العاقلة: هي إذا كانت في غير المصر الذي وجد فيه القتيل في الدار، لأنها إذا كانت غائبة عن الموضع، لم يصلح إحلافهم مع العلم بغيبتهم، إذا كان صاحب الدار والقرية ممن يصح إحلافه.
فأما إذا كان صاحب الدار ممن لا يصح إحلافه، نحو الصبي والمجنون: فإن القسامة والدية على العاقلة في الوجهين جميعًا، أقرب القبائل منه؛ لأنهم يستحقون ولايته ونصرته، وليس هو ممن يحلف، فقاموا عنه فيها.
مسألة: [سراية الجراحة]
قال: (ومن أصابه حجر أو جراحة في قبيلة، فلم يزل صاحب فراش حتى مات: فعلى أهل القبيلة الذي أصابه ذلك فيهم القسامة والدية).
وذلك لأن السبب الذي حدث عنه القتل، كان هناك، فصار كالقتل الموجود فيه، ألا ترى أن رجلاً لو جرح رجلاً، فمات منه: كان قاتلاً، لوجود السبب من جهته.
مسألة: [وجود القتيل في السفينة]
قال: (وإذا وُجد قتيل في سفينة: فالقسامة والدية على من فيها من
стр. 2539
الركاب وغيرهم من أهلها الذين هم فيها).
لأنهم في هذه الحال أخص بالموضع وبنصرته من كل أحد، فصاروا أولى بالقسامة والدية، ألا ترى أنه لو وُجد قتيل على دابة يسوقها رجل: كانت الدية والقسامة على السائق.
مسألة: [وجود القتيل في نهر عظيم]
قال: (وإن وُجد قتيل في نهر عظيم يجرى فيه الماء: فلا شيء فيه).
وذلك لأن ذلك الموضع لا يد عليه لأحدٍ، فهو بمنزلة القتيل الموجود في البحر، وفي المفازة.\
* قال: (وإن كان محتبسًا إلى جانب الشط: فهو على أقرب الأرضين إليه، وفيهم القسامة).
لأنه إذا كان واقفًا، فهو بمنزلة الموجود في الشط، لأن الموضع الذي احتبس فيه القتيل مما يلي الشط: تثبت فيه اليد لأهل القرية، كالشارع، والمسنيات ونحوها.
مسألة: [وجود القتيل في نهر صغير]
قال: (وإن كان في نهر صغير لقوم معروفين: فهو عليهم).
стр. 2540
وذلك لأنهم أخص بالموضع من سائر الناس، ألا ترى أنهم يستحقون به الشفعة.
مسألة: [وجود القتيل على عنق رجل أو على دابة]
قال: (وإن وُجد على عنق رجل يحمله، أو على دابة هو سائقها، أو راكبها أو قائدها: فهو عليه).
لأن الدابة إذا كانت في يده، فهو أحق بها من غيره، فكأن القتيل في يده.
* قال: (وإن كانت الدابة مخلاة، ليس معها أحد: فهو على أهل المحلة الذين وجد فيهم).
لأنهم إذا لم يكن في يد أحد، فكأنه قتيل وجد في الموضع.
مسألة: [وجود قتيل في قبيلة اختلف في ادعاء قاتله]
قال: (ومن وجد قتيلاً في قبيلة، فزعم أهل القبيلة أن رجلاً منهم قتله، وأنكر ذلك ولي القتيل، ولم يدع قتله على واحدٍ منهم بعينه: فإن فيه القسامة والدية على أهل تلك القبيلة.
ويحلفهم أبو يوسف بالله: ما قتلناه، ويرفع عنهم، ولا علمنا قاتلاً؛ لأنهم قد ذكروا أنهم علموا قاتلاً).
قال أبو بكر: إنكار الولي لما ذكره أهل القبيلة، لا يسقط عنهم
стр. 2541
القسامة والدية، من قبل أنه لم يبرئهم من ذلك.
وأما وجه قول أبي يوسف، في أنهم لا يحلفون: ما علمنا قاتلاً، فمن قبل أنهم قد قالوا: نعرف القائل، فلا يجوز أن يحملوا على الحلف على الكذب في الظاهر عندنا، إذ قد قالوا: نعرف القاتل.
قال: (وقال محمد: يحلفون بالله: ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً غير فلان بن فلان).
وذلك لأن هذه اليمين ليست في الأصل إلا على هذا الوصف، فقد يمكننا أن نستوفى شرط اليمين من غير حمله على الكذب، باستثناء ذلك الغير من الجملة.
فإن قال قائل: فما وجه إحلافهم: "ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً"، وهم لو قالوا: "قد علمنا قاتله": لم يلتفت إلى قولهم؟
قيل له: الأصل فيه ما وردت به السنة.
* وأما فائدته: فإن من شيوخنا من قال: إنه قد كان جائزًا أن يكون القاتل عبدًا لواحد منهم، فاستظهر عليهم بذلك؛ لأنه لو أقر به: جاز إقراره، وقيل له: ادفعه أو افده، فحلفوا في الأصل على هذا، ثم جرت اليمين عليه وإن لم يكن لواحد منهم عبد.
كما أن النبي صلي الله عليه وسلم رمل في الطواف إظهارًا للجلد
стр. 2542
والقوة مراءاةً للمشركين، وصار سنة، مع عدم السبب الذي من أجله فعل.
ووجه آخر: وهو أن وجود القتيل يوجب تهمة أهل المجلة في قتله، أو الأمر به، فحلفوا: ما قتلوه ولا علموا قاتلاً، ليزيلوا التهمة عن أنفسهم في قتله أو الأمر به، ألا ترى أن الشاهد الواحد في القتل يوجب الحبس عند أبي حنيفة للتهمة، فاستظهروا في إزالة التهمة عن أنفسهم بقولهم: ما قتلنا، ولا علمنا قاتله.
وأيضًا: فغير ممتنع أن يكون واحد منهم قد أمر صبيًا أو مجنونًا أو عبدًا محجورًا عليه بذلك، فإذا أقر به: لزمه في ماله، فحلفوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً؛ لأنه لو قال: قد علمت قاتلاً، وهو الصبي الذي أمرته بقتله: كان حاصل الضمان عليه، والله أعلم.
*********************
стр. 2543
باب جناية الراكب والقائد والسائق ونحوهم
مسألة: [جناية الراكب وحكم ضمانها]
قال أبو جعفر ﵀: (وإذا سار الرجل على دابة في طريق، ضمن ما أصابت بيدها أو رجلها، أو كدمت، أو خبطت، إلا النفحة بالرجل، أو النفحة بالذنب: فإنه لا يضمنها).
قال أبو بكر: الأصل فيه: ما روى عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الرجل جبار".
وروى سفيان عن أبي قيس عن الهذيل عن النبي صلي الله عليه وسلم مثله.
стр. 2544
والمراد به: النفحة بالرجل، لاتفاق الجميع على أنها إذا وطئت برجلها: ضمن، والمعني فيه: أنه مباح له السير في الطريق، ولا يستطيع التحفظ من النفحة بالرجل.
فكل ما كان بمثابتها: فحكمه حكمها، وهو النفحة بالذنب، ونظيره الدابة إذا أثارت غبارًا أو نواة أو نحوها، فأفسدت متاعًا، أو فقأت عينًا: أنه لا يضمن، لهذه العلة بعينها، وكذلك إذا سقط منه إزاره في الطريق، فعطب به إنسان، فهو في معنى ذلك.
* ولا خلاف بين الفقهاء في تضمين الراكب ما أصابت بيدها، أو وطئت برجلها، والمعنى في ذلك: أنه إنما أبيح له السير في الطريق على شرط السلامة، على أن لا يعطب به إنسان؛ لأنه وإن كان له حق استطراق في الموضع، فإن سائر الناس يساوونه في الحق، فلما كان سائرًا في حق الغير، كان من شرط ذلك: أن لا يضر بإنسانٍ فيما يمكنه التحفظ منه على ما وصفنا.
[مسألة:]
قال: (والسائق والقائد كذلك، إلا أن الكفارة على الراكب، دون السائق والقائد).
وذلك لأنه قد أصابه من ثقل الراكب، ومن حمله عليه أيضًا، فصارت الدابة كالآلة في قتله، نحو أن يرمى بها عليه، فيكون ذلك قتل مباشرة، فتلزمه الكفارة.
стр. 2545
وأما السائق فلم يباشر القتل، وإنما فعل السبب، فصار كحافز البئر في الطريق، ولا تلزمه الكفارة.
[مسألة:]
قال: (وإن راثت أو بالت، فعطب به إنسان: لم يضمن).
وذلك لأن مثل هذا لا يمكنه التحفظ منه، فصار كالنفحة بالرجل
مسألة: [سقوط سرج الدابة على إنسان]
(وإن سقط سرج الدابة، فعطب به إنسان: فالدية على السائق أو القائد).
وذلك لأنه يمكن التحفظ من وقوع السرج، ومن أجل ذلك شد على الدابة.
وكذلك في حامل المتاع إذا وقع منه، فعطب به إنسان: ضمنه؛ لأن حامل المتاع لا يحمله إلا وهو متحفظ من سقوطه، ومن أجله بشدة بالحبل.
[مسألة:]
قال: (وإن أثارت الدابة حجرًا كبيرًا: ضمن الراكب).
لأن ذلك غير معتاد حدوثه إلا من حمل شديد على الدابة، وعنف عليها في السير، فصار ذلك من جنايته، ولأنه يمكن التحفظ منه، بأن
стр. 2546
يسير بها على مهل.
مسألة: [من قعد في مسجد فعطب به إنسان]
قال: (ومن قعد في مسجد في غير صلاة، فعطب به إنسان: ضمن، وإن كان في صلاة: لم يضمن).
وذلك لأن المسجد مبني للصلاة دون الجلوس فيه لغير الصلاة، ألا ترى أنه إذا احتيج إلى موضعه للصلاة: لم يجز له القعود، فقعوده فيه مباح على شرط السلامة؛ لأنه في حق الغير، فصار كالقعود في الطريق للاستراحة، فيضمن ما يعطب به، لأنه جالس في حق الغير، وأما جلوسه فيه للصلاة، فهو جلوس في حقه، كالجالس في منزله وفي ملكه، فلا يضمن ما عطب به.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن في الوجهين جميعًا).
لأنه له أن يجلس فيه منتظرًا للصلاة ولغيرها، وليس ذلك بمنزلة جلوسه في الطريق؛ لأن الطريق إنما هو للمرور فيه لا للجلوس، فهو بجلوسه مانعٌ لغيره من الاستطراق، فأبيح له ذلك على شرط السلامة.
ولأبي حنيفة: أن المسجد كذلك؛ لأنه بجلوسه فيه مانع لغيره من الصلاة في موضعه، فصار كالجلوس في الطريق.
فصل: [تعليق القنديل في المسجد]
قال: (وإن علق فيه قنديلاً، وهو من العشيرة: لم يضمن ما عطب
стр. 2547
به، وإن كان من غيرهم: ضمن في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن).
لأبي حنيفة: أن أهل المسجد أولى بعمارته، كما أنهم أولى بالإمامة فيه، ولهم أن يمنعوا غيره من عمارته، ويعمروه هم، فأما الأجنبي فإنما يفعل ذلك في حق الغير على شرط السلامة، كالجلوس في الطريق للاستراحة، فإذا عطب به إنسان: ضمن، وأما أهل المسجد، فلأنهم فعلوا ذلك في حقهم، كفعلهم في أملاكهم.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يضمن؛ لأن في ذلك قربة إلى الله ، وله فعله، قال الله تعالي:﴾ إنما يعمر مساجد الله من أمن بالله ﴿، وقال الله تعالي:﴾ ما على المحسنين من سبيل ﴿.
ولأبي حنيفة: أن كونه قربة لا يسقط حق الآدمي، إذ كان شرطه أن يفعله على شرط السلامة؛ لأن من رمي المشركين، فهو متقرب إلى الله برميه إياهم، ويضمن مع ذلك إن أصاب مسلمًا.
مسألة: [إرسال البهيمة وضمان جنايتها]
قال: (ومن أرسل بهيمة فأصابت في فورها: ضمن).
стр. 2548
لأنه سائق لها، بمنزلة سائق الدابة، وتصير البهيمة حينئذٍ كالآلة له في الإتلاف.
* قال: (وإن أرسلها وزال عنها، فلم يكن لها سائقًا ولا قائدًا، ولا زاجرًا، فما أصابت: كان صامنًا، إلا أن تعدل عن الطريق التي أمامها إلى طريق غيرها: فلا يضمن بعد ذلك ما حدث منها).
قال أبو بكر أيده الله: ما أصابت من فور الإرسال، فهو بمنزلة ما أصابت الحجر والسهم في ذهابه بالرمي، فإذا عدل عن ذلك السنن، فقد انقطع حكم الإرسال، كما لو رد إنسان السهم عن سننه إلى جهة أخرى برئ الرامي من ضمانه.
* قال: (فإن لم يكن لها طريق إلا ما عدلت إليه: كان ضامنًا).
لن ذهابها في ذلك الطريق كان كالإرسال، إذ ليس في عدولها إليه دلالة على ترك السنن الذي أرسل فيه.
[مسألة:]
قال: (ومن أرسل طائرًا، فأصاب في فوره شيئًا: لم يضمن).
وذلك أن الطير يخرج عن تصرفه ويده بالإرسال، ويكون متصرفًا لنفسه، ولا يكون المرسل سائقًا له ولا قائدًا، فصار كالعجماء، وقد قال النبي ﵊: "جرح العجماء جبار".
стр. 2549
مسألة: [إغراء الكلب]
قال أبو جعفر: (ومن أغرى كلبًا، فأصاب شيئًا من إنسان لم يضمنه).
قال أبو بكر: المشهور من قولهم: أنه بمنزلة الدابة، يضمن المرسل ما أصاب من فوره، ولا أدري من أين وقعت إليه هذه الرواية؟!
قال: (وقال أبو يوسف: عليه ضمانه، وقال محمد: يضمن إن كان سائقًا له، ولا يضمن إن لم يكن سائقًا له).
مسألة: [سقوط الإنسان على الإنسان]
قال: (ومن سقط على رجلٍ فقتله: كانت ديته على عاقلته).
لأن سقوطه عليه فعله، وهو بمنزلة قتل الخطأ.
* قال: (وإن مات الساقط، فإن كان المسقوط عليه في دار نفسه: كان هدرًا).
لأنه متصرف في ملكه، بحيث لا حق للغير فيه، ألا ترى أنه لو وضع حجرًا في ملكه، فعثر به إنسان، فعطب: لم يضمن.
قال: (وإن كان في موضعٍ جلوسه فيه جناية: كانت دية الساقط على عاقلته).
بمنزلة حجر وضعه في ملك غيره، فعطب به إنسان.
стр. 2550
مسألة: [ضرب دابته فأصابت أحدًا]
قال: (ومن كان راكبًا فضرب دابته، أو كبحها باللجام، فأصبت برجلها أو بذنبها: فلا شيء عليه).
لأنه غير متعد في ضربها، ولا يمكنه التحفظ من الرجل، وقد روى عن النبي صلي الله عليه وسلم: "الرجل جبار".
مسألة:
(ولو نخسها إنسان، فنفحت رجلاً، فقتله: فالدية على الناخس دون الراكب)، لأنه متعد في نخسها، فيضمن ما تولد منه.
* (وكذلك لو ألقت راكبها: كان ضمانه على الناخس).
مسألة: [حكم ضمان قائد قطار الإبل]
قال: (ومن قادر قطارًا في طريق، فما أوطأ أول القطار أو آخره بيد أو برجل، أو صدم إنسانًا: كان ضامنًا لذلك، ولا كفارة عليه، وكذلك إن كان معه سائق).
وذلك لأنه فاعل للسبب الذي به وقع التلف، كواضع الحجر في الطريق، وحافر البئر.
стр. 2551
وليست النفحة بالرجل كالوطء، لأنه إن كان سائقًا أو قائدًا، فقد يمكنه التحفظ من أن يوطئها إنسانًا، وليس يملك من النفحة بالرجل شيئًا، ولا سبب له فيها.
وأيضًا: فإن قوده في ذلك الموضع الذي فيه الإنسان، أو سوقه إياها هو الموجب للوطء، فيضمن، وليس قوده إياها سببًا للنفحة.
* ويستوي القائد والسائق في الضمان، لتساويهما في فعل السبب الموجب للإتلاف، ولا كفارة عليهما لأنهما لم يباشرا فعل القتل.
* قال: (فإن كان السائق من وسط القطار: كان ضمان الجميع عليهما أيضًا).
لأن القائد يقود الجميع؛ لأن بعضها مربوط ببعض، وأما السائق فإنه ساق لما بين يديه، قائد لما خلفه.
* قال: (فإن كان السائق على بعير وسط القطار، راكب لا يسوق منه شيئًا: كان ضمان ما بين يديه على القائد، وضمان ما خلفه عليهما جميعًا).
وذلك لأنه غير سائق لما بين يديه؛ لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون به سائقًا لما بين يديه، كما أن مشيه إلى جانب البعير، لا يوجب أن يكون سائقًا له إذا لم يسقه، وكذلك كونه خلفه، ولكنه لا محالة سائق لما هو راكبه؛ لأن البعير يسير بركوب الراكب وحثه، وإذا كان سائقًا له، فهو قائد لما خلفه، فلذلك كان ضمانه عليهما.
مسألة: [من دخل دار قوم فعقره كلب حراستهم]
قال: (ومن دخل دار قوم بإذنهم أو بغير إذنهم، فعقره كلبهم: فلا
стр. 2552
ضمان عليهم).
وذلك لأن النبي ﵊ قال: "العجماء جبارة"
مسألة: [إيقاف الدابة في الطريق]
قال: (ومن أوقف دابة في الطريق، مربوطة أو غير مربوطة: ضمن ما أصابت بأي وجهٍ أصابت).
وذلك لأنه متعد في إيقافه إياها في الطريق، فهو بمنزلة واضع الحجر في الطريق، وحافر البئر فيها.
وليست هذه بمنزلة النفحة بالرجل للسائق؛ لأنه غير متعد في السير.
* قال: (وإن كانت مربوطة، فجالت في رباطها: فهو كذلك)؛ لأن التعدي باق.
* قال: (وإن كانت غير مربوطة، فزالت عن موضعها: لم يضمن ما أصابت بعد ذلك).
لأنها صارت منفلته بزوالها عن الموضع، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: "العجماء جبار"، والعجماء هي البهيمة المنفلتة.
* وكذلك جميع الهوام وغيرها، إذا ألقاها رجل في الطريق، فهي
стр. 2553
كالدابة فيما وصفنا.
مسألة:
(وإذا بني في الطريق، أو وضع فيها حجرًا: ضمن ما عطب به)
لأنه متعد فيه، ولا نعلم فيه خلافًا بين الفقهاء.
مسألة: [خروج الميزاب إلى الطريق]
قال: (ومن أخرج من داره ميزابًا إلى الطريق، فسقط على رجلٍ، فقتله، فإن أصابه ما كان في الحائط منه: لم يضمن).
* (وإن أصابه ما كان خارج الحائط: ضمن).
لأنه في غير ملكه، كحجر وضعه في الطريق.
* (وإن لم يعلم ما أصابه منهما: لم يضمن في القياس، ويضمن في الاستحسان النصف).
لأنا إذا لم نعلم من أيهما مات، وقد علم وقوعه عليه، حكمنا بموته منهما جميعًا، وهو متعد في البعض، غير متعد في البعض، فيضمن النصف.
مسألة: [حكم الأجير في الضمان]
(وإذا استأجر رجلاً على شيء يحدثه في فنائه، فعطب به إنسان: ضمن المستأجر).
стр. 2554
وذلك لأن له أن ينتفع بفنائه على شرط السلامة، كالقعود في الطريق للاستراحة على شرط السلامة، فلم يكن الأجير متعديًا، وكان أمر المستأجر إياه بذلك أمرًا صحيحًا، فانتقل حكم فعل الأجير إليه؛ لأنه قد استحق عليه البدل، فصار كأن المؤجر فعله، فالضمان عليه خاصة.
وليس هذا كأمره إياه بالحفر ونحوه في غير فنائه، فيضمن الأجير؛ لأن أمره فيه كلا أمر، إذ ليس له أن يحدث في غير ملكه وفنائه شيئًا.
مسألة: [عدم وجوب الكفارة في قتل الخطأ على الصبي والمجنون]
قال: (ولا كفارة على الصبي والمجنون في شيء مما أوجبنا فيه الكفارة على العاقل البالغ).
وذلك لأن الكفارة عبادة لله تعالي، والصغار والمجانين لا تلزمهم العبادات، كالصوم والصلاة والحج، وقال النبي ﵊: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم".
مسألة: [عدم توريث من وجبت عليه الكفارة]
قال: (وكل من أوجبنا عليه الكفارة: حرم الميراث، ومن لم نوجب عليه الكفارة في غير العمد: لم يحرم الميراث).
قال أبو بكر: وذلك لأن واضع الحجر في الطريق لما لم تلزمه الكفارة: لم يحرم الميراث، والقاتل بيده لما لزمته الكفارة: حرم الميراث،
стр. 2555
فعلمنا أن حرمان الميراث في غير العمد متعلق بوجوب الكفارة
مسألة: [حرمان الميراث يوجب حرمان الوصية]
قال: (ومن حرم الميراث لأجل القتل: حرم الوصية).
وذلك لأن الميراث آكد في وجوبه من الوصية، بدلالة أنه يدخل في ملك الوارث بغير قبوله، والوصية لا يصح دخولها في ملكه إلا بقبوله، فلما حرم الميراث لأجل القتل، كان حرمان الوصية أولي.
********************
стр. 2556
باب حكم الحائط المائل
مسألة: [الحائط المائل وضمان ما يحدث عنه]
قال أبو جعفر: (ومن مال حائطه إلى الطريق، أو إلى دار رجلٍ، فعطب به عاطب: فلا ضمان عليه).
وذلك لأن ميل الحائط ليس من فعله، ولم يكن متعديًا ببنائه في ملكه، فلم يضمن ما عطب به، ألا ترى أن الريح لو طرحت حائطًا لرجل إلى الطريق، فوقع على إنسان، أو عطب بترابه: لم يضمنه؛ لأنه لم يكن الوقوع من فعله، ولم يكن متعديًا في بنائه.
* قال: (فإن أشهد عليه في نقضه، فأمكنه، ولم يفعل: ضمن ما عطب به).
لأنه قد صار في هواء الطريق، فشغله، فلما تقدم إليه في رفعه، فلم يرفعه: كان متعديًا، كما أن ثوبًا لو ألقته الريح في دار رجل، وأمره صاحب الدار برفعه، فلم يرفعه ضمن ما عطب به، فكذلك لو وقع الحائط إلى الطريق، فأمر برفع التراب، فلم يرفعه: ضمن ما يعطب به؛ لأنه ليس له أن يشغل حق الغير بحائطه.
стр. 2557
وما لم يتقدم إليه، فلم يكن من جنايته.
والواحد من الناس إذا تقدم إليه: لزمه رفعه؛ لأن ذلك حق للكافة، فإذا قام به بعضهم، صار خصمًا عن الباقين.
* قال: (فإن كان ما عطب به نفس: فهي على العاقلة، وما كان من مالٍ: فهو في ماله).
وذلك لأنه بمنزلة واضع الحجر في الطريق.
مسألة: [الإشهاد على ميل الحائط]
قال: (ويصح الإشهاد من المستأجر، والمستغير، أو من مالكٍ إذا كان الميل إلى داره).
وذلك لأن الميل قد شغل ذلك القدر من الدار، فله أن يأمره برفعه، كما لو وضع شيئًا في الدار: كان له أن يأمره برفعه.
* قال: (وإن كان الحائط لجماعة، فتقدم إلى بعضهم، فلم يهدمه حتى سقط، فعطب به عاطب: فإنه لا يضمن أحد منهم شيئًا).
لأنه لا يستطيع بعضهم هدمه دون بقيتهم.
"ولكن أبا حنيفة استحسن، فجعل على المتقدم إليه من الدية بمقدار حصته من الحائط).
ووجه الاستحسان فيه: ما حكاه أبو الحسن الكرخي ﵀ عن محمد أنه قال: إذا أشهد عليه، ينبغي له أن يرفعه إلى الحاكم حتى يأمره
стр. 2558
الحاكم بالنقض، وإن كان شركاؤه غائبين، من قبل أن فيه حقًا لجماعة المسلمين، والإمام يتولى ذلك لهم، فيأمر الحاضر بنقض نصيبه ونصيب الغائبين.
وإذا أمكن المشهد عليه نقض نصيبه من هذا الوجه، فلم يفعل: كان مفرطًا فيه، ولحقه ضمان ما حدث منه.
* وإنما ضمن بمقدار حصته من الحائط؛ لأن الموت هاهنا حادث من الثقل، وليس ذلك معنى مختلفًا في نفسه، فوجب أن يضمن مقدار نصيبه، كما أن رجلاً لو استأجر دابة ليحمل عليها قفيزين من حنطة إلى موضع معلوم، فحمل عليها ثلاثة أقفزة: ضمن ثلث قيمتها، وهو مقدار الزيادة؛ لأنها عطبت من الثقل، فضمن بقسطه.
* (وفي قول أبي يوسف ومحمد: عليه ضمان النصف).
وذلك لأن أنصباء الآخرين كنصيب واحد؛ لأنه لم يجب به ضمان، فهو مثل أن يجرح رجلاً، ويعقره سبع، وتنهشه حية، فيموت من جميع ذلك: فعلى الجارح النصف؛ لن عقر السبع، ونهش الحية لما لم يتعلق بهما ضمان، صار كالشيء الواحد، كذلك أنصباء الآخرين.
[مسألة:]
* قال: (وإذا خرج الحائط المائل من ملكه بعد الإشهاد: لم يضمن ما عطب به).
لأن ميل الحائط لما لم يكن من فعله، ولم تكن جناية من جهته،
стр. 2559
وإنما تصير جنايته بالإشهاد والتقدم، والإشهاد إنما يتعلق حكمه ببفء الملك، بدلالة أنه لو أشهد عليه بعد خروجه من ملكه لم يكن للإشهاد حكم، ووجب أن يكون زوال الملك بعد الإشهاد مسقطًا لحكم الجناية.
وليس ذلك مثل ساجة وضعها رجل في الطريق، ثم باعها، فغضب بها إنسان قبل النقل: فيضمن الواضع؛ لأن تلك كانت جناية صحيحة قبل البيع بغير الإشهاد، فلا يرتفع حكمها إلا بزوالها عن الموضع.
مسألة: [وقوع الحائط المائل بعد الإشهاد عليه]
قال: (وإذا وقع الحائط المائل بعد الإشهاد، فعطب إنسان بترابه، فإن أبا يوسف قال في الإملاء: لا يضمن).
لأنه قد زال عن المكان الذي كان فيه وقت الإشهاد، كرجل وضع حجرًا في الطريق، فنقله آخر عن موضعه.
(وقال محمد: يضمن).
لأن الإشهاد إنما صح حكمه بما يخاف من سقوطه، ولولا ذلك لم يكن للإشهاد معنى، ألا ترى أنه إذا وقع على إنسان: ضمن وإن كان زائلاً عن الموضع، كذلك إذا عطب بترابه.
قال أبو بكر أيده الله: وكل ما ذكر فيه الإشهاد، فإن المعني فيه وقوع
стр. 2560
العلم بالتقدم إليه في الرفع؛ لأنه إذا كان جاحدًا: لا يثبت عندنا التقدم إلا بشاهدين.
ولو اعترف صاحب الحائط أنه قد تقدم إليه في رفعه: ضمنه وإن لم يكن هناك إشهاد؛ لن المعنى فيه أن يتقدم إليه، ويأمره بإزالة الخلل الذي صار في هواء داره، أو في الطريق، فيصير حينئذٍ جانيًا بترك النقض.
**************************
следующие страницы →