← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يذكر فيه الوضوء. وبه قال مالك بن أنس ﵁. وروى الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ أمر فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أن تتوضأ لكل صلاة". وكذلك روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ . وروى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "المستحاضة تقعد أيام أقرائها، وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة". وروي عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ "أنها تغتسل وتتوضأ لكل صلاة".

стр. 282

ويروى هذا القول عن علي، وعبد الله، وعائشة، وبن عباس، ﵃، وعن جماعة من التابعين. فإن قال قائل: لما جاز لها أن تصلي مع سيلان الدم، دل على أن دم الاستحاضة ليس بحدث. قيل له: هذا فاسد من قبل أن المساح على الخفين يصلي مع بقاء الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث. فليس إذا في جواز الصلاة مع وجود دم الاستحاضة دليل على أنه ليس بحدث، بل هو حدث مرخص لها في فعل الصلاة معه إلى خروج وقت الصلاة، فمتى ارتفعت الرخصة بخروج الوقت وجب عليها الوضوء للحدث الذي كان في أول الوقت، كما يجب على الماسح غسل الرجلين

стр. 283

إذا نزع خفيه، أو مضى وقت المسح للحدث الموجود قبله، وقد فعل معه صلوات كثيرة. فإن قيل: فقد روي في حديث حمنة ﵂ الاغتسال لكل صلاة، ولم تقولوا به. قيل له: نقول به لمن كان حالها مثل حال حمنة، وهي إنما استحضيت سبع سنين، ولم تعرف أيامها، وكذلك نقول في المستحاضة إذا نسيت أيامها: تغتسل لكل صلاة.

стр. 284

فصل: وقدر أصحابنا رخصة المستحاضة بالوقت دون فعل الصلاة؛ لاحتمال لفظ الخبر: للصلاة والوقت جميعًا، ولا يجوز أن يكونا جميعًا مرادين؛ لتنافيهما، واتفاق الجميع على خلافه، فإذا المراد أحدهما، لا هما جميعًا. ثم وجدنا الأصول شاهدة لاعتبار الوقت، دون فعل الصلاة؛ لأن وجدنا فيها رخصة مقدرة بالوقت، وهو المسح على الخفين، ولم نجد رخصة مقدرة بفعل الصلاة. والدليل على احتمال اللفظ للوقت، قول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فحيثما أدركتني الصلاة صليت". والمعنى: حيث أدركني وقت الصلاة، ويقول القائل: آتيك الظهر، ولقيته العصر، وهو يريد الوقت. وعلى أن مخالفنا لم يقدرها بفعل الصلاة؛ لأنه يجوز لها فعل النافلة بعد الفرض بتلك الطهارة، فدل على بقاء حكم طهارتها مع فعل الصلاة، وأنه جائز لها أن تصلي بها فرضًا آخر ما دامت في الوقت؛ لأن الفرض والنفل لا يختلفان في حكم الطهارة".

стр. 285

مسألة: [المرأة المبتدأة مستحاضة] قال أبو جعفر: (ولو ابتدئت مستحاضة: أمسكت عن الصلاة عشرة أيام، ثم اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة عشرين يومًا). قال أبو بكر أحمد: والدليل على أنها تستوفي لها في كل شهر حيضة وطهرًا: قول النبي ﷺ لحمنة بنت جحش ﵂: "تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا، كما تحيض النساء في كل شهر". فأخبر ﷺ أن الغالب من عادة النساء في كل شهر حيضة، وطهر، ولم يفرق بين المبتدأة وغيرها، فهو على الجميع حتى تقوم الدلالة على غيره. فإن قيل: فهلا اعتبرت ستًا وسبعًا، كما قال ﵊ لحمنة ﵂!؟ قيل له: يحتمل أن تكون حمنة ﵂ قد كانت علمت أن أيامها ستة أو سبعة، فعرفت العدد، ولم تعرف الوقت، واستحيضت، فأمرت بذلك، ولا دلالة فيه إذا كان كذلك؛ إذ حكم جميع النساء كذلك، وإنما موضع الدلالة من الخبر استيفاء حيضة وطهر في كل شهر؛

стр. 286

لقوله ﷺ : "كما تحيض النساء في كل شهر". * وأيضًا: لما أقام الله تعالى الشهور مقام الحيض، جعل بدل كل حيضة وطهر شهرًا كاملًا، فوجب أن يستوفى لها ذلك في كل شهر، ما لم يظهر لها غيره. وإذا ثبت وجوب استيفاء حيضة وطهر في كل شهر بما قدمنا، جعلنا الحيض عشرة أيام؛ لأنا قد علمنا كونها حائضًا حين رأت الدم ثلاثًا. ولم نعلم زوال حكم الحيض بالزيادة، بل قد حكمنا لها بحكم الأصل بالاتفاق حين أمرناها بترك الصلاة إلى تمام العشر، فلا يتغير حكمها بزيادة الدم على العشر، إذ لا دلالة فيه على أن أيامها أقل منها. مسألة: [أقل مدة الحيض وأكثره] قال أبو جعفر: (أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام). والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂:. "دعي الصلاة أيام محيضك"، وفي بعض الألفاظ: "أيام أقراتك من كل شهر". وقال: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"، في أخبار أخر.

стр. 287

وأقل ما يتناوله اسم الأيام إذا أطلقت مع ذكر العدد: ثلاثة أيام، وأكثر عشرة. فقد أفادنا هذا الخبر مقدار الأقل والأكثر؛ لأن ما دون الثلاثة لا يسمى أيامًا، لأنك تقول: ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ثم تقول: أحد عشر يومًا. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وقال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، يريد به الشهر كله. قيل له: هذا غنما يجوز إطلاقه في حال دون حال، وهو إذا حذف منه ذكر العدد المقرون الموصوف بالأيام، ألا ترى أنك إذا ذكرت العدد معها، لم يصح إطلاقها عليه، لأنك تقول: ثلاثون يومًا، وتقول: أيام السنة، فإذا ذكرت العدد معها قلت: ثلاث مائة وستون يومًا). فلما لم يخل ما بين الثلاثة إلى العشرة من إطلاق اسم الأيام عليه: علمنا أن اللفظ حقيقة له، ولما جاز ذلك فيما جاوز العشرة في حال، وامتنع في حال: علمنا أن إطلاقها ليس بحقيقة، وأنه إنما أريد به الوقت، دون الأعداد المحصورة التي يتناولها إطلاق اللفظ. كما يطلق اسم اليوم، ويتناول الليل أيضًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 288

دُبُرَهُ﴾، وقد دخل فيه الليل. وكقول القائل: يوم أكلمك فعبدي حر، فكلمه ليلًا: حنث؛ لأن المقصد في مثله الوقت المطلق، وإن كانت حقيقة اليوم لبياض النهار. فكذلك اسم الأيام إنما يتناول في الحقيقة ما بين الثلاثة إلى العشرة؛ لأن الاسم لا يزول عنه بحال، ويتناول سائر ما يطلق فيه على معنى الوقت، كقولك: أيام بني أمية، و: أيام السنة، ونحو ذلك. فإن قيل: قوله ﷺ : "المستحاضة تدع الصلاة أيه أقرائها": يدل على أن القرء يكون يومًا واحدًا؛ لأن الأقراء جمع، وأقله ثلاثة، والأيام جمع، وأقله ثلاثة، فجعل لكل قرء يوم. قيل له: قد قال: "أيام محيضك"، وقال: "أيام أقرائك من كل شهر"، فقوله: "أيام محيضك": يقتضي دلالته ما وصفنا، وقوله: "أيام أقرائك من كل شهر": يوجب أن يكون الحيض من كل شهر، ومعلوم أن شهرًا واحدًا لا يكون فيه ثلاث حيض، فثبت أن المراد بالأقراء المحصورة بعدد الأيام هي حيضة واحدة، وإنما أطلق عليها اسم الأقراء، وإن كانت حيضة واحدة؛ لأن الأقراء اسم لأجزاء الدم، فجاز إطلاق لفظ الجمع عليه. * وأيضًا: قال: "دعي الصلاة أيام أقرائك، ثم اغتسلي"، فأمره بالغسل بعد الأيام المذكورة، فعلمنا أن الأيام حيضة واحدة.

стр. 289

* دليل آخر: وهو ما روي عن عثمان بن أبي العاص، وأنس بن مالك ﵄ في الحيض أن أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما بعد ذلك فهو استحاضة. والمقادير التي هي حقوق الله لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق التوقيف، لأنها لا تؤخذ من طريق المقاييس، ولا هي موكولة إلى اجتهادنا، كأعداد ركعات الصلاة والحدود ونحوها، فعلمنا أنهم لهم يقطعوا بها إلا من جهة التوقيف، وهذا الأصل قد اعتبره أصحابنا في نظائر هذه المسألة. نحو ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في أن لا مهر أقل من عشرة دراهم، وتقدير فرض القعدة في آخر الصلاة بمقدار التشهد. * وعلى أنا لا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.

стр. 290

* ودليل آخر: وهو أن ما كان هذا سبيله من المقادير: لا سبيل إلى إثباته من طريق المقاييس والاجتهاد، وإنما طريق إثباته التوقيف والاتفاق، فلما حصل الاتفاق في كون الحيض ثلاثة أيام، وعشرة أيام، أثبتناهما، ولما اختلفوا فيما دون الثلاثة وكثر من العشرة: لم تثبته؛ لعدم التوقيف والاتفاق فيه. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن"، قيل: وما نقصان عقلهن؟ قال: "شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، ونقصان دينهم: إحداهن تمكث نصف عمرها لا تصلي". فهذا يقتضي أن من النساء من يكون حائضًا نصف عمرها، وذلك يوجب أن يكون الحيض خمسة عشر يومًا؛ لأن أقل الطهر خمسة عشر. قيل له: أما قولك إنه قال: "نصف عمرها": فلم يروه أحد عن النبي ﷺ ، وإنما ذكر في بعض الألفاظ: "شطر عمرها"، وفي بعض الألفاظ: "تمكث إحداهن الأيام والليالي"، فأما: "نصف عمرها": فما قاله أحد. وقوله: "شطر عمرها" لا دلالة فيه على النصف؛ لأن الشطر إنما يراد

стр. 291

به طائفة أو ناحية ونحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يعني ناحيته وجهته. وقوله: "الأيام والليالي": يدل على ما قلنا. على أنه ليس في الدنيا امرأة يكون حيضها نصف عمرها؛ لأنها إلى وقت البلوغ لا تكون حائضًا بحال، وما بعد البلوغ مع ما تقدم من عمرها، لا يجوز أن يحصل منه نصف عمرها طهرًا، ونصفه حيضًا. مسألة: [الدم في أيام الحيض حيض وإن اختلف لونه] قال أبو جعفر: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض في قول أبي حنيفة، ولا تكون الكدرة في قول أبي يوسف ومحمد حيضًا إلا بعد الدم). قال أبو بكر أحمد: محمد مع أبي حنيفة في هذا المسألة، وأبو يوسف حده، قد ذكره محمد في الأصول، وفي غيرها. وجه قول أبي حنيفة: اتفاق الجميع على أن الكدرة حيض بعد الدم، ودل تقدم الدم عليها على أن الكدرة من بقايا أجزاء الدم، وكذلك وجودها في أيام الحيض، ينبغي أن يكون الأيام دلالة لها على أنها من

стр. 292

أجزاء الدم. والدليل على ذلك أنا وجدنا دمين بصفة واحدة، احدهما حيض، والآخر ليس بحيض، وكان الوقت المعتاد فيه الحيض دلالة على كونه حيضًا، كذلك يجب أن تكون الأيام دلالة على أن الكدرة من اختلاط أجزاء الدم به. وقد روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لا تصلي حتى ترى القصة البيضاء". مسألة: [حكم صاحب العذر الدائم] قال أبو جعفر: (والذي به سلس البول، أو جرح لا يرقأ، بمنزلة المستحاضة). وذلك لدوام العذر. قال: (والمستحاضة تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، وتقرأ القرآن. وتطوف بالبيت). وذلك لأنها في حكم الطاهرات في باب لزوم الصلاة، فكذلك في

стр. 293

حكم الجماع وسائر ما ذكر. * وأيضًا: فإن النبي ﷺ أخبر: "أن دم الاستحاضة دم عرق انقطع، أو داء عرض"، ولو كان بها جراحة يسيل دمها لم يمنع ذلك وطء زوجها إياها، كذلك دم الاستحاضة. مسألة: [أقل مدة النفاس وأكثره] قال أبو جعفر: (وأكثر النفاس أربعون يومًا، ولا مقدار لأقله، إنما هو ما كان الدم). قال أبو بكر أحمد: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن فضالة قال: حدثنا أبو معمر عن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا حبان بن علي عن أشعث عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "وقت النبي ﷺ للنفساء أربعين يومًا، فإذا مضت: اغتسلت، وصلت". وروى عطاء بن عجلان عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: وقت رسول الله ﷺ للنفساء أربعين يومًا فإذا مضت: اغتسلت وصلت.

стр. 294

وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا ابن علاثة عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو رضي عنهما قال رسول الله ﷺ : "تنتظر النفساء أربعين يومًا، فإن رأت الطهر قبل ذلك: فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين: فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي، فإن غلبها الدم: توضأت لكل صلاة". وقالت أم سلمة ﵂: "كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا". وروي مدة النفاس على ما قلنا عن عمر، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص ﵃، ولا يروى عن غيرهم من السلف

стр. 295

خلافه، فثبت حجته. * وأيضًا: فلا سبيل إلى إثبات المقادير التي هذه سبيلها من طريق المقاييس والاجتهاد، وإنما طريقها التوقيف والاتفاق، وقد حصل الاتفاق في الأربعين يومًا، وما فوقها لم يرد به توقيف، ولا ثبت فيه اتفاق: فلم يثبت. *وأما أقل النفاس، فليس له مقدار مؤقت؛ لأن النفاس هو الدم الموجود عقب الولادة، فمهما وجد منه فهو نفاس. مسألة: [أقل الطهر] وقال أبو جعفر: (وأقل الطهر منه خمسة عشر يومًا). قال أحمد: وهذا لا نعلم فيه بين الفقهاء خلافًا. * * * * *

стр. 296

كتاب الصلاة باب المواقيت [مسألة: وقت الفجر] قال أبو جعفر: (وإذا طلع الفجر: فقد دخل وقت صلاة الفجر، ويخرج وقتها بطلوع الشمس). قال أبو بكر: وذلك لما روي في حديث جابر وأبي موسى وغيرهما ﵃ ان النبي ﷺ صلى الفجر حين طلع الفجر في اليوم الأول، وصلاها في اليوم الثاني حين كادت الشمس تطلع، ثم قال للسائل: "الوقت فيما بين هذين"

стр. 297

وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وقت الفجر ما لم تطلع الشمس". وفي حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: أمني جبريل ﵇ عند باب البيت، فصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلاها في اليوم الثاني، فأسفر ثم قال: الوقت فيما بين هذين الوقتين". قال أبو بكر أحمد: ولا خلاف بين أهل العلم في أول وقتها، وآخره. مسألة: [وقت الظهر] قال أبو جعفر: (وإذا زالت الشمس: فقد دخل وقت الظهر). قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.وروي أن الدلوك الزوال، وروي الغروب، وهو عليهما جميعًا،

стр. 298

لأن الدلوك هو الميل، وقد تميل للزوال والغروب جميعًا، فانتظم ظاهر اللفظ الوقتين جميعًا، وصلى النبي ﷺ الظهر حين زالت الشمس في اليوم الأول عند سؤال السائل عن مواقيت الصلاة، وفي سائر الأخبار المروية في المواقيت. قال: (وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه) وهذه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. قال: (وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن الظل إذا صار مثله: فقد خرج وقتها). قال أبو بكر: والدليل على صحة القول الأول، وهو المشهور من قول أبي حنيفة: أنه قد ثبت أنه ليس بين وقت الظهر والعصر فاصلة وقت، وأن بخروج أحدهما يوجد الآخر.

стр. 299

وظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾: ينفي أن يكون أول وقت العصر بعد المثل؛ لأن ذلك إلى الوسط أقرب منه إلى الطرف، فإذا أول وقت العصر بعد المثل؛ لأن ذلك إلى الوسط أقرب منه إلى الطرف، فإذا لم يكن بعد المثل: فهو بعد المثلين. وإذا صح أن أول وقت العصر بعد المثلين، ثبت أن آخر وقت الظهر إلى المثلين، لما قدمنا من أنه ليس بينهما فاصلة وقت. * ودليل آخر: وهو ما حدثنا دعلج قال: حدثنا ابن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرني أبو بكر بن عمرو بن حزم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال له: "قم فصل"، وذلك لدلوك الشمس حين مالت الشمس، فقام فصلى الظهر أربعًا. قال: ثم أتاه حين كان ظله مثله، فقال: "قم فصل"، فقام فصلى العصر أربعًا، وذكر الصلوات. وقال: ثم أتاه من الغد حين كان ظله مثله، فقال له: "قم فصل"، فقام فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين صار ظله مثليه، فقال له: "قم فصل العصر أربعًا".

стр. 300

فأخبر في هذا الحديث أن جبريل ﵇ أتاه في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، فقال له: قم فصل الظهر بعد ما صار الظل مثله؛ لأنه جاءه من الغد حين صار الظل مثله، فأمره بالصلاة، فحصلت صلاته لا محالة بعد ذلك، فثبت أن ما بعد المثل من وقت الظهر، إذ ليس بجائز أن يكون وقتًا للظهر، إذ ليس بجائز أن يكون وقتًا للظهر والعصر جميعًا، لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر". فإن قيل: في هذا الحديث أن فعله للظهر في اليوم الثاني كان في وقت فعله للعصر في اليوم الأول، وهذا يوجب أن يكون وقتًا للصلاتين، وذلك خلاف ما حصل عليه الاتفاق منك ومن مخالفك، فواجب أن يكون معناه: أن فراغه من الظهر صادف الوقت الذي ابتدأ العصر فيه بالأمس. قيل له: لفظ الحديث ينفي هذا التأويل؛ لأنه قد قال: جاءه جبريل حين صار الظل مثله، فقال له: "قم فصل"، فحصلت صلاته لا محالة بعد المثل، وهذا لا يصح معه تأويل المخالف، لأنه لا يجعل ما بعد المثل وقتًا للظهر. فإن قيل: فقد صلى العصر في اليوم الأول قبل المثلين، وهذا يوجب ان يكون وقت العصر قبل الممثلين. قيل له: وقد صلى العصر في اليوم الثاني بعد المثلين، فالآخر من

стр. 301

أمره أولى أن يؤخذ به. وقد روي في حديث ابن عباس: أنه صلى في اليوم الثاني الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فهذا يدل على أن الأول منسوخ بالثاني. * دليل آخر: وهو حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم، كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعلمت النصارى على ذلك، ثم أنتم الذين تعملون ن صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء! قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء". وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قول أبي حنيفة: أحدهما: قوله ﷺ : "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس"، وإنما قصد به

стр. 302

الإخبار عن قصر المدة. وقد قال ﷺ في حديث آخر: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بالسبابة والوسطى. فأخبر أن قدر ما بقي من مدة الدنيا إلى ما مضى، كما بين السبابة والوسطى من النقصان، وقدر ذلك بالتقريب نصف سبع، فلو كان وقت العصر من حيث يصير الظل مثله، لكان أطول مما دل عليه هذا الخبر بشيء كثير، ولبطلت فائدة قصده به إلى تقليل الوقت، وقصر المدة، فثبت أن وقت العصر بعد المثلين، ليصح معنى التشبيه. * والوجه الآخر من دلالة الخبر على ما قلنا: قوله ﷺ : فغضبت اليهود والنصارى، قولوا: كنا أكثر عملًا، واقل عطاء"، ومعلوم أن كثرة عملهم كانت لأجل امتداد وقتهم، وقصر وقت أمتنا. فلو كان وقت العصر من حين المثل، لصار وقت العصر أطول من وقت الظهر، وهذا يبطل معنى التشبيه؛ لأن النصارى حينئذ لا يكونون أكثر عملًا، فدل ذلك على أن وقت الظهر أوسع من وقت العصر، وهذا لا يصح، إلا أن يكون وقت الظهر إلى المثلين، ووقت العصر بعده. فإن قيل: إنما قالت اليهود والنصارى جميعًا: نحن كنا أكثر عملًا، وأقل عطاء، ولم يقل ذلك كل واحد من الفريقين على حياله، فلا دلالة فيه إذا على أن وقت الظهر أوسع من وقت العصر، وإنما يدل على أن وقت الفريقين جميعًا مجموعًا أوسع منه. قيل له: هذا غلط؛ لأنهم قالوا: نحن كنا أكثر عملًا، وأقل عطاء،

стр. 303

وليس عطاء الفريقين مجموعًا بأقل من عطاء المسلمين، بل هو مثله، فدل على أن هذا الخطاب من كل واحد من الفريقين على حياله. مسألة: [وقت العصر] قال أبو جعفر: (وإذا خرج وقت الظهر تلاه وقت العصر). وذلك لما روى محمد بن فضيل عن العمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر". فدل ذلك على انه ليس بين الوقتين فصل، وأن الذي يتلو وقت الظهر هو أول وقت العصر. قال: (وآخر وقت العصر غروب الشمس). وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من فاته العصر حتى غربت الشمس: كأنما وتر أهله وماله"، فجعلها فائتة بغروب الشمس، فدل على أن آخر وقتها الغروب. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار أحدً صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها".

стр. 304

* ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. فإن قيل: في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "وآخر وقت العصر حين تصفر الشمس". وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس". قيل له: المراد به الوقت المستحب؛ لأنه يكره تأخيرها إلى اصفرار الشمس، وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس: فقد أدرك"، فلولا أنه وقت العصر: ما لزمه الفرض بإدراكه. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه نهى الصلاة عند

стр. 305

طلوع الشمس، وعند غروبها في أخبار متواترة. قيل له: هو صحيح، والنهي تناول عندنا غير عصر يومه، فأما عصر يومه: فيكره تأخيرها إليه، فإن فعل: أجزأه بالأخبار الأخر؛ لئلا يسقط بعضها ببعض. مسألة: [وقت المغرب] قال أبو جعفر: (وإذا خرج وقتها: تلاه وقت المغرب). قال أحمد: وذلك لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن ول وقت المغرب حين تسقط الشمس". وفي عامة أخبار المواقيت "أن النبي ﷺ صلى المغرب حين غابت الشمس". فإن قيل: روى أبو تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ صلى العصر، وقال: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها منكم: أوتي أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد". قال:

стр. 306

"والشاهد النجم". قيل له: قوله: "والشاهد النجم": من قول الراوي، لا من قول النبي ﷺ . ويجوز أن يكون أراد بالشاهد: الليل، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾، وروي أنه غروبها، فينبغي أن يحمل- يعني خبر أبي بصرة- على موافقة الآي، وسائر الأخبار الأخر. مسألة: [آخر وقت المغرب] قال أبو جعفر: (وآخر وقتها في قول أبي حنيفة: البياض الذي بعد الحمرة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: الحمرة) قال أبو بكر أحمد: يدل على قول أبي حنيفة قول الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾. وقيل في ﴿الدلوك﴾: إنه الزوال، وقيل: الغروب، ويجوز أن يكون

стр. 307

الاسم لهما، ويدخلا جميعًا في المراد. وقيل: في ﴿غسق الليل﴾. إنه اجتماع الظلمة، فجعل الله تعالى وقت المغرب إلى اجتماع الظلمة، ومعلوم أن بقاء البياض يمنع اجتماعها، بل تكون متفرقة، فاقتضى ظاهر ذلك أن يكون وقت المغرب إلى غيبوبة البياض. وهذا يدل على فساد قول من يقول: إن لها وقتا واحدا. * ويدل على أن الشفق: البياض، وذلك لأن الخلاف في وقت المغرب حصل على وجوه أربعة: أحدهما: قول من قال: أول وقتها طلوع الشاهد، وهو النجم، وقد بيننا فساده. وقول من قال: إن للمغرب وقتا واحدا، وهو بمقدار ما يصلي فيه ثلاث ركعات. وقول من قال: وقتها إلى غيبوبة الحمرة. وقال أبي حنيفة: وهو أن آخر وقتها غيبوبة البياض. فظاهر هذه الآية يقضي بفساد هذه الأقوال كلها، إلا قول أبي حنيفة، فإنه يشهد لصحته. * ويدل على فساد قول من قال: إن لها وقتا واحدا: حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أول وقت المغرب حين تسقط الشمس، وإن آخر وقتها حين

стр. 308

يغيب الأفق". فجعل لها أولا وآخرا، وهذا ينفي قول من قدره بفعل الصلاة. * ويدل عليه أيضًا: حديث أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه أن سائلا سأل النبي ﷺ ، فصلى النبي ﷺ ، وذكر الصلاة إلى أن قال: فصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلاها في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق. وحدثنا محمد بن بكر قال: أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود عن بدر بن عثمان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، وذكر الحديث، وقال في آخره: "أين السائل؟ الوقت فيما بين هذين". قال أبو داود: ورواه سليمان بن موسى عن عطاء عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ في المغرب بنحو هذا. قال: وكذا روى ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ . قال أبو داود: وحدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن قتادة سمع أبا أيوب عن عبد الله بن عمرو ﵁ النبي ﷺ أنه قال: "وقت الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور

стр. 309

الشفق". فهذه الأخبار تقضي ببطلان قول من قال: إن للمغرب وقتا واحدا، وأنه مقدر بفعل الصلاة. * ويدل على فساد قوله: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة: فابدؤوا بالعشاء" فلو كان لها وقت واحد، لما جاز تأخيرها عنه، وتقديم العشاء عليها * وقد روي عن زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قرأ في صلاة المغرب ب ﴿المص﴾. وروى جبير بن مطعم ﵁ "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور". وروي عن معاذ ﵁: " أنه قرأ فيها بالبقرة وآل عمران".

стр. 310

فلو كان لها وقت واحد مقدار فعل الصلاة، لما جاز إطالة القراءة فيها، وتأخيرها عن وقتها. فإن قال قائل: في خبر ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ صلى المغرب في اليومين جميعا في وقت واحد" قيل له: هذه الأخبار التي ذكرناها متأخرة عن خبر ابن عباس؛ لأن خبر ابن عباس ﵄ إنما هو فيما أمه فيه جبريل ﵉ عند باب البيت، وخبر هؤلاء بالمدينة. وأيضا: فنستعملهما جميعا على فائدتين، ونقول: إن أول الوقت هو المستحب، ولا يفوت إلا بغيبوبة الشفق بالأخبار الأخر. فإن قيل: فالنبي ﷺ لا يترك الأفضل إلى الأدون. قيل له: الأفضل ما فعله ﷺ من التأخير؛ لأنه فعله على وجه التعليم، فكان التأخير في هذه الحال أفضل من التعجيل. وأيضا: ليس في فعله الصلاة في اليومين في وقت واحد، دليل على أنه لا وقت لها غيره؛ لأن النبي ﷺ صلى العصر في اليومين قبل اصفرار الشمس، وصلى العشاء الآخرة قبل نصف الليل، ولم يدل على أن لا وقت لهما غيره. وأيضا: لم نجد في الأصول عندنا وقتا لفرض مقدرا بالفعل، وكل فرع خرج من أن يكون له نظير في الأصول: فهو ساقط.

стр. 311

وأيضًا: لما وجدنا لسائر الفروض أوقاتًا ممتدة لها أول وآخر. وأختلفا في وقت المغرب، وجب أن يكون معطوفًا على نظائره من الأصول، فالمعنى الجامع بينهما: أن أوله مؤقت، فوجب أن يكون أخره مؤقتا لا بفعل الصلاة، بل بمضي الوقت. فإن قيل: في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ : "لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم". قيل له: إنما يدل هذا على منع التأخير، ولا دلالة فيه على نفي الوقت؛ لأنه منهي عن تأخير العصر إلى وقت اصفرار الشمس، وعن تأخير العشاء الآخر إلى السحر، ولا يدل ذلك على أنه ليس بوقت لهما. فصل: [مفهوم الشفق] وأما الكلام في الشفق، فإن ما ذكرناه من الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾: يدل على أن الشفق: البياض، وقد بينا وجه الدلالة منه. ويد عليه من جهة السنة: حديث بشير بن أبى مسعود عن أبيه "أن النبي ﷺ صلى العشاء اليوم الأول حين اسود الأفق.

стр. 312

وربما أخرها حتى يجتمع الناس". فدل هذا على أن أول وقتها بعد غيبوبة البياض؛ لأن بقاء البياض يمنع اسوداد الأفق؛ لأنه حينئذ يكون بعضه أبيض وبعضه أسود. وفي حديث النعمان بن بشير ﵁: "أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر الليلة الثالثة"، ومعلوم أن البياض لا يبقى إلى هذا الوقت. فإن قيل: روى ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سأل رجل نبي الله ﷺ عن وقت الصلاة فقال: " صل معي"، فصلى في اليوم الأول العشاء الآخر قبل غيبوبة الشفق. قيل له: في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبى موسى، وبريدة الأسلمي ﵃ "أنه صلى العشاء في اليوم الأول بعد ما غاب الشفق".

стр. 313

ويجوز أن يكون خبر جابر على ما كان ابتدئ عليه أمر المواقيت قبل تفصيلها؛ لأنه قد ثبت عندنا نسخ حكم بعض المواقيت، على نحو ما روي عن ابن عباس ﵄ في الظهر والعصر "أنه فعل الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس"، وهذا منسوخ، فكذلك حديث جابر إن ثبت، فهو منسوخ الحكم بالأخبار الأخر. وقد حكي لنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب أنه سئل عن الشفق ما هو؟ فقال: هو البياض، فقال السائل: الشواهد على الحمرة أكثر، فقال ثعلب: إنما يحتاج إلى الشاهد ما خفي، فأما البياض فهو أشهر في لغة العرب من أن يحتاج إلى شاهد. قال أبو بكر أحمد: ويدل عليه من جهة اللغة أيضا، أن الشفق: الرقة، ومنه الشفقة، وهي رقة القلب، و: ثوب شفق: إذا كان رقيقا. والبياض أولى بهذا المعنى؛ لأنه عبارة عن الأجزاء الرقيقة الباقية من آثار الشمس، وهو في حال البياض أرق، وفي حال الحمرة أكف. وروي أن الشفق البياض عن عمر بن عبد العزيز ﵁.

стр. 314

* ويدل عليه من جهة النظر: أن البياض والحمرة في الفجر من وقت صلاة واحدة، فوجب أن يكونا في المغرب أيضا من وقت صلاة واحدة. * قال أبو بكر أحمد: وأوقات الصلاة الخمس تنتظمها آيات في كتاب الله: قال الله : ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ وذلك ينتظم صلاتين الظهر، والمغرب. وقال تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾، وهما العصر، والفجر. وقال: ﴿وزلفا من الليل﴾: يعني العتمة. قال: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾، وهما

стр. 315

الفجر، والعصر أيضا. مسألة: [وقت العشاء] قال أبو جعفر: (وإذا خرج وقتها: تلاه وقت العشاء الآخرة). لما روي عن النبي ﷺ "أنه صلاها في اليوم الأول بعد ما غاب الشفق". قال: (وآخر وقتها طلوع الفجر). وذلك لأنه قد روي: "أن النبي ﷺ صلاها بعد نصف الليل"، وروي "بعد ثلث الليل"، وهما صحيحان جميعا، يحتمل أن يكون صلاها في وقت بعد نصف الليل ليعلم الوقت، وصلاها في وقت آخر بعد ثلث الليل؛ لأنه الوقت المستحب. وإذا ثبت أن ما بعد نصف الليل وقت للعشاء، ثبت أن وقته إلى طلوع الفجر؛ لأن أحدا لا يقول بذلك إلا وهو يقول إنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر.

стр. 316

ولأنه لا خلاف بين الفقهاء أن من أسلم بعد نصف الليل قبل طلوع الفجر: لزمته صلاة العتمة، وكذلك لو بلغ صبي قبل طلوع الفجر. قال: (وطلوع الفجر هو البياض المستطيل الذي ينتشر في الأفق). والبياض المستطيل هو من الليل، وكذلك روي عن النبي ﷺ في صفة الفجر. مسألة: [الوقت المستحب للظهر] قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة الظهر أن يعجل بها في الشتاء، ويبرد بها في الصيف). وذلك لما في حديث بشير بن أبي مسعود عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يصلي الظهر حين تزيغ الشمس، وربما أخرها في شدة الحر". وقال أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا كان

стр. 317

الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها". وروى أبو سعيد، وأبو هريرة، وأبو موسى، وأبو ذر ﵃ أن النبي ﷺ قال: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من قيح جهنم". وأما ما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يصلى بالهجير". وقول خباب ﵁: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا". وقول عائشة ﵂: "ما رأيت أحدا أشد تعجيلا لصلاة الظهر من رسول الله ﷺ ".

стр. 318

فإن ذلك كان في أول مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، ثم نسخ بما ذكرنا. * الدليل عليه ما ذكره أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن أبى داود قال: حدثنا يحيى بن معين وتميم بن المنتصر قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن بيان عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهجير، ثم قال: إن شدة الحر من قيح جهنم، فأبردوا بالصلاة". فبين المغيرة تاريخ الفعلين، وأن آخرهما كان الإبراد. فإن قيل: روي عن ابن مسعود ﵁ أنه صلى حين زالت الشمس، فقال: "هذا والله الذي لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة". قيل له: كذلك نقول هو وقتها، إلا أنه ليس فيه بيان موضع الخلاف؛ لأن الخلاف إنما هو في الوقت المستحب، وليس في خبر عبد الله دلالة على أنه هو المستحب دون غيره. وأيضا: ليس فيه أنه كان في الصيف، ويحتمل أن يكون في الشتاء، كما روى الزهري عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس". ثم روى أبو خلدة عن أنس ﵁ "أن النبي صلى الله عليه

стр. 319

وسلم كان يعجلها في الشتاء، ويؤخرها في الصيف". مسألة: [الوقت المستحب للعصر] قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة العصر التأخير في الزمان كله، إلا أنه يصليها والشمس بيضاء، لم تدخلها صفرة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾، فكلما قرب من آخره: فهو أولى بموافقة الآية، إلا ما قام دليله، وقد قامت الدلالة على النهي عن تأخيرها إلى اصفرار الشمس، فخصصناه من اللفظ، وبقي حكمه فيما عداه. ومن جهة السنه ما حدثنا به محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال: حدثنا محمد بن يزيد اليماني قال: حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن على بن شيبان عن أبيه عن جده علي بن شيبان ﵁ قال: "قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية". وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو الحسين علي بن مهران بن

стр. 320

يحيى القاساني قال: حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله بن محمد بن هاني قال: حدثنا حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، قال عبد الواحد بن نفيع الكلابي: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج ﵁ يقول: حدثني أبي "أن رسول الله ﷺ أمر بتأخير العصر". ويدل عليه حديث أبي مسعود ﵁ "أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة". وعن أنس ﵁ "كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة". فإن قيل: روي عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، والشمس مرتفعة".
следующие страницы →