Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
مسألة: [حكم مال المرتد إن قتل]
قال أبو جعفر: (وإذا قُتِل: كان ماله لورثته من المسلمين على فرائض الله تعالى).
قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى:﴾ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴿، ولم يفرق بين أن يكون الميت مرتدًا أو ملسمًا
فإن قيل: روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يرث كافر من مسلم".
قيل له: نورثه في آخر أجزاء الإسلام؛ لأن من مذهب أبي حنيفة أن الردة لا تزيل ملكه، فليس فيه توريث المسلم من كافر، بل من مسلم.
وأيضًا: إنما قول: "لا يتوارث أهل ملتين"، و"لا يرث المسلم الكافر"، فهذا في الكافر الذي له ملة يقر عليها، لأن ما لا يقر عليه من الأديان، فليس بملة يتعلق بها حكم.
فإن قيل: روي: "لا يرث المسلم الكافر": مطلقًا، ولم يذكر فيه: لا يتوارث أهل ملتين.
стр. 2592
قيل له: الخبران واحد، اختصره بعضهم، وساقه بعضهم على وجهه.
وأيضًا: سائر المسلمين يأخذونه بالإسلام، والورثة لهم إسلام وقرب، فهم أولى؛ لأن ذا السببين أولى من ذي السبب الواحد، بدلالة أن الأخ من الأب والأم: أحق بالميراث من الأخ من الأب، لاجتماع السببين له.
وأيضًا: روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس، من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليه، فصار إجماعًا.
مسألة: [عدم حل ذبيحة المرتد، وكذا نكاحه]
قال: (ولا تؤكل ذبيحة المرتد، ولا يجوز نكاحه).
وذلك لأنه كافر، غير كتابي؛ لأنه لا يقر على دينه الذي انتقل إليه، وذبيحة الكافر غير الكتابي محرمة، ولا يجوز نكاحه بلا خلاف نعلمه بين الفقهاء.
مسألة: [ارتداد الزوجين]
قال: (وإذا ارتد الزوجان معًا: كانا على النكاح).
قال أحمد: وهذا استحسان من قولهم، وكان القياس عندهم أن تقع
стр. 2593
الفرقة؛ لأن المعنى الموجب للتحريم، وهو الردة حادث على النكاح، فصار كردة أحدهما، وكالطلاق الثلاث، وسائر الأسباب الموجبة للتحريم، إلا أنهم تركوا القياس، فلم يوقعوا الفرقة بردنهما معًا.
والأصل فيه: شأن أهل الردة في زمن الصحابة ﵃، لما ارتدوا، ثم أسلم منهم قوم، ولم يقل أحد من الصحابة بإيجاب التفريق بينهم وبين نسائهم، ولا أمروهم باستئناف العقد.
فإن قيل: فمن أين لك أن ردتهم وإسلامهم كان معًا، مع امتناع وقوع ذلك في العادة؟
قيل له: هو كما قلت، إلا أن من حكم الشيئين إذا وقعا ولم يعلم تقدم أحدهما على الآخر، أن يحكم بوقوعهما معًا، مثل الغرقى، والذين يموتون تحت الهدم يحكم بموت جميعهم معًا في باب المواريث، كذلك حكم هؤلاء المرتدين مع نسائهم.
وإذا صح ذلك، فإنما خص من القياس بأنهما لم يختلفا في الدين، ففارق من أجل ذلك ردة أحدهما قبل الآخر، وإسلام أحدهما قبل الآخر.
مسألة: [ارتداد أحد الزوجين قبل الآخر]
قال: (وأيهما ارتد قبل صاحبه: وقعت الفرقة بينهما).
وذلك لأن الردة سبب يوجب التحريم، ويمنع العقد ابتداء بلا خلاف، فلما حدث ذلك من جهة أحدهما، صار كسائر الأسباب الموجبة
стр. 2594
للتحريم الحادثة على نكاح من جهة أحدهما دون الآخر، نحو الطلاق الثلاث، ووطء أم المرأة، ونحوهما من الأسباب الموجبة للتحريم الطارئة على العقد في إفسادها النكاح عقيب حدوثها.
* قال: (فإن كانت المرأة هي المرتدة: فالفرقة واقعة بغير طلاق) وذلك لأن المرأة لا تملك الطلاق، فكل فرقة من قبلها: فليست بطلاق.
وفرقة امرأة العنين وإن كانت باختيارها، فهي طلاق؛ لأن سببها من جهة الزوج، وهو منعها حقها من الوطء المستحق عليه بعقد النكاح، فصار كقوله لها: اختاري نفسك، فإن الفرقة وإن لم تقع إلا باختيارها، فإنها طلاق، إذ كان سببها من جهة الزوج.
* قال: (وإن كان الرجل هو المرتد، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: ليست بطلاق، وقال محمد: هو فرقة بطلاق).
قال أحمد: والأصل في ذلك أن كل سبب يتعلق به فرقة من جهة الزوج، فما كان حكمه مقصورًا على النكاح: فهو طلاق، وما لم يكن حكمه مقصورًا على النكاح، بل يثبت حكمه في النكاح وفي غيره: فليست الفرقة الحادثة عنه طلاقًا.
وفرقة اللعان طلاق؛ لأن حكم اللعان مقصور على النكاح، وسببه من جهة الزوج، ألا ترى أن اللعان لا يثبت حكمه في غير النكاح.
* (وإباء الزوج الإسلام طلاق عند أبي حنيفة أيضًا)؛ لأن حكم
стр. 2595
الإباء إنما يتعلق بالنكاح؛ لأنه لولا عقد النكاح ما عرضنا عليه الإسلام، لأجل إسلام المرأة، وإنما كان كذلك من قبل أن الطلاق حكمه مقصور على النكاح، وهي فرقة من قبل الزوج، فكل ما كان بهذه المثابة، فحكمه حكمه.
وأما الردة فليس حكمها مقصورًا على النكاح؛ لأن حكمها ثابت، سواء كان هناك نكاح أو لم يكن، وكذلك وطء أم المرأة، ونظائره من الأسباب الموجبة للتحريم بما يثبت حكمه في النكاح وغيره.
وأما محمد: فإنه قال: ردة الزوج طلاق؛ لأنها سبب من قبل الزوج، لا يوجد تحريمًا مؤبدًا، وهذه صفة الطلاق.
وأما أبو يوسف: فإنه قال ي إباء الزوج الإسلام: إنه ليس بطلاق، كما أن الردة ليس بطلاق، والمعنى الجامع بينهما: أن الفرقة وقعت من جهة الكفر.
مسألة: [لحوق المرتد بدار الحرب وسبيه]
قال أبو جعفر: (وإن لحق الزوجان المرتدان بدار الحرب، ثم سبيا: فإن الزوج يستتاب، فإن تاب، وإلا: قتل، ولا يسترق، والمرأة تسترق وتجبر على الإسلام).
أما الزوج فلا يقر على الردة ويقتل، لقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه".
ولا يسترق؛ لأنه لما لم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، أشبه مشركي
стр. 2596
العرب الذين لم يقبل النبي ﷺ إلا الإسلام أو السيف، ولم يسترق من لم يسلم منهم من الرجال.
وأما المرأة فإنها تسترق: من قبل أنها لا تقتل، بمنزلة نساء مشركي العرب استرقهن النبي ﵊، وأجبرهن على الإسلام.
فصل:
والحجة في أن المرتدة لا تقتل: ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن قتل النساء والولدان"، وهو عام في جميعهن.
فإن قيل: إنما نهى عن قتلهن في الحرب، أو إذا كن حربيات؛ لأن الكلام عليه خرج.
قيل له: قد روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵃ "أن النبي ﷺ رأى في بعض أسفاره امرأة مقتولة، فنهى عن قتل النساء والصبيان".
وروي في بعض الأخبار: "أنه نهى عن قتل النساء والصبيان"، من غير ذكر سببٍ، فنستعملها جميعًا، ولا نقتلها إذا كانت حربية، ولا إذا ارتدت بالخبر الآخر.
وعلى أن خروج الكلام على سببٍ، لا يوجب اعتبار السبب عندنا إذا كان اللفظ أعم من السبب.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ قال: "من بدل دينه
стр. 2597
فاقتلوه"، وهو عام في المرأة والرجال.
قيل له: ابن عباس هو راوي الخبر، وكان يقول: "الرتدة لا تقتل"، فعلمنا أن قوله: "من بدل دينه فاقتلوه": في الرجال.
وأيضًا: فإن قوله: "من بدل دينه فاقتلوه": لا يجوز الاعتراض به على نهيه عن قتل النساء، وذلك لأن الجميع متفقون على أن قتل المرتد غير مستحقا لتبديل الدين، لاستحقه وإن أسلم، كما أن الرجم لما كان مستحقًا للزنى، لم تكن توبته مسقطة له، وكما أن القصاص المستحق بقتل الغير، لا ستقطه التوبة.
فلما اتفق الجميع على أن المرتد لا يستحق القتل إذا أسلم، علمنا أن القتل غير مستحق للتبديل فحسب، بل بمعنى آخر مع التبديل، مضموم إليه، فاحتيج إلى طلب المعنى الذي هو شرط في استحقاق القتل مع التبديل، ويسقط حينئذٍ اعتبار اللفظ وحده.
وأما نهيه ﵊ عن قتل النساء: فهو عموم، حكمه متعلق بلفظه، فوجب علينا استعماله على حسب ما اقتضاه لفظه.
فإن قيل: فما المعنى الذي هو شرط في استحقاق القتل مع التبديل؟
قيل له: ليس علينا بيان ذلك؛ لأنا إنما بينا إسقاط اعتبار العموم في خبرك.
وعلى أن نقول مع ذلك متبرعين وإن لم يلزمنا بحق النظر: أن المعنى
стр. 2598
الذي به استحق القتل مع التبديل، هو الإقامة على الكفر، والمرأة لا تستحق القتل بالإقامة على الكفر بدءًا إذا كانت حربية، فكذلك بعد الردة؛ لأن تبديل الدين إنما يوجب القتل مع الإقامة التي انفردت بدءًا لاستحق بها القتل وإن لم يكن مبدلاً به لدينه، فأما من لم تكن لإقامته بدءًا تأثير في استحقاق القتل، فكذلك مع تبديله الدين.
ودليل آخر: وهو أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فعلق عصمة الدم بإظهار التوحيد، فلما كانت المرأة محقونه الدم قبل الإسلام بغير إظهار التوحيد، وجب أن يكون كذلك حكمها بعد الإسلام إذا عادت إلى الكفر، إذ لم تحقن دمها بالإسلام، فيكون زواله موجبًا لقتلها.
وأما الرجل، فإنه لم يحقن دمه بدءًا إلا بالإسلام؛ لأنه كان مباح القتل قبل الإسلام، فلما حقن دمه بالإسلام، ثم ارتفع المعنى الذي من أجله حقن دمه، وهو الإسلام، عاد إلى حال الإباحة.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بالشيخ القاني والرهبان، وأهل الصوامع والزمني، لأنك لا تقتلهم إذا كانوا حربيين، ونقتلهم إذا أسلموا ثم ارتدوا.
قيل له: أما الشيخ الفاني، فإنا نقتله إذا كان ذا رأي في الحرب، أو كان كامل العقل، ومثله نقتله إذا ارتد، وقد قتل ابن
стр. 2599
الدغنة دريد بن الصمة يوم حنين، وكان شيخًا فانيًا، فلم ينكره النبي ﷺ .
وإنما الذي لا نقتله هو الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين، فهذا حينئذٍ يكون بمنزلة المجنون والصبي، فلا يقتل إذا كان حربيًا، ولا إذا ارتد.
وأما الزمني فهم بمنزلة الشيوخ، يجوز قتلهم إذا رأى الإمام ذلك، كما يقتل سائر الناس بعد أن يكونوا عقلاء، ويقتلهم أيضًا إذا ارتدوا.
وأما الرهبان وأهل الصوامع، فإن سؤالك فيهم محال، من قبل أنه يستحيل بعد الإسلام أن يعود راهبًا؛ لأن ذلك اسم للنصارى إذا ترهبوا، والمرتد لا يكون نصرانيًا وإن اعتقده، ولا يكون راهبًا، فالسؤال فيهم محال.
فإن قيل: قوله تعالى:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿: عام في النساء والرجال.
قيل له: حقيقة اللفظ في الذكران، وإنما يدخل الإناث فيه بدليل، كذلك قوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى
стр. 2600
ثلاث: كفر بعد إيمان": حقيقة اللفظ فيه في الذكران:
قال: (وكان أبو يوسف يقول بقتل المرتدة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة).
مسألة: [أولاد المرتد]
قال أبو جعفر: (وما ولد لهما في الردة من ولد في دار الإسلام أو دار الحرب: فإنه يجبر على الإسلام، ولا يقتل).
وذلك لأن أبويه مرتدان، وقال النبي ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه"، فانتقل إلى حكم الأبوين، فصار مرتدًا، فلذلك أجبر على الإسلام.
ولا يقتل لأنه لم يكن له إسلام بنفسه فتركه، ولا يجوز قتله لأجل فعل أبويه.
[مسألة:]
* (والولد الذي ولداه في دار الحرب إذا سبي: كان فيئًا: كولد أهل الحرب، وليس كالولد الذي في دار الإسلام).
كما أن المرأة المرتدة ما دامت في دار الإسلام: لا تسترق، فإذا
стр. 2601
لحقت بدار الحرب، ثم سبيبت: كانت فيئًا، كذلك ولد المرتدين.
* قال أبو جعفر: (وما ولد لأولادهما في دار الحرب، فسبي: كان فيئًا، ولم يجبر على الإسلام).
وذلك لأنا لو جعلناه بمنزلة المرتد، كنا ألحقناه بحكم جده في الدين، والولد لا يتبع الجد في الدين، وإنما يتبع الأبوين؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يكون الناس كلهم مسلمين، لأجل أن أصل آبائهم الإسلام، وهم آدم وحواء ﵉.
فإن قيل: فأبواهما مجبران على الإسلام، وهما في حكم المرتدين.
قيل له: لو كان كذلك لقتلا، فلما لم يجب قتلهما، علمنا أنهما ليسا في حكم المرتدين، وإنما دخلا في حكم أبويهما؛ لأنه قد كان لأبويهما إسلام بأنفسهما فارتدا عنه، وأما هما فلم يكن لهما في أنفسهما إسلام فيدخل أولادهما في حكمهما.
مسألة: [توريث المرأة المرتدة]
قال أبو جعفر: (وإذا ارتدت المرأة: لم يرثها زوجها، وليست كالزوج إذا ارتد).
قال أحمد: وذلك لأن المرأة لا تقتل، فلا تكون بمنزلة الفارة من الميراث، بل هي بمنزلتها لو قبلت ابن زوجها بشهوة وهي صحيحة، فلا يرثها زوجها، وأما الزوج فإنه يقتل، فكان بمنزلة الفار من الميراث، وبمنزلة المريض إذا طلق امرأته، وقد قالوا: إن المرأة إذا ارتدت وهي
стр. 2602
مريضة، ورثها زوجها إن ماتت في العدة.
مسألة: [إنكار الارتداد]
قال أبو جعفر: (ومن شهد عليه بالردة، وهو يجحد: كان ذلك منه توبة).
لأنه مخبر عن نفسه بالتوحيد في الحال، وقد قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿، وهذا قد انتهى عن الكفر.
فإن قيل: جائز أن يكون مضمرًا بخلاف ما أظهر.
قيل له: وإذا أظهر الكفر بدءًا وأعلنه، ثم أظهر الإسلام، قبل منه عند الجميع وإن كان جائزًا أن يكون مضمرًا للكفر، مظهرًا للإيمان، كذلك ما وصفنا.
فإن قيل: لما كان كفر هذا سرًا، لم يكن في ظاهر حاله دلالة على الرجوع عما أسره من الكفر.
قيل له: ليس علينا اعتبار ما يجوز أن يكون عليه ضميره واعتقاده، وإنما علينا الحكم عليه بما يظهر من أمره، وقد قال الله تعالى:﴾ إن الذين امنوا ثم كفروا ثم امنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا ﴿فحكم لهم بالإيمان، ثم
стр. 2603
بالكفر، ثم بالإيمان بعد الكفر.
وقال الله تعالى:﴾ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴿، وهذا العلم إنما يحصل لنا بما يظهر لنا من قولهن، دون ضميرهن.
وقد كان في زمن النبي ﷺ منافقون قد أطلع الله تعالى عليهم نبيه، قال الله تعالى:﴾ وإذا لقوا الذين امنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴿، فزال عنهم حكم القتل بإظهارهم الإيمان وإن كان اعتقادهم خلافه.
وقال الله تعالى:﴾ يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴿، ومعلوم أن هؤلاء كانوا قومًا معروفين قد حلفوا لهم، وأخبر أنهم كفار؛ لأنه قال:﴾ يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ﴿.
وقال:﴾ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا
стр. 2604
تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴿،
فأخبر أنهم كفار، وزال عنهم القتل بإظهارهم الإيمان، وهذا كله لابد أن يكون في قوم معروفين بأعيانهم.
وكذلك الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا، كانوا يسرون الكفر فيما بينهم في ذلك المسجد، فأمر الله تعالى بهدم مسجدهم، ولم يأمر بقتلهم.
فهذا كله يقضي ببطلان قوله من يقول: إن من سمع يكفر سرًا: أنه لا تقبل توبته ظاهرًا.
مسألة: [ارتداد السكران]
قال أبو جعفر: (ومن ارتد وهو سكران: لم يقتل بذلك، ولم تبن منه امرأته في قول أبي حنيفة ومحمد).
وذلك لأن من شرط حصول الكفر بالقول: أن يكون قاصدًا إلى القول مع الطوع، والدليل عليه: أنه لو كان مكرهًا: لم يكفر، لعدم الطوع، ولو سبق لفظه بالكفر من غير قصد: لم يكفر، فعلمنا أن شرطه ما وصفنا.
ويدل عليه أيضًا: قوله :﴾ ولكن من شرح بالكفر صدرًا ﴿، والقصد معدوم من السكران، فصار كالمجنون، والذي يسبق لسانه بالكفر.
وإذا لم يجعل كافرًا: لم تبن منه امرأته؛ لأن لفظ الكفر ليس بطلاق
стр. 2605
ولا كناية عنه، وإنما تحصل الفرقة إذا حكم بردته، فإذا لم يحكم بردته، لم بتن منه امرأته.
وليس هذا مثل السكران إذا طلق، فيقع طلاقه، لأن شرط وقوع الطلاق وجوده في لفظ مكلف، والسكر لم يبطل عنه حكم التكليف، للزوم الحد بالسكر، وليس شرطه القصد ولا الطوع، والدليل عليه: أنه لو سبق لفظه بالطلاق ناسيًا من غير قصد: وقع.
قال: (وقال أبو يوسف: تبين منه امرأته)، وجعله كالسكران إذا طلق، لأن هذا القول، أعني: كلمة الكفر، قد تضمن معنيين: أحدهما: وقوع الفرقة بينه وبينها، والثاني: الحكم عليه بالردة، وإباحة الدم، فأشبه الطلاق من حيث تعلق به الفرقة.
مسألة: [ارتداد الصبي]
قال أبو جعفر: (وارتداد الصبي الذي يعقل: ارتداد، وإسلامه: إسلام، وقال أبو يوسف: ارتداده ليس بارتداد).
قال أحمد: الأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ قال: "كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورًا".
стр. 2606
فعلق حكم الكفر والإيمان بإعراب اللسان، فتضمن هذا الخبر الحكم بإسلامه وكفره جميعًا عند ظهور ذلك منه.
فإن قيل: قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ".
قيل له: نستعمل الخبرين جميعًا، فنقول ذلك في سائر الحقوق سوى الدين، فأما حكم الدين فمعتبر بصحة إعرابه عن نفسه بالخبر الذي رويناه، ولو حملناه على ما قلت، سقطت فائدة خبرنا رأسًا، فيصير وجوده وعدمه سواء، وليس يجوز لنا أن نفعل ذلك في أخبار النبي ﷺ .
وأيضًا: روي "أن علي بن أبي طالب كان أول من أسلم، وكان صغيرًا"، ولولا أن إسلامه كان إسلامًا صحيحًا، لما نقوله وأضافوه إليه.
فإن قيل: إن علمًا ﵁ لم يشرك بالله قط.
قيل له: صدقت إلا أنه عند بعثه النبي ﷺ لزمه تصديقه، فكان تصديقه تصديقًا صحيحًا، كما أن النبي ﷺ لم يشرك بالله قط، ولزمه عندما أوحى إليه أن يصدق بنبوة نفسه.
وأيضًا: فإن لزوم التوحيد متعلق بالعقل، فكل من أمكنه المعرفة، فعليه النظر والوصول إليها، وليس ذلك يتعلق بالبلوغ ولا غيره، وإنما يتعلق بالبلوغ الأحكام الظاهرة، وما يلزم من طريق السمع مما ليس في العقل إيجابه؛ لأنه لو جاز أن يخلي الله أحدًا من تكليف المعرفة، وهو
стр. 2607
يحتملها، لكان قد أباح الجهل به، وهذا لا يجوز على الله تعالى:
وأيضًا: فلما جاز أن يلحق بحكم أبويه في الدين، فثبوت ذلك له باعتقاده أحرى، وبهذا المعنى فارق سائر الأحكام أنه لا يتبع أبويه في سائر الأحكام إلا في الدين.
فإن قيل: كما لم يجز إقراره وطلاقه وعتقه، وكان قوله كلا قول، وجب أن يكون كذلك حكمه في إسلامه وكفره.
قيل له: قد بينا الفصل بينهما فيما قدمنا، وكما جاز أن يلحق بأبويه في حكم الدين، فكان قول الأبوين كقوله في كفره وإسلامه، ولم يجز أن يكون قول أبويه كقوله في جواز إقراره عليه، وعتق عبده وطلاق امرأته، كذلك هو يجوز أن يكون مسلمًا بإسلام نفسه، ولا يجب أن يجوز عليه قوله في إيقاع طلاقه ونحوه.
قال أحمد: وهذا على قول من قال: إن إسلامه ليس بإسلام، وهو قول زفر بن الهذيل.
* وأما الكلام على أبي يوسف: فمن جهة ظاهر الخبر، وهو قوله: "حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورًا"، فأثبت له حكم الكفر إذا عقل، كما أثبت له حكم الإسلام.
وأيضًا: لما صح له الإسلام باعتقاده، وجب أن يكون ترك ذلك الاعتقاد كفرًا، كالبالغ العاقل.
وأيضًا: لما جاز أن يكون مسلمًا بإسلام الأبوين، ومرتدًا بردتهما، وجب أن يكون من حيث جاز أن يكون مسلمًا بإسلام نفسه، أن يكون
стр. 2608
مرتدًا بتركه.
وذهب أبو يوسف إلى أن الصبي ليس ممن تلزمه الأحكام بقوله، بدلالة امتناع جواز إقراره وطلاقه وعتقه.
وأيضًا: جعلنا إسلامه إسلامًا، لما له فيه من النفع، كما جوزنا قبوله للهبة، لما فيه من النفع بلا ضرر، فلما كان عليه في الارتداد ضرر، لم يثبت عليه حكمه بقوله، كما لو وهب ماله لغيره، أو أقر به له.
قال أحمد: وليس هذا نظير ما ذكر، من قبل أنه جاز أن يكون مرتدًا بردة الأبوين عنده، ويلحقه حكم كفرهما، ومع ذلك لا يجوز لهما هبة ماله.
مسألة: [توريث الصبي المرتد]
قال: (وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا ارتد الصبي: لا يرث أبويه، ويجبر على الإسلام، ولم يقتل).
قال أحمد: لما ثبت عليه حكم الردة، أجبر على الإسلام، ولم يقتل للشبهة، وهو أن من الناس من لا يرى هذا القول منه ردة، فصار ذلك كاختلاف الناس في فعل ما هو زنى أم لا، فيكون ذلك شبهة في درء الحد، ولا يرث أبويه؛ لأنه مرتد، والمرتد لا يرث أحداً.
مسألة: [مال المرتد في دار الحرب]
قال: (ومن ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب بمالٍ له، ثم ظهرنا
стр. 2609
على ذلك المال: كان فيئًا، ولم يكن لورثته).
وذلك لأن ملكه وإن كان زائلاً عن المال بنفس الردة في قبول أبي حنيفة، فإنه موقوف لم يستحقه الورثة بعد حتى يلحق بدار الحرب، فإذا لحق بها، والمال معه: لم يجز أن يثبت للورثة فيه حق في مال في دار الحرب؛ لأن اختلاف الدارين يوجب قطع الحقوق.
والدليل عليه: أن المسلمين يملكون الغنيمة بإحرازهم إياها في دار الإسلام، فكذلك أهل الحرب يملكون علينا من أموالنا ما أحرزوه في دارهم، فلو كان يثبت فيه مع اختلاف الدارين، لما ملكوا علينا بعد إحرازهم إياها في دارهم، لثبوت حقنا فيها، كما لا يملكونها في دار الإسلام.
وكان يجب أيضًا: أن لا يثبت ملكنا على أموالهم إذا غنمناها وإن أحرزناها في دارنا، كما لا نملكها ما دامت في دارهم، فثبت بذلك أن اختلاف الدارين يمنع ثبوت حق أحدٍ فيما صار من المال في غير داره، وإذا كان كذلك، صار ذلك المال كمال الحربي يكون فيئًا بالأخذ.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وإن كان لحق بدار الحرب، ثم رجع إلى دار الإسلام، فأخذ مالاً، ثم لحق بدار الحرب، ثم ظهرنا على ذلك المال: رددناه على ورثته، كما يرد على غيرهم).
قال أحمد: وذلك لأنه لما لحق بالدار، استحق الورثة ميراه.
стр. 2610
لانقطاع حقوقه عما في دارنا، لما بينا من أن اختلاف الدارين يقطع الحقوق، فصار لحاقه بمنزلة موته أو قتله؛ لأن الموت يقطع الحقوق أيضًا، ويوجب نقل ماله إلى غيره.
فإذا جاء وأخذه، صار بمنزلته لو أخذ مال غيره، فلحق به إلى دار الحرب، فإذا ظهرنا عليه: رددناه إلى صاحبه قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة، وهذا معنى قوله: يرد إلى ورثته، كما يرد على غيرهم.
مسألة: [نقض العهد من أهل الذمة]
قال: (ومن نقض العهد من أهل الذمة، ولحق بدار الحرب: كان بمنزلة المرتد في جميع الأشياء، إلا أنه إن سبي: استرق).
وذلك لأن الذي حظر دمه كان العهد الذي أعطيناه، فإذا نقض العهد، وعاد إلى دار الحرب، صار بمنزلة سائر أهل الحرب في سائر أحكامه، ولو لم يلحق بدار الحرب: كان باقيًا على الذمة؛ لأنه مقهور مغلوب في أيدينا، فهو باق على ما كان يمكنه، إذ لم يخرج عن المعنى الذي حصل به بدءًا من أهل العهد.
مسألة: [حكم ولد جارية المرتد]
ومن ارتد عن الإسلام، فأتت جارية له نصرانية كانت في مكله في حال الإسلام بولدٍ، فادعاه، وقد جاءت به لأكثر من ستة أشهر منذ يوم ارتد: كان حرًا، وكانت أم ولد له، ولم يرث أباه).
قال أحمد: وذلك لأن ملكه موقوف عليه وعلى غيره، وثبوت حق
стр. 2611
الغير فيه لا يمنع صحة دعوته، ألا ترى أن ثبوت حق الورثة بالمرض في مال المريض، لا يمنع صحة دعوته، وكذلك حق الغرماء، فثبت نسبه، ويكون حرًا، والأم أم ولد.
كذلك ثبوت حق ورثته في ماله بزوال ملكه بالردة، لا يمنع صحة دعوته وإن كان غير جائز التصرف فيه على قول أبي حنيفة، ألا ترى أن نسب ولد المغرور ثابت، وهو حر الأصل، مع عدم الملك رأسًا، فالمرتد أولى بجواز الدعوة، إذ كان الملك موقوفًا عليه، ومتى أسلم كانت باقية على ملكه على ما كانت.
* وإنما لم يرث أباه، من قبل أن أبويه جميعًا كافران، وقد روي أن النبي ﷺ قال: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه".
ثم لا يخلو حينئذٍ من أن يلحق بحكم أبيه أو أمه، فإن لحق بحكم الأم: فهو نصراني، والنصراني لا يرث المرتد، وإن لحق بحكم أبيه: فهو مرتد، والمرتد لا يرث المرتد، وعندنا هو بمنزلة المرتد يلحق بأبيه؛ لأن المرتد غير مقر على ردته، فيجبر على الإسلام.
مسألة: [توريث ولد الجارية المسلمة]
قال أبو جعفر: (وإن كانت الأم مسلمة: ورثه الابن).
وذلك لأن الولد حينئذٍ يكون مسلمًا؛ لأن شرط كفر الولد أن ينتقل إليه بالأبوين، فإذا لم يجتمع أبواه على الكفر، فإسلامه ثابت بنفسه،
стр. 2612
لقوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه".
مسألة: [مال المرتد بعد لحوقه بدار الحرب]
قال: (وإذا لحق المرتد بدار الحرب، فقضى القاضي بلحاقه: فإنه يقضي بعتق مدبريه، وأمهات أولاده، ويقسم ماله بين ورثته).
قال أحمد: إذا قضى القاضي بلحاقه: صار كالميت، فنحكم في ماله كحكمنا في مال الموتى؛ لأن لحاقه بدار الحرب يقطع حقوقه عما في دارنا، كما يقطعه الموت.
* قال أبو جعفر: (فإن جاء مسلمًا بعد ذلك: أخذ من ماله ما كان قائمًا بعينه في أيدي ورثته، ولا ضمان عليهم فيما استهلكوه).
قال أحمد: وذلك لأن الورثة يخلفونه في ملكه، كما يخلفون الميت في ملكه، وليس ملكهم على جهة الاستئناف، ألا ترى أنهم يردون على بيع الميت بالعيب.
فإذا جاء مسلمًا أخذ ما وجد قائمًا بعينه؛ لأنهم إنما قاموا فيه مقامه، فإذا أسلم كان أولى به، كالذي يوكل رجلاً ببيع ماله، أو التصرف فيه، ثم حضر قبل التصرف: فله أن يأخذه، ويعزل الوكيل عنه.
وأما ما استهلكوه: فلا ضمان عليهم فيه؛ لأنهم لما خلفوه في الملك، وقاموا فيه مقامه، صاروا كأنهم تصرفوا بأمره، كالوكيل إذا تصرف، ليس للموكل فسخ تصرفه.
стр. 2613
مسألة: [ارتداد العبد]
قال: (وردة العبد كردة الحر)، لقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه".
مسألة: [ارتداد الأمة]
(وردة الأمة كردة الحرة)؛ لما وصفنا.
* (وترد إلى مولاها، ليجبرها على الإسلام).
لأنا متى أمكننا أن نتوصل إلى إجبارها على الإسلام من غير إزالة يده عن ملكه فعلنا، بأن نأمره بإجبارها على الإسلام، فيقوم فيه مقام الإمام.
مسألة: [كسب المرتد في حال الردة]
(وما اكتسبه المرتد في حال ردته، ثم قتل أو مات عليها: فهو في قول أبي حنيفة ﵁ فيء).
من قبل أنه اكتسبه وهو مباح الدم.
وأيضًا: إن حكم المال حكم الدم في العصمة، لقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
فعلق عصمة المال بالمعني الذي علق به عصمة الدم، فإذا زالت
стр. 2614
عصمة دمه، زالت عصمة ماله، فمن أجل ذلك قال أبو حنيفة: إنه لا يجوز تصرف المرتد في المال الذي كان له في حال الإسلام، لزوال ملكه عنه، كزوال ملكه عن دمه.
وأما ما اكتسبه في حال الردة: فإنه لا يقع كسبه قط إلا مباحًا، كمال الحربي، فلذلك كان فيئًا.
وأما ما كان اكتسبه في حال الإسلام، فقد كان مالا محظوراً، فزالت عصمته، واستحقه ورثته، كمال الموتى.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: هو لورثته).
لأن من أصلهما: أن المرتد في حكم ماله كغير المرتد، ومن أجل ذلك يجيزان تصرفه في المال الذي كان له في حال الإسلام وحال الردة.
مسألة: [حكم من قتل مرتدًا قبل استتابته أو حني عليه]
قال: (ولا شيء على من قتل مرتدًا قبل استتابته، أو قطع عضوًا منه، لكنه يؤدب).
وذلك لأن عصمة دمه زائلة بنفس الردة، ولكن الأحسن تقديم الاستتابة، والدعاء إلى الإسلام قبل قتله، فمن قتله قبل ذلك: لم يكن عليه ضمان دمه، وكان مسيئًا في إقدامه، كمن قتل حربيًا قبل الدعاء إلى الإسلام.
стр. 2615
مسألة: [من ارتد من النصرانية إلى غيرها من ملل الكفر]
قال أبو جعفر: (ومن ارتد عن نصرانية إلى يهودية أو مجوسية: فإنه يخلى بينه وبين ذلك).
وذلك لأن الكفر كله ملة واحدة في الحكم، قال الله تعالى:﴾ والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ﴿، وقال تعالى:﴾ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴿، وقال تعالى:﴾ لكم دينكم ولي دين ﴿.
فخاطب جميع الكفار بأن جعل كفر جميعهم دينًا واحدًا.
وأيضًا: قال الله تعالى:﴾ لا إكراه في الدين ﴿: اقتضى الظاهر أن لا يكره على دينٍ غير ما هو عليه.
وأيضًا: لا يخلو من أن يجبر على رجوعه إلى دينه الأول، أو على الإسلام، فإن أكرهناه على الرجوع إلى كفره الأول، فهذا إكراه على الكفر، واعتقاد جواز ذلك كفر من معتقده وقائله، وإن أجبرناه على الإسلام، فكيف يجوز أن نجبره عليه، وهو لم يلتزمه، ولم يختر الدخول فيه؟ ولو جاز ذلك لجاز إجبار سائر أهل الذمة على الإسلام.
стр. 2616
فإن قيل: قال النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، فهو عام.
قيل له: معلوم أن المراد: من بدل دين الإسلام إلى غيره، لا: من بدل الكفر، ولو كان تبديله الكفر إلى كفر آخر يوجب قتله، لوجب أن يكون الحربي النصراني إذا تهود، ثم صار ذميًا، أن يجبر على الإسلام، كما أنه لو أسلم ثم ارتد، ثم ظهرنا عليه، لم يجز لنا إقراره على كفره.
وأيضًا: قد بينا فيما سلف أن القتل غير مستحق بتبديل الدين، بل به وبالإقامة على الكفر، وإقامة النصراني واليهودي على كفرهما، لا يوجب قتلهما.
مسألة: [لا يجب قضاء الصلاة والصوم والزكاة بعد توبة المرتد]
قال: (ولا يجب على المرتد إذا أسلم قضاء ما تركه من الصلوات والصيام والزكاة في حال ردته).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿.
وقال ﷺ : "إن الإسلام يجب ما قبله".
стр. 2617
وقال تعالى:﴾ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴿، فأخبر أن الردة تحبط سائر أعماله المفعولة في حال إسلامه، ثم لم يجب عليه قضاء ما أحبطه بردته، لأجل كفره، كذلك ما تركه في حال الكفر، وقد بينا هذه في كتاب الصلاة من هذا الكتاب.
وأيضًا: قد اتفقوا أنه ليس عليه قضاء الصيام المتروك في حال الردة، كذلك الصلاة؛ لأنها عبادة تتعلق صحتها بوجود الإيمان، فإذا أسلم بعد الردة، كان بمنزلة من لم يزل كافرًا أسلم في الحال، فتلزمه صلاة الوقت والحج.
مسألة: [حكم من سب الرسول ﷺ أو تنقصه]
قال أبو جعفر: (ومن سب رسول الله ﷺ أو تنقصه: كان بذلك مرتدًا).
وذلك لقوله تعالى:﴾ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ﴿.
وقال تعالى:﴾ لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴿، فلما جعل تعالى تعظيم الرسول من شرائط الإيمان، كان من لم يعظمه كافرًا.
стр. 2618
وأحبط عمل من جهر له بالقول، فكيف من سبه؟!
ولما روى أن رجلاً أغلظ لأبي بكر الصديق، فقال له أبو بردة: "دعني أضرب عنقه، فقال: ما كان ذلك لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ ".
وروي أن رجلاً كانت له أم ولدٍ، تشتم النبي صلي الله عليه وسلم، فقتلها، فأهدر النبي صلي الله عليه وسلم دمها.
فدل على أن شتم النبي صلي الله عليه وسلم يوجب الردة.
فصل: [حكم أهل الذمة في سب الرسول ﷺ ]
قال أبو جعفر: (ومن كان من ذلك من أهل الذمة: فإنه يؤدب ولا يقتل).
لأنهم قد أقروا على دينهم، ومن دينهم عبادة غير الله، وتكذيب الرسول.
ويدل عليه: ما روي "أن اليهود دخلوا على النبي ﵊، فقالوا: السام عليك، فقال النبي ﷺ : وعليكم"، ولم يوجب عليهم قتلاً.
*******************
стр. 2619
كتاب الحدود
مسألة: [حد الزاني المحصن]
قال أبو جعفر: (وإذا زنى المحصن والمحصنة رجما حتى يموتا، ثم غسلا، وكفنا، وصلي عليهما، ودفنا).
قال أحمد: الذي في كتاب الله تعالى من حد الزانيين ضربان: أحدهما منسوخ الحكم، والآخر ثابت، فأما الأول، فهو قوله تعالي:﴾ والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ﴿، وقال:﴾ والذان يأتينها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴿، فكان حد المرأة الحبس والتعبير، والسب، وحد الرجل الإيذاء بالتعبير والسب.
стр. 2620
وكذلك روي في التفسير عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، فكان ذلك حد الزانيين في بدء الأمر، محصنين كانا أو غير محصنين، ثم نسخ ذلك في غير المحصنين بالجلد المذكور في قوله تعالى:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ﴿، وبقى حكمه في المحصنين، فنسخ بسنه رسول الله ﷺ في رجم المحصن.
روى ابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو ذر وأبو هريرة ونعيم بن هزال وبريدة وأبو بردة "أن النبي ﷺ رجم ماعز بن مالك".
وروى مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر قال: "فيما أنزل إلينا الرجم، ووعيناه، وأن الرجم في كتاب الله على من زنى".
ومعناه: عندنا فيما أنزل الله من وحي الله، وقوله: في كتاب الله: يعني في فرضه، كقوله:﴾ كتب عليكم ﴿: يعني فُرض عليكم، وقال:﴾ كتب الله عليكم ﴿: يعني فرضه عليكم.
стр. 2621
وثبوت الرجم وارد من طريق الاستفاضة والتواتر، وبمثله يجوز عندنا نسخ القرآن.
* فإذا رُجم: غسل وكفن، وصلي عليه.
* وأما الغسل والتكفين: فلما في حديث خالد بن اللجلال عن أبيه "أن النبي ﷺ أمر برجم رجل، فجاء أبوه فأعانه على غسله وتكفينه ودفنه".
* وأما الصلاة عليه: فلما في حديث أبي بريدة عن أبيه "أن النبي ﷺ صلى على الجهينة بعد ما رجمها".
وقد قيل في بعض أخبار ماعز: "إنه لم يصل عليه".
وجائز أن يكون أمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه لم يرجم بحضرة النبي ﷺ .
وأيضًا: فإن المرجوم بمنزلة سائر الأموات، باقٍ على حكم الإسلام، فوجب أن يكون حكمُه في دفنه والصلاة عليه حكم سائر المسلمين، وقد قال النبي ﷺ في الجهينة: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له".
وفي حديث أبي هريرة "أن النبي ﷺ قال في ماعز
стр. 2622
بعد رجمه: إنه لفي أنهار الجنة ينغمس فيها".
[الجلد مع الرجم]
قال أبو جعفر ﵀: (ولا جلد عليه مع الرجم).
قال أحمد: والحجة فيه: ما روي في قصة ماعز "أن النبي ﷺ رجمه، ولم يجلده".
وكذلك في قصة الجهينة، ذكر الرجم، ولم يذكر فيها الجلد، ولو كان قد جلدها مع الرجم لنقل.
وكذلك في حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه في الرجل الذي اعترف عند النبي ﷺ بالزنى، فرجمه النبي ﷺ ، ولم يذكر جلدًا، ولو كان قد جلده لنقل كما نقل ما دون الجلد من الغسل والتكفين والصلاة.
وأيضًا: لو كان الجلد واجبًا مع الرجم، لكانا جميعًا حده، وكان أحدهما بعض الحد دون كماله.
وغير جائز للراوي الاقتصار على نقل بعض الحد دون جميعه؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون المنقول هو جميع الحد، كما أنه لو رأي النبي ﷺ وقد جلد رجلاً من الزنى مائة، لم يجز له الاقتصار في
стр. 2623
النقل على ما دونها، وكما أن من رأي النبي ﷺ يصلي الظهر أربعًا، فغير جائزٌ له أن ينقل أنه صلى ثلاثًا، وإن كان صادقًا في قوله: صلى ثلاثًا؛ لأن ذلك يوجب أن يكون الفرض هو الثلاث، كذلك نقلهم للرجم دون الجلد يقتضي كمال الحد في نفسه.
ويدل عليه أيضًا: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني "في قصة العسيف، فقال أبو الزاني للنبي ﷺ :
وإني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وإنما الرجم على المرأة.
فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أ/اغنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة، وغربه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها"،
سمعناه في سنن أبي داود حدثنا القعنبي عن مالك عن الزهري.
ودلالة هذا الخبر على صحة قولنا من وجوه ثلاثة:
أحدها: قول الرجل: "إني سألت أهل العلم، فقالوا: على امرأته الرجم"، ولم يذكروا الجلد، ولم ينكر النبي ﷺ اقتصاره على ذرك الرجم دون الجلد، ولو كان الجلد حدًا معه، لأعلمه النبي ﷺ ذلك.
стр. 2624
والوجه الآخر: قوله لأنيس: "أغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فاقتصر في أمره إياه على ذكر الرجم دون الجلد.
والثالث: ما ذكر فيه أنه رجمها، ولم يذكر فيه جلدًا.
* فإن احتجوا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم".
فإن الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن الثيب قد يكون من حدة الرجم تارة، والجلد تارة، لا على جهة الجمع بينهما، كقول القائل: الدراهم والدنانير أثمان الأشياء، وبهما تقوم المستهلكات، والمراد كل واحد على الانفراد، لا على وجه الجمع.
وكقوله تعالى:﴾ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ﴿، وليس المراد جمع الأمرين في الوقتين جميعًا، كذلك ما ذكر في البكرين والثيبين.
والوجه الآخر: أنه منسوخٌ بقصة ماعز والجهينة، وحديث أبي هريرة في قصة العسيف؛ لأن هذه القصص متأخرة لا محالة عن خبر عبادة.
والدليل عليه: أن حد الزانيين في بدء الأمر كان الحبس والأذى،
стр. 2625
بقوله تعالى:﴾ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا والذان يأتينها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ﴿، فكانت هذه الآية منذرة بسيل يكون لهن، حكمه موقوف على ورود البيان فيه، فقال في حديث عبادة مخبرًا عن السبيل المذكور في الآية: "خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر: جلد مائة، وتغريب عام".
فعلم أنه لم يكن بين الآية وبين هذا الخبر واسطة حكم غير ما ذكر فيه، والدلالة على صحة ذلك من وجهين:
أحدهما: قوله: "خذوا عني"، وأخبر أن الجلد الذي ذكره مأخوذ عنه، ودل على أنه لم يكن الجلد المذكور في سورة النور قد نزل.
والثاني: إخباره بأن السبيل هو الذي قصد إلى بيانه، فعلمنا أنه لم يكن هناك حد قبله غير الحبس والأذي اللذين في الآية، فثبت أن رجم ماعز والجهينة وقصة أنيس لم يكن حدث بعد؛ لأنها لو كانت قد حدثت، لكان السبيل معلومًا قبل قوله: "خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً".
ومما يدل على أن حديث أبي هريرة في قصة العسف متأخر عن حديث عبادة أيضًا: أنه ذكر فيه الفرق بين البكر والثيب، فيما أخبر به عن أهل العلم، وخاطب به النبي ﷺ ، مع ترك النبي ﵊ النكير عليه، فعلمت الصحابة قبل حدوث هذه الحادثة
стр. 2626
الحكم المذكور في حديث عبادة، ثم أمر النبي ﵊ أنيسا بالرجم دون الجلد، فثبت به نسخ ما في حديث عبادة.
فإن قيل: روي عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
قيل له: يحتمل أن يكون جلدها لأنه لم يكن ثبت عنده إحصانها، ثم لما ثبت إحصانها رجمها، وقال: "جلدتها بكتاب الله"، وهو قوله:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ﴿، ورجمتها بالسنة، حين ثبت الإحصان.
وجائز أن لا يكون قد استكمل الجلد مائة، ثم رجمها، وهو قولنا إذا لم يستكمل الجلد حتى ثبت الإحصان.
وقد روى نحو ذلك جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه مقدار الجلد، وأنه لما أخبر بإحصانه رجمه، وذلك محمول عندنا على أنه لم يستكمل الجلد.
وقد روي عن عمر أنه رجم، ولم يجلد.
стр. 2627
مسألة: [شروط الإحصان]
قال أبو جعفر: (ولا يكون الرجل محصنًا بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حرين مسلمين بالغين عاقلين، قد جامعها وهما كذلك.
وقد روي عن أبي يوسف: أن النصارى يحصن بعضهم بعضًا، وأن المسلم يحصن النصرانية، وأنها لا تحصنه).
قال أحمد: الإحصان اسم شرعي، وهو على وجهين: أحدهما: يتعلق بوجوب الحد على القاذف بقوله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ﴿، ومن شرطه العفة والحرية والإسلام، لاتفاق أهل العلم أن قاذف العبد والكافر ومن ثبت زناه مرة لا حد عليه.
والضرب الآخر من الإحصان: هو ما يتعلق به وجوب الرجم على الزاني، ومن شرائطه: الحرية والإسلام والعقل والبلوغ والدخول بالزوجة بنكاح صحيح، وأن يكونا جميعًا على صفة الإحصان في حال الدخول في قول أبي حنيفة ومحمد.
وابو يوسف لم يجعل الإسلام من شرائط الإحصان، وأوجب الرجم على الذميين.
стр. 2628
فأما الحرية والبلوغ والعقل والنكاح والدخول، فلا خلاف فيها بين الفقهاء أنها من شرائط الإحصان.
وقد روي في تأويل قول الله تعالى:﴾ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿وجهان:
قيل: إذا أسلمن، وقيل: إذا تزوجن، وأيهما كان، فقد ثبت أن اسم الإحصان يتناولهما، إما من طريق الشرع أو اللغة، لولا ذلك لما ساغ تأويل الآية عليه.
وقد روى الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
قال أبو بكر الجعابي رواه إسحاق بن راهويه عن الدراوردي بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
وقد رواه غير عبيد الله أيضًا عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه أيضًا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه.
وليس بممتنع أن يكون قد رفعه تارة إلى النبي ﷺ ، ثم أفتى به، فهذا مما يقوي الرفع؛ لأن الراوي إذا روى حديثًا عن النبي ﷺ ، ثم استعمله وأفتى به، فهو دليل صحته.
стр. 2629
وروي أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج يهودية، فقال له النبي ﷺ : "إنها لا تحصنك".
فثبت بما ذكرنا أن الإسلام من شرائط الإحصان، وأن عدمه يمنع من صحة إطلاق لفظ الإحصان عليه من جهة الشرع، لقوله: "من أشرك بالله فليس بمحصن"، وقول النبي ﷺ لكعب بن مالك في اليهودية: "إنها لا تحصنك".
رواه ابن أبي شيبة عن عيسى بن أبي يونس عن أبي بكر بن عبيد الله ابن أبي مريم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك بذلك.
فإن قيل: في حديث كعب بن مالك أنه مرسل، وحديث ابن عمر موقوف عليه.
قيل له: إرساله لا يضره عندنا، وقد بينا أن فتوى الراوي بما رفعه إلى النبي ﷺ لا يبطل رفعه، بل يؤكده ويقويه.
وعلى أنه لو كان موقوفًا على ابن عمر، كانت دلالته قائمة على ما ذكرنا، من قبل أن هذا لما كان اسمًا شرعيًا، ومن شأن الأسماء الشرعية أنها لا تؤخذ إلا توقيفًا، علمنا أنه أخذه تلقينًا وسماعًا من النبي ﷺ .
وإذا ثبت ما وصفنا من انتفاء اسم الإحصان عن الكافر على الإطلاق، وشرط النبي ﷺ في إيجاب الرجم الإحصان بقوله لماعز:
стр. 2630
"أحصنت"، وقال عمر بن الخطاب: "إن فيما أنزل الله الرجم على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا"، واتفقت الأمة أن من شرائط الرجم الإحصان: وجب أن يكون انتفاء اسم الإحصان عنه بالكفر مانعًا من رجمه.
فإن قال قائل: بل الواجب إيجاب الرجم بوجود ما يتناوله اسم الإحصان بحال، وهو وإن كان كافرًا فلم يمنعه كفره من كونه محصنًا: بالبلوغ والعقل والحرية والنكاح والدخول، وسمة الكفر لم تلبه اسم الإحصان من هذه الوجوه، فالواجب عليه الرجم لوجوده على صفة الإحصان، ولا يجعل الإسلام شرطًا إلا بدلالة.
قيل له: لما ثبت بما وصفنا انتفاء اسم الإحصان عنه على الإطلاق، امتنع إطلاقه عليه بوجود ما وصفت، لاستحالة أن يكون مستحقًا لاسم الإحصان على الإطلاق، وغير مستحق له في حال واحدة، فغير جائز إطلاق اسم الإحصان عليه بما وصفت، مع نفي النبي ﷺ ذلك عنه على الإطلاق.
ووجه آخر: وهو أن الإحصان لما كان اسمًا شرعيًا يتناول معاني مختلفة على حسب ما وصفنا، وكان وجوب الرجم متعلقًا به، لم يجز لنا إيجاب الرجم إلا في الموضع الذي حصل الاتفاق بإيجابه.
* وأما ما روي عن النبي ﷺ "في رجم اليهودي
следующие страницы →