Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
الحكم المذكور في حديث عبادة، ثم أمر النبي ﵊ أنيسا بالرجم دون الجلد، فثبت به نسخ ما في حديث عبادة.
فإن قيل: روي عن علي ﵁ أنه جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
قيل له: يحتمل أن يكون جلدها لأنه لم يكن ثبت عنده إحصانها، ثم لما ثبت إحصانها رجمها، وقال: "جلدتها بكتاب الله"، وهو قوله:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ﴿، ورجمتها بالسنة، حين ثبت الإحصان.
وجائز أن لا يكون قد استكمل الجلد مائة، ثم رجمها، وهو قولنا إذا لم يستكمل الجلد حتى ثبت الإحصان.
وقد روى نحو ذلك جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه مقدار الجلد، وأنه لما أخبر بإحصانه رجمه، وذلك محمول عندنا على أنه لم يستكمل الجلد.
وقد روي عن عمر أنه رجم، ولم يجلد.
стр. 2627
مسألة: [شروط الإحصان]
قال أبو جعفر: (ولا يكون الرجل محصنًا بامرأته، ولا المرأة محصنة بزوجها حتى يكونا حرين مسلمين بالغين عاقلين، قد جامعها وهما كذلك.
وقد روي عن أبي يوسف: أن النصارى يحصن بعضهم بعضًا، وأن المسلم يحصن النصرانية، وأنها لا تحصنه).
قال أحمد: الإحصان اسم شرعي، وهو على وجهين: أحدهما: يتعلق بوجوب الحد على القاذف بقوله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ﴿، ومن شرطه العفة والحرية والإسلام، لاتفاق أهل العلم أن قاذف العبد والكافر ومن ثبت زناه مرة لا حد عليه.
والضرب الآخر من الإحصان: هو ما يتعلق به وجوب الرجم على الزاني، ومن شرائطه: الحرية والإسلام والعقل والبلوغ والدخول بالزوجة بنكاح صحيح، وأن يكونا جميعًا على صفة الإحصان في حال الدخول في قول أبي حنيفة ومحمد.
وابو يوسف لم يجعل الإسلام من شرائط الإحصان، وأوجب الرجم على الذميين.
стр. 2628
فأما الحرية والبلوغ والعقل والنكاح والدخول، فلا خلاف فيها بين الفقهاء أنها من شرائط الإحصان.
وقد روي في تأويل قول الله تعالى:﴾ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿وجهان:
قيل: إذا أسلمن، وقيل: إذا تزوجن، وأيهما كان، فقد ثبت أن اسم الإحصان يتناولهما، إما من طريق الشرع أو اللغة، لولا ذلك لما ساغ تأويل الآية عليه.
وقد روى الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن".
قال أبو بكر الجعابي رواه إسحاق بن راهويه عن الدراوردي بهذا الإسناد مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
وقد رواه غير عبيد الله أيضًا عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا.
ورواه أيضًا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه.
وليس بممتنع أن يكون قد رفعه تارة إلى النبي ﷺ ، ثم أفتى به، فهذا مما يقوي الرفع؛ لأن الراوي إذا روى حديثًا عن النبي ﷺ ، ثم استعمله وأفتى به، فهو دليل صحته.
стр. 2629
وروي أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج يهودية، فقال له النبي ﷺ : "إنها لا تحصنك".
فثبت بما ذكرنا أن الإسلام من شرائط الإحصان، وأن عدمه يمنع من صحة إطلاق لفظ الإحصان عليه من جهة الشرع، لقوله: "من أشرك بالله فليس بمحصن"، وقول النبي ﷺ لكعب بن مالك في اليهودية: "إنها لا تحصنك".
رواه ابن أبي شيبة عن عيسى بن أبي يونس عن أبي بكر بن عبيد الله ابن أبي مريم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك بذلك.
فإن قيل: في حديث كعب بن مالك أنه مرسل، وحديث ابن عمر موقوف عليه.
قيل له: إرساله لا يضره عندنا، وقد بينا أن فتوى الراوي بما رفعه إلى النبي ﷺ لا يبطل رفعه، بل يؤكده ويقويه.
وعلى أنه لو كان موقوفًا على ابن عمر، كانت دلالته قائمة على ما ذكرنا، من قبل أن هذا لما كان اسمًا شرعيًا، ومن شأن الأسماء الشرعية أنها لا تؤخذ إلا توقيفًا، علمنا أنه أخذه تلقينًا وسماعًا من النبي ﷺ .
وإذا ثبت ما وصفنا من انتفاء اسم الإحصان عن الكافر على الإطلاق، وشرط النبي ﷺ في إيجاب الرجم الإحصان بقوله لماعز:
стр. 2630
"أحصنت"، وقال عمر بن الخطاب: "إن فيما أنزل الله الرجم على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا"، واتفقت الأمة أن من شرائط الرجم الإحصان: وجب أن يكون انتفاء اسم الإحصان عنه بالكفر مانعًا من رجمه.
فإن قال قائل: بل الواجب إيجاب الرجم بوجود ما يتناوله اسم الإحصان بحال، وهو وإن كان كافرًا فلم يمنعه كفره من كونه محصنًا: بالبلوغ والعقل والحرية والنكاح والدخول، وسمة الكفر لم تلبه اسم الإحصان من هذه الوجوه، فالواجب عليه الرجم لوجوده على صفة الإحصان، ولا يجعل الإسلام شرطًا إلا بدلالة.
قيل له: لما ثبت بما وصفنا انتفاء اسم الإحصان عنه على الإطلاق، امتنع إطلاقه عليه بوجود ما وصفت، لاستحالة أن يكون مستحقًا لاسم الإحصان على الإطلاق، وغير مستحق له في حال واحدة، فغير جائز إطلاق اسم الإحصان عليه بما وصفت، مع نفي النبي ﷺ ذلك عنه على الإطلاق.
ووجه آخر: وهو أن الإحصان لما كان اسمًا شرعيًا يتناول معاني مختلفة على حسب ما وصفنا، وكان وجوب الرجم متعلقًا به، لم يجز لنا إيجاب الرجم إلا في الموضع الذي حصل الاتفاق بإيجابه.
* وأما ما روي عن النبي ﷺ "في رجم اليهودي
стр. 2631
واليهودية"، فغير معارض لما قلنا، من قبل أنه لما ثبت أن من شرائط الرجم حينئذٍ كان الإحصان على الأوصاف التي قدمنا، ولأن الإحصان لما كان اسمًا شرعيًا حادثًا بعد ورود الشرع على الحد الذي وصفنا، ولم يكن معنا تاريخ في شرط ذلك الإحصان حين رجم اليهوديين، لم يجز لنا إيجاب الرجم عليهما مع انتفاء اسم الإحصان عنهما لأجل خبر رجم اليهوديين، لما في ذلك من إسقاط حكم ما تضمنه قوله: "من أشرك بالله فليس بمحصن"، وقوله لكعب بن مالك: "إنها لا تحصنك".
وليس يمتنع أن يكون قد كان الإحصان بالإسلام والحرية والنكاح والدخول غير مشروط بدءًا في إيجاب الرجم، ثم شرط فيه.
ويدل عليه أن الحبس والأذى اللذين كانا حد الزانيين بدءًا، لم يفرق فيه بين المحصن وغيره.
ويدل عليه حديث عبادة في قوله: "الثيب بالثيب الجلد والرجم"، ليس فيه ذكر الإحصان؛ لأن الثيوبة ليست عبارة عن الحرية والنكاح والدخول، إذ ليس يمتنع أن تكون ثيبًا بزنى، ويكونا عبدين أيضًا.
ويدل عليه ما روي: "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة"،
стр. 2632
وليست الشيخوخة عبارة عن شيء من شرائط الإحصان، فدل ذلك على أنه لم يكن الإحصان شرطًا في إيجاب الرجم بدءًا، وأن هذا الشرط إنما زيد فيه بعد ذلك.
ويدل عليه: أن النبي ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة، لما روي أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأخبر أنه رجمهما بما كان في التوراة من إيجاب الرجم.
قال الزهري: وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم:﴾ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذي أسلموا للذين هادوا ﴿: كان النبي ﷺ منهم.
فدلت هذه الآية على أن النبي ﷺ أقام عليهما الرجم بحكم التوراة، وأنه لم يكن صار شريعة له إذ فعله قبل ذلك.
فإن قيل: إقامته الرجم عليهما بحكم التوراة، لا يمنع أن يصير شريعة له إذا فعله.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه جائز أن يقيمه على أنه من شريعة التوراة، وأن حكمه قائم على اليهود مع بعثته، من غير أن يبتدئه شريعةً لنفسه.
ويدل عليه: أنه لا يخلو من أن يكون قد كان شريعة له قبل رجمهما، أو في حال رجمهما، ولو كان شريعة له قبل الرجم، لما أخبر أنه اتبع فيه
стр. 2633
حكم التوراة، وكان ذلك يؤدي إلى بطلان دلالة الآية، وهو قوله:﴾ يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴿، فصح أنه لم يكن له شريعة قبل ذلك.
ولا يجوز أيضًا أن يكون قد صار شريعة له بفعله الرجم؛ لأنه لو كان كذلك، لانتفى به الحبس والأذى اللذان كانا حد الزانيين، وقد بينا فيما سلف أن ذلك إنما نُسخ بما في حديث عبادة بن الصامت في قوله: "خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً".
وأنه لم يكن بين حكم الآية الموجبة للحبس والأذى، وبين حديث عبادة واسطة حكم، فثبت أن رجمه إياهما كان بحكم التوراة؛ لأنهم كانوا معتقدين للزومه، مقرين بصحته، فأجرى عليهم حكمه.
وأن حكمه ﵊ في الزانيين، لم يخل في ذلك الوقت من أحد وجهين: إما أن يكون الحبس والأذى المذكور في الآية، أو لم يكن قد تعبد فيهما بشيء.
وإذا ثبت له رجمهما بحكم التوراة، وأن الرجم لم يكن حينئذٍ قد صار من شريعته، ولم يثبت أن الإحصان حينئذٍ كان من شرط الرجم، ثم حين أوجب النبي ﷺ الرجم أوجبه مقرونًا بشرط الإحصان، وجب أن يكون الإسلام من شرائطه، إذ كان الاسم يتناوله من جهة الشرع.
فإن قيل: ليس في رجمه إياهما بحكم التوراة ما ينفي وجوبه علينا؛ لأن من أصلك: أن شريعة من كان قبلنا من الأنبياء لازمه لنا، حتى يثبت
стр. 2634
نسخها على لسان الرسول ﵊.
قيل له: هو كذلك، إلا أنه لم يثبت أن الإحصان كان شرطًا في شريعة التوراة، وقد ثبت شرطًا في شريعة نبينا ﵊، فقد صار ذلك الحكم منسوخًا بشريعتنا.
فإن قيل: قد كان الإحصان شرطًا في الرجم في شريعة التوراة، بدلالة ما روى الزهري عن رجل من مزينة عن أبي هريرة "أن اليهود سألوا النبي ﷺ ، فقالوا: إنه زنى صاحب لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟ وأن النبي ﵊ قال لهم: "ما تجدون في التوراة على من زنى، وقد أحصن من العقوبة؟ ".
ففي هذا الحديث أن الإحصان كان شرطًا في الرجم.
قيل له: لم يذكر لفظ الإحصان إلا في هذا الحديث، وراويه رجل من مزينة مجهول لا يدرى من هو.
ولو ثبت كان معناه: النكاح والدخول، دون الإسلام، واسم الإحصان صار يتناول الإسلام في شريعتنا بما قدمنا، فوجب أن يكون شرطًا فيه.
* وإنما قالوا: إنه لا يكون محصنًا حتى يقع الوطء، وهما على صفة الإحصان: من قبل أن الوطء في النكاح لما كان من شرائط الإحصان، واستحال وجوده إلا بهما، ولم يكن معنى يتبعض، وجب أن لا يقع به إحصان إلا بوطء منهما جميعًا موجب لذلك، ألا ترى أنه لو وطئ أمة
стр. 2635
بملك اليمين، لم يكن به محصنا، لأن الأمة لا تكون محصنة بهذا الوطء، كذلك كل وطء لا يصير أحدهما به محصنًا، كذلك الآخر.
وأيضًا: لما كان الأصل في حد الزنى هو الجلد، لقول الله تعالي:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴿، واختلفوا في صفات الإحصان، لم ننقله عن حكم الجلد إلى الرجم إلا بالاتفاق، والاتفاق إنما حصل فيما ذكرنا، وما عداه مختلف فيه، فهو على الأصل.
مسألة: [حكم التغريب في حد الزاني غير المحصن]
قال: (وإذا زنى الحر البكر: جلد مائة جلدة، ولا تغريب عليه).
قال أحمد: الأصل في ذلك قوله تعالى:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴿، فجعل حدهما الجلد المذكور في الآية، فعلمنا بذلك أن هذا هو كمال الحد، فانتفى بذلك أن يكون من حكمه التغريب.
فإن قيل: إن الذي في الآية إنما هو إيجاب الجلد، وليس فيها نفي لغيره، فكيف حكمت بإسقاط التغريب لأجل ذكر الجلد؟
قيل له: لأنا قد عقلنا من الآية كمال الحد، وأنه متى أوقعناه كنا مستوفين للحد، وإيجابنا التغريب معه حدًا، يقتضي أن يكون الجلد بعض حده، وأنه غير واقع موقع الجواز، كما أنه إذا قيل لنا: صلوا الظهر أربعًا،
стр. 2636
عقلنا أن هذا الفعل هو الذي يقع أداء الفرض بفعله، فلو قيل لنا بعد ذلك: صلوا الظهر خمسًا، لم تكن الأربع المتقدمة فريضة، لأن وجودها لا يوجب سقوط الفرض.
وهذا هو عندنا حقيقة النسخ؛ لأن الآية إذا كانت مقتضية لوقوع الجلد حدًا، سقط به الفرض الذي لزمنا إقامته عليه، ثم قلنا إنه بعضً الحد، كان غير واقع موقع الجواز، فقد نسخنا به حكم الآية.
فمن أجل ذلك أبينا أن نثبت ما ذكر في حديث عبادة بن الصامت: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام": حدًا مع الجلد المذكور في الآية: لأنه من أخبار الآحاد، ولا يجوز عندنا الزيادة في نص القرآن بخبر الواحد، كما لا يجوز نسخه بخبر الواحد.
فإن قيل: لا تكون الزيادة في النص نسخًا؛ لأن كل شيئين يصح اجتماعهما في الإيجاب، لا يكون أحدهما ناسخًا للآخر، وليس يمتنع اجتماع الجلد والنفي في كونهما حدًا، وكما أن ورود عبارة أخرى وإيجابها، لا يكون نسخًا لفرض قد تعبدنا به قبلها، مثل إيجاب الزكاة بعد الصلاة والحج والصوم ونحو ذلك، كذلك الزيادة فيما ذكرنا.
قيل له: ليس وقوع النسخ مقصورًا على ما لا يصح اجتماعهما؛ لأنه كان يصح اجتماع الجلد مع الحبس والأذى.
ثم قد قيل: إن الحبس والأذى منسوخان بالجلد، وقيل: إن صوم
стр. 2637
عاشوراء نسخ بصوم شهر رمضان، وأن سائر الصدقات نسخت بالزكاة، وقد يصح اجتماع جميع ذلك في خطاب واحد.
وعلى أنا لو سلمنا ذلك، أن النسخ إنما يقع في الشيئين اللذين لا يصح اجتماعهما، كان سؤالك عنا ساقطًا فيما وصفنا، من قبل أن الآية إذا كانت موجبة لكون الجلد حدًا، امتنع انضمام النفي إليه في كونه معه حدًا؛ لأن الجلد إذا انفرد كان حدًا بكماله، وإذا ضم إليه النفي كان الجلد بعض الحد، وغير جائز أن يكون هو الكمال الحد، وهو بعض الحد في حال واحدة.
وأما الفرضان المختلفان، فليس كذلك، من أجل أن وجوب أحدهما وعدمه لا تأثير له في حكم الفرض الآخر، لا في الجواز ولا في البطلان؛ لأن ترك الزكاة لا يؤثر في صحة الصلاة وكمالها، وعدم بعض الحد يمنع كون الباقي حدًا، كما أن ترك بعض أعضاء الوضوء في الطهارة يمنع الباقي أن تكون طهارة، وكما أن من ترك ركعة من الصلاة يمنع الباقي أن يكون فرضًا.
وأيضًا: فإن الزيادة في هذا الباب تجري مجرى النقصان، لا فرق بينهما، فلو قال قائل: إن حد الزاني ثمانون، كان مخالفًا للنص، كذلك إذا قال: إن جلد المائة هو بعض الحد، فهو مخالف للنص.
ألا ترى أن عدة الوفاة لما جعلت أربعة أشهر وعشرًا بعد أن كانت حولاً: كان ذلك نسخًا، كذلك إذا قيل بعد إيجاب العدة أربعة أشهر وعشرًا: إن العدة حول: كان نسخًا للعدة الأولى، وإنما كانت الزيادة في معنى النقصان، من قبل أن الزيادة تخرج الأول من أن يكون حدًا، وتجعله بعض الحد، كما أن النقصان يجعل ما كان بعض الحد جميعه، فلا فرق
стр. 2638
بين ما يجعل البعض كلاً أو الكل بعضًا.
ووجه آخر في حديث عبادة: وهو قوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام": وهو أن حديث عبادة كان قبل نزول آية الجلد، لأنا قد بينا أنه لم يكن بين الحبس والأذى، وبين خبر عبادة واسطة حكم، فإذا كانت الآية بعده، وقد وردت مطلقة، فهي إذاً ناسخة للنفي المذكور فيه، لأنها تقتضي أن يكون ما فيها من الجلد هو الحد لا غير، وينفي أن يكون هو بعض الحد.
فإن احتجوا بما في حديث أبي هريرة في قصة العسيف، وقول النبي ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله: على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
قيل له: قد بينا أنه لا يجوز الزيادة في نص القرآن بخبر الواحد، وهذا من أخبار الآحاد.
[النفي مع الجلد راجع لما يراه الإمام]
وأيضًا: فإنا نوجب النفي مع الجلد، لا على معنى أنه حد، بل على ما يرى الإمام من المصلحة فيه، وما يؤديه إليه اجتهاده، وإنما المتنكر منه عندنا أن يكون حدًا مع الجلد.
وقد روي "أن عمر ضرب رجلاً ونفاه، فارتد ولحق بدار الحرب، فقال عمر: لا أنفي بعده أحدًا أبداً".
стр. 2639
وقال علي ﵁: "كفي بالنفي فتنة".
فلم يروا النفي حدًا مع الجلد، وإنما رأوه على جهة الاجتهاد والمصلحة، ولو كان النفي حدًا مع الجلد، لما خفي على هؤلاء، كما لم يخف عليهم أمر الجلد، ولكانت شهرته عندهم كشهرة الجلد.
وقد ثبت النفي في الأصول على جهة الاجتهاد.
وقد روي "أن النبي ﷺ نفى مخنثا".
"ونفى عمر رجلاً بالتهمة".
وليس يمتنع أن يكون حديث عبادة وأبي هريرة في العسيف على هذا المعنى.
فإن قيل: لو كان على طريق المصلحة، وموكلاً إلى رأي الإمام، لما أطلق اللفظ بإيجابه في هذين الخبرين، كإيجاب الجلد.
قيل له: ليس يمتنع أن تكون المصلحة في ذلك الوقت نفي جميع الزناة مع الجلد، تغليظًا وزجرًا، لقرب عهدهم باستباحتهم، ولقطعهم عن العادة فيه، كما أمر النبي ﷺ بشق الراوية حين حرم الخمر، وليس شق الراوية واجبًا الآن، وكما كسرت الأنصاب الأواني والدنان حين بلغهم تحريمها.
ومما يدل على أن النفي ليس بحد: أن الحدود معلومة المقادير،
стр. 2640
وليس للنفي مقدار معلوم في المسافة والبلدان، وقد يكون النفي إلى بعضها أشق، وإلى بعضها أيسر، ولو كان حدًا، لكان مقداره معلومًا كسائر الحدود.
فإن قيل: هو معلوم؛ لأنه نفي سنة.
قيل له: الوقت لعمري معلوم، وكان يجب أن تكون المسافة إلى الموضع الذي ينفي إليه معلومة، ويكون البلد أيضًا معروفًا؛ لأن ذلك يختلف في المسافة بالبلدان، كما يختلف في المدد.
وقد روي أن النبي ﷺ نفى أحد الزانيين إلى خيبر، والآخر إلى فدك، ونفى عمر إلى هجر، ونفى عثمان إلى مصر، وهذه مسافات مختلفة، مثلها لا يكون حدًا، وتدل على أنه اجتهاد، وأنه على حسب ما رأوا من التغليظ أو التخفيف.
وأيضًا: قال الله تعالى في شأن الإماء:﴾ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿، واتفقت الأمة على استعمال هذا الحكم فيهن في الجلد، فإن كان النفي حدًا معه، فلا يخلو من أن يكون واجبًا فيها، أو غير واجب.
فإن كان غير واجب فيها مع قوله تعالى:﴾ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿، ثبت أن الذي على المحصنات هو الجلد، لأنه كمال النصف الذي على الأمة.
стр. 2641
وإن أوجب على الأمة نفي نصف سنة مع الجلد، فقد قال ﵊: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، حتى ذكر ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة: "فليبعها ولو بضفير".
فدل هذا الخبر من وجهين على سقوط النفي:
أحدهما: قوله: "فليجلدها": من غير ذكر النفي، ولو كان النفي حدًا لذكره؛ لأن كلامه ﵊ خرج مخرج تعليم الحكم.
والثاني: قوله: "فليبعها"، والنفي يضاد البيع؛ لأنه يمنع التسليم، فدل على أن النفي ليس بحد.
* ومما يدل على أن النفي ليس بحد: ما روى الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ "أنه قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عامٍ، مع إقامة الحد عليه".
فإن قال قائل: على ما قدمنا: قد أوجب الله صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين مطلقًا، غير منوطٍ، بشرط التتابع، ثم لم يمتنع عندك إيجاب التتابع فيه؛ لما في قراءة عبد الله: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وفي ذلك زيادة في حكم النص على النحو الذي أبيتموه.
стр. 2642
قيل له: نحن لا نمنع الزيادة في نص القرآن بقرآن مثله، أو بخبر التواتر، وإنما أنكرناها بخبر الواحد والقياس.
فإن قيل: فكيف يجوز إثبات القرآن بخبر الواحد، وعلى أنه قد روي في حرف أبي: "فعدة من أيام أخر متتابعات"، ولم تثبتوه.
قيل له: أما حرف عبد الله، فقد كان مشهورًا متعالمًا عند أهل الكوفة في عصر أبي حنيفة، يقرؤون به، كما يقرؤون بحرف زيد.
وقد كان سعيد بن جبير يصلي بهم في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بحرف زيد، وليلة بحرف عبد الله.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يعلموننا في الكتاتيب حرف عبد الله، كما يعلموننا حرف زيد.
وقال سفيان بن عيينه: كان أبي يقرئني قراءة عبد الله.
فدل على أن شهرة حرف عبد الله كانت عندهم كشهرة حروف حمزة والكسائي عندنا، وكان ذلك تواترًا عندنا، فجاز أن يثبت به القرآن.
وأما حرف أبي فكان شاذًا عندهم، غير معروف، فلم يجز من أجل
стр. 2643
ذلك إثبات التتابع به في قضاء شهر رمضان.
فإن قيل: فإن كان هذا سبيل حرف عبد الله عندكم، فجوزوا القراءة به، وأثبتوا في المصحف: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
قيل له: إنما تكلمنا على مذهب أبي حنيفة، وعلى ما كان عليه حكم هذه القراءة في عصره، لم يكن يمتنع على ما ذكرنا أن يكونوا قد كانوا يقرؤون بهذه القراءة، فأما نحن فإنا لم نشاهد حرف عبد الله مستفيضًا، ولم ينقل إلينا إلا من جهة الآحاد؛ لترك الناس له، وإعراضهم عنه، فلذلك لم تثبت التلاوة.
مسألة: [حد العبد والأمة إذا زنيا]
قال أبو جعفر: (وإذا زنى العبد أو الأمة: جلد خمسين جلدة).
قال أحمد: أما حد الأمة إذا أحصنت، فمنصوص عليه في الكتاب: قال الله تعالى:﴾ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿، ومعلوم أن المراد الجلد؛ لأن الرجم لا يتنصف.
وأما حد العبد وإن لم يكن مذكورًا في اللفظ، فهو معقول من جهة المعنى، لاتفاق الأمة على أن حكمهما واحد.
وقد روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في قوله:﴾ فإذا
стр. 2644
أحصن ﴿: إذا تزوجن.
وقال عبد الله، وإبراهيم: إحصانها: إسلامها.
* وجعل ابن عباس ومن تابعه إحصانها شرطًا في وجوب الحد عليها، وأنها إذا لم تكن محصنة: فلا حد عليها؛ لأن الله تعالى علق حدها بشرط الإحصان.
وليس الأمر فيها على ما ذهبوا إليه، وإنما فائدة شرط الإحصان أنه لما اختلف حكم المحصن وغير المحصن من الأحرار، فوجب على المحصن الرجم، وعلى غير المحصن الجلد، أخبر أن حدها الجلد دون الرجم وإن أحصنت، وذلك لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ بأخبارٍ متواترة إيجاب الجلد على الأمة من غير شرط الإحصان.
وقد روى الحميدي عن سفيان عن الزهري قال: أخبرنا عبيد الله قال: سمعت أبا هريرة وزيد بن خالد – وقد سئلا – يقولون: "كنا عند النبي ﷺ ، فسئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن؟ فقال: إذا زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، وقال في الثالثة أو الرابعة: فبيعوها".
فنص على وجوب الحد على الأمة قبل إحصانها، فثبت أن الإحصان ليس بشرط فيها.
ولأن النظر يدل عليه أيضًا: وهو أنه لما لم يكن الرجم عليها بحال،
стр. 2645
كانت كالحرة التي ليست بمحصنة، فلم يختلف فيها حكم وجود التزويج أو الإسلام أو عدمهما، فالذي ثبت من حد الأمة بالكتاب هو الجلد في حال الإحصان، وغير المحصنة حكمها مأخوذ من السنة.
مسألة: [شرط ثبوت الزنى]
قال أبو جعفر: (والزنى الذي يوجب الحد: هو الزنى في الفرج، كالمرود في المكحلة).
وذلك لما في قصة ماعز من أن النبي ﷺ استثبته، حتى أقر بالزنى على هذا الوجه، ثم أمر بجمه.
مسألة: [عقوبة من عمل عمل قوم لوط]
قال أبو جعفر: (فأما من عمل عمل قوم لوط، فإن أبا حنيفة قال: يعزر ويحبس، ولا يحد، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه حد الزاني).
الحجة لأبي حنيفة: ما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفسٍ بغير نفس".
فنفي القتل عن غير الزاني، وفاعل ذلك لا يسمى زانيًا في لغة العرب، ولا في الشرع؛ لأن الزاني عندنا اسم معقول المعنى، وهو الجماع في فرج المرأة بغير عقد ولا ملك، والحدود موضوعة على
стр. 2646
استحقاق الأسماء التي علقت بها، لا على المأثم.
ألا ترى أن الكفر أعظم من الزنى في المأثم، ولا يوجب الحد، وأن شارب الخمر عليه الحد، وأكل الميتة ولحم الخنزير لا حد عليه، والقاذف بالزني عليه الحد، ولا حد على القاذف بالكفر.
ومما يدل على أن هذا الفعل ليس بزنى: اتفاق الجميع على أنه لو عرضت هناك شبهة، فأسقط الحد: لم يجب عنه مهر، ومن شأن الزنى أنه متى ما سقط فيه الحد، وجب المهر.
وأيضًا: لما لم يصح أن يستحق به المهر في عقد النكاح، أشبه الجماع فيما دون الفرج، فلا يبج به حد.
وأيضًا: لما لم يجز أن يملك بعقد النكاح، صار كالجماع فيما دون الفرج من الذكران، وأشبه إتيان البهيمة، أن ذلك لما لم يجز أن يملك بعقد النكاح لم يجب فيه حد.
وأيضًا: فلما لم يصح إطلاق اسم الزنى عليه، فلو أوجبنا الحد فيه أوجبناه قياسًا، ولا سبيل إلى إثبات الحدود قياسًا.
فإن قيل: لما كان حكمه حكم الجماع في الفرج في باب وجوب الغسل به مع عدم الإنزال، ثبت أن حكمه حكم الإيلاج في الفرج.
قيل له: هذا إثبات حد بقياس، وليس ذلك من أصلنا.
وأيضًا: فليس وجوب الغسل مقصورًا على حقيقة الجماع، أو ما يكون مثله زنى إذا عري من الشبهة؛ لأن الغسل قد يجب بالإنزال من غير إيلاج، ولا يجب حد.
وأيضًا: فإن الغسل مما يصح إثباته من طريق القياس، ولا يجوز مثله في الحد.
стр. 2647
فإن قيل: روى عبد الله بن نافع عن عاصم بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "في الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا".
وروى سعيد بن منصور عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.
قيل له: إن عاصم بن عمر، وعمرو بن أبي عمرو، وعباد بن منصور، كلهم ضعاف، لا يحتج بحديثهم.
وعلى أنهم لو كانوا مساوين في الثبات لمن روى قوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، لم يكن يجوز أن يعترض به عليه ولا يوجب تخصيصه.
وذلك لأن من أصلنا: أن الخبرين إذا رويا ينفي أحدهما بعض ما أثبته
стр. 2648
الآخر: فإنا نعتبر فيه استعمال الفقهاء، فإن استعملوها على أن أحدهما مرتب على الآخر، استعملناها على ذلك، وإن اتفقوا على استعمال أحدهما، واختلفوا في استعمال الآخر، كان الذي اتفقوا على استعماله أولى عندنا بالثبات، ويصير قاضيًا على المختلف في استعماله، عامًا كان أو خاصًا.
فلما اتفقت الأمة على استعمال قوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، واختلفوا في استعمال حديث عمرو بن أبي عمرو، كان ما ذكرناه من قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث": قاضيًا عليه.
وعلى أن هذا حديث لم يفصل بين المحصن وغيره في إيجاب القتل، فعلمنا أنه لم يوجب قتله من طريق حد الزنى؛ لأن العقوبة المستحقة بالزنى يختلف حكمها في المحصن وغير المحصن من الأحرار.
فإن قيل: روي في بعض ألفاظ أبي هريرة: "إن هذا الفعل زنى"، فيجب أن يكون فيه حد الزنى".
قيل له: ما يعرف هذا في شيء من الأخبار، ولو ثبت لكان على جهة التشبيه بالزنى في إيجاب التحريم، كما روي عن النبي ﷺ : "أما عبد تزوج بغير إذن مولاه، فهو عاهر"، ولم يقل أحدٌ من الفقهاء إن ذلك زنى يوجب الحد، وكما قال: "زنى العين النظر، وزنى الرجل المشي"، ونحو ذلك من الألفاظ التي يراد بها التشبيه، وكما قال
стр. 2649
عليه الصلاة والسلام: "سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر".
فإن قيل: روى داود بن بكر عن محمد بن المنكدر "أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر: إني وجدت رجلاًَ في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان أشدهم فيه قولاً علي بن أبي طالب ﵁، فاجتمع أصحاب النبي ﷺ على أنه يحرق بالنار، فأمر به أبو بكر فأحرق بالنار".
وعن ابن عباس "أنه يلقى من أعلى بناء في القرية".
وعن علي ﵁: "أنه يلقى عليه حائط".
وهذا يوجب أن يكون ذلك اتفاقًا من السلف.
قيل له: أول ما في هذا حديث أنه مرسل؛ لأن محمد بن المنكدر لم يشاهد هؤلاء، فلا يصح للمخالف الاحتجاج به.
والثاني: أن إحراقه بالنار ليس هو قول أحد من الفقهاء ولا إلقاءه من البناء، فسقط الاحتجاج به من هذا الوجه.
ولأن الفقهاء في حكم هذا الفعل على ثلاثة أقاويل:
стр. 2650
إما قائل يقول بالتعزير فحسب دون الحد.
وإما قائل قال فيه بحد الزاني، فيفرق بين المحصن وغير المحصن، وهو قول أبي يوسف ومحمد والحسن بن صالح، ويروى مثله عن الحسن وعطاء.
وإما قائل يقول: عليهما الرجم، أحصنا أو لم يحصنا، وهو قول مالك والليث.
وأما الإحراق وإلقاؤه من أعلى البناء، فليس هو قول لأحد.
وقد روي عن إبراهيم والحكم مثل قول أبي حنيفة.
وقد يحتمل: أن الرجل الذي وجده خالد بن الوليد كان حربيًا، أو من أهل الردة، فأحرقوه وزادوا في عقوبته الإحراق، لا لأجل هذا الفعل، وأن استحقاق القتل كان بالكفر فحسب.
وليس يمتنع أن يكون معنى ما روي عن النبي ﷺ في قتل الفاعل والمفعول به – لو ثبت – أنه إن فعله على وجه الاستحلال فاقتلوه، أو يكون كان في شخصين قد علم النبي ﷺ منهما استحقاق القتل بغير ذلك، فأمر بقتلهما، فنقل الراوي قول النبي
стр. 2651
صلى الله عليه وسلم، ولم يأت بالقصة على وجهها، كما روي "أن النبي ﷺ أمر بقتل السارق في الخامسة بعد ما قطع يديه ورجليه"، وكما روي "أفطر الحاجم والمحجوم"، لا على أن الحجامة تفطرهما، وقال في ولد الزنى: "إنه بشر الثلاثة"، لا لأنه ولد الزنى، بل لمعنى غيره، فكذلك ما وصفنا.
ووجه آخر للمسألة: وهو أن من أصلنا: أن اختلاف الناس في الفعل هو هو زنى أو ليس بزنى؟ شبهة في سقوط الحد، كالذي يطأ على وجه المتعة، وعلى نكاح فاسد، ونحو ذلك من الأفعال المختلف فيها، هل هو زنى أو غير زنى؟ فكذلك الإيلاج في غير الفرج، لما كان مختلفًا في كونه زنى أو غير زنى؟، فأقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في سقوط الحد، وهذا معنى صحيح تستمر عليه المسائل.
مسألة: [لا حد على من أتى بهيمة]
قال: (ولا حد على من أتي بهيمة).
وذلك لما وصفنا من أن هذا الفعل ليس بزنى، ولا يجوز قياسه على الزنى في إيجاب الحد؛ لأنه لا يجوز إثبات الحدود بالقياس.
فإن قيل: روى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن
стр. 2652
النبي ﷺ قال: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه"
قيل له: روى عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: "ليس على الذي يأتي بهيمة حد"، وهو أصح إسنادًا من الأول.
ولو كان ذلك ثابتًا عن النبي ﷺ عند ابن عباس، لما خالفه إلى غيره إلا قد علم نسخه.
ويجوز أن يكون منسوخًا بقوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث".
ويحتمل أن يكون معنى حديث عمرو بن أبي عمرو: إذا أتاها على جهة الاستحلال لذلك.
* قال أبو جعفر: (ويعزر)، يعني من أتي بهيمة.
* (فإن كانت البهيمة له: ذبحت ولم تؤكل).
وإنما عزر؛ لأنه قد أتى فعلاً منكرًا استحق عليه العقوبة.
وتذبح البهيمة ولا تؤكل إذا كانت له؛ لما في الحديث من الأمر بقتلها، قال: "فقلت: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك الفعل".
قال أبو يوسف: أريد أن لا تبقي فيعير بها، ويجري ذكره إذا رآها.
стр. 2653
مسألة: [اشتراط أربعة شهود لإثبات حد الزنا]
قال أبو جعفر: (ولا يقبل في شهادة الزنى إلا أربعة، يشهدون على معاينه ذلك).
لقول الله تعالى:﴾ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴿، وقال:﴾ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ﴿.
وقال النبي ﷺ لهلال بن أمية حين قذف امرأته: "ايتني بأربعةٍ يشهدون، وإلا: فحد في ظهرك"، وهذا ما لا خلاف فيه.
مسألة: [عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز في ذلك شهادة النساء مع الرجال، ولا شهادة على شهادة).
وذلك لما روى الزهري قال: "مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في حدود ولا قصاص".
стр. 2654
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار فيه.
وأما الشهادة على الشهادة، فإنها قائمة مقام شهادة الأصل، ولا يستحق بها الحد، كما أن شهادة النساء لما قامت مقام شهادة الرجال، لم يجز إثبات الحد بها.
مسألة: [وصف الشهود الأمر بالتصريح لا بالكناية، وكذا الإقرار]
قال: (ولا تقبل الشهادة حتى يصفوا الأمر وصفًا مصرحًا لا كناية فيه، أو يقر به من فعل ذلك عند الحاكم في مجلس أربع مرات في مجالس مختلفة).
وذلك لما روي من استثبات النبي ﷺ ماعزًا حين أقر به إقرارًا مصرحًا، لا كناية فيه، ثم حينئذٍ أمر برجمه، وإذا وجب ذلك في الإقرار، فالشهادة بذلك أحرى؛ لأن الشهادة تسقط بالشبهة، والإقرار لا يسقط بالشبهة في سائر الحقوق.
وأيضًا: فإن الحدود لما استظهر بدرئها بالشبهة، وبتلقين المقر ما يسقط إقراره، وجب أن يحتاط فيها، بأن لا يقام الحد فيها بلفظٍ يحتمل المعاني.
* وإنما اعتبروا الإقرار أربع مرات: لما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: حدثنا وكيع عن هشام بن سعد أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه ذكر قصة ماعز، وأنه جاء، فقال: "يا رسول الله! إني زنيت، فأقم على كتاب الله، فأعرض عنه، فعاد حتى
стр. 2655
قالها أربع مرات، فقال ﷺ : إنك قد قلت أربع مرات، فبمن؟ قال: بفلانه"، وذكر الحديث.
وسمعناه أيضًا في كتاب أبي داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة "أن ماعزًا شهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى".
وروى أيضًا سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "جاء ماعز إلى النبي ﷺ ، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنى مرتين، فقال: شهدت على نفسك أربع مرات، فاذهبوا به فارجموه".
وفي حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن عبد الرحمن بن الصامت عن أبي هريرة "أن ماعزًا شهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرامًا أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه".
وفي حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: "أن الأسلمي شهد على نفسه أربع شهادات، فسأله النبي ﷺ بعد ذلك، فقال: أبك جنون؟ " قال: لا، قال: أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم".
стр. 2656
وفي حديث بشير بن المهاجر عن أبن بريدة عن أبيه قال: "كنا نتحدث أصحاب رسول الله ﷺ أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة".
وروي "أن أبا بكر الصديق ﵁ قال لماعز: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله ﷺ ".
فلو لم يرد في ذلك إلا خبر واحدٌ من هذه الأخبار لكان كافيًا في اعتبار عدد الإقرار، فكيف بها وقد جاءت مجئ الاستفاضة والتواتر؟
ولو كان الإقرار مرة واحدة يوجب الحد، لما أعرض عنه رسول الله ﷺ ، لما روي عنه ﵊ أنه قال: "ما ينبغي لولي أمرٍ أن يؤتي بحد إلا أقامه".
وقال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب".
رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ .
وأيضًا: فإن النبي ﷺ قال له: "شهدت على نفسك أربع مرات، فاذهبوا به فارجموه".
وقال: "إنك قلت أربع مرات، فبمن؟ ".
فأخبر أن وجوب الحد إنما تعلق بإقراره أربع مرات، وأن كل إقرار
стр. 2657
من ذلك كان صحيحًا معتبًرا به في جملة الأربعة.
* وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن من المخالفين من يقول: عسى أن لا يكون إقراره المتقدم بصريح الزنى، أو عسى أن يكون أخبره؛ لأنه لم يكن ثبت عنده إحصانه أو صحة عقله، فقلنا: إن النبي ﷺ قد صحح حكم إقراره أربع مرات، ولو كان كما زعمتم، لما كان ما تقدم إقرارًا بالزنى، ولو كان لأجل ما ظن به من الجنون، وتغير العقل، لسأل عنه في أول مرة.
وعلى أنه قد روي إقراره أربع مرات بالزنى مصرحًا؛ لأنه قال في كل مرة: "زنيت".
وقال أبو بكر ﵁: "إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله ﷺ ".
وقول بريدة: "إنا كنا نتحدث أصحاب محمد ﵊ أنه لو رجع بعد الثالثة، لما طلبه، وأنه إنما رجمه عند الرابعة".
فدل على أن ذلك قد كان مشهورًا متعارفًا بينهم، قد عرفوه من حكم الإقرار بالزنى قبل مجئ ماعز.
وقد استعمل ذلك علي ﵁ في شراحة الهمدانية، ولا نعلم عن أحدٍ من الصحابة خلاف ذلك.
ويدل على ذلك: أن في حديث بريدة: "أن الغامدية قالت للنبي ﷺ لما ردها: لعلك تردني كما رددت ماعزًا".
стр. 2658
فإن قيل: في حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد في قصة العسيف "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، ولم يذكر فيه عدد الإقرار.
قيل له: ويحتمل أن يكون متقدمًا لخبر ماعز، فيكون خبر ماعز ناسخًا له، وإن كان بعده: فهو محمول على ما في خبر ماعز، كما هو محمول في الإحصان وإن لم يبينه في الحال، اكتفاء منه بعلم أنيس بذلك.
وأيضًا: فينبغي أن تثبت أن الإقرار مرة واحدة يكون اعترافًا حتى يصح لك ما تدعيه في معنى الخبر.
وأيضًا: فخبر ماعز مفسر، وخبر أنيس مجمل، فيلزم مخالفنا ان يثبته على ما فسر في خبر ماعز.
* وإنما شرطنا أن يكون الإقرار في مجالس مختلفة، لما ذكر في قصة ماعز: "أنه أتاه من الغد، ثم أتاه من الغد"، فذكر الإقرار في مجالس مختلفة.
مسألة: [الذي يبدأ برجم المحدود]
(وإذا ثبت الحد بالشهود: بدأ الشهود، ثم الإمام، ثم الناس).
وذلك لما روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا كان الحد بشهادة: بدأ الشهود، ثم الإمام، ثم الناس، وإذا كان بإقرارٍ: بدأ الإمام، ثم الناس".
стр. 2659
ووجه ذلك: أنا قد أمرنا بدرء الحدود بالشبهات، والاستظهار فيهان فيكون أمرهم بالرجم بدءًا امتحانًا لهم، وتحقيقًا لشهادتهم، ولأنه عسى أن يعرض فيها ما يوجب إسقاط الحد.
وقد قال عمر حين شهد عنده ثلاثة على المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فشهد: أني أرى وجه رجل: أرجو أن لا يخزى الله رجلاً من أصحاب محمد على يديه، طمعًا في أن لا تتم الشهادة عليه بالزنا، فيرجم.
* (وأما إذا كان بإقرار: فإن الإمام هو الذي يبدأ).
وذلك لما حدثنا عن أبي داود عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا زكريا بن سليمان قال: سمعت شيخًا يحدث عن أبي بكرة عن أبيه "أن النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموا، واتقوا الوجه، فلما طفئت: أخرجها وصلى عليها".
ولأنه هو الحاكم عليه بالرجم، والأمر به، فالاستظهار فيه أن يبدأ الإمام به إذا كان حاضرًا.
مسألة: [كيفية الرجم]
قال: (ويصفون صفوفًا كصفوف الصلاة إذا رجموه).
وذلك أنهم إن أحاطوا به: لم يؤمن أن يصيب بعضهم بعضًا.
стр. 2660
[مسألة: الحفر للمرجوم]
قال: (وإن رأى الإمام أن يحفر للمرجوم: فعل، وإن رأي أن لا يحفر له عند الرجم: فعل، وأما المرجومة فإنه يحفر لها إلى صدرها).
قال أحمد: المشهور من قولهم: أن المرجوم لا يحقر له ولا يربط، وذلك لما حدثناه عن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن منيع عن يحيي بن زكريا، وهذا لفظه عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: "لما أمر النبي ﷺ برجم ماعز بن مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه، ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه".
وفي سائر الأخبار: "إنه لما أصابته الحجارة: اشتد".
وهذا يدل على أنه لم يكن قد أوثق، ولا حفر له.
وقد روى عبد الله بن المقدام عن ابن شداد عن أبي ذر قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقر رجل عنده بالزنى، فردة أربعًا، ثم أمر فحفر له حفرة، ليست بالطويلة، فرجم".
وفي حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه "أن النبي ﷺ لما أمر برجم الرجل الذي أقر عنده بالزنى، خرجنا فحفرنا له".
والذي روى في قصة ماعز أولى، لصحة سنده، وتواتر الأخبار به.
стр. 2661
وسند هذين الحديثين ليس مما تثبت به حجة، ولا يعارض به أحاديث ماعز.
* والذي قال أبو جعفر: "إن المرأة يحفر لها": فإن محمدًا قال في الأصل: "إن شاء حفر لها، وإن شاء لم يحفر لها".
أما الحفر: فلما روي "أن النبي ﷺ أمر فحفر للغامدية حين أمر برجمها".
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوراث قال: حدثنا زكريا بن سليمان قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة عن أبيه "أن النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموها واتقو الوجه، فلما طفئت: أخرجها وصلى عليها".
قال أحمد: هذا الحديث يشتمل على عدة معان:
منها أن المرجومة يحفر لها.
وأن الإمام هو الذي يبدأ بالرجم إذا كان بإقرار، لأن النبي ﷺ لم يرجم أحدًا من المسلمين إلا بإقرار، منهم ماعز والجهنية.
ومنها أن الوجه لا يضرب في الحدود.
وأن المرجومة يصلى عليها.
стр. 2662
* وأما وجه قوله: "وإن شاء لم يحفر لها": فلما في حديث ابن عمر ﵄ في رجم اليهوديين من الدلالة على أنه لم يحفر لهما، وذلك أنه قال: "فرأيت رجلاً يحني عليها عند الرجم، ويقيها الحجارة".
فهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنهما لم يكونا في حفرة؛ لأنه لو حفر، لكان ينبغي أن يكون لكل واحد منهما حفيرة على حيالها، فلم يكن يمكنه حينئذٍ أن يقيها الحجارة، ويحني عليها.
ويدل أيضًا: على أن الرجل كان قائمًا؛ لأنه لو كان قاعدًا، لما أمكنه أن يحني عليها.
* والفرق بين الرجل والمرأة من طريق النظر: أن المرأة مخصوصة بالستر، دون الرجل في سائر الأحوال؛ لأنها عورة، منها: حال الإحرام على الصلاة، والجنازة، وعند وضعها في القبر.
وكما يُضرب الرجل عريانًا عليه سراويل، والمرأة عليها ثيابها، كذلك في حال الرجم.
ثم يجوز حينئذٍ الاكتفاء بسترها بالثياب في حال الرجم، وترك الحفر.
مسألة: [الرجوع عن الإقرار في الزنى]
قال أبو جعفر: (وإذا رجع عن إقراره بالزنى، أو هرب قبل رجوعه: لم يتبع).
стр. 2663
أما صحة رجوعه عن الإقرار، فلما روى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي ﵁ "أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت"، قال: بلى، وأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، وأمر به، فقطع يده".
فدل هذا الحديث على صحة رجوعه عن الإقرار، لولا ذلك لما لقنه النبي ﷺ الرجوع عنه بعد اعترافه.
ويدل عليه: ما روي في قصة ماعز، أنه لما وجد مس الحجارة جزع، فاشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد أعجز أصحابه، فرماه بوظيف بعير، فقتله، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه".
رواه هشام بن سعد عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه، وذكر القصة على وجهها.
فلما منع نفسه مما بذلها له بدءًا، أمرهم النبي ﷺ بتركه، فإذا كان هربه يوجب تركه، فرجوعه عن الإقرار أولى بذلك.
فإن قال قائل: كيف يقول لهم النبي ﷺ : "هلا تركتموه"، وهم لو تركوه بعد أمر النبي ﷺ برجمه كانوا عصاة، لتركهم أمر النبي ﷺ .
стр. 2664
قيل له: أراد أن يفيدهم الحكم في مثله إن عرض في المستأنف.
فإن قيل: ليس في قوله: "هلا تركتموه": دلالة على ما ذكرت؛ لأن جابر بن عبد الله سئل عن ذلك، فقال إنما معناه: هلا تركتموه من الرجم، وجئتموني به، ليستثبت رسول الله ﷺ ، فأما لترك حد فلا.
قيل له: هذا ظن من جابر، ولم يعزه إلى النبي ﷺ فيحمل عليه.
فإن قيل: قوله ﵊: "ما بلغني من حد فقد وجب" ينفي ما ذكرت في هذا الحديث.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الحد بعد وجوبه يجوز أن يسقط، وإذا سقط لشبهة تعرض فيه، لم تجز إقامته، ولم يقل النبي ﷺ : ما وجب من حد فلا يسقط، فيكون كما قلت.
فقد دلت قصة ماعز على الوجه الذي ذكرنا على جواز الرجوع عن الإقرار، وعلى أنه إذا هرب بعد الإقرار لم يتبع.
وقد روي عن علي ﵁ أنه أمر بضرب عبدٍ أقر بالزنى، وقال: اضرب حتى يقول لك: أمسك.
وليس الإقرار فيه كالشهادة إذا هرب وقد ثبت الزنى عليه بشهادة
стр. 2665
الشهود: اتبع، ولم يخل وإن هرب، وذلك لأنه لو وجب ذلك، لوجب أن يكون إنكاره بدءًا مانعًا من صحة الشهادة عليه والخصومة، لأنه لا تصح الشهادة إلا وهو منكر لها، ممتنع مما يقتضيه حكمها.
مسألة: [تأجيل المرأة الحامل]
قال أبو جعفر: (ولا ترجم المرأة إذا كانت حاملاً).
لما روي في قصة الجهنية أنها أقرت بالزنى وهي حبلى، فلم يرجمها النبي ﷺ حتى وضعت، فلما وضعت رجمها.
وروي أن عمر ﵁ أراد أن يرجم حبلى، فقال له معاذ بن جبل: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال: لولا معاذ لهلك عمر.
مسألة: [المرض لا يمنع الرجم]
قال أبو جعفر: (ومرض الزاني لا يمنع رجمه).
وذلك لأن الرجم يأتي عليه صحيحًا كان أو مريضًا، فلا معنى لانتظار البرء فيه.
مسألة: [عدم الجلد أثناء المرض]
قال: (وإن كان حده الجلد: لم يجلد حتى يبرأ).
следующие страницы →