Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وسند هذين الحديثين ليس مما تثبت به حجة، ولا يعارض به أحاديث ماعز.
* والذي قال أبو جعفر: "إن المرأة يحفر لها": فإن محمدًا قال في الأصل: "إن شاء حفر لها، وإن شاء لم يحفر لها".
أما الحفر: فلما روي "أن النبي ﷺ أمر فحفر للغامدية حين أمر برجمها".
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوراث قال: حدثنا زكريا بن سليمان قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة عن أبيه "أن النبي ﷺ رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموها واتقو الوجه، فلما طفئت: أخرجها وصلى عليها".
قال أحمد: هذا الحديث يشتمل على عدة معان:
منها أن المرجومة يحفر لها.
وأن الإمام هو الذي يبدأ بالرجم إذا كان بإقرار، لأن النبي ﷺ لم يرجم أحدًا من المسلمين إلا بإقرار، منهم ماعز والجهنية.
ومنها أن الوجه لا يضرب في الحدود.
وأن المرجومة يصلى عليها.
стр. 2662
* وأما وجه قوله: "وإن شاء لم يحفر لها": فلما في حديث ابن عمر ﵄ في رجم اليهوديين من الدلالة على أنه لم يحفر لهما، وذلك أنه قال: "فرأيت رجلاً يحني عليها عند الرجم، ويقيها الحجارة".
فهذا يدل على معنيين: أحدهما: أنهما لم يكونا في حفرة؛ لأنه لو حفر، لكان ينبغي أن يكون لكل واحد منهما حفيرة على حيالها، فلم يكن يمكنه حينئذٍ أن يقيها الحجارة، ويحني عليها.
ويدل أيضًا: على أن الرجل كان قائمًا؛ لأنه لو كان قاعدًا، لما أمكنه أن يحني عليها.
* والفرق بين الرجل والمرأة من طريق النظر: أن المرأة مخصوصة بالستر، دون الرجل في سائر الأحوال؛ لأنها عورة، منها: حال الإحرام على الصلاة، والجنازة، وعند وضعها في القبر.
وكما يُضرب الرجل عريانًا عليه سراويل، والمرأة عليها ثيابها، كذلك في حال الرجم.
ثم يجوز حينئذٍ الاكتفاء بسترها بالثياب في حال الرجم، وترك الحفر.
مسألة: [الرجوع عن الإقرار في الزنى]
قال أبو جعفر: (وإذا رجع عن إقراره بالزنى، أو هرب قبل رجوعه: لم يتبع).
стр. 2663
أما صحة رجوعه عن الإقرار، فلما روى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي ﵁ "أن النبي ﷺ أتي بلص قد اعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت"، قال: بلى، وأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، وأمر به، فقطع يده".
فدل هذا الحديث على صحة رجوعه عن الإقرار، لولا ذلك لما لقنه النبي ﷺ الرجوع عنه بعد اعترافه.
ويدل عليه: ما روي في قصة ماعز، أنه لما وجد مس الحجارة جزع، فاشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد أعجز أصحابه، فرماه بوظيف بعير، فقتله، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه".
رواه هشام بن سعد عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه، وذكر القصة على وجهها.
فلما منع نفسه مما بذلها له بدءًا، أمرهم النبي ﷺ بتركه، فإذا كان هربه يوجب تركه، فرجوعه عن الإقرار أولى بذلك.
فإن قال قائل: كيف يقول لهم النبي ﷺ : "هلا تركتموه"، وهم لو تركوه بعد أمر النبي ﷺ برجمه كانوا عصاة، لتركهم أمر النبي ﷺ .
стр. 2664
قيل له: أراد أن يفيدهم الحكم في مثله إن عرض في المستأنف.
فإن قيل: ليس في قوله: "هلا تركتموه": دلالة على ما ذكرت؛ لأن جابر بن عبد الله سئل عن ذلك، فقال إنما معناه: هلا تركتموه من الرجم، وجئتموني به، ليستثبت رسول الله ﷺ ، فأما لترك حد فلا.
قيل له: هذا ظن من جابر، ولم يعزه إلى النبي ﷺ فيحمل عليه.
فإن قيل: قوله ﵊: "ما بلغني من حد فقد وجب" ينفي ما ذكرت في هذا الحديث.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن الحد بعد وجوبه يجوز أن يسقط، وإذا سقط لشبهة تعرض فيه، لم تجز إقامته، ولم يقل النبي ﷺ : ما وجب من حد فلا يسقط، فيكون كما قلت.
فقد دلت قصة ماعز على الوجه الذي ذكرنا على جواز الرجوع عن الإقرار، وعلى أنه إذا هرب بعد الإقرار لم يتبع.
وقد روي عن علي ﵁ أنه أمر بضرب عبدٍ أقر بالزنى، وقال: اضرب حتى يقول لك: أمسك.
وليس الإقرار فيه كالشهادة إذا هرب وقد ثبت الزنى عليه بشهادة
стр. 2665
الشهود: اتبع، ولم يخل وإن هرب، وذلك لأنه لو وجب ذلك، لوجب أن يكون إنكاره بدءًا مانعًا من صحة الشهادة عليه والخصومة، لأنه لا تصح الشهادة إلا وهو منكر لها، ممتنع مما يقتضيه حكمها.
مسألة: [تأجيل المرأة الحامل]
قال أبو جعفر: (ولا ترجم المرأة إذا كانت حاملاً).
لما روي في قصة الجهنية أنها أقرت بالزنى وهي حبلى، فلم يرجمها النبي ﷺ حتى وضعت، فلما وضعت رجمها.
وروي أن عمر ﵁ أراد أن يرجم حبلى، فقال له معاذ بن جبل: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال: لولا معاذ لهلك عمر.
مسألة: [المرض لا يمنع الرجم]
قال أبو جعفر: (ومرض الزاني لا يمنع رجمه).
وذلك لأن الرجم يأتي عليه صحيحًا كان أو مريضًا، فلا معنى لانتظار البرء فيه.
مسألة: [عدم الجلد أثناء المرض]
قال: (وإن كان حده الجلد: لم يجلد حتى يبرأ).
стр. 2666
والأصل فيه: ما روى إسرائيل عن عبد الأعلى عن أبي جميلة عن علي ﵁ قال: "فجرت جارية لآل رسول الله ﷺ ، فقال: يا علي! انطلق فأقم عليها الحد، قال: فانطلقت، فإذا بها دم يسيل لم ينقطع، فأتيته فأخبرته، فقال: دعها حتى ينقطع دمها، ثم أقم عليها الحد".
فأمره النبي ﷺ بتأخير الحد؛ لما يخاف من ضرره عليها لأجل النفاس.
فإن قيل: روى أبو أمامة بن سهل بن جنيف عن بعض أصحاب النبي ﷺ "أن رجلاً مريضًا زنى، وخيف عليه من الجلد، فأمر النبي ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة".
قيل له: هذا يدل على ما قلنا؛ لأنه ضرب ضربًا لا يخاف منه.
ويدل عليه أيضًا: ما روى فضالة بن عبيد وغيره "أن النبي ﷺ أمر بسارق، فقطع يده، ثم حسمه"، والمعنى فيه عندنا: لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق عليه بالحد.
ومن جهة النظر: إن المستحق عليه من العقوبة إنما هو الجلد، فإذا
стр. 2667
كان مريضًا أو كان حر، أو برد يخاف منه، فلو أقمنا عليه الحد كنا قد ألحقنا به من الضرر في بدنه أكثر من المستحق بالحد، فلذلك لم نقم عليه الحد في هذه الحال.
مسألة: [ضرب الزاني قائمًا]
قال أبو جعفر: (ويضرب الزاني قائمًا غير ممدود مجردًا).
أما ضربه قائمًا، فلما روي في حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال: "لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز، خرجنا إلى البقيع، فوالله ما أوثقناه ولا حفرنا له، ولكنه قام لنا فرميناه".
وفي حديث ابن عمر في رجم اليهوديين قال: "رأيت الرجل يحني عليها يقيها الحجارة".
وهذا يدل على أنه كان قائمًا.
وروى عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي "أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب رجلاً حدا، فأتي بسوط فكره شدته، فأتي بسوط لين فكره لينه، فأتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه".
стр. 2668
فهذا يدل على أنه كان قائماً، ويدل أيضًا على تفريق الضرب.
وروي "عن أبي هريرة ﵁ أنه جلد رجلاً قائمًا في القذف".
* وأما قوله: "غير ممدود": فلأن فيه زيادة في إيلامه، وذلك غير مستحق بالفعل.
* وأما قوله: "مجردًا": ليصل إليه الألم، لقوله تعالى:﴾ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴿.
مسألة: [عدم ضرب الرأس والوجه والفرج في الحدود]
قال أبو جعفر: (ولا يضرب الرأس والوجه والفرج، في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس).
وحكي ابن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف أنه قال: يضرب الرأس سوطًا واحدًا.
وأما الوجه، فلما في حديث ابن أبي بكرة عن أبيه أن النبي ﷺ لما أمر برجم المرأة قال لهم: "اتقوا الوجه"، وقد ذكرناه فيما سلف.
وروى ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي
стр. 2669
صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه".
وروي أن عليًا ﵁ قال لرجل أمره بجلد رجل في الخمر: "اتق وجهه ومذاكيره".
وأما الرأس، فلأنه مقتل، فلا يضرب، كما لا يضرب الفرج.
وما روي عن النبي ﷺ من قوله لهلال بن أمية حين قذف امرأته: "اتيني بأربعة يشهدون، وغلا فحد في ظهرك": فلأن معظمه يقع في الظهر، كقوله تعالى:﴾ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ﴿، وليس الحكم مقصورًا على اللحم، بل الشحم مثله في التحريم، ولكن ذكر اللحم لأنه أعظم ما يبتغى فيه.
ولأن عظم ما يحمل، إنما يحمل على الظهر، كقوله تعالى:﴾ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴿.
مسألة: [كيفية ضرب المرأة في الحد]
قال أبو جعفر: (وتضرب المرأة قاعدة عليها ثيابها، وينزع عنها الجلد والفرو والحشو).
стр. 2670
فأما ضربها قاعدة في ثيابها، فلأن ذلك أستر لها، وكما روي في رجم الجهنية "أنه حفر لها، وشدت عليها ثيابها".
* ونزع الحشو والجلد، ليصل الألم إليها.
مسألة: [أثر التقادم على الإقرار]
قال أبو جعفر: (ومن أقر بزنى بعد حين: أقيم عليه الحد).
لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا لما أقر بالزنى أربع مرات، ولم يسأله عن الوقت، ولو كان تراخي المدة يمنع من صحة الإقرار، لبحث عنه، ورجم الجهينة بعد سنتين في بعض الأخبار.
وكما يصح الإقرار بسائر الحقوق بعد حين.
مسألة: [أثر التقادم على الشهادة]
قال: (ولو شهدت عليه بينة بعد حين: لم يُقم عليه).
وذلك لأن الشهود كان عليهم حين علموا منه أحد شيئين: إما الستر، وإما إقامة الشهادة في الحال، فإذا لم يقيموها في الوقت، لم يخل من أحد شيئين:
إما أن يكونوا لم يقيموها تضييعًا للشهادة، واستخفافًا بأمر الحد،
стр. 2671
أو لأنهم اختاروا الستر.
فإن لم يقيموها للوجه الأول، فذلك يُسقط شهادتهم، وإن اختاروا الستر بدءًا – ولهم ذلك – فلم يقيموها في الثاني إلا لشيء هاجهم عليه، من ضغن أو عداوة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "إيما شهود شهدوا بحد، فلم يشهدوا بحضرته، فإنما هم شهود ضغن".
* قال: (وكان أبو حنيفة ﵁ لا يؤقت في ذلك، ويقول: هو على ما يرى الإمام).
وذلك لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس، وإنما تؤخذ من أحد وجهين: إما الاجتهاد، أو التوقيف، فإذا عدمنا التوقيف: فبالاجتهاد.
* (وأبو يوسف ومحمد يؤقتان شهرًا) اجتهادًا، كما قالوا فيمن حلف: ليقضين فلانًا ماله عاجلاً، ولا نية له: أنه على أقل من شهر.
وقال محمد في كتاب الشفعة: إذا سكت عن المطالبة بها بعد الطلب شهرًا، بطلت شفعته، وذلك كله اجتهاد.
مسألة: [تعمد النظر في الزنى لأجل الشهادة]
قال أبو جعفر: (ومن شهد عليه أربعة بالزنى، وقالوا: تعمدنا النظر، لم يضر ذلك بشهادتهم).
стр. 2672
وذلك لقوله تعالى:﴾ والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴿، والاستشهاد على الزنى لا يكون إلا مع تعمد النظر.
فإن قيل: إنما المراد إقامة الشهادة عند الحاكم، لا على حضور الفعل.
قيل له: اللفظ ينطوى على الأمرين جميعًا، فهو عليهما.
وروى مالك بن أنس عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله! أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم".
فقد أباح له استشهاد أربعة على معاينة ذلك.
وأيضًا: الذين شهدوا على المغيرة، قد كانوا قبل ذلك اتهموا المغيرة، فاجتمعوا بعد ذلك، وتعمدوا النظر، ثم أقاموا الشهادة عند عمر بحضرة الصحابة ﵃ أجمعين، فلم يبطل أحد منهم شهادتهم لأجل أنهم تعمدوا النظر، وإنما حدهم لأن زيادًا لم يصرح بالزنى في الشهادة.
وأيضًا: فإنه إذا لم يصل إلى إقامة حق الله إلا بتعمد النظر، جاز له ذلك، كما يجوز للطبيب والقابلة النظر إلى العورة.
стр. 2673
مسألة: [جهل الشهود بالمزني بها]
قال: (ومن شهد عليه أربعة أنه زنى بامرأة لا يعرفونها: لم يحد).
وذلك لأن هذه ليست بشهادة على الزنى؛ لأنه غير جائز لهم أن يقولوا هو زانٍ إلا أن يعرفوا أن المرأة أجنبية، مع خلو الفعل من الشبهة، فإذا لم يفعلوا ذلك، لم يسعهم إقامة الشهادة على الزنى.
فإذا قالوا: نعم نعرف المرأة: فقد نقضوا قولهم بدءًا أنه زنى.
وليس هذا كالإقرار إذا أقر أنه زنى بامرأة، ولا نعرفها نحن؛ لأن جهلنا بأنها امرأته لا ينفي صحة إقراره، وهو قد أخبر عن نفسه حين أقر بالزنى بها أنه عالم بأنها ليست بامرأته.
وأيضًا: فالنبي ﷺ لم يسأل الجهنية عمن زنى بها، وحكم عليها بصحة إقرارها.
مسألة: [أثر موت الشاهد أو غيابه أو امتناعه على إقامة الحد]
قال أبو جعفر: (وإذا غاب الشهود، أو ماتوا: لم يرجم).
وذلك لأن من حكم الرجم أن يبدأ به الشهود، ولو كانوا حضورًا، فامتنعوا من رجمه: لم يرجم، وكان ذلك تهمة في الشهادة، كذلك إذا غابوا، أو ماتوا.
стр. 2674
قال: (وقال أبو يوسف: يرجم وإن غابوا)؛ لأن أمرنا للشهود بالابتداء بالرجم، إنما هو على وجه الاستظهار، لا على أن ذلك شرط في صحة الرجم.
مسألة: [الإقرار بعد الإشهاد]
قال: (ومن شهد عليه أربعة بالزنى، فقضي عليه بذلك، ولم يقم عليه الحد حتى أقر بالزنى، فإن أبا يوسف قال: قد بطلت الشهادة عليه بذلك، فلا يحد حتى يقر أربع مرات في مجالس مختلفة.
وأما محمد فكان يقول: الشهادة على حالها، ويحد بها بعد إقراره، كما يحد بها قبل إقراره، إلا أن يقر بتتمة أربع مرات في مجالس مختلفة، فيحد بالإقرار حينئذٍ، وتبطل الشهادة).
وجه قول أبي يوسف: أن الشهادة على الزنى موقوفة الحكم على استيفاء الحد، فمتى عرض فيها قبل استيفائها ما يمنع قبولها ابتداء، فإنه يبطلها، والدليل على صحة ذلك: أن الشهود لو رجعوا بعد حكم الحاكم بالحد بشهادتهم، لبطل الحد، كذلك إذا أقر، وجب أن يبطل حكم الشهادة مع الإقرار، كما أنه لو أقر بدءًا: لم يصح للشهادة حكم مع الإقرار.
ووجه قول محمد: إن الإقرار بالزنى مرة واحدة لا حكم له، والدليل عليه: أنه لا يجب به حد، ومن حيث سقط الحد، لم يجب المهر أيضًا، فصار وجوده وعدمه سواء.
ألا ترى أنه لو أقر أربع مرات، ثم سقط الحد بضربٍ من الشبهة،
стр. 2675
وجب المهر بصحة الإقرار، فإذا أقر أربع مرات، ثبت حكم الإقرار، وانتفى حكم الشهادة، لاستحالة أن يكون محكومًا عليه بالإقرار وبالشهادة جميعًا، لأنهما يتنافيان، ولا يصح اجتماعهما، ألا ترى أن حكم الشهادة مما لا يصح مع الإقرار.
***********************
стр. 2676
باب الحد في القذف
مسألة: [شروط حد القذف]
قال أبو جعفر: (وإذا قذف رجل رجلاً لم يحد القاذف حتى تثبت حرية المقذوف).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ﴿، فأوجب سبحانه الحد على قاذف المحصنة، والرق يمنع الإحصان، والدليل عليه قوله تعالى:﴾ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴿، فجعلها غير محصنة.
ولا خلاف بين الفقهاء أيضًا في أن لا حد على قاذف الرقيق، فإذا اختلفا في الرق والحرية، فالقول قول من يدعي الرق؛ لأن الله تعالى علق
стр. 2677
وجوب الحد بصفة الإحصان، فلذلك لم يجز لنا إيجابه إلا مع وجود الصفة.
فإن قيل: فالناس أحرار حتى يثبت الرق، فهلا حكمت بحريته من جهة الظاهر.
قيل له: لأن الظاهر لا يستحق به على الغير، وإنما تدفع به الدعوى، ومن أجل ذلك قال أصحابنا: الناس أحرار إلا في أربعة أشياء: الحدود، والقصاص، والشهادة، والعقل.
فإذا قطع يد رجل، وادعى القاطع أن المقطوع عبد، فالقول قوله، ولا يقتص منه حتى تثبت حرية المقطوع.
وكذلك لو جني عليه خطأ فيما دون النفس، لم تعقلها عاقلة الجاني حتى تثبت حرية المجني عليه.
وكذلك لو شهد شاهد على رجل بحق، فقال المشهود عليه: هما عبدان، لم يُمض القاضي القضاء بشهادتهما حتى يثبت أنهما حران.
والمعنى في ذلك كله: أن الحكم بالحرية في الناس إنما هو من طريق الظاهر، والظاهر لا يستحق به على الغير، وهذا أصل صحيح يستمر على الفروع.
ومن نظائره: دار في يدي رجل، بيعت دار إلى جنبها، فأراد الذي في يده الدار أخذ الدار المبيعة بالشفعة: لم يكن له ذلك حتى يقيم البينة أنه مالك للدار التي في يده؛ لأن حكمنا له بالملك من أجل اليد إنما هو من جهة الظاهر، والظاهر لا يستحق به على الغير.
ولو ادعى هذه الدار رجل، حكمنا للذي هي في يده إنها حتى يستحقها غيره لأجل ظهور اليد، فصارت كأنها ملكه فيما يدفع به من
стр. 2678
دعوى المدعي، ولم يحكم بأنها له فيما يستحق به على الغير.
فإن قال قائل: ينبغي أن يكون القول قول المقذوف أنه محصن بالحرية، كما أن القول قوله في أنه عفيف لم يكن منه من الوطء الحرام ما يُسقط الحد عن قاذفه؛ لأن من شرائط وجوب الحد على القاذف عفة المقذوف، كما أن من شرائطه حريته.
قيل له: الفصل بينهما: أن الوطء الحرام طارئ على الإحصان لا محالة؛ لأنه متيقن عندنا أنه لم يكن واطئًا، وليس معنى يقين بأنه كان حرًا إلا من جهة الظاهر.
وأيضًا: البينة لا تقبل على أنه لم يطأ، فلا معنى لتكليفه إياها، لأنها تكون بينه على النفي، والبينات إنما تقبل على الإثبات دون النفي، والحرية معنى يصح قيام البينة عليها وإثباتها.
مسألة:
قال: (والقول قول القاذف أيضًا إنه عبد).
فلا نضربه حد الحر،؛ لأن هذه الزيادة لا يجوز إثباتها عليه من طريق الظاهر.
مسألة: [حد القذف ثمانون جلدة، وكيفية إقامته]
قال: (والحد ثمانون جلدة، قائمًا غير ممدود، وعليه ثيابه، وينزع عنه الحشو والجلد).
стр. 2679
* فأما مقدار الحد، فلقول الله تعالى:﴾ فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴿.
* ويحد قائمًا غير ممدود؛ لما بيناه في حد الزنى، والمرأة جالسة؛ لما بيناه أيضًا.
* ولا يجرد في حد القذف، كما يجرد في حد الزنى؛ لما روي عن علي ﵁ "أنه ضرب رجلاً حدًا وعليه قباء أو قرطف".
ولأن حد القاذف أخف من حد الزاني، لجواز أن يكون صادقًا في قذفه، وقد كان يسع الشهود الستر على المقذوف، وترك إقامة الشهادة عليهما بالزنى، فوجب أن يخفف عن الزنى.
ولأن الله تعالى قال في الزنى:﴾ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴿.
ولأن القاذف قد عوقب من جهة أخرى غير الجلد، وهي بطلان الشهادة.
فإن قيل: ذكر سفيان بن عيينة قال: سمعت سعد بن إبراهيم يقول
стр. 2680
للزهري: "إن أهل العراق يقولون: إن القاذف لا يضرب ضربًا شديدًا"، ولقد حدثني أبي: أن أمة أم كلثوم أمرت بشاة فسلخت حين جلد أبو بكرة، فألبسته مسكها".
فهل ذلك إلا من ضرب شديد؟
قيل له: يجوز أن تكون لآثار يسيرة حصلت في بدنه، ففعلت ذلك إشفاقًا عليه.
مسألة: [عدم ثبوت حد القذف بالتعريض]
قال: (ولا يجب حد القذف بالكناية).
وذلك لأن الله تعالى أوجب الحد بقذف المحصنات بقوله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ﴿، فغير جائز إثباته بالتعريض بالرمي، لما فيه من إثبات حد بقياس.
وأيضًا: لما كان التعريض يحتمل القذف ويحتمل غيره، كان كالشهادة على الزنى أو الإقرار به، فلا يثبت حكمه إلا بالتصريح، كما لا يثبت حكم الشهادة والإقرار إلا بالتصريح.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود
стр. 2681
بالشبهات"، و"ادرؤوا الحدود ما استطعتم"، ولا شبهة أكثر من احتمال اللفظ بغير القذف.
وأيضًا: فإن التعريض كناية، والكنايات لا حكم لها بأنفسها، والدليل عليه: أن كنايات الطلاق لا حكم لها إلا بانضمام النية إليها.
وأيضًا: جعل الله التعريض بالخطبة كإضمارها بقوله تعالى:﴾ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ﴿، وفرق بينه وبين التصريح بها بقوله سبحانه:﴾ ولكن لا تواعدوهن سرا ﴿.
فلما اتفق الجميع على أن لا حد في إضمار القذف، كذلك يجب أن يكون حكم التعريض.
وأيضًا: فإن التعريض في الحقيقة، دون التصريح في نفس اللفظ، فلا جائز أن تكون عقوبته عقوبة التصريح، ألا ترى أن الحد لما وجب في الجماع في الفرج، لم يكن فيما دونه بمنزلته.
فإن قيل: روى مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمه عن عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا، فقال أحدهما للآخر: والله ما
стр. 2682
أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، سرى أن تجلده الحد، فجلده عمر ثمانين.
قيل له: إن عمر لم يستشر إلا من يكون قوله خلافًا، فإذا خالف، وقد قال له بعضهم: لا حد عليه، وإذا وقع الخلاف بين السلف، وجب الاستدلال على صحة المقالة بغيرها.
مسألة: [مقدار التعزير]
قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يلغ بالتعزير أربعين سوطًا).
وذلك لما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله تعالى".
فانتفى بذلك أن يبلغ بالتعزير الحد.
فإن قيل: في هذا الخبر أنه لا يجلد فوق عشر جلدات في غير حد، فأنت تبلغ بالتعزير فوق العشرة.
стр. 2683
قيل له: اقتضى الخبر معنيين: أن لا يبلغ به الحد، وأن لا يجاوز به العشر، وقامت الدلالة على مجاوزة العشر، فبقي حكم اللفظ في نفسي بلوغ الحد.
وأيضًا: حدثنا ابن قانع قال: حدثنا ابن ناحية قال: حدثنا محمد بن الحصين الأصبحي قال: حدثنا عمر بن علي المقدمي قال: حدثنا مسعر عن خاله الوليد بن عثمان عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضرب حدًا في غير حد، فهو من المعتدين".
ورواه أبو نعيم عن مسعر عن الوليد عن عثمان عن الضحاك عن النبي ﷺ مثله.
فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ﴿، فدل على أن التعزير على قدر ما يرى الإمام من المصلحة فيه وإن زاد على الحد، كما أوجب الله سبحانه قتال الفئة الباغية وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
قيل له: ليس التعزير من قتال البغاة في شيء؛ لأن البغاة إنما يقاتلون على وجه الدفع إذا قاتلوا، ألا ترى أنهم لو قعدوا في بيوتهم لم يقاتلوا، وأما التعزير فهو مستحق بفعل فعله، قد استقر عليه حكمه، فيشبه الحد من هذا الوجه، فوجب أن لا يبلغ به الحد، لما ورد به التوقيف، كما لا يجلد في الزنى والقذف بأكثر مما ورد به التوقيف.
* قال: (وروي عن أبي يوسف فيه روايتان: إحداهما: أنه ينقص من
стр. 2684
أقل حدود الأحرار، وهو ثمانون جلدة، وينقص من ذلك جلدة واحدة، أو ما رآه الإمام مما هو أكثر منها، وروي عنه: أنه على ما يراه الإمام بلا توقيت).
قال أبو بكر: في الأصل: خمسة وسبعون سوطًا على قول أبي يوسف، وذهب فيه إلى أنه يجب أن ينقص من أقل حد الحر، وهو ثمانون، وجعل النقصان خمسة أسواط، لما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في التعزير أنه خمسة وسبعون سوطًا، فأخذ بقوله في نقصان الخمسة الأسواط، وخالفه في الحد الذي ينقص منه.
مسألة: [حد العبد القاذف]
قال أبو جعفر: (وحد العبد أربعون في قذفه الحر).
قال أبو بكر: روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "يجلد العبد في القرية أربعين".
وروى الثوري أيضًا عن أبي ذكوان عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أدركت أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين.
стр. 2685
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ نحوه من قوله.
ويحكى عن الأوزاعي أنه يضرب ثمانين.
وروي نحوه عن عبد الله بن مسعود ﵁، ومحمد بن أبي بكر.
والحجة لقولنا: قول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وعضوا عليها بالنوجذ"، وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين ﵃ أن حده أربعون، فلزم إتباعهم.
وأيضًا: لما اتفق الجميع على أن حده في الزنى على النصف من حد الحر، وجب أن يكون كذلك حد القذف، والمعنى الجامع بينهما: أن كل واحد منهما عقوبة تنصف، وتسقطها الشبهة.
فإن قيل: فأنتم لا تثبتون الحدود بالقياس.
قيل له: لم نثبت الأربعين بالقياس، بل بالاتفاق، وإنما أسقطنا ما عداها، وجائز عندنا إسقاط الحدود بالقياس، وليس ذلك كالقطع في السرقة، لأن القطع لا يتبغض، ألا ترى أن عدة الأمة لما كانت على النصف من عدة الحرة، كانت عدتها بالشهور، شهر ونصف: نصف عدة
стр. 2686
الحرة؛ لأنها تتبعض، وعدتها بالحيض حيضتان؛ لأنها لا تتبعض.
مسألة: [العفو في حد القذف]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز عفو المقذوف عن القاذف، وله مطالبته بالحد بعد ذلك، وقال أبو يوسف: عفوه جائز).
وقد أطلق محمد في بعض المواضع أنه من حقوق الناس، وأطلق في بعضها أنه من حقوق الله تعالى، والعبارتان جميعًا صحيحتان.
أما قوله: إنه من حقوق الناس، فإنما أراد أن المطالبة به من حقه، لما لحقه من الشين بقذفه، وتناوله من عرضه، ولو لم يطالب لم يحد.
стр. 2687
وقوله: إنه من حقوق الله تعالى: أراد به نفس الحد، لا المطالبة به، إذ ليس يمتنع أن يكون الحق لواحد، والمطالبة به لآخر، كالوكيل بالبيع يطالب، وملك الثمن للآمر، وكذلك المشتري إذا كان وكيلاً، فإن قبض العبد إليه، والملك للآمر، والقطع في السرقة حق الله تعالى، والمطالبة للآدمي، لأنه لو لم يخاصم فيه: لم يقطع.
والدليل على أن نفس الحد من حقوق الله ، ولا يصح العفو فيه: أن عدد الضرب المستحق بالقذف مقدر لا تجوز الزيادة عليه، ولا النقصان منه، فأشبه حد الزنى وشرب الخمر والسرقة، ألا ترى أن ما كان من حقوق الناس مثل التعزير وغرامة المتلفات، تختلف مقاديرها على حسب ما يوجبه الرأي والاجتهاد فيها، وعلى حسب اختلاف المتلف في نفسه.
وليس في تعلق إقامته بخصومة الآدمي ومطالبته ما ينفي أن يكون حقًا لله تعالى، لا يجوز العفو فيه؛ لأن القطع في السرقة لا يثبت إلا بخصومة الآدمي، ولم يدل على أنه من حق الآدمي، وعلى جواز العفو فيه.
فإن قيل: قد فرقتم بينهما من جهة إسقاطكم القطع في السرقة بالتقادم، وإيجابكم حد القذف مع التقادم إذا طالب به المقذوف.
قيل له: اختلافهما من هذا الوجه، لا يمنع إسقاط سؤال السائل في تعلق إقامته بمطالبة الآدمي، واتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا.
وإنما اختلف حكمهما من الوجه الذي ذكرت، من قبل أن حق المقذوف هو المطالبة بالحد، لا غير، لما تناوله من عرضه بقذفه، وأما القطع في السرقة فليس حق المسروق هو المطالبة بالقطع، وإنما حقه المطالبة بالمال، ألا ترى أنه لو رد عليه المال قبل الخصومة، لم يكن له
стр. 2688
أن يخاصمه في القطع، إلا أنهما مع ذلك قد تعلقنا بمطالبة الآدمي وخصومته فيه، وإن اختلفا من وجه آخر.
ومما يدل على أنه من حقوق الله : أن الإباحة لا تسقط حكمه، ألا ترى أنه لو قال له: اقذفني، فقذفه: وجب عليه الحد، وليس كالقصاص؛ لأن الإباحة تسقطه، ألا ترى أنه لو قال له: اقطع يدي، فقطعها: لم يكن عليه شيء.
ودليل آخر: وهو اتفاق مخالفينا على أن حد العبد في القذف على النصف من حد الحر، كحد الزنى، فلو كان من حق الآدمي ما اختلف الحر والعبد فيما يثبت عليه، كما لا يختلفان في سائر حقوق الناس، ألا ترى أن العبد إذا قتل: كان الذي يثبت عليه من القصاص أو الدية في الرقبة مثل ما يثبت على الحر بجنايته.
فإن قيل: فالحر والعبد يستويان في قطع السرقة، فقل: إن حد السرقة من حقوق الآدميين.
قيل له: إن ما يستوي العبد والحر فيه، فهو من حقوق الآدميين، فيلزم ما ذكرت، وإنما قلنا إن من شأن حقوق الآدميين أن لا يختلف حكم الجناية فيما يثبت عليهم بها، فلما وجدنا الحر والعبد يختلفان في ذلك، علمنا أنه ليس بحق الآدمي، وليس يمتنع مع ذلك أن يتفقا في بعض حقوق الله مما لا يتبعض، والقطع في السرقة لا يتبعض.
وإن شئت قلت في الابتداء: إن الجلد لما اختلف فيه الحر والعبد، وكان مما يتبعض من الحدود، أشبه حد الزنى، ولا يلزم عليه حد
стр. 2689
السرقة، لأنه لا يتبعض.
فإن قيل: فقد سقط حد القذف بتصديق المقذوف، فدل على أنه حقه، لولا ذلك ما سقط بقوله.
قيل له: ولو قال المسروق منه للسارق: هو مالك، لم يجب فيه القطع، ولم يدل على أن القطع حق له.
وأيضًا: فإن سقوطه في هذا الوجه من جهة الحكم، لا يدل على أنه يملك العفو فيه، كما أنه لو طلق امرأته قبل الدخول، سقط نصف مهرها، ولا يدل على أنه له إسقاطه عن نفسه بغير طلاق، وكما لو ارتدت المرأة: حرمت عليه، ولو أرادت تحريم نفسها عليه بقولها: قد حرمت نفسي، لم تحرم، ولو وطئ أمها أو بنتها: حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا، ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى في الأصول.
ويروى نحو قولنا عن الزهري، وهو قول الثوري والحسن بن صالح، والأوزاعي.
وروي نحو قول أبي يوسف عن عمر بن عبد العزيز.
مسألة: [حد القذف غير موروث بموت المقذوف]
(ومن قذف رجلاً فمات المقذوف: سقط الحد، ولم يورث عنه).
قال أبو بكر: وذلك لأنه لما ثبت أنه حق الله تعالى بما قدمنا، والله
стр. 2690
تعالى حي باقٍ، لم يورث حقه، فإذا لم يورث، وقد مات من كانت له المطالبة، بقي الحد لا مطالب به فسقط.
وأيضًا: لو كان الحد موروثًا عنه، لجرى فيه سهام المواريث، فترثه أخته وزوجته وسائر من يرث ماله، فلما اتفق الجميع على أن لا حق لهؤلاء في المطالبة به بعد الموت، صح أنه غير موروث.
فإن قيل: إذا قذفه بعد موته، فللولد والوالد أخذه بحده، وفارق الأخت والزوجة، كذلك إذا وجب له الحد، ثم مات.
قيل له: إنما يطالبه بالحد عن نفسه، لا عن الميت؛ لأنه قد قدح في نسبه.
فإن قيل: فينبغي أن يأخذه به الابن قبل الموت، لحصول القدح في نسبه.
قيل له: قد ثبت له ذلك، إلا أن هناك من هو أولى منه، وهو المقذوف فسقط حقه، كما أن ابن الابن من أهل الميراث، إلا أنه إذا كان هناك ابن: كان أحق به، فحجبه، ولم يخرجه من أن يكون من أهل الميراث.
مسألة: [قذف الميت]
قال أبو جعفر: (ومن قذف رجلاً وهو ميت: فإنه لا يأخذه بحده إلا الوالد، والجد، والولد، وولد الولد).
قال أبو بكر: قال محمد في إملائه: لا يأخذ بحد الميت إلا الولد، أو
стр. 2691
الوالد ممن يرث ويورث وإن بعدوا.
فإن فقد إحدى هاتين الخصلتين: لم يأخذ بالحد أحد، لا بنت الابنة، ولا أم لأم الأب، وتأخذ بنت الابن، والجدة أم الأب.
قال أبو يوسف: ويأخذ بحد الميت ابن الابن، وقال زفر: لا يأخذ به مع الابن.
قال أبو بكر: ويحكى عن الحسن بن صالح: أنه يأخذ بحده من طالبه، وقام به من الناس وإن كان غيره أولى به.
فأما قول الحسن بن صالح، فخارج عن أقاويل الفقهاء، ويبطله النظر أيضًا، من قبل أن هذا لو كان غير مستحق بالميراث، أو بما حصل به من القدح في نسبه، لوجب أن يكون لكل واحد أن يطالب بحد المقذوف وإن كان حيًا.
ويدل على فساده: ما روي أن ماعزًا أقر عند النبي ﷺ أنه زنى بمولاة بني فلان، فأرسل إليها، فأنكرت، فخلى سبيلها، وأخذه بما أقر على نفسه، ولم يذلك أنه جلده حد الفرية فيها، ولو كان
стр. 2692
لكل واحد أن يطالب بحد المقذوف، لما أسقط النبي ﷺ ما وجب لها من الحد، ولإقامة عليه من غير مطالبة منها.
ولم يجلد هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء؛ لأنه لم يطالب به، ولو كان جائزًا إقامة حد المقذوف بغير مطالبة المقذوف، أو من يحصل بقذفه قدح في نسبه، لحده النبي ﷺ له، فصح بذلك أنه لا يجوز لكل أحد المطالبة بحد القذف، فلم يبق إلا أحد قولين.
أما من يقول إن لعصبة الميت وولده الأخذ بحده، أو قولنا: إنه لا يأخذ به إلا الولد والوالد، فلما ثبت أنه غير مستحق على وجه الميراث، لاتفاق الجميع على أنه لاحظ للزوج والزوجة والأخت في المطالبة به بطلب جهة الميراث أيضًا، فوجب أن يأخذ من حصل به القدح في نسبه وهو الولد؛ لأنه إذا كان أبوه زانيًا، لم يتصل به نسب ولد الابن، ومن عدا هؤلاء فلو استحقوه، استحقوه بالميراث، وقد بينا فساد ذلك.
مسألة: [قذف الذمية والأمة]
قال أبو جعفر: (ولا حد على من قذف ذمية، ولا أمة، ولا أم الولد، ولكنه يعزر).
وذلك لأن الذمية ليست بمحصنة. قال النبي ﷺ :
стр. 2693
"من أشرك بالله فليس بمحصن"، ومن شرائط الإحصان: الحرية أيضًا، ولا نعلم في ذلك خلافًا.
مسألة: [قذف الزانية والموطوءة بالشبهة]
قال: (ولا حد على من قذف امرأة وطئت بشبهة، أو بزنى، أو على نكاح فاسد).
وذلك لأن من شرائط حد القذف إحصان المقذوف بالعفة، والوطء الواقع على هذا الوجه يزيل الإحصان.
ويدل على أن الإحصان في هذا الموضع يراد به العفة: قول الله تعالى:﴾ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ﴿قيل: يعني العفائف.
وقال حسان بن ثابت ﵁ في عائشة ﵂:
حصان رزان ما تزن بريبةٍ .... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فإن قيل: الوطء بشبهة ليس بزنى، فينبغي أن لا يزيل الإحصان.
قيل له: أقل أحواله أن يكون إذا كان مشبهًا للزنى من وجه، وهو وقوعه في غير ملك ولا نكاح، أن يصير شبهة في درء الحد عن القاذف؛ لأن معنى الشبهة أن يشبه الفعل الحلال من وجه، والحرام من وجه.
стр. 2694
مسألة: [عدم قبول شهادة القاذف بعد الحد أبدًا]
قال أبو جعفر: (من حد في قذف: سقطت بذلك شهادته أبدًا، تاب أو لم يتب).
قال أبو بكر: وقال مالك، وعثمان البتي: تقبل شهادة كل محدود إذ تاب.
ويحكي عن الحسن بن حي والأوزاعي أن كل من حد في الإسلام في قذف أو غيره، لم تقبل شهادته أبدًا.
وقبل أصحابنا شهادة كل محدود إذا تاب، إلا المحدود في القذف، والأصل في بطلان شهادة المحدود في القذف: قول الله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون ﴿.
والدلالة من هذه الآية على صحة مقالتنا من وجوه:
أحدها: قوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ﴿، وذلك لفظ يقتضي بطلان شهادته على وجه التأييد، لعموم اللفظ.
ووجه آخر: وهو أنه تعالى لما قرنه بالتأييد، ولم يقتصر فيه على لفظ
стр. 2695
العموم فقط، وجب أن يكون لذلك فائدة، وهو أن لا تقبل بعد التوبة، ولولا ذلك كان وجود ذكر التأبيد وعدمه سواء.
ووجه آخر: وهو أن الآية مشتملة على معنيين: تسميته بالفسق، وبطلان شهادته جميعًا، ومعلوم أن لزوم سمة الفسق إياه، يمنع قبول شهادته، فلم يكن لذكره بطلان الشهادة وجه مع ذلك، إلا ليبين أنها لا تقبل أبدًا، وأن بطلانها ليس من جهة بطلانها بالفسق، فترفعه التوبة، كما ترفع بطلان الشهادة إذا كان من طريق الفسق.
ولو قبلنا شهادته بعد التوبة، لأخلينا قوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ﴿: من فائدة، وجعلنا وجوده وعدمه سواء، وذلك ما لا يجوز أن تحمل عليه معاني كتاب الله .
فإن قال قائل: لو لم يكن في نسق الخطاب استثناء التائب، لكان القول ما قلت، لكنه قال:﴾ إلا الذين تابوا ﴿، فوجب أن يرجع الاستثناء إلى جميع الكلام إلا ما قام دليله.
قيل له: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه، ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة، لأن الاستثناء تخصيص بعض ما انتظمه اللفظ، فحكمه أن يكون مقصورًا على ما يتقرر رجوعه إليه، ولا يخص به ما تقدم بالاحتمال، لامتناع تخصيص العموم بالاحتمال.
стр. 2696
فلما كان قد صح رجوع الاستثناء إلى زوال سمة الفسق، وهو الذي يليه، لم يجز لنا أن نرده إلى ما تقدمه إلا بدلالة، وكذلك قال أهل اللغة في حكم الاستثناء.
ويدل عليه قوله تعالى:﴾ إلا أل لوطٍ إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴿، وكانت المرأة مستثناه من المنجين دون من يليها في الخطاب ممن تقدم ذكرهم.
ويدل عليه: أن قائلاً لو قال: لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمًا، أن الدرهم مستثنى من الثلاثة، لأنه هو الذي يليها، والثلاثة مستثناه من العشرة.
وأيضًا: لو رددنا الاستثناء إلى ذكر بطلان الشهادة، لبطلت فائدة ذكر التأبيد، ومتى أمكننا استعمال اللفظ على فائدته، لم يجز لنا إسقاطها.
وأيضًا: فإن هذا يؤدي إلى إسقاط فائدة ذكر بطلان الشهادة رأسًا، إذ كان بطلانها موقوفًا على التوبة، كما وقفه لزوم سمة الفسق على التوبة، ومعلوم أن لزوم هذه السمة يبطل الشهادة حتى يتوب.
وأيضًا: فإن قوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ﴿: أمر، وقوله سبحانه:﴾ وأولئك هم الفاسقون ﴿: خبر مستأنف، لا يجوز دخوله في الأمر الأول، فوجب أن لا يرجع الاستثناء إليه، ألا ترى أنه لو قال: أعظ زيدًا درهمًا، وعبدي حر إن شاء الله تعالى، أن الاستثناء راجع إلى الحرية دون الأمر بإعطاء زيد، كذلك ما وصفنا.
стр. 2697
ويدل عليه من جهة السنة: ما حدثناه "ابن قانع قال: حدثنا حامد بن محمد قال: حدثنا شريح يعني ابن النعمان قال: حدثنا مروان بن معاوية عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ .
"لا تجوز في الإسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور، ولا مجلود حدًا، ولا ذي غمر على أخيه"، وذكر الحديث.
وروى عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن هلال بن أمية لما قذف امرأته، قال رسول الله ﷺ : "يجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين".
وروى بعضهم في هذا الحديث: أن الأنصار قالت هذا القول، ويجوز أن يكون النبي ﷺ قد قاله، وقالته الأنصار أيضًا.
وعموم هذه الأخبار تبطل شهادة القاذف على التأبيد.
فإن قيل: عموم هذه الأخبار يوجب بطلان شهادة كل محدود، في قذفٍ كان أو غيره.
قيل له: هو كذلك، ولولا دلالة قامت على قبولها في غير القاذف بعد التوبة، لقلنا بها.
* ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أن التوبة لا تأثير لها في إسقاط
стр. 2698
الحد لما تعلق به من حقوق الآدميين، وليس كذلك سمة الفسق، لأنه لا يتعلق به حق الآدمي، وهو حق الله تعالى خالصًا.
* وأما ما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال لأبي بكرة: "إن تبت، قبلت شهادتك".
فإن هذا لا يصح، من جهة أن سعيد بن المسيب لا يصح له سماع من عمر، ولأن سفيان بن عيينة شك فيه حتى استعمله عن عمر بن قيس، وعمر بن قيس هذا مطعون عليه في حديثه، وقد روى قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قال: "لا تقبل شهادته بعد التوبة".
* وأما الفصل بين حد القذف وسائر الحدود، فهو أن حد القذف به يتعلق بطلان الشهادة، لأنا نجيز شهادته قبل أن يحد، فلما لم يجز ارتفاع الحد الذي به يتعلق بطلان الشهادة، وجب أن لا يرتفع موجبه من بطلانها.
وأما حد السرقة والزنى وشرب الخمر، فلم يتعلق شيء منه ببطلان الشهادة، وإنما تعلق بطلان الشهادة فيها بالفعل الذي استحق به الحد قبل إقامته، فأشبه سائر الأفعال الموجبة لإسقاط الشهادة مما لا يتعلق به إيجاب حد، فوجب أن يسقط حكمها بالتوبة، إذ كان ما يتعلق من ذلك بحصول سمة الفسق يرتفع بارتفاع سمة الفسق.
فإن قال قائل: جميع ما استدللت به من الآية، ينتقض عليك بقولك:
стр. 2699
إن النصراني إذا حد في قذف، ثم أسلم، قبلت شهادته.
قيل له: ليس كذلك، لأن الكافر لم يدخل قط في حكم الآية عندنا من جهة اللفظ؛ لأن الله تعالى إنما حكم بهذا الحكم فيمن لزمتهم سمة الفسق بوقوع حد القذف بقوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون ﴿، والكافر قد كان مستحقًا لاسم الفسق قبل القذف، وقبل الحد، فلم تتناوله الآية، وإنما حددنا الكافر بغير الآية.
مسألة: [قبول شهادة النصراني بعد الإسلام]
قال أبو جعفر: (ومن حد في قذف وهو نصراني: لم تجز شهادته في حال كفره، وإن أسلم بعد ذلك: جازت شهادته على أهل الذمة وأهل الإسلام).
قال أبو بكر: وذلك لأن وقوع الحد به أسقط عدالته التي يتعلق بها قبول الشهادة، فلم تجز شهادته في حال كفره، فإن أسلم: جازت شهادته، وذلك لأن الشهادة تفتقر في صحة قبولها إلى معنيين: عدالة الدين، وعدالة الفعل؛ لأن من كان معتقدًا للإسلام يحتاج مع إسلامه إلى عدالة الأفعال؛ لأن الفاسق غير مقبول الشهادة وإن كان من أهل الإسلام.
وإذا كان كذلك، فالمسلم إذا حد في قذف: أبطل وقوع الحد به عدالته من جهة الدين والفعل جميعًا، فإذا تاب، فإن توبته إنما أحدثت له
стр. 2700
عدالة من طريق الفعل دون الدين؛ لأن دينه هو الذي كان يعتقده، وقد أبطلت عدالته فيه.
وأما النصراني إذا حد، فإنما بطلت عدالته من جهة دينه الذي يعتقده، ومن جهة الفعل أيضًا، فإذا أسلم وتاب، حصلت له عدالة الدين والفعل جميعًا، وهذه عدالة مستحدثة من هذين الوجهين، لم يبطلها الحد، إذ لم تكن موجودة في حال وقوع الحد به.
مسألة: [فيمن قذف وهو نصراني ثم أسلم وقد ضرب بعض الحد]
قال أبو جعفر: (وإن قذف وهو نصراني، فضرب بعض الحد، ثم أسلم، فضرب بقيته وهو مسلم: جازت شهادته).
قال أبو بكر: وذلك لأنه إنما ضرب بعض الحد وهو مسلم، وبعض الحد لا يُبطل عدالة الإسلام، فمن أجل ذلك جازت شهادته.
مسألة: [قذف الكافر بعد إسلامه]
قال: (ومن زنى من النصارى، ثم أسلم: فلا حد على قاذفه).
وذلك لأن من شرط حد القذف: إحصان المقذوف بالعفة، والزاني قد زالت عفته، فلا حد على قاذفه.
وأيضًا: فإنه صادق في قوله: "يا زاني"؛ لأن لزوم هذه السمة غير مقصور على حال الفعل، بل قد يجوز تسميته بها بعد انقضاء الفعل، قال الله تعالى:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما ﴿، ومعلوم أنه لم يرد جلدهما في
следующие страницы →