← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فلما كان قد صح رجوع الاستثناء إلى زوال سمة الفسق، وهو الذي يليه، لم يجز لنا أن نرده إلى ما تقدمه إلا بدلالة، وكذلك قال أهل اللغة في حكم الاستثناء. ويدل عليه قوله تعالى:﴾ إلا أل لوطٍ إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴿، وكانت المرأة مستثناه من المنجين دون من يليها في الخطاب ممن تقدم ذكرهم. ويدل عليه: أن قائلاً لو قال: لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهمًا، أن الدرهم مستثنى من الثلاثة، لأنه هو الذي يليها، والثلاثة مستثناه من العشرة. وأيضًا: لو رددنا الاستثناء إلى ذكر بطلان الشهادة، لبطلت فائدة ذكر التأبيد، ومتى أمكننا استعمال اللفظ على فائدته، لم يجز لنا إسقاطها. وأيضًا: فإن هذا يؤدي إلى إسقاط فائدة ذكر بطلان الشهادة رأسًا، إذ كان بطلانها موقوفًا على التوبة، كما وقفه لزوم سمة الفسق على التوبة، ومعلوم أن لزوم هذه السمة يبطل الشهادة حتى يتوب. وأيضًا: فإن قوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ﴿: أمر، وقوله سبحانه:﴾ وأولئك هم الفاسقون ﴿: خبر مستأنف، لا يجوز دخوله في الأمر الأول، فوجب أن لا يرجع الاستثناء إليه، ألا ترى أنه لو قال: أعظ زيدًا درهمًا، وعبدي حر إن شاء الله تعالى، أن الاستثناء راجع إلى الحرية دون الأمر بإعطاء زيد، كذلك ما وصفنا.

стр. 2697

ويدل عليه من جهة السنة: ما حدثناه "ابن قانع قال: حدثنا حامد بن محمد قال: حدثنا شريح يعني ابن النعمان قال: حدثنا مروان بن معاوية عن يزيد بن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ . "لا تجوز في الإسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور، ولا مجلود حدًا، ولا ذي غمر على أخيه"، وذكر الحديث. وروى عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن هلال بن أمية لما قذف امرأته، قال رسول الله ﷺ : "يجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين". وروى بعضهم في هذا الحديث: أن الأنصار قالت هذا القول، ويجوز أن يكون النبي ﷺ قد قاله، وقالته الأنصار أيضًا. وعموم هذه الأخبار تبطل شهادة القاذف على التأبيد. فإن قيل: عموم هذه الأخبار يوجب بطلان شهادة كل محدود، في قذفٍ كان أو غيره. قيل له: هو كذلك، ولولا دلالة قامت على قبولها في غير القاذف بعد التوبة، لقلنا بها. * ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أن التوبة لا تأثير لها في إسقاط

стр. 2698

الحد لما تعلق به من حقوق الآدميين، وليس كذلك سمة الفسق، لأنه لا يتعلق به حق الآدمي، وهو حق الله تعالى خالصًا. * وأما ما رواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال لأبي بكرة: "إن تبت، قبلت شهادتك". فإن هذا لا يصح، من جهة أن سعيد بن المسيب لا يصح له سماع من عمر، ولأن سفيان بن عيينة شك فيه حتى استعمله عن عمر بن قيس، وعمر بن قيس هذا مطعون عليه في حديثه، وقد روى قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قال: "لا تقبل شهادته بعد التوبة". * وأما الفصل بين حد القذف وسائر الحدود، فهو أن حد القذف به يتعلق بطلان الشهادة، لأنا نجيز شهادته قبل أن يحد، فلما لم يجز ارتفاع الحد الذي به يتعلق بطلان الشهادة، وجب أن لا يرتفع موجبه من بطلانها. وأما حد السرقة والزنى وشرب الخمر، فلم يتعلق شيء منه ببطلان الشهادة، وإنما تعلق بطلان الشهادة فيها بالفعل الذي استحق به الحد قبل إقامته، فأشبه سائر الأفعال الموجبة لإسقاط الشهادة مما لا يتعلق به إيجاب حد، فوجب أن يسقط حكمها بالتوبة، إذ كان ما يتعلق من ذلك بحصول سمة الفسق يرتفع بارتفاع سمة الفسق. فإن قال قائل: جميع ما استدللت به من الآية، ينتقض عليك بقولك:

стр. 2699

إن النصراني إذا حد في قذف، ثم أسلم، قبلت شهادته. قيل له: ليس كذلك، لأن الكافر لم يدخل قط في حكم الآية عندنا من جهة اللفظ؛ لأن الله تعالى إنما حكم بهذا الحكم فيمن لزمتهم سمة الفسق بوقوع حد القذف بقوله تعالى:﴾ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون ﴿، والكافر قد كان مستحقًا لاسم الفسق قبل القذف، وقبل الحد، فلم تتناوله الآية، وإنما حددنا الكافر بغير الآية. مسألة: [قبول شهادة النصراني بعد الإسلام] قال أبو جعفر: (ومن حد في قذف وهو نصراني: لم تجز شهادته في حال كفره، وإن أسلم بعد ذلك: جازت شهادته على أهل الذمة وأهل الإسلام). قال أبو بكر: وذلك لأن وقوع الحد به أسقط عدالته التي يتعلق بها قبول الشهادة، فلم تجز شهادته في حال كفره، فإن أسلم: جازت شهادته، وذلك لأن الشهادة تفتقر في صحة قبولها إلى معنيين: عدالة الدين، وعدالة الفعل؛ لأن من كان معتقدًا للإسلام يحتاج مع إسلامه إلى عدالة الأفعال؛ لأن الفاسق غير مقبول الشهادة وإن كان من أهل الإسلام. وإذا كان كذلك، فالمسلم إذا حد في قذف: أبطل وقوع الحد به عدالته من جهة الدين والفعل جميعًا، فإذا تاب، فإن توبته إنما أحدثت له

стр. 2700

عدالة من طريق الفعل دون الدين؛ لأن دينه هو الذي كان يعتقده، وقد أبطلت عدالته فيه. وأما النصراني إذا حد، فإنما بطلت عدالته من جهة دينه الذي يعتقده، ومن جهة الفعل أيضًا، فإذا أسلم وتاب، حصلت له عدالة الدين والفعل جميعًا، وهذه عدالة مستحدثة من هذين الوجهين، لم يبطلها الحد، إذ لم تكن موجودة في حال وقوع الحد به. مسألة: [فيمن قذف وهو نصراني ثم أسلم وقد ضرب بعض الحد] قال أبو جعفر: (وإن قذف وهو نصراني، فضرب بعض الحد، ثم أسلم، فضرب بقيته وهو مسلم: جازت شهادته). قال أبو بكر: وذلك لأنه إنما ضرب بعض الحد وهو مسلم، وبعض الحد لا يُبطل عدالة الإسلام، فمن أجل ذلك جازت شهادته. مسألة: [قذف الكافر بعد إسلامه] قال: (ومن زنى من النصارى، ثم أسلم: فلا حد على قاذفه). وذلك لأن من شرط حد القذف: إحصان المقذوف بالعفة، والزاني قد زالت عفته، فلا حد على قاذفه. وأيضًا: فإنه صادق في قوله: "يا زاني"؛ لأن لزوم هذه السمة غير مقصور على حال الفعل، بل قد يجوز تسميته بها بعد انقضاء الفعل، قال الله تعالى:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما ﴿، ومعلوم أنه لم يرد جلدهما في

стр. 2701

حال الفعل؛ لأن ذلك ممتنع، فإذا كان صادقًا في قذفه، لم يجب عليه الحد؛ لأن وقوع الحد به حكم كذبه، قال الله تعالى:﴾ فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ﴿، وغير جائز إيجاب الحكم بكذبه، مع صحة العلم بكونه صادقًا. مسألة: [قذف الجماعة أو الرجل مرارًا] قال: (ومن قذف رجلاً مرارًا، أو قذف جماعة: فليس عليه إلا حد واحد). وذلك لقوله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ﴿، وذلك يتناول قذف الجماعة والواحد، ثم قال:﴾ فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴿، فاقتضى عمومها الاقتصار على حد واحد. لما روى محمد بن كثير قال: حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك "أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: ائت بأربعة شهداء، وإلا فحد في ظهرك، قال: والله يا رسول الله إن الله ليعلم أني لصادق، قال: فجعل النبي ﷺ يقول: أربعة وإلا فحد في

стр. 2702

ظهرك"، يقول ﵊ ذلك مراراً، فنزلت آية اللعان. فثبت بذلك أن قذف الجماعة لا يوجب إلا حدًا واحدًا؛ لأنه قذف شخصين، وأخبر النبي ﷺ أن عليه حدًا واحدًا، وقد كان قذف الزوجات حينئذٍ يوجب الحد، ثم نسخ باللعان. وأيضًا: أجمعوا أن من قذف امرأته مرارًا: أنه لا يجب عليه إلا لعان واحد، واللعان حد الأزواج في قذف الزوجات، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في امرأة هلال بن أمية حين جاءت بالولد على الصفة المكروهة: "لولا ما مضى من الحد، لكان لي ولها شأن". فوجب أن يكون كذلك حكم الجلد إذا قذف الأجنبي مرارًا. وأيضًا: حد القذف عندنا حق الله ، لما بيناه فيما سلف، كحد الزنى والشرب ونحوه، فلا يجب إلا حد واحد. مسألة: [حكم القذف أثناء الحد] قال أبو جعفر: (ومن قذف رجلاً، فضرب بعض الحد، ثم قذف آخر: فلا شيء عليه إلا ما بقي من الحد الأول). وذلك لأن اجتماع هذه الحدود لما كان شبهة في سقوطها، ووجوب

стр. 2703

الاقتصار على واحد منها، كان بقاء بعض الحد مثل بقاء جميعه؛ لأن ما كان شبهة كان وجود بعضه كوجود جميعه في كونه شبهة، ألا ترى أن الأب لما كان له شبهة ملك في جارية ابنه، لم يختلف الحكم في ملكه لبعضها أو لجميعها في باب سقوط الحد عن الأب بوطئها. وكذلك وقوع كمال الحد بعد قذف الثاني، وجب أن يكون كوقوع جميعه في استيفاء حده. وليس هذا مثل النصراني إذا حد بعض الحد، ثم أسلم فحد بقيته في حال الإسلام، فلم يمنع ذلك جواز شهادته، من قبل أن شرط بطلان الشهادة استيفاء الحد بكماله في حال الإسلام، وليس وجود بعضه موجبًا لإسقاطها. مسألة: [عتق العبد القاذف قبل أن يحد] (وإذا قذف العبد رجلاً، فلم يحد حتى أعتق: فإن عليه حد العبد). وذلك لأن وجوب الحد يتعلق بالقذف، وقد استقر عليه أربعون جلدة، والعتق ليس بموجب، فلا يغير حكم ما وجب. مسألة: [قذف الحربي المستأمن المسلم] قال أبو جعفر: (وعلى الحربي المستأمن الحد إذا قذف مسلمًا، وإن زنى: لم يحد في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحد).

стр. 2704

أما حد القذف فإن المطالبة به حق لآدمي، لما تناول من عرضه، فهو كسائر الحقوق الواجبة للآدميين، فيؤخذ به، لأنا لم نعطه الأمان على أن يتناول عرضنا، كما لم نعطه الأمان على تناول مالنا. فإن قيل: المطالبة بحد السرقة حق لآدمي، ومع هذا لا يُقطع الحربي إذا سرق. قيل له: ليس كما ظننت، لأن المسروق منه لا حق له في المطالبة بالقطع، وإنما حقه المطالبة بالمال، ألا ترى أنه لو رد المال قبل الخصومة، سقطت مطالبته، وأنه لو ثبتت السرقة عند الحاكم، ورد المال عليه، فغاب وترك المطالبة بالقطع: قطع. وأما حد القذف فإن حق الآدمي فيه المطالبة بإقامته لا بشيء غيره، ألا ترى أنه لا يحد إلا بحضوره ومطالبته، وأنه لو غاب: لم يحد. وأما حد الزنى، فهو حق الله تعالى، لا حق لآدمي فيه، وهو لم نعطه الأمان على أن نجري عليه أحكامنا، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يصير ذميًا داخلاً في أحكامنا، وذلك خلاف ما يقتضيه الأمان. * وأما أبو يوسف، فإنه يقيم عليه حد الزنى، لقول الله تعالى:﴾ وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ﴿قال: فلو أمكنني أن أتبعهم في ديارهم بأحكامنا فعلت. مسألة: [الإقرار بالزنى بغائبة] قال أبو جعفر: (ومن أقر أنه زنى بامرأة غائبة: فإنه يحد).

стр. 2705

كما حد النبي ﷺ ماعزًا والجهنية وغيرهما. * قال: (فإن حضرت وأقرت بمثل ذلك: أقيم عليها الحد أيضًا بإقرارها). * قال: (فإن حضرت قبل أن يحد الرجل، فكذبته وطالبت بحدها: حد لها في القذف، ولم يحد في الزنى). وذلك لأنه حين حددناه في القذف، فقد حكمنا بكذبه في إقراره بوطئه إياها. * قال: (ولو للزنى، ثم حضرت، فكذبته، وطالبت بحدها: لم يحد لها؛ لحصول اليقين أنه لا يجوز اجتماع الحدين عليه للفعل المقر به). لأنه لا يخلو من أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا: فعليه حد الزنى دون حد القذف، وإن كان كاذبًا: فعليه حد القذف، وإذا حكم عليه بأحدهما: انتفى الآخر. وأيضًا: فإن حكمنا عليه بحد الزنى: حكم بصدقه في إقراره به، وإذا صار محكومًا بصدقه: لم يحد للمرأة. مسألة: [رجوع أحد الشهود الأربع في قضية الزنى] قال أبو جعفر: (ومن شهد عليه أربعة بالزنى، فلم يقض بشهادتهم حتى رجع أحدهم: حدوا جميعًا للقذف). قال أبو بكر: وذلك لأنهم صاروا قذفه قبل أن تتم شهادتهم، لأن

стр. 2706

الشهادة يتعلق حكمها بالقضاء، وإمضاء الحكم بها. [مسألة:] قال: (وإن قضى القاضي بشهادتهم، ثم رجم، ثم رجع أحدهم: فإن عليه ربع دية المشهود عليه، وعليه الحد في قذفه إياه). وذلك لأن الشهادة قد تمت بإمضاء الرجم، وسقطت المراعاة فيها، فإذا رجع أحدهم: صدق على نفسه خاصة في إيجاب الضمان والحد، ولم يصدق على فسخ شهادة الآخرين، وقد تلفت النفس بشهادة الأربعة، وقد رجع واحد، فعليه ضمان ما أتلفه بشهادته، وهو ربع النفس، وعليه الحد؛ لأن ذلك القول صار قذفًا منه الآن فلزمه الجد، كمن قذف رجلاً بعد الموت. وليس هذا بمنزلة من قذف رجلاً في حياته، ثم يموت المقذوف: فيسقط الحد عن القاذف، من قبل أن هذه كانت شهادة صحيحة إلى وقت الرجوع، وإنما صارت قذفًا عند الرجوع، فصار كقاذف الميت. وذهب زفر على أن هذا قاذف قبل الموت، فلا حد عليه. [مسألة:] قال أبو جعفر: (وإن رجع أحدهم بعد قضاء القاضي بشهادتهم، وقبل إقامة الحد على المشهود عليه، فإن أبا حنيفة قال: يحدون جميعًا، وقال أبو يوسف ومحمد: يحد الراجع، ولا يحد الباقون). قال أبو بكر: أبو يوسف مع أبي حنيفة في هذه المسألة، والذي ذكره

стр. 2707

هو قول محمد وحده. وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن هذه الشهادة حكمها مراعي، ما لم يستوف الحد بها، ألا ترى أن الشهود هم الذين يبدؤون بالرجم امتحانًا لهم، وليعلم أنهم ثابتون على الشهادة أم لا. ويدل عليه: اتفاق الجميع على سقوط الحد عن المشهود عليه برجوع الراجع منهم، فوجب أن يكون حالها بعد قضاء الحكم بها قبل استيفاء الحد، كهي قبله. وليست هذه كرجوع الشاهد بعد إمضاء الحكم بشهادته في إثبات الأموال وسائر الحقوق، في أنه لا تأثير لرجوعه إلا في إيجاب الضمان عليه؛ لأن رجوعهم قبل استيفاء المال لا يؤثر في الحكم الذي أمضاه الحاكم، ورجوعهم في الحد قبل استيفائه يبطله. وأيضًا: فلما كانت الشبهة العارضة في الحد قبل استيفائه، بمنزلة الشبهة الموجودة في حال الفعل في باب سقوط الحد، وجب أن يكون الرجوع عن الشهادة قبل استيفاء الحد، بمنزلة الرجوع عنها قبل الحكم. *وذهب محمد إلى أنه لما لم يبطل المال برجوع الشاهد بعد الحكم، وبطل قبل الحكم، وجب مثله في الحد، فلا ينفسخ الحكم الواقع من الحاكم، والحد والمال وإن كانا مفترقين من جهة سقوط الحد بالرجوع بعد إمضاء الحكم، وامتناع سقوط المال، فإن اختلافهما إنما كان من جهة أن من شأن الحدود إسقاطها بالشبهة، فغير جائز إيجاب الحد على الشهود الباقين بالشبهة التي بها أسقطنا الحد عن المشهود عليه.

стр. 2708

مسألة: [اشتراط حضور الشهود الأربعة في إثبات الزنى] (وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى، وجاءوا متفرقين، حدوا جميعًا، إلا أن يقيموا الشهادة وهم حضور في مجلس الحكم). وذلك لقول الله تعالى:﴾ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴿، فشرط في زوال الحد أن يأتي القاذف بأربعة شهداء، فإذا جاء بثلاثة معه، فالحد واجب. ويدل عليه أيضًا: حديث أنس بن مالك أن هلال بن أمية لما قذف امرأته، قال النبي ﷺ : "ايتيني بأربعة يشهدون، وإلا فحد في ظهرك"، ولو جاز أن يكون شاهدًا، قال: "ايتيني بثلاثة يشهدون". وأيضًا: لما جاء وحده كان قاذفًا، ولزمه الحد إلا أن يقيم البينة على الزنى، فلا يبرأ إلا بأربعة غيره بشهدون؛ لأنه لا يجوز أن يبرأ بشهادة نفسه، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنهم يزعمون أنه فاسق بالقذف، فكيف يكون شاهدًا فيه؟ مسألة: [حكم من صدق القاذف] قال: (ومن قذف رجلاًَ بالزنى، فقال له رجل: صدقت: حد الأول، ولم يحد الثاني). وذلك لأن قوله: صدقت: يحتمل تصديقه في القذف وفي غيره، ولا

стр. 2709

يكون قاذفًا بالاحتمال. * (ولو قال له: صدقت هو كما قلت: حدًا جميعًا). وذلك لأن قوله: هو كما قلت: تصديق له في نفس القذف بلا احتمال لغيره، فصار كقوله: هو زان؛ لأنا قد عقلنا به ما نعقل بصريح القذف. وليس هذا إيجاب حد بكناية؛ لأن هذه الكناية بمنزلة الصريح، إذ كان المعقول منها ما يعقل من الصريح. مسألة: قال: (ومن كان له عبد، وللعبد أم حرة مسلمة قد ماتت، فقذفها مولاه: فليس للعبد أن يأخذ مولاه بحدها). لأن العبد لا يملك ذلك على المولى، كما لا يملك عليه سائر الحقوق، ألا ترى أنه لو قتله: لم يقتل به. مسألة: [قذف الأب أم ابنه] قال: (وكذلك الابن لا يأخذ أباه بحد أمه). لأن الابن لا يملك ذلك على أبيه، والدليل عليه: أنه لو قذفه لم يحد مع كونه محصنا، ولو قتله: لم يُقتل به، فما دونه أحرى أن لا يملكه منه. مسالة: [قذف أم النصراني المسلمين] قال: (وإذا قذف أم النصراني، أو العبد، وهي حرة مسلمة قد ماتت:

стр. 2710

فلهما أن يأخذا بحدها). وذلك لأن هذا قذف صحيح، قد حصل به القدح في نسبهما، وكان لهما أن يأخذاه بالحد كالحر المسلم. ولا يشبه هذا قذفه لهما، فلا يجب الحد، من قبل أن هذا ليس بقذف صحيح، لأنه لم يقذف محصنًا. مسألة: [قذف امرأة غريبة معها أولاد لا يُعرف لهم أب] قال أبو جعفر: (وإذا قدمت المرأة من بعض البلدان، ومعها أولاد لا يُعرف لهم أب، فقذفها رجل: فلا حد عليه). وذلك لأنه لما لم يعرف لأولادها أب، أشبهت الزانية، والزانية لا نسب لأولادها من جهة الأب، فلما أشبهت الزانية من هذا الوجه، سقط الحد عن قاذفها، لأن الحد يسقط بالشبهات. مسألة: [شهادة الأعمى والمحدود في القذف] قال: (ومن شهد عليه أربعة بالزنى، وهم عميان، أو محدودون في قذف: حدوا جميعًا). وذلك لأن بطلان شهادتهم من جهة اليقين، أما الأعمى فإنه لا يشاهد المشهود عليه، فصار بمنزلة من قال: رأيته زنى، ثم قال: لم أره زنى، فيكون مكذبًا لنفسه.

стр. 2711

وأما المحدود في القذف، فقد حكم ببطلان شهادته بالحد الواقع به، فلما بطلت شهادته من طريق الحكم، خرج من أن يكون من أهل الشهادة. مسألة: [شهادة غير العدول في الزنى] قال: (ولو شهد عليه أربعة فساق أحرار مسلمون، لم يحد واحد منهم). وذلك لأنهم من أهل الشهادة؛ لأنه لا يقع الحكم ببطلان شهادتهم، لأن الفسق المانع من قبولها لا يصح إثباته عند الحاكم، ولا الخصومة في إثباته، فلم يخرج من أن يكون من أهل الشهادة. ووجه آخر: وهو أن الفسق إنما يمنع قبول الشهادة من جهة ما ظهر منه، وجائز أن يكون تائبًا في حال إقامة الشهادة، فلم يحصل معنى يقين ببقائه على الفسق، ولا وقع الحكم ببطلان شهادته، فلذلك لم يحدوا. مسألة: [من قال لشخص: لست بابن فلان] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجلٍ في غضب: لست بابن فلانٍ الذي يدعى له: ضرب الحد). وذلك لأن كلامه خرج مخرج السب والشتم، ولا وجه له فيما يقتضيه الحال غير نفي نسبه عن أبيه.

стр. 2712

وقد روى ابن وهب عن عبد الله بن يزيد عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود ﵁: "لا حد إلا في اثنتين: قذف محصنة، أو بنفي رجل عن أبيه". قال أبو بكر: وهذا إذا كانت أمه محصنة؛ لأنه قاذف لها، فإن كانت حية، فهي التي تأخذ بالحد، وإن كانت ميتة، فلابن أن يأخذ بحدها. وإن كانت الأم غير محصنة، فلا حد على قائل ذلك. * قال: (وإن قال في غير غضب: فلا حد عليه). وذلك لأن اللفظ في هذه الحال يحتمل وجهين في العادة: أحدهما: أنه لا يشبه أباه في أخلاقه وأفعاله، ويحتمل أيضًا: نفي نسبه من أبيه، وإذا احتمال اللفظ غير القذف: لم يحد؛ لأنه لا يجوز إقامة الحد بالشبهة، وهو من شأنه أن يسقط بالشبهة. مسألة: [نسبة الولد إلى الجد أو العم أو الخال] قال: (ولو قال: لست بابن فلانٍ لجده: لم يحد). لأنه صادق، ليس هو ابنه على الحقيقة. * (ولو قال: أنت ابن فلان لعمه أو خاله أو زوج أمه: لم يحد).

стр. 2713

وذلك لأن الله تعالى قد سمى العم أبا بقوله:﴾ نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴿. وأما الخال، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الخالة والدة"، فإذا كانت الخالة والدة، فالخال والد. وروي في تأويل قوله :﴾ ورفع أبويه على العرش ﴿قال: كانت خالته وأبوه. وأما زوج الأم، فقد روي في تفسير قوله تعالى:﴾ بابني اركب معنا ﴿: أنه كان ابن امرأته، فمتى نسبه إلى من يجوز إطلاق الاسم الذي نسبه إليه بحال: لم يحد. مسألة: [من قال لرجل: يا زاني، فرد عليه نفس القول] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: يا زاني، فقال: لا، بل أنت: يحد

стр. 2714

كل واحد منهما لصاحبه). لأن قوله: "لا": نفي لما قذفه به، وقوله: "بل" كلمة استدراك وإثبات لما نفاه عن نفسه له، وهذا المعنى معقول من لفظه وإن كان كناية، كما يعقل من الصريح. مسألة: [من قال لامرأته: يا زانية، فردت عليه بمثل قوله] قال: (ومن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا، بل أنت: فإنها تحد، ولا تلاعن). وذلك لأنا متى أمكننا أن نتوصل إلى إسقاط الحد، وجب علينا أن نفعل، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم"، ولو بدأنا باللعان: كان حدها باقيًا، فإذا بدأنا بحدها سقط اللعان، لأن المحدود في القذف لا يلاعن، فوجب أن نبدأ بحدها. مسألة: قال: (ومن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: زنيت بك: فلا حد، ولا لعان). وذلك لأن تحت هذه الكلمة معنيان: أحدهما: الاعتراف منها بالزنى، وذلك يُسقط اللعان، والآخر: قذفها إياه، بأنه زنى بها، والمرأة لا تكون زانية بزوجها، فلم يكن عليها حد من أجل ذلك.

стр. 2715

فإن قيل: فإذا لم تكن المرأة زانية بزوجها، فلا ينبغي أن يكون ذلك اعترافًا منها بالزنى، فالواجب أن يكون بينهما اللعان. قيل له: قد يصح في حال أن تكون زانية به قبل النكاح، واحتمال اللفظ لذلك يسقط اللعان، والحال يقتضي أن لا تكون زانية به، ولم يضف القذف إلى حال قبل النكاح، فيثبت القذف، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. مسألة: [إقرار الرجل أو المرأة بالزنى، ونفي الآخر] قال: (وإذا أقر أربع مرات أنه زنى بامرأة، وقالت: تزوجتني، أو أقرت هي أربع مرات، وقال هو: تزوجتها: سقط الحد، وعليه المهر). وذلك لأن دعوى النكاح يوجب الخصومة في إثباته، وإذا حصلت فيه الخصومة، صار ذلك شبهة في سقوط الحد؛ لأن الحد لا يثبت بالخصومات. وأيضًا: على أصل أبي يوسف ومحمد: أن المدعى عليه منهما، يُستحلف على دعوى الآخر، فإذا وقفنا الحد على حصول اليمين، أوجب ذلك إسقاطه، من قبل أنه يوجب أخذ الحد بالنكول أو اليمين، وإذا سقط الحد وجب المهر، لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من إيجاب حد أو مهر. مسألة: قال: (وإذا تزوج المجوسي ذات محرمه ووطئها، ثم أسلم، فقذفه.

стр. 2716

رجل: فعليه الحد في قول أبي حنيفة). لأنه قد كان مقرًا على ذلك النكاح، فكان حكمه حكم النكاح الصحيح، فوجب على قاذفه الحد بعد الإسلام. * (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحد قاذفه). لأنا قد علمنا أنه وطئ وطئًا حرامًا في غير ملك، فأقل أحواله أن يكون بمنزلة من وطئ على نكاح فاسد. مسألة: [من قال لمسلم: يا فاسق أو يا خبيث] قال: (ومن قال لمسلم: يا فاسق، أو يا سارق، أو يا خبيث: عزر). وذلك لأنه قد نال من عرضه، وذلك محظور عليه، فقد قال النبي ﷺ : "دماؤكم وأموالكم وأعرضكم عليكم حرام"، فيجب أن يُزجر عن ذلك بالتعزير، كما يزجر عن القذف بالحد، ولا يبلغ به الحد، لأنه دون القذف، كما لا يبلغ بالجماع فيما دون الفرج الحد، وقد بينا قبل ذلك أن التعريض بالقذف لا حد فيه. * وقال مالك في قوله: "يا خبيث": يُحلف بالله ما أراد القذف، ثم يعزر. وهذا القول ظاهر الفساد؛ لأن الله قد نهى عن التجسس

стр. 2717

بقوله:﴾ ولا تجسسوا ﴿، ونهى عن الظن فقال عز اسمه:﴾ إن بعض الظن إثم ﴿، فكيف يجوز أن يسأل عن ظن لا يجوز لنا أن نعتقده فيه؟! * وقال مالك: عليه الحد في قوله: "يا مخنث"، وقال في قوله: "يا فاسق" عليه التعزير. قال أبو بكر: ولا فرق بين ذلك في قوله: "يا فاسق"، أو " يا مخنث"، من قبل أن قوله: "يا مخنث": إن كان إثما أوجب فيه الحد، لاحتماله القذف، فالفاسق مثله. وقد روى ابن أبي فديك قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبية الأشهلي عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الرجل للرجل: يا مخنث: فاجلدوه عشرين، وإذا قال له: يا يهودي: فاجلدوه عشرين". مسألة: [القذف بأي لسان كان يوجب الحد] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: زنأت في الجبل، ثم قال: عنيت

стр. 2718

الصعود، فإنه يحد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يحد). لأبي حنيفة: أنه لا فرق في معقول خطاب الناس، وما جرت به عادتهم بين قوله: زنأت، وبين قوله: زنيت، فصار اللفظان جميعًا عبارة عن الزنى نفسه، وإن كانا مفترقين في حقيقة اللغة، فواجب أن لا يختلفا في الحكم، إذ كانت العبارتان تنبئان عن معنى واحد، كما لو قذفه بالفارسية حد؛ لأن اللفظ ينبئ عن معنى الزنى بالعربية. وحمل محمد اللفظ على حقيقته، فلم يجعله قذفًا من أجل ذلك، ولأن أقل أحواله أن يكون محتملاً للزنى ولغيره، فلا يحد ..... ولأبي حنيفة: أن هذا اللفظ في العرف لا يحتمل معنى غير القذف، فحمله على المعقول منه في العرف. مسألة: [حكم من قال لرجل: يا زانية] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: يا زانية: لم يحد). قال أبو بكر: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو استحسان من قولهم، ذكره أبو يوسف. وقال محمد يحد. لأبي حنيفة: أن هذه الهاء تدخل في وصف المذكر على جهة المبالغة في الوصف له بالعلم، يقال: فلان علامة، ونسابة، ومنه: قول الله تعالى:

стр. 2719

﴾ بل الإنسان على نفسه بصيره ﴿، فصار كقوله: أنت أزنى الناس، وأنت أعلم الناس بالزنى، وليس ذلك بقذف؛ لأن العلم بالزنى لا يقتضي وقوع الفعل. مسألة: [من قال لامرأته: يا زاني] (وأما إذا قال لامرأته: يا زاني، فإنه يحد). في قولهم جميعًا، من قبل أن صفة المؤنث قد تسقط عنها الهاء في حال، ولا يتغير حكم الكلام، كقولك: امرأةٌ حائض، وطاهر، وطالق، وخصم، ورسول، ونحوها من الأسماء التي قد أسقطت منها الهاء عن صفات المؤنث. ولأن الهاء زائدة، ليست من أصل الكلمة، وإنما دخلت للفرق بين المؤنث والمذكر لا غير، كما كسروا تاء المخاطبة والكاف في المؤنث. فلو أن رجلاً قال لامرأته: زنيت، فنصب التاء: كان عليه الحد وإن كان من حُكمها في اللغة كسرها في خطاب المؤنث. مسألة: [لا حد على من قال لعربي: يا نبطي] قال أبو جعفر: (ومن قال لعربي: يا نبطي، فلا حد عليه). وذلك لأن هذه النسبة قد تقع إلى البلد، كما يقال: مكي، ومدني، فلا يكون قذفًا إذا احتمال ما وصفنا.

стр. 2720

وقد روي نحوه عن ابن عباس ﵄. مسألة: [لا حد على من نسبه لغير صنعته] قال: (ومن قال لرجل: يا ابن الخياط، وأبوه ليس كذلك: لم يكن هذا قذفًا). وذلك لأن من قال لرجل ليس بخياط: أنت خياط: لم يلزمه شيء، وكما لو قال له: يا ابن الأعور، ويا ابن الأعمى، وأبوه ليس كذلك: لم يكن قذفًا؛ لأنه إنما وصف أباه بصفة ليس هو عليها. مسألة: [لا حد على من قال لعربي: لست بعربي وهو منهم] (ومن قال لرجل: لست من العرب، وهو منهم: لم يحد). لأنه يجوز أن يريد به قذف الأم العليا، ولا حد على قاذفها؛ لأنا لا نعلم إحصانها. ****************************

стр. 2721

كتاب السرقة وقطع الطريق مسألة: [نصاب السرقة] قال أبو جعفر: (ولا تقطع يد السارق في السرقة حتى يكون عشرة دراهم فصاعدًا، أو ما يساويها، بعد أن يخرجها من حرزها). قال أبو بكر: الكلام في هذا الفصل من وجهين: أحدهما: في مقدار ما يقطع به السارق، والآخر: في اعتبار الحرز. فأما اعتبار المقدار، فلا خلاف فيه بين الأمة، وإنما اختلفوا في تقديره ومبلغه، فاعتبر أصحابنا فيه عشرة دراهم، وإيجاب القطع في العشرة اتفاق من فقهاء الأمصار، وإنما الخلاف فيما دونها. والأصل فيه: أن ما كان من هذا النوع من المقادير، لا سبيل إلى إثباته إلا من أحد وجهين: التوقيف أو الاتفاق، فلما لم يثبت التوقيف فيما دون

стр. 2722

العشرة، لما سنذكره فيما بعد، وثبت الاتفاق في العشرة: أثبتناها، ولم نثبت ما دونها لعد التوقيف أو الاتفاق فيه. قال أبو بكر: ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿؛ لوجوهٍ أنا ذاكرها: أحدها: أنها في معنى المجمل الذي لا يصح الاحتجاج بعمومه، وحكمه موقوف على بيانٍ من غيره، بدلالة السنة واتفاق السلف. * فأما دلالة السنة على ما ذكرنا: فهو ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثنا وهيب عن أبي واقد قال: حدثني عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقطع يد السارق إلا في ثمن المجن". وروي ابن لهيعة عن أبي النضر عن عمرة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا يقطع السارق إلا فيما بلغ ثمن المجن فما فوقه". وروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال:

стр. 2723

قال رسول الله ﷺ : "أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا يقطع السارق فيما دون ثمن المجن". فثبت بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطاع موقوف على ثمن المجن، فصار ذلك كوروده مع الآية، مضمومًا إليها، كأنه قال تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما إذا بلغت سرقته فيها ثمن المجن. وهذا اللفظ مفتقر إلى البيان، غير مكتف بنفسه في إيجاب الحكم، وما كان هذا سبيله، لم يصح الاحتجاج بعمومه. * وأما ما يدل على ذلك من جهة اتفاق السلف ﵃: فهو ما روي عن السلف في تقويم المجن: فروي عن ابن عباس ﵄ وعبد الله بن عمر، وأيمن الحبشي، وأبي جعفر، وعطاء وإبراهيم في آخرين، أن قيمته كانت عشرة دراهم. وقال ابن عمر ﵁: قيمته ثلاثة دراهم. وقال أنس وعروة والزهري وسليمان بن يسار: قيمته خمسة دراهم. وقالت عائشة ﵂: ربع دينار.

стр. 2724

ومعلوم أن ذلك لم يكن تقويمًا منهم لسائر المجان؛ لأنهما تختلف كاختلاف الثياب وسائر العروض، فيكون فيها الجيد والوسط والدون، ولا محالة أن ذلك كان تقويمًا منهم للمجن الذي قطع فيه النبي ﷺ . ومعلوم أيضًا: أنهم لم يحتاجوا إلى تقويمه من حيث قطع فيه النبي ﷺ ؛ لأنه ليس في قطع النبي ﷺ في شيء بعينه دلالة على أن القطع غير واجب فيما دونه، كما أن قطعه ﵊ السارق في ثمن المجن غير دال على أن غير المجن لا قطع فيه. فإذًا لا مجالة قد كان من النبي ﷺ توقيف لهم حين قطع السارق، أن القطع لا يجب فيما دونه، فدل ذلك على إجمال حكم الآية، كدلالة الأخبار التي قدمناها عن النبي ﷺ لفظًا في نفي القطع عما دون قيمة المجن، فسقط الاحتجاج بعمومها في إثبات المقدار، ووجب معرفة قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه سلم من غيرها. فهذه الجملة التي ذكرنا تدلنا على أن حكم الآية الكريمة مجمل، ويدلنا أيضًا على أن القطع غير واجب فيما دون العشرة، من قبل أن المقومين إذا اختلفوا في قيمة شيء، فتقويم الزائد أولى، كما أن رجلاً لو استهلك لرجل ثوبًا، فقومه عدلان بتسعة، وآخران بعشرة: أن الذي ثبت

стр. 2725

من ذلك هو العشرة، لوجود الزيادة فيها، فوجب مثله في تقويم ثمن المجن. ومن أصحابنا من يأبي اعتبار عموم اللفظ في مثل ذلك، من جهة تعلق الحكم فيه بمعنى لا ينتظمه الاسم، ولا يصح أن يكون عبارة عنه، وهو الحرز والمقدار، والاقتصار به على نوع من المسروقات دون نوع. قال: وما كان هذا سبيله من العموم، فهو في معنى المجمل، يحتاج فيه إلى دلالة من غيره في إيجاب الحكم. ومن شيوخنا من قال في العموم إذا ثبت خصوصه بالاتفاق، سقطت دلالة الاسم في إيجاب الحكم به؛ لأنه حينئذٍ يكون في معنى من قال: اقطعوا بعض ما يتناوله هذا الاسم، ولو كان اللفظ ورادًا هذا المورد، امتنع إيجاب الحكم به إلا بدلالة من غيره. كذلك إذا حصل الاتفاق في خصوصه، وهو مذهب محمد بن شجاع، وقد أشار إليه عيسى بن أبان أيضًا، وإليه كان يذهب شيخنا

стр. 2726

أبو الحسن رحمه الله تعالى. والذي عندي فيه: أن مذهب أصحابنا في هذا الفصل الأخير بخلاف ما ذهبوا إليه، لما دلت عليه أقاويلهم واحتجاجهم بكثير من لعموم المنتظم لهذا الوصف. فأما الفصل الذي قبله، من تعلق الحكم فيه بغير الاسم من المقدار والحرز ونحوهما، فليس يمتنع فيه عندي ما قالوا، من قبل أن الاسم الذي علق به القطع يكون حينئذٍ اسمًا شرعيًا، إذ ليس معقولاً في اسم اللغة اعتبار المقدار والحرز، وإنما ذلك شيء عقل من طريق الشرع. فأما موضوع الاسم في اللغة، فهو لمن أخذ الشيء على جهة الاستخفاء، ومنه: قيل سارق اللسان، وسارق الصلاة. روى ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله عن أبي درهم عن النبي ﷺ قال: "أسرق السارق الذي يسرق لسان الأمير". وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته. قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها".

стр. 2727

فكان الاسم في اللغة موضوعًا لما وصفنا، ثم اشتق منه سارق اللسان، وسارق الصلاة، ثم زيد في الشرع معانٍ لا ينتظمها الاسم في اللغة، وما كان هذا سبيله من الأسماء، فهو بمنزلة أسماء المجاز، فلا يُستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه. * ومما يحتج به لقولنا من طريق السنة: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا نصر بن باب عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله ﷺ : "لا قطع فيما دون عشرة دراهم". وقد سمعنا أيضًا في سنن ابن قانع: حدثنا روي عن زحر بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم". قال عمرو بن شعيب: قلت لسعيد بن المسيب: إن عروة والزهري وسليمان بن يسار يقولون: "لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم" فقال: أما هذا، فقد مضت فيه من رسول الله ﷺ عشرة دراهم. وقال ابن عباس، وأيمن الحبشي وعبد الله بن عمر ﵃: كان ثمن المجن عشرة دراهم. وروي نحو قولنا عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس،

стр. 2728

وعبد الله بن عمر ﵃. فإن احتجوا بما روي عن ابن عمر وأنس "أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم". وبما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا". قيل له: أما حديث ابن عمر، وحديث أنس ﵄، فليس فيهما موضع حجاج، من قبل أنهما قوماه بثلاثة دراهم، وقد قومه غيرهما بعشرة، فكان تقديم الزائد أولى، لما بيناه فيما سلف. * وأما حديث عائشة ﵂، فإنه قد قيل: إن الصحيح منه أنه موقوف عليها، غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، لأن الإثبات من الرواة رووه عنها موقوفًا. وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقطع اليد إلا في ثمن المجن ثلث دينار، أو نصف دينار فصاعدًا".

стр. 2729

وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ "أن يد السارق لم تكن تُقطع في عهد رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن المجن، وكان المجن يومئذٍ له ثمن، ولم يكن يقطع في الشيء التافه". فهذا يدل على أن الذي كان عند عائشة ﵂ من ذلك القطع في ثمن المجن، وأنه لم يكن عندها عن النبي ﷺ غير ذلك، إذ لو كان عندها عن رسول الله ﷺ في ذلك شيء معلوم المقدار من الذهب أو الفضة، لم يكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن، إذ كان ذلك مدركًا من جهة الاجتهاد، والاجتهاد ساقط مع النص. وهذا يدل أيضًا على أن ما روى عنها مرفوعًا إلى النبي ﷺ إن ثبت، فإنما هو تقدير لثمن المجن باجتهادها. وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا". قال أيوب: وحدث به يحيي عن عمرة عن عائشة ﵂، ورفعه، فقال له عبد الرحمن بن القاسم: إنها كانت لا ترفعه، فترك يحيي رفعه.

стр. 2730

فهذا يدل على أن من رواه مرفوعًا فإنما سمعه من يحيي قبل تركه الرفع. ثم لو ثبت هذا الحديث، لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي ﷺ في نفي القطع عن سارقٍ ما دون العشرة، وكان يكون حينئذٍ خبرنا أولى، لما فيه من حظر القطع فيما دونها، وخبرهم يبيح القطع، فكان خبر الحظر أولى من خبر الإباحة. وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله السارق يسرق الحبل فيقطع فيه، ويسرق البيضة فيقطع فيها". فربما ظن بعض من لا دراية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه، لذكره ﵊ البيضة والحبل، وهما في العادة أقل قيمة من عشرة، وليس ذلك على ما ظنه؛ لأن المراد بيضة الحديد، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ قطع في بيضة من حديد، قيمتها واحد وعشرون درهمًا". وأما الحبل الذي يكون منه ما يساوي العشرة، والعشرين، وأكثر من ذلك. فصل: [اعتبار الحرز في السرقة] وأما اعتبار الحرز فالأصل فيه: ما روى عن النبي صلى الله عليه

стр. 2731

وسلم أنه قال: "لا قطع على خائن". رواه ابن عباس، وجابر ﵃. وهو يشتمل على نفي القطع في جميع ما ائتمن فيه الإنسان، منها: أن الرجل إذا ائتمن آخر على دخول بيته، ولم يحرز منه ماله: لم يجب عليه القطع إذا خانه فيه، لعموم لفظ الخبر. ويشتمل على الودائع والعواري، والمضاربات ونحوها إذا جحدها المؤتمن عليها، وخانه فيها، أنه لا قطع عليه. ويبطل به قول من يوجب القطع على المستعير إذا جحده. وما روي عن النبي ﷺ أنه "قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده": فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان؛ لأنه ليس فيه أنه ﵊ قطعها لأجل العارية، وإنما وجه ذكر العارية تعريف المرأة؛ لأن ذلك كان معتادًا منها، حتى عرفت به، فذكر ذلك على وجه التعريف. وقد روي في الأخبار الصحيحة أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وهي هذه التي ذكر في الخبر الآخر أنها كانت

стр. 2732

تستعير المتاع، فبين في هذه الأخبار علة وجوب قطعها، وهي أنها سرقت. ويدل على اعتبار الحرز أيضًا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه سئل عن حرية الجبل، فقال: "فيها غرامة مثلها، وجلدات نكال، فإذا آواه المراح؛ وبلغ ثمن المجن: ففيه القطع". قال: "وليس في الثمر المعلق قطع حتى يؤويه الجرين، فإذا آواه الجرين: ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن". ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول، وإن كان كل واحد منهما مكتفيصا بنفسه في إيجاب ما وصفنا. وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن الحرز شرط في القطع، إلا أنا أردنا أن نبين أصله من السنة. مسألة: [حرز الدار حدودها] قال أبو جعفر: (وحرزها الدار التي يسرق منها إذا كانت منزلاً واحدًا، فإن كانت منازل مختلفة: فحتى يخرجها إلى ساحتها). قال أبو بكر: الحرز عندهم: ما بني للسكنى وحفظ الأموال، فالدار الواحدة حرز واحد، ولا يجب القطع حتى يخرجها منها. ويفرق بينها وبين حرزها، كما لو أخذها من الصندوق، ولم يخرجها

стр. 2733

من البيت: لم يقطع. وأما إذا كان في الدار منازل مختلفة، فإن كل منزل حرز على حدة، بمنزلة زقاق فيه دور وحجر. مسألة: [لا قطع حتى تكون قيمة المسروق عشرة دراهم مضروبة] قال أبو جعفر: (ولا يقطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة). قال أبو بكر: كذا ذكر أبو يوسف ومحمد جميعًا، وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم مما يحوز بين الناس: قطع. والصحيح اعتبار عشرة مضروبة؛ لأنها عشرة كاملة، والمكسرة ناقصة عن ذلك في المعنى، فصار كنقصان الوزن. وأيضًا: المتفق على وجوب القطع فيه عشرة مضروبة، وما عداها مختلف فيه، فوقفنا عند الاتفاق، ولم نثبت ما دونها مقدارًا في إيجاب القطع، لعد التوقيف والاتفاق فيه. مسألة: [من شروط القطع خصومة صاحب السرقة] قال أبو جعفر: (ولا يقطع في شيء مما ذكرنا إلا بحضور صاحب السرقة، وخصومته فيها).

стр. 2734

والأصل فيه: ما روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه "أن عمرو بن سمرة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا فقدنا جملاً لنا، فأمر به النبي ﷺ ، فقطعت يده". فهذا يدل على أن القطع لا يجب إلا بحضور من سرق منه، وادعائه السرقة، ولولا ذلك لقطعه النبي ﷺ بإقراره، ولم ينتظر مجئ المسروق منه، وادعاؤه السرقة؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لولي أمرٍ أن يوتى بحد إلا أقامه". وقال ﵊: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". ومن طريق النظر: إن إقرار السارق لا يثبت ذلك في الحال إلا بتصديقه، لأن كل من في يده شيء فالظاهر أنه مالكه، فلا ينتقل ملكه إلى الغير بقوله، ألا ترى أنهم قالوا: من كان في يده عبد، فأقر به لغائب، ثم أقر به لحاضر، فصدقه: أنه يدفع إلى الحاضر، وإن جاء الغائب، فصدقه: أخذه، وإلا: فهو للثاني، فلم يسقطوا حق الثاني في أخذه قبل تصديق الأول.

стр. 2735

فلما كان ذلك على ما وصفنا، لم يجز أن يقطع السارق إلا بحضور الغائب وتصديقه؛ لأنه قد صار في هذا الوجه كأنه باقٍ في ملكه، لجواز إقراره به لغيره، فكان أقل أحواله أن تكون شبهة في امتناع إيجاب الحد إلا بحضوره. وليس ذلك مثل إقراره بالزنى بامرأة غائبة، فلا ينتظر بإقامة الحد عليه حضورها، من قبل أنه ليس يتعلق بإقراره بذلك لها ملك ولا يد، وصحة قطع السارق تتعلق بانتهاك حرز الغير، وأخذ ما في يده. وقد روي أن النبي صلى الله ليه وسلم: "رجم ماعزًا، ولم يسأل المرأة المزنى بها". "ورجم الغامدية، ولم يسألها من زنى بها"، ولم ينتظر مجيئه وتصديقه إياها، فصار ذلك أصلا في إقامة حد الزنى قبل حضور المزني بها، وصار خبر ثعلبة الأنصاري الذي قدمناه أصلاً في امتناع إقامة حد السرقة بإقراره دون حضور المقر له. فإن قيل: لو لم يصح الإقرار إلا بتصديق المقر له، لما انتقل إلى وارثه قبل تصديقه، فلما كان المال المقر به موروثًا عن المقر له قبل تصديقه، دل ذلك على صحة الإقرار قبل التصديق. قيل له: لم نقل إن الإقرار لم يصح إلا بتصديق المقر له، بل الإقرار صحيح، وإنما قلنا إن المقر له لا يثبت له الملك إلا بتصديقه. وإنما انتقل إلى الوارث قبل التصديق؛ لأن الوارث قام مقام المقر له،
следующие страницы →