Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وسلم أنه قال: "لا قطع على خائن".
رواه ابن عباس، وجابر ﵃.
وهو يشتمل على نفي القطع في جميع ما ائتمن فيه الإنسان، منها: أن الرجل إذا ائتمن آخر على دخول بيته، ولم يحرز منه ماله: لم يجب عليه القطع إذا خانه فيه، لعموم لفظ الخبر.
ويشتمل على الودائع والعواري، والمضاربات ونحوها إذا جحدها المؤتمن عليها، وخانه فيها، أنه لا قطع عليه.
ويبطل به قول من يوجب القطع على المستعير إذا جحده.
وما روي عن النبي ﷺ أنه "قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده": فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان؛ لأنه ليس فيه أنه ﵊ قطعها لأجل العارية، وإنما وجه ذكر العارية تعريف المرأة؛ لأن ذلك كان معتادًا منها، حتى عرفت به، فذكر ذلك على وجه التعريف.
وقد روي في الأخبار الصحيحة أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وهي هذه التي ذكر في الخبر الآخر أنها كانت
стр. 2732
تستعير المتاع، فبين في هذه الأخبار علة وجوب قطعها، وهي أنها سرقت.
ويدل على اعتبار الحرز أيضًا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه سئل عن حرية الجبل، فقال: "فيها غرامة مثلها، وجلدات نكال، فإذا آواه المراح؛ وبلغ ثمن المجن: ففيه القطع".
قال: "وليس في الثمر المعلق قطع حتى يؤويه الجرين، فإذا آواه الجرين: ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن".
ودلالة هذا الخبر على وجوب اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول، وإن كان كل واحد منهما مكتفيصا بنفسه في إيجاب ما وصفنا.
وقد اتفق فقهاء الأمصار على أن الحرز شرط في القطع، إلا أنا أردنا أن نبين أصله من السنة.
مسألة: [حرز الدار حدودها]
قال أبو جعفر: (وحرزها الدار التي يسرق منها إذا كانت منزلاً واحدًا، فإن كانت منازل مختلفة: فحتى يخرجها إلى ساحتها).
قال أبو بكر: الحرز عندهم: ما بني للسكنى وحفظ الأموال، فالدار الواحدة حرز واحد، ولا يجب القطع حتى يخرجها منها.
ويفرق بينها وبين حرزها، كما لو أخذها من الصندوق، ولم يخرجها
стр. 2733
من البيت: لم يقطع.
وأما إذا كان في الدار منازل مختلفة، فإن كل منزل حرز على حدة، بمنزلة زقاق فيه دور وحجر.
مسألة: [لا قطع حتى تكون قيمة المسروق عشرة دراهم مضروبة]
قال أبو جعفر: (ولا يقطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة).
قال أبو بكر: كذا ذكر أبو يوسف ومحمد جميعًا، وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم مما يحوز بين الناس: قطع.
والصحيح اعتبار عشرة مضروبة؛ لأنها عشرة كاملة، والمكسرة ناقصة عن ذلك في المعنى، فصار كنقصان الوزن.
وأيضًا: المتفق على وجوب القطع فيه عشرة مضروبة، وما عداها مختلف فيه، فوقفنا عند الاتفاق، ولم نثبت ما دونها مقدارًا في إيجاب القطع، لعد التوقيف والاتفاق فيه.
مسألة: [من شروط القطع خصومة صاحب السرقة]
قال أبو جعفر: (ولا يقطع في شيء مما ذكرنا إلا بحضور صاحب السرقة، وخصومته فيها).
стр. 2734
والأصل فيه: ما روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه "أن عمرو بن سمرة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا فقدنا جملاً لنا، فأمر به النبي ﷺ ، فقطعت يده".
فهذا يدل على أن القطع لا يجب إلا بحضور من سرق منه، وادعائه السرقة، ولولا ذلك لقطعه النبي ﷺ بإقراره، ولم ينتظر مجئ المسروق منه، وادعاؤه السرقة؛ لأن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لولي أمرٍ أن يوتى بحد إلا أقامه".
وقال ﵊: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب".
ومن طريق النظر: إن إقرار السارق لا يثبت ذلك في الحال إلا بتصديقه، لأن كل من في يده شيء فالظاهر أنه مالكه، فلا ينتقل ملكه إلى الغير بقوله، ألا ترى أنهم قالوا: من كان في يده عبد، فأقر به لغائب، ثم أقر به لحاضر، فصدقه: أنه يدفع إلى الحاضر، وإن جاء الغائب، فصدقه: أخذه، وإلا: فهو للثاني، فلم يسقطوا حق الثاني في أخذه قبل تصديق الأول.
стр. 2735
فلما كان ذلك على ما وصفنا، لم يجز أن يقطع السارق إلا بحضور الغائب وتصديقه؛ لأنه قد صار في هذا الوجه كأنه باقٍ في ملكه، لجواز إقراره به لغيره، فكان أقل أحواله أن تكون شبهة في امتناع إيجاب الحد إلا بحضوره.
وليس ذلك مثل إقراره بالزنى بامرأة غائبة، فلا ينتظر بإقامة الحد عليه حضورها، من قبل أنه ليس يتعلق بإقراره بذلك لها ملك ولا يد، وصحة قطع السارق تتعلق بانتهاك حرز الغير، وأخذ ما في يده.
وقد روي أن النبي صلى الله ليه وسلم: "رجم ماعزًا، ولم يسأل المرأة المزنى بها".
"ورجم الغامدية، ولم يسألها من زنى بها"، ولم ينتظر مجيئه وتصديقه إياها، فصار ذلك أصلا في إقامة حد الزنى قبل حضور المزني بها، وصار خبر ثعلبة الأنصاري الذي قدمناه أصلاً في امتناع إقامة حد السرقة بإقراره دون حضور المقر له.
فإن قيل: لو لم يصح الإقرار إلا بتصديق المقر له، لما انتقل إلى وارثه قبل تصديقه، فلما كان المال المقر به موروثًا عن المقر له قبل تصديقه، دل ذلك على صحة الإقرار قبل التصديق.
قيل له: لم نقل إن الإقرار لم يصح إلا بتصديق المقر له، بل الإقرار صحيح، وإنما قلنا إن المقر له لا يثبت له الملك إلا بتصديقه.
وإنما انتقل إلى الوارث قبل التصديق؛ لأن الوارث قام مقام المقر له،
стр. 2736
وقد تضمن إقرار المقر صحة الملك للوارث بعد الموت، كما تضمنه المقر له، فالوارث في ذلك بمنزلة المورث إن صدقه ثبت له الملك، وإن كذبه: لم يثبت.
مسألة: [عدم اجتماع القطع والضمان]
قال: (ولا ضمان على السارق فيما قطع فيه إذا كان قد استهلكه، أو هلك في يده، فإن كان قائمًا بعينه: أخذه المسروق منه).
قال أبو بكر: أما إذا كان قائمًا بعينه: فلا خلاف أنه يرد على صاحبه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قطع سارق رداء صفوان، ورد الرداء على صفوان، فقال صفوان: وهبته له يا رسول الله، فقال ﵊: "هلا قبل أن تأتيني به".
* وأما إذا استهلكه غيره: فلا خلاف في وجوب ضمانه على المستهلك.
* واختلف فقهاء الأمصار في تضمين السارق، فقال أصحابنا، لا ضمان عليه بعد القطع، وهو قول الشعبي.
стр. 2737
وقال مالك فيما يُحكى عنه: إنه يضمنه إن كان موسرًا، ولا يضمنه في حال الإعسار.
وقال بعضهم: يضمن في حال اليسار والإعسار.
والأصل في ذلك: قول الله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ﴿، والجزاء اسم لما استحق بالفعل، فإذا كان الله تعالى جعل جميع ما يستحق عليه بالفعل هو القطع، لم يجز لنا إيجاب شيء غيره؛ لأن فيه زيادة في حكم المنصوص، ولا يجوز ذلك عندنا إلا بمثل ما يجوز به النسخ.
* ومن جهة السنة: حديث المسور بن إبراهيم، وقد اختلف في سنده، فروى عبد الله بن صالح قال: حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيم على السارق الحد، فلا غرم عليه".
وهذا إسناد منقطع، لأن المسور بن إبراهيم لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف، إلا أن سعيد بن كثير بن عفير رواه عن المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: "إذا
стр. 2738
أقيم على السارق الحد، فلا غرم عليه".
فهذا الإسناد إن صح فهو متصل ليس فيه مطعن.
ورواه يحيي بن عثمان بن صالح عن عبد الغفار بن داود الحراني قال حدثنا المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد عن سعيد بن إبراهيم عن المسور بن إبراهيم بإسناده مثله.
قال يحي بن عثمان: هكذا رأيته في أصل الحراني سعيد بن إبراهيم.
قال أبو بكر: وهو غلط من الكاتب، الصحيح: سعد بن إبراهيم.
ورواه إسحاق بن الفرات قاضي مصر قال: حدثنا المفضل بن فضالة عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور بن سعد عن عبد الرحمن بن عوف ﵁.
وفي هذا الحديث إدخال الزهري بين يونس وبين سعد بن إبراهيم.
والصحيح أن ذكر الزهري فيه غلط؛ لأن عبد الله بن صالح ذكر عن يونس أنه سمع سعد بن إبراهيم، وقال فيه: المسور بن سعد.
وقال لي بعض أهل الإتقان من حفاظ الحديث: إن الصحيح: المسور بن إبراهيم، وإن ذكر المسور بن سعد غلط.
فاختلف في سند حديث المفضل على هذه الوجوه.
стр. 2739
وقد رواه عمرو بن خالد عن يونس بن يزيد عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرم صاحب الحد إذا أقيم عليه الحد".
فلم يذكر فيه عبد الرحمن بن عوف.
وقد قيل: إن هذا الحديث في أصل عمرو بن خالد عن ابن لهيعة عن يونس بن يزيد عن الحكم بن عبد الله الأيلي عن سعد بن إبراهيم.
والحكم بن عبد الله مشهور بوضع الحديث، إلا أن ذكر الحكم ههنا غلط؛ لأن يونس قد صح عنه أنه سمعه من سعد بن إبراهيم، ولأن ابن لهيعة كثير الخطأ.
فهذا الحديث يحصل مرسلاًَ على مذهب أصحاب الحديث، وعندنا هو موصول؛ لأن سعيد بن كثير رواه بإسنادٍ متصل قد قدمنا ذكره، وإرسال من أرسله بعد ذلك: لا يوجب أن يكون الحديث الأخر مرسلاً، إذ ليس يمتنع أن يروي الراوي الحديث مرسلاً تارة، وموصولاً تارة، وهو متصل في الأصل.
وعلى أنه لو كان مرسلاً، لم يضر إرساله عندنا؛ لأن المرسل والموصول عندنا واحد في إيجاب الحكم.
стр. 2740
وإذا صح هذا الخبر: لم يجب الضمان مع القطع لعموم لفظه.
* ومن جهة النظر: إنه لا يجوز أن يجب بفعل واحد: مال، وحد، والدليل عليه: أن وجوب المال بالقتل يمنع وجوب القصاص، وكذلك وجوب المهر بالوطء يمنع وجوب الحد بالوطء الذي به وجب المال.
فثبت بذلك أن وجوب القطع ينفي ضمان المال إذا كان فعلاً واحداً، لا يجوز أن يجب به مال وحد، كما لا يجب به قصاص ومال وحد.
وجهة أخرى: وهي أن من أصلنا: أن الضمان سبب للملك، فلو ضمناه لملكه بالتناول، فيكون حينئذٍ مقطوعًا في ملك نفسه، وذلك ممتنع، فلما لم يكن لنا سبيل إلى رفع القطع، وكان في إيجاب الضمان إسقاط القطع، امتنع وجوب الضمان.
وإذا استهلكه السارق بعد القطع، فلا ضمان عليه أيضًا؛ لأنه لما ثبت أنه غير مضمون عليه بالهلاك، للدلائل التي قدمنا، وجب أن لا نضمنه بالاستهلاك، لأن أحدًا لم يفرق بينهما في إيجاب الضمان أو سقوطه، لأن الناس فيه على قولين: فمن قائل يوجب ضمانه في الحالتين، ومن آخر لا يوجب ضمانه في الحالتين، فلما ثبت عندنا انتفاء ضمانه بالهلاك، وجب أن يكون ذلك حكمه في الاستهلاك، وإذا استهلكه غير السارق، ضمنه باتفاقٍ من الفقهاء.
مسألة: [هلاك المسروق في يد المودع أو المستأجر]
قال أبو جعفر: (وإن هلك في يد مودع قد أودعه السارق، أو في يد مستأجر استأجره منه: فلا ضمان عليه).
стр. 2741
وذلك لأن حاصل هذا الضمان يكون على السارق؛ لأن المودع والمستأجر إذا ضمنا: رجعا به عليه.
وأما إذا هلك في يد مستعير من السارق أو الغاصب، فإنهما يضمنان؛ لأنهما لا يرجعان به على السارق، وقد تناولا ثوب المسروق منه بغير أمره، فهما غاصبان في حقه.
وكذلك المشتري يضمن؛ لأنه إنما يرجع على البائع بالثمن، لا بقيمة المقبوض.
مسألة: [ضمان السارق عند درء الحد]
قال: (ومن درئ عنه القطع: ضمن المسروق).
وذلك لأنه لما سقط القطع، صار غاصبًا.
مسألة: [سرقة أحد الزوجين من الآخر]
قال: (ولا قطع فيما سرق أحد الزوجين من الآخر).
وذلك لأن كل واحد منهما يتبسط في مال الآخر في العادة، فصار ماله غير محرز منه، فكان كالخائن وكالمأذون له في دخول الدار، لا قطع عليه فيما يأخذه.
ويدل عليه: قوله ﵊: "والمرأة راعية على مال
стр. 2742
زوجها، والزوج راع على مال زوجته"، فدل أن كل واحد منهما أمين في مال الآخر، فلا قطع عليه كالمودع.
مسألة: [عدم القطع في السرقة من ذي الرحم المحرم]
قال أبو جعفر: (ولا قطع على من سرق من ذي رحم محرم منه).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخولكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ﴿، فأباح الله سبحانه الأكل من بيوت هؤلاء، ومعلوم أن ذلك يقتضي إباحة دخول منازلهم بغير إذنهم، فإذا جاز لهم دخول منازلهم بغير إذنهم، لم يكن مالهم محرزًا منهم، ولا يجب القطع إلا في سرقةٍ من حرز.
وأيضًا: إباحة أكل أموالهم، تمنع وجوب القطع، لما لهم فيه من الحق كالشريك ونحوه.
فإن قيل: قد قال تعالى:﴾ أو صديقكم ﴿: ويقطع مع ذلك إذا سرق من صديقه.
قيل له: ظاهر الآية تنفي وجوبه في الصديق أيضًا، إلا أنا خصصناه
стр. 2743
منها بالاتفاق، وحكم اللفظ ودلالته باقيان فيما عداه.
وعلى أنه لا يكون صديقًا إذا قصد السرقة.
ووجه آخر: وهو أن له حقًا في ماله، يستحقه عليه عند الحاجة إليه بغير بدل، فأشبه السارق من بيت المال، للعلة التي ذكرناها.
فإن قيل: قد ثبت الحق له في مال الغير عند الضرورة.
قيل له: يأخذه ببدل.
وأيضًا: فلما استحق عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه بالاتفاق عليه، لإحياء نفسه أو بعض أعضائه.
مسألة: [وجوب القطع على من سرق من أمه من الرضاعة]
قال: (ويُقطع من سرق من أمه من الرضاعة).
لأنه ليس بينهما أكثر من التحريم، فصارت كامرأة وطئها أبوه أو ابنه، فلا يمنع التحريم الذي بينهما وجوب القطع، إذ ليس هناك شبهة.
مسألة: [فيمن سرق سرقات مختلفات]
قال أبو جعفر: (ومن سرق سرقات مختلفات، فرفعه أحدهم فقطع له، كان ذلك القطع للسرقات كلها، ولا يضمن منها شيئًا في قول أبي
стр. 2744
حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يضمن للآخرين).
وجه قولهما: أن القطع حق لله تعالى، والمسروق منه خصم في إقامته، فإذا قام به أحدهم: تاب عن الباقين، فصار كأن جميعهم حضروا، فخاصموا في قطعه.
ونظيره: أحد الورثة إذا أقام بينه على دين الميت، أن ذلك يثبت لجميعهم؛ لأن الوارث خصم في إثباته للميت، وكل واحد منهم خصم فيه، فكان حضور بعضهم في ذلك كحضور جماعتهم، كذلك القطع لما كان حقًا لله تعالى، يقوم به الآدمي، كانت خصومة أحدهم في إثباته، كخصومة جماعتهم، فصار مقطوعًا للسرقات كلها، وإذا قطع في السرقة سقط الضمان.
ويدل على صحة ما ذكرنا أيضًا: أنه لو قذف جماعةً، فحضر أحدهم، وطالب بالحد، أن ذلك يكون لسائرهم، وليس لواحد منهم بعد ذلك إقامته.
وذهب أبو يوسف إلى أن إثبات القطع في السرقة متعلق بصحة الخصومة في المال، وليس أحدهم خصمًا عن الآخر في إثبات المال، ويدل على صحة ذلك: أنه لو رد المال إلى أحدهم، سقطت خصومته في إثبات القطع، فإذا كان كذلك، لم تثبت خصومة أحدهم عن الآخر في إثبات القطع، فوقع القطع لسرقته خاصة دون السرقات، فوجب ضمان ما لم يقطع فيه.
стр. 2745
مسألة: [عدم القطع على جماعة إذا لم يكمل نصاب السرقة]
قال: (ولا قطع على جماعة فيما سرقوا حتى يكون ما سرقه كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدًا).
وذلك لأن كل واحد منهم سارق ما دون العشرة، ألا ترى أن حد القطع متى سقط فوجب الضمان، ضمن كل واحد دون العشرة، فعلمت أن كل واحد منهم غير سارق للعشرة.
مسألة: [السرقة من رجلين فيما يبلغ عشرة دراهم]
قال: (ومن سرق من رجلين عشرة دراهم سرقة واحدة: قطع فيها).
قال أبو بكر: وذلك إذا كانت السرقة من حرز واحد، فلا يختلف حينئذ حكمها؛ لأجل تفرق المال؛ لأنه لو سرقه من مودع أو غاصب: قطع وإن لم يكونا مالكين.
مسألة: [السرقة من الغنيمة، ومن بيت المال]
قال: (ولا قطع على من سرق من الغنائم، ومن بيت المال المسلمين).
وذلك لأن حقه وحق سائر المسلمين سواء، فصار كسرقته مالاً بينه
стр. 2746
وبين غيره.
مسألة: [عدم القطع في سرقة من الحمام]
قال: (ولا قطع على من سرق من حمام).
وذلك لأنه لما كان مأذونًا في دخوله: لم يكن الموضع محرزًا منه، فصار كالخائن، وكجاحد الوديعة، والعارية.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع على خائن"، ولأنه حينئذٍ يصير كالسارق من غير حرز.
مسألة: [السرقة من تحت رأس رجل في المسجد]
قال: (ومن سرق من مسجد جماعةٍ شيئًا من تحت رأس رجل، أو من حيث يكون حافظًا له: قطع).
وذلك لأن المسجد وإن لم يكن حرزًا في نفسه، فقد صار الشيء محرزًا بحفظ الرجل إياه، ولم تتعلق إباحة دخول المسجد بإذن المسروق منه، فيخرج من أن يكون حرزًا، فلذلك قطع.
والأصل في ذلك: ما روي "أن النبي ﷺ قطع سارق رداء صفوان بن أمية، وكان نائمًا في المسجد، ورداؤه تحت رأسه".
وهذا هو الأصل في أن حصول الحافظ يجعل الشيء محرزًا به.
стр. 2747
وليس المسجد في هذا مثل الحمام والدار المأذون في دخولهما، فلا يقطع السارق منهما وإن كان هناك حافظ، من قبل أن الإذن في الدخول هو من جهة مالك الدار والحمام، فخرج الشيء من أن يكون محرزًا من المأذون له في الدخول، ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره، أن الدار لم تخرج من أن يكون حرزًا، ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول؛ لأنه حين أذن له في الدخول، فقد ائتمنه، ولم يحرز ماله عنه، كذلك كل موضع يُستباح دخوله بإذن المالك، وأما المسجد فلم تتعلق إباحة دخوله بإذن الآدمي، فصار كالصحراء والمفازة، فإذا سرق من حيث يكون له حافظ: قطع.
مسألة: [عدم قطع الخائن والمنتهب والمختلس]
قال: (ولا قطع على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس).
وذلك لما روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على الخائن، ولا المختلس، ولا
стр. 2748
المنتهب قطع".
فإن قيل: روي معمر عن الزهري "أن النبي ﷺ قطع يد امرأة كانت تستعير المتاع، وتجحده".
قيل له: ليس فيه أنه قطعها بجحودها العارية، وإنما ذكر العارية في هذا الموضع تعريفٌ لها، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم"، وليس فيه أنه أفطر بالحجامة، وإنما ذكر الحجامة تعريفًا لهما، وإشارة إليهما، كما نقول: أفطر القائم، وأفطر القاعد، لا لأجل القيام، ولا لأجل القعود، كذلك ذكر العارية في هذا الموضع على جهة التعريف، لا أنها سبب إيجاب القطع، كما لو قال: قطع المرأة السوداء، أو المرأة المخزومية، لم يدل على أن القطع واقع للصفة المذكورة.
وقد روى هذا الحديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ "أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ زمن الفتح، فأمر بها رسول الله ﷺ أن تُقطع، وكلمه فيها أسامة، فتلون وجه رسول الله ﷺ وقال: أتشفع في حد
стр. 2749
من حدود الله تعالى، فلما كان بالعشي قطعت يدها".
وهي هذه المرأة التي في حديث معمر؛ لأن القصة فيها واحدة، فأخبر في هذا الحديث أنه قطعها للسرقة، لا للعارية.
وأيضًا: فإن المختلس والمنتهب لا يتناولهما اسم السارق؛ لأن السرقة إنما هي اسم لما يؤخذ على جهة الاستخفاء، والمختلس مجاهر بفعله غير مستخف به، والخائن سارق من غير حرز؛ لأنه حين ائتمنه عليه، أخرجه من أن يكن محرزًا منه، ولا خلاف أن لا قطع على السارق من غير حرز.
مسألة: [سرقة العبد من بيت مولاه]
قال: (ولا قطع على عبد رجلٍ في سرقته من مال زوجة مولاه، ولا على عبد امرأة في سرقته من مال زوجها).
وذلك لما روى الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن عمرو الخضرمي قال: "أتيت بغلامي إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقلت: يا أمير المؤمنين اقطع هذا، فإنه سرق مرآة لامرأتي خير من ستين درهمًا.
فقال: خادمكم أخذ متاعكم، لا قطع عليه".
فقد روي هذا عن عمر من غير خلاف من أحد من نظرائه، فثبتت حجيته.
стр. 2750
وأيضًا: فكما لو سرق من مال مولاه: لم يقطع، كذلك من مال امرأته، ألا ترى أن العبد كأنه أخذ مال نفسه فيما سرقه من مولاه، فصار في سرقته من امرأة مولاه بمنزلة المولى نفسه لو سرقها.
وأيضًا: فإنه مأذون له بالدخول في أكثر الحال، ومالهم غير محرز منه، فلم يقطع.
مسألة: [الاشتراك في السرقة]
قال: (وإذا سرق الرجلان سرقة، فقال أحدهما: هي لي: درئ القطع عنهما جميعًا، وضمنا السرقة).
وذلك لأنهما لما كانا مشتركين في السرقة، ثم سقط القطع عن أحدهما بدعواه المال، وجب أن يسقط عن الآخر؛ لأنه لا يجوز أن يجب القطع على بعض السارق دون البعض في سرقة واحدة.
ويدلك على أن لاشتراكهما في الفعل حكمًا فيما يتعلق به من إيجاب القطع: أن أحدهما لو ولي أخذ المتاع دون الآخر بعد أن دخلا جميعًا، وصار فعل أحدهما كفعل الآخر فيما يتعلق به وجوب القطع، كذلك يجب أن يكون سقوط القطع عن أحدهما مسقطًا له عن الآخر.
ونظير ذلك: رجلان قتلا رجلاً، أحدهما عامد، والآخر مخطئ: أنه لا يُقتل واحد منهما.
فإن قيل: هلا كان ذلك كرجلين قتلا رجلاً عمدًا، ثم عفى عن أحدهما، أو صولح عن مال.
стр. 2751
قيل له: من قبل أن دعوى أحدهما المال يصير شبهة في نفس الفعل، فكان بما وصفناه أشبه، وأما العفو عن أحد القاتلين بعد وجوب القصاص عليهما، فلا تأثير له في نفس الفعل، فلذلك لم يسقط القود عن الآخر.
وإنما كان دعواه المال شبهة في سقوط القطع، من قبل أن القطع حينئذٍ يكون موقوفًا على يمين المسروق منه في نفي ملك السارق عما أخذه، لأنه لا يجوز لنا أن نقطعه حينئذٍ حتى نسألة المسروق منه عن دعوى السارق، ونستحلفه عليه، ألا ترى أنه لو أقر به له: سقط القطع، ومتى حصل القطع موقوفًا على يمين المسروق منه: سقط، إذ غير جائز أخذ القطع باليمين.
مسألة: [لو هرب أحد المشتركين في السرقة]
قال: (فإن لم يدعها واحد منهما، ولكن هرب أحدهما، قطع الحاضر).
وذلك لأن القطع قد وجب عليهما جميعًا، وليست غيبة أحدهما شبهة في نفس الفعل فيسقط القطع، ألا ترى أن موت أحدهما لا يكون شبهة في سقوط القطع عن الآخر.
فإن قيل: جائز أن يدعيه الغائب لنفسه، فيكون ذلك شبهة في سقوط القطع عن الحاضر.
قيل له: حصول الدعوى هو الشبهة في سقوطه، وجواز الشبهة لا يسقط القطع، لأن جواز الشبهة لو كان مسقطًا للقطع، لما قطع سارق أبدًا، وإنما الذي يُسقطع القطع حصول الشبهة.
стр. 2752
مسألة: [رد السارق المسروق إلى المسروق منه قبل القطع]
قال: (ومن سرق سرقة، فلم يخاصم فيها حتى ردها إلى المسروق منه، أو وهبها له المسروق منه، فملكها: لم يقطع.
وكذلك إن قضي عليه بالقطع، ثم ملكها السارق).
قال أبو بكر: أما إذا ردها قبل الخصومة: فلا قطع فيه؛ لأن صحة القطع تتعلق بخصومة المسروق منه، لما قدمناه فيما سلف، فلما سقطت الخصومة في المال برد السرقة: لم يثبت القطع.
وأما إذا ملكها السارق بعد الحكم بالقطع أو قبله: فلا قطع فيه أيضًا، والأصل فيه: أن كل ما يعرض في الحد قبل إقامته، مما لو كان موجودًا في حال الفعل، كان مانعًا له من القطع، كذلك حدوثه قبل استيفاء الحد بشبهة في سقوطه، بمنزلته لو كان موجودًا في حال الفعل.
والدليل على صحة ذلك: قول النبي ﷺ في ماعز حين هرب، فامتنع مما بذل نفسه له بدءًا: "هلا خليتموه".
فكان ما عرض من ذلك شبهةً في سقوطه، كما لو كان موجودًا في الابتداء، أعني نفي الإقرار، وما بذل نفسه له بدءاً، ومن أجله قلنا في المقر بالزنى والسرقة: إذا رجعا قبل إقامة الحد: قبل رجوعهما، وبطل حكم إقرارهما، وصار كأن الجحود والامتناع من الإقرار كان موجودًا في أول مرة.
стр. 2753
كذلك حصول الملك للسارق قبل القطع، ينبغي أن يعتبر بمنزلة وجوده في حال الفعل، ويمنع القطع، إذ لو كانت صحة القطع متعلقة بغير المسروق: لم يسقط الحد، بدلالة أن سقوطه، يوجب ضمان العين، فمتى ملك المسروق: لم يجز قطعه في ملكه.
ونظير ذلك أيضًا: أن رجلاً لو وجب له قبل رجل قصاص، فمات الولي، وورثه ابن القاتل: أنه لا يثبت له القصاص على أبيه، وصار ما عرض من ذلك قبل استيفاء القصاص بمنزلة وجوده في الابتداء؛ لأن رجلاً لو قتل ابنه: لم يجب عليه قصاص.
ومن نظائره أيضًا: الشهادة في باب ما يعرض فيها من الشبهة قبل إنفاذ الحكم بها يُسقطها، كالشبهة الموجودة فيها في حال إقامتها وسماعها.
ألا ترى أنهما إذا شهدا وهما عدلان، فلم يُقض بها حتى ارتدا: أن شهادتهما تبطل، كما لو شهدا وهما مرتدان.
والمعنى الجامع بينهما وبين الحد: أن الشبهة لها تأثير في إسقاط الحدود، كهي في إسقاط الشهادة، فلما كان ما يعرض منها بعد السماع قبل إمضاء الحكم مانعًا من إمضائها، وكان في حكم الموجود عند السماع، كان كذلك ما يعرض من الشبهة قبل استيفاء الحد، بمنزلة ما كان موجودًا في حال وجوده، فيمنع من إقامته.
فإن قيل: فلو زنى بجارية، ثم اشتراها: لم يسقط الحد في قول أبي حنيفة ومحمد مع حصول ملكه فيها، ولم يكن حدوث ملكه قبل الحد
стр. 2754
بمنزلة الملك الموجود في حال الوطء في باب سقوط الحد، فهلاً كان كذلك حكم السرقة إذا ملكها قبل القطع.
قيل له: الفصل بينهما: ما تقدم ذكره فيما عللنا به السرقة، وهو حصول ملكه فيما تعلق وجوب القطع بعينه، ووجوب القطع متعلق بعين الشيء المسروق، بدلالة أن سقوط القطع يوجب ضمان العين، وليس وجوب حد الزنى متعلقًا بعين الجارية، بدلالة أن سقوط الحد لا يوجب ضمان العقر، وليس العقر بدلاً من العين، فإذا حصل ملكه فيما يتعلق وجوب الحد بعينه: لم يسقط الحد.
وعلى هذا المعنى قالوا في الحرة إذا زنى بها، ثم تزوجها: أن الحد لا يسقط؛ لأنه لم يملك بذلك ما تعلق به وجوب الحد، ألا ترى أنه لو عرضت شبهة أسقطت الحد، وكان العقر لها، فعلمنا أن المعنى الذي تعلق به وجوب الحد لم يحصل في ملك الواطئ.
فإن قيل: روي أن رجلاً سرق رداء صفوان بن أمية، وهو تحت رأسه في المسجد، فأراد النبي ﷺ أن يقطعه، فقال صفوان: "قد وهبته له يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : هلا قبل أن تأتيني به، فقطعه".
قيل له: ألفاظ حديث صفوان مختلف فيها، فذكر بعضهم أنه قال: "هبة لي"، وقال بعضهم: قال: "لا تقطعه يا رسول الله"، وفي بعض
стр. 2755
الروايات: "أنا أعفو عنه"، وفي بعضها: "أنا أبيعه منه"، وليس في شيء من ذلك ما يسقط القطع عندنا، وإنما الذي يسقط عندنا حصول ملك السرقة للسارق، وليس في هذا الخبر بيان موضع الخلاف بيننا.
وأي وجه ثبت من وجوه ألفاظ هذا الحديث، لم يسقط القطع عندنا بمثله؛ لأن المسروق منه لو قال للسارق: قد وهبت لك السرقة، أو عفوت عنك، أو أبيعك: لم يسقط القطع بذلك، وإنما يسقط القطع إذا وهبه له، فقبله السارق، وقبضه، أو يقبل البيع فيملكه، وهذا ليس له ذكر في الخبر.
ويدل عليه أنه روي في بعض أخبار صفوان: أنه أخذ رداءه وانصرف، فهذا يدل على أن السارق لم يملك.
فإن قيل: فما وجه قوله ﵊: "فهلا قبل أن تأتيني به"، إن لم تكن الهبة صحيحة، والملك واقعًا للسارق.
قيل له: معناه عندنا: هلا إذا لم ترد الخصومة في القطع، أن تستر عليه، فلا ترفعه ولا تفضحه، وذلك مندوب إليه للمسروق منه عندنا.
* وحكي أبو جعفر أن أبا يوسف قال في الإملاء: إنه يقطع إذا كانت بعد الحكم بالقطع.
والمهشور عن أبي يوسف أنه لا يقطع، وقد قال أبو يوسف في الجارية إذا زنى بها، ثم ملكها قبل الحكم: أن الحد يسقط، وخالف أبا حنيفة ومحمدًا في ذلك.
стр. 2756
مسألة: [السرقة من المودع والغاصب]
قال: "وللمودع والغاصب أن يقطعا السارق منهما، وكذلك لرب السرقة أن يقطعه".
وذلك لقول الله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿، فوجب قطعه بعموم الآية
ثم الذي له إثبات ذلك، هو الذي له الخصومة في إثبات السرقة، والمودع والغاصب ورب المال كل واحد منهم خصم في إثباته، إذ كان خصمًا في رده إلى يده.
وأيضًا: لما كان السارق منتهكًا لحرز المودع والغاصب، كان لهما أن يقطعاه وإن كان الملك لغيرهما، إذ كان صحة القطع في السرقة متعلقة بانتهاك الحرز بأخذ السرقة عاريًا من الشبهة.
مسألة: [السرقة من السارق]
(وأما إذا سرقة من سارق قد قُطع فيه: لم يكن على الثاني قطع).
وذلك لأن السارق لا يد له صحيحة، والدليل على ذلك: أن الأيدي في الأصول على وجهين: يد أمانة، ويد ضمان، ويد السارق بعد القطع
стр. 2757
خارجه عن هذين المعنيين، فلم تكن يده صحيحة، ألا ترى أن السارق لو استهلكه بعد ما قطع: لم يضمنه، فعلمت أنها ليست بيد ضمان، وليست بيد أمانة؛ لأن المسروق منه لم يأتمنه عليها، وقد أخذها من يده بغير إذنه، فلما كان كذل، كان كأنه سرق من غير يد، فلم يقطع.
وأيضًا: إن السارق عندنا إذا قُطع، ليس له أن يخاصم المسروق منه في رده إلى يده، وكذلك لو غصبه منه غاصب، لم تكن له الخصومة في رده إلى يده، فلما لم يكن خصمًا في إثبات السرقة، لم يقطع سارقه.
مسألة: [لو سُرق المسروق نفسه مرة ثانية]
(ومن سرق ثوبًا، فقطع فيه، ثم سرق مرة أخرى: لم يقطع).
والأصل في ذلك: أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق، فلما عدمناهما فيما وصفنا، لم يبق في إثباته إلا القياس، ولا يجوز ذلك عندنا.
فإن قيل: هلا قطعته بعموم قوله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿،
قيل له: السرقة الثانية لم يتناولها العموم قط؛ لأنها توجب قطع الرجل، والقطع الذي توجبه الآية إنما هو قطع اليد.
وأيضًا: فإن وجوب القطع يتعلق بالفعل والعين جميعًا، والدليل على
стр. 2758
ذلك: أنه متى سقط القطع، وجب ضمان العين، كما أن حد الزنى لما تعلق بالوطء، كان متى سقط الحد، وجب ضمان الوطء، وكما أنه لما تعلق وجوب القصاص بقتل النفس، كان متى سقط القصاص، وجب ضمان النفس.
وكذلك وجوب ضمان العين في السرقة عند سقوط القطع، يوجب اعتبار العين في ذلك، فلما كان فع لواحدٍ في عينين لا يوجب إلا قطعًا واحدًا، كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ينبغي ألا يوجب إلا قطعًا، إذ إن لكل واحد من المعنيين – أعنى الفعل والعين – تأثيرًا في إيجاب القطع.
فإن قيل: فلو زنى بامرأة، فحد، ثم زنى بها مرة أخرى: حد ثانيًا، مع وقوع الفعلين على عين واحدة.
قيل له: لأنه لا تأثير ههنا لعين المرأة في تعلق الحد بها، وإنما وجوب حد الزنى تعلق بالوطء، ولا تأثير لعين المرأة فيه.
والدليل على ذلك: أنه متى سقط الحد، ضمن الوطء، ولم يضمن عين المرأة، وفي السرقة متى سقط القطع، صارت عين السرقة مضمونه عليه.
وأيضًا: فقد صارت السرقة في يده بعد القطع في حكم المباح التافه، بدلالة أن استهلاكه لا يوجب عليه ضمانه، فوجب أن لا يقطع فيها بعد ذلك، كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل، وإن حصلت ملكًا للناس، كالطين والخشب والحشيش والماء.
ومن أجله قالوا: لو كان غزلاً، فنسجه ثوبًا بعد ما قطع، ثم سرقه مرة
стр. 2759
أخرى: قطع فيه؛ لأن حدوث هذا الفعل فيه يبطل حكم الإباحة المانعة من وجوب القطع.
كما أنه لو سرق خشبًا: لم يقطع فيه، ولو كان جعل منه بابًا، فحدث فيه من الصنعة ما يُخرجه عن الحالة الأولي، ثم سرقه: قطع فيه.
وأيضًا: لما كان حصول القطع فيه يوجب إبراءه من استهلاكه، قام القطع فيه مقام دفع قيمته، فصار كأنه عوضه عنه، فأشبه حصول الملك له في المسروق؛ لأن استحقاق البدل عليه يوجب له الملك، فلما أشبه الملك من هذا الوجه: سقط القطع؛ لأن القطع تسقطه الشبهة، والشبهة أن يشبه المباح من وجه.
مسألة: [سرقة المسروق بعد تغيير هيئة الشيء المسروق]
قال أبو جعفر: (ولو سرق غزلاً قيمته عشرة دراهم، فقطع فيه، ثم نسج ذلك الغزل ثوبًا، فسرقه مرة أخرى: قطع).
قال أبو بكر: وذلك لأن هذه عين غير الأولى في الحكم، من قبل أن مستحق الغزل لا يستحق الثوب بملكه الغزل، والدليل عليه: أن من غصب من رجل غزلاً، فنسجه ثوبًا: لم يستحق مالك الغزل الثوب، وكان الثوب للغاصب عندنا، فلما كان ذلك في حكم عين أخرى، وجب أن يُقطع، كما لو سرق ثوبًا آخر: قُطع فيه.
ولا يلزم هذه المسألة على شيء مما قدمنا من حجاج المسألة، أما
стр. 2760
الحجاج الأول، فإنها كانت من جهة نفي القطع إلا بتوقيف أو اتفاق، والقطع في الثوب باتفاق وإن كان قد قطع في غزله مرة.
وعلى العلة الثانية لا تلزم أيضًا؛ لأن هذه غير الأولى في الحكم، لما بينا، وقد كانت العلة أن حكم القطع متعلق بالعين، وليست هذه تلك العين في الحكم.
وعلى علة الإباحة أيضًا لا تلزم؛ لأن حدوث هذا الضرب من الصنعة يقطع عنه حكم الإباحة على ما بينا.
ولا يلزم أيضًا على علة إقامة القطع مقام أخذ البدل؛ لأن هذا لما كان في الحكم عينًا أخرى، لم يثبت فيها حكم الملك بأخذ البدل على عين غيرها.
مسألة: [حكم الطرار]
قال أبو جعفر: (ومن طر من رجل دراهم كانت معه يجب في مثلها القطع، فإن أبا حنيفة كان يقول: إن طرها من خارج الكم: لم يقطع، وإن طرها من داخله: قطع، وقال أبو يوسف: قطع في الوجهين).
الأصل فيه: أن وجوب القطع متعلق بانتهاك الحرز بأخذه على وجه الاستسرار، والكم حرز لما فيه، ولا يمكن انتهاكه إلا بإدخال يده فيه، فوجب القطع، إذ هو سارق منتهك للحرز بسرقته، وهذا هو شريطة
стр. 2761
وجوب قطع السارق.
وأما إذا طرها من خارج الكم، فإن خارج الكم ليس بحرز، فلا يكون ما كان خارج الكم محرزًا بالكم، كما لا يكون خارج الدار حرزًا، ولا يكون باب الدار حرزًا بالدار.
وليس أخذ الصرة من الكم كأخذ المتاع من البيت إذا لم يدخله، فلا يجب القطع؛ لأن انتهاك حرز البيت إنما يكون بدخوله، وأخذ المال منه، ولا يمكن انتهاك حرز الكم بدخوله، وإنما ينتهك بإدخال اليد وأخذه.
مسألة: [تغيير هيئة الذهب والفضة المسروق]
قال: (ومن سرق فضة أو ذهبًا يساوي عشرة دراهم فقطع فيه، وقد عمل الفضة دراهم، أو الذهب دنانير، فإن أبا حنيفة قال: يردان الدراهم والدنانير على المسروق منه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا سبيل عليهما).
قال أبو بكر: هذه المسألة مبنية على أصله: في أن الصنعة لا تأثير لها في إسقاط حق المغصوب منه، ألا ترى أنه يقول فيمن غصب فضة، فضربها دارهم، أو صاغها حليًا: أن للمغصوب منه أخذها بعينها، ولا يمنع ما أحدث فيها من الصياغة من أخذ عينها.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا سبيل للمغصوب منه عليها، ولكن يضمن الغاصب المثل أو القيمة.
فلذلك قال أبو حنيفة: له أخذها في السرقة، وقال أبو يوسف
стр. 2762
ومحمد: قد انقطع حقه عنها، وصار ما أحدث فيها مستهلكًا لها، ولا يضمن شيئًا؛ لأن حصول القطع ينفي الضمان.
وإنما لم يكن للصنعة تأثير فيمها؛ لأنهما لا تخرجها عن حكمها في كونهما موزونة، ولا يخرج عن حال الوزن، ولا يجوز التفاضل فيه، والعين مع ذلك باقية؛ لأن اسم الفضة لم يُزل عنها.
وليست كالحنطة إذا طحنها؛ لأن عين الحنطة معدومة مع زوال المنافع، إذ لا تسمى حنطة بعد الطحن، وإن كان اعتبار المساواة واجبًا فيها.
ووجه آخر: وهو أن حق المغصوب إنما ينقطع بالصنعة إذا أزال عظم منافع العين، كالحنطة إذا طحنت ونحوها، وعظم منافع الذهب والفضة باق مع وجود الصنعة؛ لأن المبتغي منهما أعيانهما، لا الصنعة، فلم ينقطع حق صاحبها بحدوث الصنعة.
وليست كالحديد إذا ضربه سيفًا، أو إناءً من وجهين:
أحدهما: أن الحديد يخرج بالصنعة عن حكمه الأول، حتى يصير غير موزون بعد أن كان موزونًا، وليس كذلك الذهب والفضة.
والوجه الآخر: أن عظم منافع الحديد ونحوه إنما هو في الصنعة الموجودة فيه، لا في عينه، لأنه لا ينتفع بهما إلا بالصنعة، ألا ترى أن الصنعة فيه قد يجوز أن تأتي على قيمة الأصل، وأما الذهب والفضة فالمبتغى منهما اقتناؤهما وادخارهما، لا الصنعة، وذلك موجود مع عدم الصنعة.
[تغيير هيئة الحديد المسروق]
قال: (ومن سرق حديدًا، فعمله كوزًا، ثم قطع فيه: لم يكن
стр. 2763
للمسروق منه على الكوز سبيل في قولهم).
وذلك لما بينا أن حدوث الصنعة فيه يقطع حق صاحبه عن العين، ولا يضمن شيئًا لأجل حصول القطع.
مسألة: [تكرار الإقرار في السرقة]
قال: (ومن أقر بالسرقة عند الإمام مرة واحدة: قطع في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لم يقطع حتى يقر مرتين).
وجه قولهما: ما روى عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتي بسارق إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! هذا سرق.
فقال ﵊: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال ﵊: اذهبوا به فاقطعوه، فقطع".
ورواه غير الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه أبا هريرة، منهم: الثوري، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق.
قال أبو بكر: على أي وجه حصلت الرواية، فحكمه ثابت؛ لأن
стр. 2764
إرسال من أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله.
وعلى أنه لو حصل مرسلاً، كان حكمه ثابتًا؛ لأن المرسل والموصول عندنا سواء فيما يوجبان من الحكم، فقد قطعه النبي ﷺ بإقراره مرة واحدة.
فإن قيل: إنما قطعه بالشهادة؛ لأنهم قالوا: سرق.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه لو كان كذلك، لاقتصر عليها، ولم يرجع إليه في مسألته وتلقينه الجحود، فلما قال ﵊ بعد ما قالوا سرق: "ما إخاله سرق"، ولم يقطعه حتى أقر، ثبت أنه ﵊ قطعه بإقراره دون الشهادة.
فإن قيل: روى حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي "أن رسول الله ﷺ أتى بلص اعترف اعترافًا، ولم يجد معه المتاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت: قال: بلى يا رسول الله، فأعادها عليه رسول الله ﷺ مرتين أو ثلاثًا، قال: بلى، فأمر به فقطع".
ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة، وهو أقوى إسنادًا من الأول.
قيل له: ليس في الخبر بيان موضع الخلاف بيننا، وذلك لأنه ليس فيه
стр. 2765
إقرار السارق مرتين، وإنما فيه أن النبي ﷺ أعاد عليه القول مرتين أو ثلاثًا، وليس يمتنع أن يكون النبي ﷺ أعاد عليه القول مرتين أو ثلاثًا قبل أن يقر، ثم أقر.
فإن قيل: فقد قال: اعترف اعترافًا، فقال النبي ﷺ : "ما إخالك سرقت"، فأعاد مرتين أو ثلاثًا.
قيل له: يحتمل أن يريد به اعترف بعد ما قال له النبي ﷺ ذلك مرتين أو ثلاثًا.
وأيضًا: لو ثبت أن النبي ﷺ أعاد ذلك عليه بعد الإقرار الأول، لم يكن فيه دلالة على أن الإقرار الأول لم يتعلق به وجوب القطع، إذ ليس يمتنع أن يكون حد القطع وجب، فأراد النبي ﷺ أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لولي أمر أن يؤتي بحد إلا أقامه"، فلو كان القطع واجبًا بإقراره بدءًا، لما اشتغل ﵊ بتلقينه الرجوع عنه، ولسارع إلى إقامته.
قيل له: ليس وجوب القطع مانعًا من استثبات الإمام في أمره، ولا موجبًا عليه قطعه في الحال؛ لأن ماعزًا قد أقر عند النبي ﷺ بالزنى أربع مرات، فلم يرجمه حتى اصتثبته، وقال: "لعلك لمست، أو قبلت"، وقال لأهله: "ابه جنة"، ولم يدل ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بالإقرار أربع مرات.
стр. 2766
ولا يعترض حكم هذا الخبر على ما رويناه من خبر أبي هريرة؛ لأن فيه أمرًا بقطعه حين أقر مرة واحدة، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد، وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب، للاستثبات والأخذ بالثقة.
ويدل على صحة ما ذكرنا: ما روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه "أن عمرو بن سمرة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا فقدنا جملاً لنا، فأمر النبي ﷺ فقطعت يده".
ففي هذا الخبر أيضًا أنه قطعه بإقراره مرة واحدة.
* ووجهه من طريق النظر: أن السرقة المقر بها لا تخلو من أن تكون عينًا أو غير عين، فإن كانت عينًا، ولم يجب القطع بالإقرار الأول، فقد وجب ضمانها لا محالة، من قبل أن صحة الملك للآدمي تثبت بالإقرار الأول، ولا تتوقف على الإقرار الثاني، وإذا ثبت له الملك، ولم يثبت القطع، صارت مضمونه عليه، وحصول الضمان ينفي القطع.
وإن كانت السرقة المقر بها ليست بعين، فقد صارت دينًا بالإقرار الأول، وحصولها في ذمته، ينفي القطع على ما وصفنا.
فإن قيل: إذا جاز أن يكون حكم تناوله على وجه السرقة بدءًا موقوفًا غير موجب للضمان إلا على شريطة نفي القطع، فهلا جعلت حكم إقراره موقوفًا في تعلق الضمان به على سقوط القطع أو وجوبه.
стр. 2767
قيل له: لأن نفس الأخذ يوجب القطع إذا ثبت بشهادة، وليس هو بموقوف، وإنما يجب الضمان بعد سقوط القطع، وأما الإقرار فإن لم يكن أوجب القطع بدءًا، فينبغي أن يوجب الضمان، ووجوب الضان ينفي القطع؛ لأن الإقرار الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول.
فإن قيل: هذا اعتلال منتقض بالإقرار بالزنى؛ لأن إقراره الأول بالزنى إذا لم يوجب حدًا، فلابد من إيجاب المهر به؛ لأن الوطء لا يخلو من إيجاب حد أو مهر، وإذا انتفى الحد، ثبت المهر، وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بدءًا، وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنى، ولما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنى مع وجود العلة التي من أجلها منعت اعتبار عدد الإقرار في السرقة، دل ذلك على فساد اعتلالك.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، وذلك أن سقوط الحد في الزنى لا على معنى الشبهة لا يجب به مهر؛ لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة العقد أو شبهة عقد، فإذا عري من ذلك، لم يجب مهر.
ويدل على ذلك: اتفاقهم جميعًا على أنه لو أقر بالزنى مرة واحدة، ثم مات، أو قامت عليه البينة بالزنى، ومات قبل أن يحد: لم يجب عليه المهر في ماله، ولو مات بعد إقراره مرة واحدة بالسرقة، لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعًا.
فقد حصل من قولهم جميعًا إيجاب الضمان بإقراره مرة واحدة بالسرقة، وسقوط المهر مع الإقرار بالزنى وإن لم يحصل به حد,
* ومما يحتج به لأبي يوسف: ما روى الأعمش عن القاسم بن عبد
стр. 2768
الرحمن عن أبيه "عن علي ﵁ أن رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: قد شهدت على نفسك شهادتين، فأمر به فقطع، وعلقها في عنقه".
وليس في هذا الحديث أيضًا دلالة على أنه كان من مذهب علي ﵁ أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين؛ لأنه إنما قال: شهدت على نفسك شهادتين، ولم يقل: لو أقررت مرة واحدة لم أقطعك، ولا أنه لم يقطعه حين أقر مرة واحدة، حتى أقر مرتين.
* ومما يحتج به لأبي يوسف من طريق النظر: أن هذا لما كان حدًا تسقطه الشبهة، وجب أن يكون أقل ما يصح به إقراره مرتين، كالزنى اعتبر فيه عدد الإقرار بعدد الشهادة.
ويلزمه على هذا الاعتبار الإقرار بشرب الخمر بالشهادة عليه؛ لأنه حد تسقطه الشبهة، إلا أن في غالب ظني إني سمعت أبا الحسن الكرخي ﵀ أنه قد وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا يحد حتى يقر مرتين كعدد الشهود في إثباته.
ولا يلزمه عليه حد القذف؛ لأن المطالبة به حق لآدمي، وليس كذلك سائر الحدود، لأنه لا حق لآدمي فيها، وإنما حق لله تعالى فيها.
وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا؛ لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا وصفه، وإنما طريقها التوقيف.
стр. 2769
مسألة: [شهادة النساء في الحدود والقصاص]
قال: (ولا تقبل شهادة النساء في حد، ولا قصاص، ولا شهادة على شهادة).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: ما روى الزهري أنه قال: "مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود، ولا في القصاص".
ولأن النساء قائمات في الشهادة مقام الرجل، قال الله تعالى:﴾ فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ﴿، فلم يجز أن يثبت بهن حد، كالشهادة على الشهادة، ولا نعلم خلافًا في أن الشهادة على الشهادة غير جائزة في الزنى، وكذلك شهادة النساء، وإذا لم يجز في الزنى، كانت سائر الحدود بمثابته، لمشاركتها إياه في كونه حدًا حتى يسقط بالشبهة، ولهذه العلة لم يجز كتاب القاضي إلى القاضي في إثبات الحد؛ لأنه قائم مقام الغير.
مسألة: [سرقة المصحف]
قال: (ولا قطع على من سرق مصحفًا وإن كان مفضضًا).
وذلك لأنه لما كان له حق التعلم منه إذا احتاج إليه، صار ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه، ألا ترى أنه لا يسعه منعه إذا احتاج إليه.
стр. 2770
ليتعلم منه، فلما ثبت له حق الأخذ من وجه، صار بمنزلة السارق مس بيت المال.
ولا يجب القطع لأجل الفضة التي عليه؛ لأنها تبع، ألا ترى أنه لو باع المصحف دخلت فيه الفضة، كما يدخل الجلد والدفتان.
مسألة: (ولا قطع في طيرٍ، ولا صيدٍ).
وذلك لما روي عن عثمان وعلي ﵄ من نحو ذلك، من غير خلاف من أحد من الصحابة ﵃.
وأيضًا: فإنه تافه مباح الأصل، فأشبه الحشيش والحطب، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر"، والكثر: قيل فيه: إنه النخل الصغار، وقيل: إنه الجمار، وكلاهما لا قطع فيه عندنا، إلا أن ذلك قد دلنا على أن لا قطع في الحطب، والمعنى فيه: أنه تافه في الأصل مباح، فإذا صار مملوكًا لم يقطع سارقه، وكل ما كان هذا وصفه لم يقطع فيه سارقه.
فإن قيل: الطير قد لا يكون تافهًا، بل يكون مالاً مرغوبًا فيه جليلاً.
قيل له: أما في حال الإباحة إذا كان فرخًا، فهو تافه، وإنما تكثر قيمته بعدما يصير مملوكًا بالتعليم.
следующие страницы →