Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
ولا يعترض حكم هذا الخبر على ما رويناه من خبر أبي هريرة؛ لأن فيه أمرًا بقطعه حين أقر مرة واحدة، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد، وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب، للاستثبات والأخذ بالثقة.
ويدل على صحة ما ذكرنا: ما روى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه "أن عمرو بن سمرة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني سرقت جملاً لبني فلان، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا فقدنا جملاً لنا، فأمر النبي ﷺ فقطعت يده".
ففي هذا الخبر أيضًا أنه قطعه بإقراره مرة واحدة.
* ووجهه من طريق النظر: أن السرقة المقر بها لا تخلو من أن تكون عينًا أو غير عين، فإن كانت عينًا، ولم يجب القطع بالإقرار الأول، فقد وجب ضمانها لا محالة، من قبل أن صحة الملك للآدمي تثبت بالإقرار الأول، ولا تتوقف على الإقرار الثاني، وإذا ثبت له الملك، ولم يثبت القطع، صارت مضمونه عليه، وحصول الضمان ينفي القطع.
وإن كانت السرقة المقر بها ليست بعين، فقد صارت دينًا بالإقرار الأول، وحصولها في ذمته، ينفي القطع على ما وصفنا.
فإن قيل: إذا جاز أن يكون حكم تناوله على وجه السرقة بدءًا موقوفًا غير موجب للضمان إلا على شريطة نفي القطع، فهلا جعلت حكم إقراره موقوفًا في تعلق الضمان به على سقوط القطع أو وجوبه.
стр. 2767
قيل له: لأن نفس الأخذ يوجب القطع إذا ثبت بشهادة، وليس هو بموقوف، وإنما يجب الضمان بعد سقوط القطع، وأما الإقرار فإن لم يكن أوجب القطع بدءًا، فينبغي أن يوجب الضمان، ووجوب الضان ينفي القطع؛ لأن الإقرار الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول.
فإن قيل: هذا اعتلال منتقض بالإقرار بالزنى؛ لأن إقراره الأول بالزنى إذا لم يوجب حدًا، فلابد من إيجاب المهر به؛ لأن الوطء لا يخلو من إيجاب حد أو مهر، وإذا انتفى الحد، ثبت المهر، وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بدءًا، وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنى، ولما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنى مع وجود العلة التي من أجلها منعت اعتبار عدد الإقرار في السرقة، دل ذلك على فساد اعتلالك.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، وذلك أن سقوط الحد في الزنى لا على معنى الشبهة لا يجب به مهر؛ لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة العقد أو شبهة عقد، فإذا عري من ذلك، لم يجب مهر.
ويدل على ذلك: اتفاقهم جميعًا على أنه لو أقر بالزنى مرة واحدة، ثم مات، أو قامت عليه البينة بالزنى، ومات قبل أن يحد: لم يجب عليه المهر في ماله، ولو مات بعد إقراره مرة واحدة بالسرقة، لكانت السرقة مضمونة عليه باتفاق منهم جميعًا.
فقد حصل من قولهم جميعًا إيجاب الضمان بإقراره مرة واحدة بالسرقة، وسقوط المهر مع الإقرار بالزنى وإن لم يحصل به حد,
* ومما يحتج به لأبي يوسف: ما روى الأعمش عن القاسم بن عبد
стр. 2768
الرحمن عن أبيه "عن علي ﵁ أن رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: قد شهدت على نفسك شهادتين، فأمر به فقطع، وعلقها في عنقه".
وليس في هذا الحديث أيضًا دلالة على أنه كان من مذهب علي ﵁ أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين؛ لأنه إنما قال: شهدت على نفسك شهادتين، ولم يقل: لو أقررت مرة واحدة لم أقطعك، ولا أنه لم يقطعه حين أقر مرة واحدة، حتى أقر مرتين.
* ومما يحتج به لأبي يوسف من طريق النظر: أن هذا لما كان حدًا تسقطه الشبهة، وجب أن يكون أقل ما يصح به إقراره مرتين، كالزنى اعتبر فيه عدد الإقرار بعدد الشهادة.
ويلزمه على هذا الاعتبار الإقرار بشرب الخمر بالشهادة عليه؛ لأنه حد تسقطه الشبهة، إلا أن في غالب ظني إني سمعت أبا الحسن الكرخي ﵀ أنه قد وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا يحد حتى يقر مرتين كعدد الشهود في إثباته.
ولا يلزمه عليه حد القذف؛ لأن المطالبة به حق لآدمي، وليس كذلك سائر الحدود، لأنه لا حق لآدمي فيها، وإنما حق لله تعالى فيها.
وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا؛ لأن المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا وصفه، وإنما طريقها التوقيف.
стр. 2769
مسألة: [شهادة النساء في الحدود والقصاص]
قال: (ولا تقبل شهادة النساء في حد، ولا قصاص، ولا شهادة على شهادة).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: ما روى الزهري أنه قال: "مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود، ولا في القصاص".
ولأن النساء قائمات في الشهادة مقام الرجل، قال الله تعالى:﴾ فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ﴿، فلم يجز أن يثبت بهن حد، كالشهادة على الشهادة، ولا نعلم خلافًا في أن الشهادة على الشهادة غير جائزة في الزنى، وكذلك شهادة النساء، وإذا لم يجز في الزنى، كانت سائر الحدود بمثابته، لمشاركتها إياه في كونه حدًا حتى يسقط بالشبهة، ولهذه العلة لم يجز كتاب القاضي إلى القاضي في إثبات الحد؛ لأنه قائم مقام الغير.
مسألة: [سرقة المصحف]
قال: (ولا قطع على من سرق مصحفًا وإن كان مفضضًا).
وذلك لأنه لما كان له حق التعلم منه إذا احتاج إليه، صار ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه، ألا ترى أنه لا يسعه منعه إذا احتاج إليه.
стр. 2770
ليتعلم منه، فلما ثبت له حق الأخذ من وجه، صار بمنزلة السارق مس بيت المال.
ولا يجب القطع لأجل الفضة التي عليه؛ لأنها تبع، ألا ترى أنه لو باع المصحف دخلت فيه الفضة، كما يدخل الجلد والدفتان.
مسألة: (ولا قطع في طيرٍ، ولا صيدٍ).
وذلك لما روي عن عثمان وعلي ﵄ من نحو ذلك، من غير خلاف من أحد من الصحابة ﵃.
وأيضًا: فإنه تافه مباح الأصل، فأشبه الحشيش والحطب، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر"، والكثر: قيل فيه: إنه النخل الصغار، وقيل: إنه الجمار، وكلاهما لا قطع فيه عندنا، إلا أن ذلك قد دلنا على أن لا قطع في الحطب، والمعنى فيه: أنه تافه في الأصل مباح، فإذا صار مملوكًا لم يقطع سارقه، وكل ما كان هذا وصفه لم يقطع فيه سارقه.
فإن قيل: الطير قد لا يكون تافهًا، بل يكون مالاً مرغوبًا فيه جليلاً.
قيل له: أما في حال الإباحة إذا كان فرخًا، فهو تافه، وإنما تكثر قيمته بعدما يصير مملوكًا بالتعليم.
стр. 2771
مسألة: [لا قطع في الطعام، ولا فيما يتسارع إليه الفساد]
قال: (ولا قطع فيما يفسد من نحو الفاكهة واللحم والطعام الذي هو كذلك).
قال أبو بكر: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في طعام"، رواه الحسن.
وعمومه يقتضي نفي القطع عن الجميع، إلا أن الاتفاق خص ما كان مستحكمًا لا يسرع إليه الفساد، وبقي حكم العموم فيما يُسرع إليه الفساد.
وأيضًا: قال النبي ﷺ في حديث رافع بن خديج: "لا قطع في ثمر ولا كثر".
وعمومه يقتضي نفي القطع عن جميع الثمر، مستحكمًا كان أو غير مستحكم، إلا أن الاتفاق قد حصل على وجوب القطع فيما استحكم منه، وبقي حكم العموم فيما يُسرع فيه الفساد قبل حال الاستحكام.
وإذا صح ذلك في الثمر، كان كذلك حكم جميع ما يُسرع إليه الفساد، كاللحم وغيره من وجهين:
أحدهما: أن أحدًا لم يفرق بينه وبين الثمرة الرطبة، فإذا صح لنا نفي القطع في الثمرة بالعموم، كان هذا مثله.
والوجه الآخر: أن المعنى في الثمرة: أنها مما يُسرع إليها الفساد،
стр. 2772
فكل ما كان في معناها، فهذا حكمه.
ويدل عليه أيضًا: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في الثمر المعلق حتى يؤويه الجرين".
فهذا الخبر يدل على مثل ما دل عليه حديث رافع بن خديج.
وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجه آخر: وهو أنه نفى القطع فيها حتى يؤويه الجرين.
والجرين: هو الموضع الذي يُجفف فيه التمر في الصحراء، وليس بحرزٍ، وهو الذي يسميه أهل البصرة: الجوخان، وغيره يسميه البيدر، ولا فائدة في ذكر الجرين إلا بلوغه حال الاستحكام، وامتناع إسراع الفساد إليه.
وهذا كقوله ﵊: "في خمسٍ وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفي ستٍ وثلاثين بنت ليون"، وليس المعنى: وجود المخاض واللين للأم، وإنما المعنى بلوغ هذا المقدار من السن، وكقوله ﵊: "لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار".
فإن قيل: أراد بذلك نفي القطع إلا عمن يسرق من حرز.
فإن قيل: أراد بذلك نفي القطع إلا عمن يسرق من حرز.
قيل له: قد بينا أن الجرين ليس بحرز، ولا ذكره مفيد لاعتبار الحرز في إيجاب القطع من غير هذا الخبر، فالواجب أن يكون لذلك فائدة مجددة غير الحرز، وهي ما وصفنا.
стр. 2773
مسألة: [سرقة الخشب]
قال: (ولا قطع في شيء من الخشب إلا في الساج).
قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن القنا في ذلك كالساج، ويقطع فيه.
وقال أبو يوسف: يقطع في الخشب كله إذا بلغ المقدار الذي يُقطع فيه).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك عند أبي حنيفة ﵁: أن كل خشب غير مباح الأصل في دار الإسلام، فإنه يقطع فيه؛ لأنه لا يوجد في دار الإسلام إلا مالاً، وهو كسائر الأموال.
وكذا يجئ على قوله الآبنوس والصندل وسائر الخشب الذي لا يوجد في دار الإسلام.
وإنما اعتبر ما يوجد منه في دار الإسلام مالاً، من قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام، وما كان في دار الحرب، فليس بملك صحيح؛ لأنها دار إباحة، وأملاك أهلها مباحة، فلا يختلف فيها حكم ما كان مملوكًا، أو ما كان مباحًا، فلذلك سقط حكمها في اعتبار ما يكون مالاً، ووجب اعتبار كونه مالاً في دار الإسلام، فإذا لم يكن مباح الأصل هاهنا، كان كسائر الأموال، فلذلك وجب فيه القطع.
وأما سائر الخشب، فإنه لا يقطع فيه قياسًا على الكثر، وقد روي عن
стр. 2774
النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر".
وقيل في الكثر قولان: أحدهما: أنه الجمار، والآخر: النخل الصغار، وهو عندنا على الأمرين، والجمار لا قطع فيه، وهو الأصل في سقوط القطع عما يسرع إليه الفساد، والكثر لا قطع فيه، وهو الأصل في نفي القطع عن كل خشب يوجد أصله مباحًا في دار الإسلام.
فإن قيل: النخل غير مباح الأصل.
قيل له: إنه مباح الأصل في كثير من المواضع، كسائر الشجر المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكًا بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع.
* وأما أبو يوسف: فإن من قوله: أنه يقطع في كل شيء إلا في التراب والسرجين، والطين.
مسألة: [سرقة الأحجار الكريمة وغيرها]
قال: (ولا يقطع في زرنيخٍ، ولا مغرة، ولا نورة.
стр. 2775
ويقطع في الياقوت والزبرجد ونحوهما).
قال أبو بكر: الأصل فيه ما روي عن عائشة ﵂ أنه "لم يكن يقطع السارق على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه"، يعني الحقير، فكل ما كان تافهًا مباح الأصل فلا قطع فيه، والزرنيخ، والنورة، والحص تافه مباح الأصل، ألا ترى أن أكثر الناس يتركونه في موضعه مع القدرة على أخذه.
وأما الياقوت، فإنه غير تافه، بل هو ثمين رفيع، فيقطع فيه وإن كان مباح الأصل، كما قطع في سائر الأموال، لأن شريطة زوال القطع اجتماع المعنيين جميعًا، وهو أن يكون تافهًا في نفسه، ومباح الأصل.
وأيضًا: فإنها أموال ليست للتبقية، بل للإتلاف، فهو كالخبز واللحم والماء ونحو ذلك، وأما الياقوت فهو مال مراد للتبقية والقنية، كالذهب والفضة.
ويدلك على الفصل بينهما: أن الياقوت حيثما وجد مال مرغوب فيه، لا يترك مع القدرة عليه في أغلب الحال، والنورة ونحوها يتركها الناس مع القدرة عليها.
مسألة: [الاشتراك في السرقة بين رجل في الحرز مع آخر خارج عنه]
قال: (ومن سرق شيئًا، فلما انتهى به إلى باب البيت الذي سرقه منه، رماه إلى غيره، فأخذه، ثم خرج، فذهبا جميعًا: لم يقطع واحد منهما،
стр. 2776
وإن رمى به خارجًا من البيت، ثم اتبعه فأخذه: قطع).
قال أبو بكر: قال في الجامع الصغير: إذا ناوله صاحبًا له خارج الدار: لم يقطع، فإن رمي به ثم اتبعه، فأخذه: قطع، والذي ذكره أبو جعفر صحيح أيضًا، يروى ذلك عنهم في غير هذا الموضع.
والأصل: أنه متى حصلت عليه يد أخرى غير يد الداخل قبل خروجه من الحرز: لم يقطع واحد منهما.
فأما العلة في سقوط القطع إذا ناوله صاحبًا له خارج الدار: فهي أنهما قد اشتركا جميعًا في إخراجه من الحرز، والخارج لا قطع عليه؛ لأنه لم ينتهك الحرز، إذا لم يدخله، فصار ذلك شبهة في سقوطه عن الداخل؛ لأنه قد شاركه في الفعل من لا يجب عليه القطع، كرجلين قتلا رجلاً عمدًا، وأحدهما أبوه، أو كان أحدهما عامدًا، والآخر مخطئًا، وكمجوسي ومسلم ذبحا شاة، فلا يُقتص من واحد منهما، ولا تؤكل الذبيحة.
وأما إذا رمى به خارج الدار، فأخذه صاحبه قبل أن يخرج هو من الدار، فإن المعنى في سقوط القطع: أنه قد حصلت عليه يد أخرى قبل خروجه من الحرز، فخرج من الحرز وليس الشيء في يده، وإنما يتعلق وجوب القطع أيضًا بخروجه من الحرز والشيء معه؛ لأنه لو أخذ قبل أن يخرج من الحرز: لم يقطع، فوجب اعتبار حال خروجه من الحرز، فإن كان الشيء في يده: قطع، وإلا: لم يقطع.
стр. 2777
وهذه العلة تنتظم صحة المسألتين جميعًا، أعني: إذا ناوله إياه، أو رمي به فأخذه الآخر.
وأما إذا رمى به خارجًا، فلم يأخذه أحد، حتى خرج هو، فأخذه: فعليه القطع؛ لأن رميه به خارجًا لا يخرجه عن يده، ألا ترى أن من كان في يده شيء، فوضعه بين يديه أن ذلك لا يخرجه عن يده، ألا ترى أن رجلاً لو وضع ثوبًا بين يديه، فسرقه سارق: أنه يقطع، ولولا أن يده ثابتة عليه ما قطع سارقه، لأن السارق من غير يد لا قطع عليه.
* (وقال أبو يوسف: يقطع الداخل إذا ناوله الخارج، ولا يقطع الخارج إذا لم يدخل يده إلى الحرز، فإن أدخل يده إلى الحرز: قطعا جميعًا).
مسألة: [نقصان سعر المسروق عن نصاب السرقة قبل قطع السارق]
قال: (ومن سرق ما يجب فيه القطع، فلم يقطع فيه حتى نقصت قيمته، فصارت دون ما يجب فيه القطع: قطع).
قال أبو بكر: هذا عندهم على وجهين: إن كان النقصان لعيب حادث، أو تلف بعض أجزائه: فإنه يقطع.
وإن كان نقصان سعر من غير تلف شيء من أجزائه: لم يقطع فيه، وذلك لأن إتلاف جميع أجزائه واستهلاكه إياه، لا يسقط القطع، فكذلك ذهاب بعضها، ولأن الجزء التالف في حكم الباقي في باب أنه متى سقط القطع لشبهة ضمنه.
стр. 2778
وإذا كان النقصان من سعر، فإنما لم يقطع لأن ما يعرض قبل القطع في معنى ما كن موجودًا في حال الفعل، فلما كان المسروق لو كانت قيمته وقت الأخذ هذا المقدار، لم يقطع فيه، كذلك إذا صار إليها قبل القطع، وقد بينا هذا الأصل فيما تقدم.
وأيضًا: فإن نقصان السعر غير مضمون عليه عند سقوط القطع، فلم يكن الحادث من النقصان بمنزلة ما هو باق في الحكم، فلذلك سقط القطع.
مسألة: [اشتراك جماعة في دخول الحرز، ثم قيام أحدهم بالأخذ والحمل]
قال: (ومن دخل عليه جماعة، فولي رجل منهم أخذ متاعه وحمله: قطعوا جميعًا).
وذلك لاشتراكهم جميعًا في السبب الذي يتعلق به وجوب القطع، وهو انتهاك الحرز، فأشبه قطاع الطريق إذا ولي بعضهم أحد المتاع أو القتل، والباقون قيام، فيجري الحكم عليهم جميعًا، لاشتراكهم جميعًا في السبب الموجب لإجراء حكم قطاع الطريق عليهم، وهو الاجتماع والمنعة، وكالجيش يدخلون دار الحرب، فيلي بعضهم القتال، وبعضهم أخذ الغنائم، فيشتركون جميعًا، لاشتراكهم في السبب الذي به حصلت الغنيمة، وهو المنعة والاجتماع.
وليس هذا كالرجل يمسكه قوم، ويقتله أحدهم، أو يتظاهرون على امرأة فيزني بعضهم، فيقتل القاتل، ويحد الزاني دون المعين والظهير؛
стр. 2779
لأن صحة الزنى إنما تتعلق بفعل الزاني، دون حضور المعين والظهير، وكذلك صحة القتل تتعلق بفعل القاتل، دون معاونة الغير عليه، ولا سبب في ذلك دون وجود الفعل، وأما السرقة وقطع الطريق، فهما يتعلقان بوجود أسباب غير الأخذ، وهو انتهاك الحرز، ووجود المنعة، فلما تساووا في السبب، تساووا فيما استحقوا من الجزاء.
مسألة: [السرقة من النائم في الطريق]
قال: (ومن كان نائمًا في طريق، ومعه متاع، وكان بحيث يكون حافظًا له، فسرقه سارق: قطع).
وذلك لأنه حرز للمتاع بحضوره، والأصل فيه: "قصة صفوان بن أمية حين سرق رداؤه من تحت رأسه، وهو نائم في المسجد، فأمر النبي ﷺ بقطع السارق".
مسألة: [السرقة من فوق الدابة]
قال: (ومن سرق من إبلٍ قيامٍ عليها أحمالها، أو كانت تسير، فشق جوالقًا، فسرق ما فيها: قطع، وإن سرق الجوالق نفسه: لم يقطع).
وذلك لأن ما في الجوالق محرز بالجوالق، كما يكون محرزًا بالكم وبالصندوق وبالبيت، فلذلك قطع.
стр. 2780
وأما الجوالق نفسه، فليس بمحرز بشيء، فلا قطع على سارقه، إذ لم يأخذه من حرز، وهذا مثل الفسطاط يكون ما فيه محرزًا به، ويقطع سارقه، ولا يقطع سارق الفسطاط نفسه، وكما يكون المتاع محرزًا بحافظه، ويقطع سارق المتاع، ولو احتمل الحافظ نفسه، وذهب به: لم يقطع.
مسألة: [حكم النباش]
قال: (ولا يقطع النباش في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يُقطع كما يقطع فيما سرق من الحرز).
لأبي حنيفة ﵁: أن القبر ليس بحرز، والدليل عليه: اتفاق الجميع على أنه لو كان هناك دراهم مدفونة، فسرقها: لم يقطع، لعدم الحرز، كذلك الكفن.
فإن قيل: فالأحراز تختلف، فمنها ما يكون مثل شريجة البقال لما في الحانوت، والإصطبل للدواب، والدور للأموال، وقد يكون الرجل حرزًا لما هو حافظ له، وكل شيء من ذلك حرز لما يُحفظ به ذلك الشيء في العادة، ولا يكون حرزًا لغيره، فلذلك لو سرق الدراهم من إصطبل: لم يكن سارقًا من حرز، وكذلك القبر لما لم يكن حرزًا للدراهم، وكان حرزًا للكفن، لم يقطع في الدراهم، وقُطع في الكفن؛ لأنه حرز مثله.
стр. 2781
قيل له: هذا كلام فاسد من وجهين: أحدهما: أن الأحراز وإن كانت مختلفة في أنفسها، فليست مختلفة في كونها حرزًا لجميع ما يجعل فيها، لن الإصطبل لما كان حرزًا للدواب، فهو حرز للدراهم والثياب، ويقطع فيما يسرقه منه، وكذلك حانوت البقال لو سرق منه ثيابًا، أو شاة أو دراهم: قطع.
وقولك: إن الإصطبل حرز للدواب، ولا يُقطع من سرق منه دراهم: غلط.
والوجه الآخر: أن قضيتك هذه لو كانت صحيحة، لكانت مانعة من وجوب القطع في الكفن، وذلك لأن الكفن لا يجعل في القبر ليحرز به، ولا يحفر القبر لتحفظ به الأكفان، وإنما هو لدفن الميت فيه، وإخفائه عن عيون الناس، وأما الكفن فإنما جُعل هناك للبلى والهلاك.
وجهة أخرى: وهو أن الكفن لا مالك له، والدليل عليه: أنه من جميع المال، فدل أنه ليس في ملك أحد، ولا موقوف على أحد، فلما صح أنه من جميع المال، وجب أن لا يملكه الورثة، كما لا يملكون ما صُرف في الدين الذي هو من جميع المال.
ويدل عليه أيضًا: أن الكفن يبدأ به على الديون، فإذا لم يملك الوارث ما يقضي به الدين، فلأن لا يملكون الكفن أحرى، وإذا لم يملكه الوارث، واستحال أن يكون الميت مالكًا، وجب أن لا يقطع سارقه، كما لا يقطع السارق من بيت المال، وأخذ الأشياء المباحة؛ لأنه لا مالك لها.
فإن قيل: جواز مخاصمة الورثة في المطالبة بالكفن، دال على أنه في ملكهم.
قيل له: كما يطالب الإمام بما يسرق من بيت المال ولا يملكه.
стр. 2782
ووجه آخر: وهو أن الكفن يجعل هناك للبلى، لا للقنية والتبقية، فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء، الذي للإتلاف لا للقنية.
وروي عن ابن عباس ﵁ ومكحول مثل قبول أبي حنيفة ﵁.
وقال الزهري: "أجمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ في زمنٍ كان مروان أميرًا على المدينة أن النباش لا يُقطع، ويعزر، وكان الصحابة ﵃ متوافرين يوميئذٍ".
قال أبو بكر: وهذا يوجب أن يكون ذلك إجماعًا منهم، لا يسع من بعدهم خلافه.
* وقال إبراهيم ومسروق والشعبي وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وحماد، وابن أبي ليلى: يُقطع.
فإن قيل: إن القبر حرز للكفن، لما روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا أصاب الناس موت، يكون البيت فيه بالوصيف، يعني القبر.
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: عليك بالصبر"، فسمى القبر بيتًا.
стр. 2783
قال: حماد بن أبي سليمان: يُقطع النباش؛ لأنه دخل على الميت بيته.
قيل له: إنما سماه بيتًا على طريق المجاز؛ لأن البيت في الحقيقة في لغة العرب: اسم موضوع لما كان مبنيًا ظاهرًا على وجه الأرض، وإنما سمى القبر بيتًا تشبيهًا بالبيت المبني.
وعلى أن قطع السرقة ليس متعلقًا بكونه سارقًا من بيتٍ فيه المال، إلا على شريطة أن يكون ذلك البيت حرزًا لما يُجعل فيه، وقد بينا أن القبر ليس بحرز، ألا ترى أن المسجد يسمى بيتًا، قال تعالى:﴾ في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ﴿، ولو سرق من المسجد: لم يُقطع إذا لم يكن له حافظ.
وأيضًا: فلا خلافٍ أنه لو كان في القبر صرة دراهم مدفونه، فسرقها: لم يُقطع وإن كان بيتًا، فعلمنا أن القطع في السرقة غير متعلق بكونه بيتًا.
مسألة: [السرقة من الحانوت]
قال: (ومن سرق من حانوت تاجرٍ مأذونٍ في دخوله: لم يُقطع).
وذلك لأن الإذن في دخوله يُخرجه من أن يكون ما فيه محرزًا منه، فصار كالخائن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع
стр. 2784
على خائن".
مسألة: [لا فرق في حكم السرقة بين الذكر والأنثى]
قال: (والنساء في السرقة كالرجال).
لقول الله تعالى:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴿.
مسألة: [حكم الصبي والمجنون في السرقة]
قال: (ولا يُقطع صبي، ولا مجنون فيما سرقاه).
وذلك لقول النبي ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق".
ويضمنان؛ لأن سقوط القطع يوجب ضمان ما أخذا، وهو حق آدمي، ولا يتعلق حكمه بصحة التكليف.
مسألة: [سرقة الدف والمزمار، والفهد ونحوها]
قال: "ولا قطع في سرقة دف ولا طبل ولا مزمار، ولا فهدٍ، ولا كلب".
стр. 2785
أما الدف والطبل والمزمار، فلأن من الفقهاء من يرى أخذه بغير أمر مالكه، وكسره، فصار ذلك شبهة في نفس الفعل، هل هو سرقة أم مباح؟ فصار كالقتل إذا اختلف فيه: هل هو عمد أو خطأ؟ فلا يجب القود به، وكالوطء المختلف في كونه زنى أو غير زنى؟ فلا يوجب الحد، كذلك ما وصفنا.
وأما الكلب والفهد، فلأنهما من التافه المباح الأصل، كالطير وسائر الصيد.
مسألة: [السرقة من رؤوس الأشجار]
قال: (ولا قطع في سرقة تمر من رؤوس النخل، ولا حنطة وهي سنبلٍ في منبتها، ولا ثمر، ولا كثر، فإن أحرز الثمر، وجعل في حظيرة، وأغلق عليه باب، أو حصدت الحنطة، ففعل فيها مثل ذلك: كان على من سرق منهما القطع إذا بلغ المقدار).
قال أبو بكر: وأما الثمر في رؤوس النخل، والحنطة في سنبلها أو في منبتها، فلا قطع فيها، سواء كان محرزًا أو غير محرز، لقول النبي ﷺ : "لا قطع في ثمر وكثر"، في حديث رافع بن خديج.
стр. 2786
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق إذا سرق، فقال: فيه جلدات نكال، فإذا آواه الجرين ففيه القطع".
ولم يفرق ﵊ في ذلك بين ما كان محرزًا أو غير محرز.
مسألة: [من سرق صبيًا حرًا]
قال: (ومن سرق صبيًا حرًا: لم يقطع: كان عليه حلي أو لم يكن).
وذلك لأنه ليس بمال، فلا يتقوم، ووجوب القطع في السرقة يتعلق بمالٍ له مقدار، فلما لم يتقوم الحر، لم يكن في سرقته قطع.
ولا يقطع أيضًا إن كان عليه حلي؛ لأن المقصود هو الشخص، دون ما عليه.
مسألة: [سرقة المملوك]
قال: (ومن سرق مملوكًا: قطع).
قال أبو بكر: هذا إذا كان صغيرًا لا يتكلم ولا يعقل، هكذا رواه هشام، وروى ابن سماعة: إذا كان لا يتكلم، ولم يقل: لا يعقل.
فأما إذا كان كبيرًا: فإنه لا يقطع؛ لأنه حينئذٍ لا يخلو من أحد وجهين:
стр. 2787
إما أن يكون خدعة، فخرج معه، فهذا ليس بسرقة، أو يكون احتمله وقهره، فهذا بمنزلة المختلس، فلا يجب فيه القطع.
وأما إذا كان صغيرًا لا يعقل: فهو بمنزلة البهيمة، فيقطع سارقه.
* وأما أبو يوسف فإنه قال: لا يقطع في المملوك وإن كان صغيرًا.
مسألة: [من سرق ثوبًا وشقه نصفين قبل إخراجه من الحرز]
قال: (ومن سرق ثوبًا، ولم يخرجه من حرزه حتى شقه نصفين، وهو يساوي بعد شقه عشرة دراهم: قطع إذا طلب ذلك رب الثوب، ولم يكن عليه فيما شق من ثوبه ضمان).
قال أبو بكر: وذلك لن القطع في السرقة متعلق بإخراجه من الحرز، وقد أخرجه من الحرز، وهو يساوي عشرة دراهم، فكأنه سرق وهو مشقوق.
قيل له: إنما تعلق به الضمان على حسب تعلقه بنفس الأخذ، وهو على شريطة أن لا يقطع فيه، فمتى وجب القطع، سقط الضمان.
* وأما قوله: وليس عليه ضمان النقصان الحادث بالشق، فإن عمرو بن أبي عمرو وغيره قد رووا عن محمد عن أبي حنيفة ﵁ أن له أن يضمنه النقصان مع القطع؛ لأن الجزء الفائت قبل إخراجه من الدار
стр. 2788
لم يثبت فيه حكم السرقة، فيكون القطع واقعًا له، فمن أجل ذلك يجب أن يضمن النقصان بالشق.
وليس ذلك كاختياره تضمين قيمة الثوب؛ لأنه يملك جميع الثوب بالتضمين، وملكه له يمنع القطع.
ولا أدري من أين وقع إلى أبي جعفر أنه لا يضمن النقصان؟
* قال أبو جعفر: (وإن كان لا يساوي عشرة حين أخرجه: لم يقطع)
وذلك لما وصفنا من تعلق القطع بإخراجه من الحرز، وقد أخرجه من الحرز، وهو لا يساوي ذلك، فلا يقطع فيه.
(ولكن رب الثوب بالخيار: إن شاء أخذ ثوبه مشقوقًا، وضمنه النقصان)، لأن باقي الثوب يمكن الانتفاع به، كمن قطع يد عبد رجلٍ، فيضمن أرشها.
(وإن شاء سلم إليه الثوب، وأخذ قيمته منه)، وذلك لأن شقة على هذا الوجه يأتي على عامة منافع الثوب، فله أن يضمنه جميع القيمة، كمن فقأ عيني عبد رجلٍ، فله أن يسلم إليه العبد، ويضمنه جميع القيمة.
* قال أبو جعفر: (وإن قال رب الثوب: أنا أضمن الجاني قيمة ثوبي صحيحًا، وأسلم إليه ثوبي، وقيمته مشقوقًا عشرة دراهم: فله ذلك، ورفع بذلك القطع عن السارق، وهذا كله قول أبي حنيفة ﵁.
وذلك لأن شق الثوب على هذا الوجه يوجب له الخيار في التضمين، ومتى اختار تضمينه استتم ملكه الثوب إلى حال وجوب الضمان، فلم يجز قطعه في ملكه.
* قال أبو جعفر: (وأما في قول أبي يوسف، وقياس قول محمد:
стр. 2789
فإن لا يقطع في شيء من ذلك؛ لأن السارق لم يخرج السرقة من حرزها وجب ضمانها).
قال أبو بكر: أما محمد، فلا خلاف عنه أن قوله في ذلك مثل قول أبي حنيفة، ولا أدري على أي أصل قاس أبو جعفر هذه المسألة من أصول محمد؟
وأما قول أبي يوسف، فقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنه يقطع في الثوب إذا شقه قبل إخراجه، وفي الشاة أيضًا إذا ذبحها قبل أن يخرجها.
وحكي ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵁: أنه لا يقطع في الثوب، ولا في الشاة إذا ذبحها.
والمشهور من قول أبي حنيفة: قطعه في الثوب، ولا يقطع في الشاة إذا ذبحها قبل إخراجها؛ لأنه أخرجها وهي لحم، ولا قطع في سرقة اللحم.
وقول أبي يوسف سديد في الشاة أيضًا؛ لأن من أصله: أنه يقطع في اللحم إذا سرقه، وهو قوله الأخير.
وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه لا يقطع في الثوب أيضًا، فلأن ضمان جميع الثوب قد تعلق عليه بالتخريق قبل الإخراج، فلو قطعناه كان القطع موقوفًا على اختيار رب الثوب لقطعه، وإبرائه من ضمان القيمة، ولا يجوز أن يكون القطع موقوفًا على اختياره؛ لأن وجوب القطع
стр. 2790
يتعلق باختيار المسروق منه.
وما ذكره أبو جعفر من قول أبي يوسف: إنه لا يقطع في شيء من ذلك، فإنه رواية قد رويت عن أبي يوسف.
مسألة: [مكان القطع وكيفيته]
قال أبو جعفر: (والواجب على السارق إذا وجب عليه القطع: قطع يده اليمنى من المفصل، فإن كانت اليمنى مقطوعة قبل ذلك: قطعت رجله اليسرى من المفصل، فإن كانت اليسرى قد قطعت قبل ذلك: لم يقطع منه بعد ذلك شيء، وضمن السرقة، واستودع السجن حتى يحدث توبة).
قال أبو بكر: أما وجوب قطع اليمنى بدءًا، فلا خلاف فيه بين الأمة، وفي حرف عبد الله:﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ﴿.
* وقطعهما من مفصل الزند لا خلاف بين أهل العلم فيه.
ويحكى عن قومٍ من الخوارج أنهم يقطعون من المنكب، وهو قول شاذ؛ لأنهم لا يعتد بهم في الخلاف.
* وأما قوله: إنه لا يقطع بعد قطع الرجل اليسرى، وهو قول مشهور عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃.
وروى عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول أن عمر رضي الله
стр. 2791
عنه قال: "لا تقطعوا يده بعد اليد والرجل، ولكن احبسوه عن المسلمين".
وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر ﵁ أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرجل، فقال له عمر: السنة اليد.
وقال الزهري: انتهى أبو بكر ﵁ في قطع السارق إلى اليد والرجل.
وهذا الذي ذكرناه يقتضي أن يكون ذلك اتفاقًا من جميع من ذكرنا من قوله، أنه لا يقطع بعد الرجل اليسرى.
وقد روى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه "أن عمر ﵁ استشارهم في السارق، فأجمعوا على أنه تقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى، ثم لا يقطع أكثر من ذلك".
وهذا يقتضى أن يكون ذلك إجماعًا لا يسع خلافه؛ لأن الذين يستشيرهم عمر ﵃ هم الذين ينعقد بهم الإجماع.
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قطع اليد بعد قطع اليد
стр. 2792
والرجل في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ﵁ ثم سرق حلي أسماء.
رواه سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم وهو مرسل، وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: أن رجلاً خدم أبا بكر ﵁، فبعثه مع مصدق، وأوصاه به، فلبث قريبا من شهر، ثم جاء وقد قطعه المصدق، فلما رآه أبو بكر ﵁ قال: مالك؟
قال: وجدين خنت فريضة فقطع يدي.
فقال أبو بكر ﵁: إني لأراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة، والذي نفسي بيده لئن كنت صادقًا لأقيدنك منه، ثم سرق حلي أسماء بنت عميس، فقطعه أبو بكر.
فأخبرت عائشة ﵂ أن أبا بكر قطعه بعد قطع المصدق يده، وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى.
وهو حديث صحيح لا يعارض بحديث القاسم.
وعلى أنه لو تعارضا لسقطا جميعًا، ولم يثبت بهذا الحديث عن أبي بكر ﵁ شيء، وبقيت لنا الأخبار الأخر التي ذكرناها عن أبي بكر في الاقتصار على الرجل اليسرى.
فإن قيل: روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدًا.
стр. 2793
بعد يد ورجل.
قيل له: لم يقل في السرقة، ويجوز أن يكون في قصاص.
فإن قيل: روى عثمان ﵁ أنه ضرب عنق رجل بعد ما قطع أربعة.
قيل له: ليس فيه أنه قطعه في السرقة، ويجوز أن يكون في قصاص، ويدل عليه نفس الحديث، لأنه ضرب عنقه، والسرقة لا يستحق بها ضرب العنق.
فلم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف لما ذكرنا قوله ممن رأي الاقتصار على اليد والرجل، فثبت حجته من هذا الوجه.
* ومن جهة أخرى: إنا قد حكينا عن الخلفاء الراشدين ﵃ هذا القول، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".
* ودليل آخر لأصحابنا ﵃: وهو قول الله تعالى:﴾ فاقطعوا أيديهما ﴿، فأضافها إليهما بلفظ الجمع، فثبت أن المراد بالآية من كل واحد منهما يد واحدة؛ لأنه لو كان المراد اليدين، لقال: يديهما، إذ من شأن العرب أنها إذا أضافت إلى شخصين عضوًا واحدًا من كل واحد منهما، أضافته بلفظ الجمع، كقول الله تعالى:﴾ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴿؛ لأن لكل واحد منهما قلبًا واحدًا، وكذلك لما أضاف
стр. 2794
تعالى الأيدي إليهما بلفظ الجمع، علم أن المراد: أن اليد التي لكل واحد منهما واحدة، وهي اليمنى.
ويدل عليه حرف عبد الله ﵁:﴾ فاقطعوا أيمانهما ﴿، وكذلك هو في حرف ابن عباس ﵁، والحسن وإبراهيم.
وإذا ثبت أن الذي تناولته الآية يد واحدة، ولا يجوز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد ثبت الاتفاق في الرجل اليسرى، واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى، فلم نقطعها مع عدم التوقيف والاتفاق، إذ لا يجوز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين، وكذلك الزيادة عليها، ولأن الزيادة على ذلك كالزيادة في حد الزنى، وذلك يوجب نسخ الأصل، ولا يجوز الزيادة فيه إلا بمثل ما يجوز به النسخ.
فإن قيل: قوله:﴾ فاقطعوا أيديهما ﴿: يقتضي قطع اليد اليسرى، ولولا الاتفاق لما عدلنا عنها إلى الرجل اليسرى قبلها.
قيل له: أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى، فليس ذلك عندنا؛ لأنها إنما اقتضت يدًا واحدة، لما وصفنا من إضافتها إلى الأثنين بلفظ الجمع دون التثنية، وإن ما كان هذا وصفه يقتضي يدًا واحدة من كل واحد منهما.
ثم قد اتفقوا أن اليمين مرادة، فانتفى أن تكون اليسرى مرادة باللفظ، لما وصفنا من قراءة ابن مسعود ﵁ وابن عباس ﵁:﴾ فاقطعوا أيمانهما ﴿.
стр. 2795
وعلى أنه لو كان لفظ الآية محتملاً لما وصفت، لكان لاتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليمنى دون اليد اليسرى، دلالة على أن اليسرى غير مرادة، إذ لا جائز ترك المنصوص والعدول عنها إلى غيرها.
* ووجه آخر: وهو أن اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد، دلالة على أن اليسرى غير مقطوعة رأسًا، لأن العلة في ترك قطع اليد اليسرى بعد اليمنى، أن في قطعها على هذا الوجه إبطال منفعة الجنس، وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل اليسرى.
ومن جهة أخرى: إنه لم يقطع بعد يده اليمنى ورجله اليمنى، لما فيه من بطلان منفعة المشي رأسًا، كذلك لا تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى، لما فيه من بطلان منفعة البطش، وهو من منافع اليد، كالمشي من منافع الرجل.
* ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في أخذ المال، لا يزاد على قطع اليد والرجل، لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف، كذلك السارق وإن كثر الفعل منه، فإن عظم جرمه لا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل.
* فإن احتجوا بما رواه عبد الله بن نافع قال: أخبرني حماد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق، فأمر به أن تقطع يده، ثم أتي به مرة أخرى قد سرق، فأمر به أن تقطع رجله، ثم أتي به مرة أخرى قد سرق، فأمر به أن تقطع يده، ثم سرق، فأمر به أن تقطع رجله، حتى
стр. 2796
قطعت أطرافه كلها".
قيل له: رواية حماد بن أبي حميد وهو ممن يضعف.
وعلى أن هذا حديث مختصر، وأصله: ما حدثنا به عن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي قال: حدثني جدي قال: حدثني مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: "جئ بسارق إلى رسول الله ﷺ فقال: اقتلوه.
قالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جئ به الثانية، قال: اقتلوه، قالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه فقال: فقطع.
ثم جئ به الثالثة، فقال: اقتلوه، قالوا: يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه.
ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله! إنما سرق، قال: اقطعوه.
فأتي به الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا، فقتلناه، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة".
ورواه أبو معشر عن مصعب بن ثابت مثله بإسناده، وقال: "فخرجنا به إلى مربد النعم، فحملنا عليه النعم، فأشار بيديه ورجليه، فنفرت الإبل
стр. 2797
عنه، فتلقيناه بالحجارة حتى قتلناه".
ورواه يزيد بن سنان قال: حدثني هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطع يده، ثم أتي به قد سرق، فقطع رجله، ثم أتي به قد سرقن فأمر بقتله".
وروى حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحارث بن حاطب "أن رجلاً سرق على عهد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : اقتلوه، فقال القوم: إنما سرق. قال: اقطعوه، فقطعوه.
ثم سرق على عهد أبي بكر فقطعه، ثم سرق فقطعه، حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم به حين أمر بقتله، فأمر به فقتل".
فالذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الذي رواه حماد بن أبي حميد، وفيه الأمر بقتله بدءًا، ومعلوم أن السرقة لا يستحق بها القتل، فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على جهة الحد المستحق بالسرقة، وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة، كما روي عن النبي ﷺ في "قصة العرنيين: أنه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم"، وليس السمل حدًا في قطاع الطريق، فلما نسخت
стр. 2798
المثلة، نُسخ بها هذا الضرب من العقوبة، فوجب الاقتصار على اليد والرجل لا غير.
ويدل على أن قطع الأربع كان على وجده المثلة، لا على وجه الحد: أن في حديث جابر: "أنهم حملوا عليه النعم، ثم قتلوه بالحجارة"، وذلك لا يكون حدًا في السرقة بوجه.
مسألة: [إذا كان السارق أشل اليمنى]
قال أبو جعفر: (وإن كان أشل اليد اليمنى، صحيح اليسرى: قطعت يمينه الشلاء).
قال أبو بكر: وذلك لأن نقصان اليمنى لا يمنع قطعها، إذ لو كانت صحيحة مستحقة للإتلاف بالقطع، فيقطع ما بقى.
مسألة: [إذا كانت شماله شلاء]
قال: (وإن كانت يمينه صحيحة، وشماله شلاء: لم يقطع)
قال أبو بكر: وذلك لما بينا أنه لا يجوز أن يستحق بالسرقة قطعًا يوجب عليه إتلاف منافعه، كما لا تقطع اليسرى عندنا بعد قطع اليمنى، لهذه العلة بعينها.
ووجهة أخرى: وهي أن المستحق عليه بالسرقة قطع اليمنى فحسب، فإذا كانت شماله شلاء، لحقه من الضرر بقطع اليمنى أكثر مما هو مستحق عليه بالسرقة، فلم يقطع.
والأصل فيه: ما روي عن النبي ﷺ "أنه أمر بقطع
стр. 2799
السارق، ثم حسمه، لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق بالسرقة.
وحديث علي ﵁ حين "أمره النبي ﷺ بإقامة الحد على جارية زنت، فلما رآها نفساء، وخشي عليها من إقامة الحد عليها، تركها، ثم ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فرضيه".
ولاتفاق الجميع على أن المريض، ومن يخشى عليه الحر والبرد أنه لا يقطع، لئلا يلحقه من الضرر أكثر مما هو مستحق بالسرقة.
كذلك إذا كانت اليسرى شلاء أو مقطوعة: لا يقطع لما وصفنا.
* قال: (وكذلك إذا كانت الرجل اليمنى شلاء: لم تقطع)؛ للعلة التي وصفناها.
مسألة: [لو قطعت يد السارق قبل حكم الحاكم]
قال: (ومن وجب عليه القطع في السرقة، فلم يُقطع، حتى قطع قاطع يمينه: كان له القصاص على القاطع، ولم يقطع بعد ذلك في تلك السرقة).
وذلك لأن سرقته لم تبح قطع يمينه مالم يأمر الحاكم بقطعه؛ لأن إقامة الحدود على الأئمة، ومن أمروه بإقامتها، فإذا لم تكن السرقة مبيحة لقطع يمينه لسائر الناس، وكانت محظورة بعد السرقة كهي قبلها، وجب
стр. 2800
على قاطعها القصاص، كوجوبه عليه لو لم يكن سرق، ألا ترى أن من زنى وهو محصن، ثم قتله رجل: وجب عليه القصاص؛ لأن حظر دمه لم يزل بوقوع الزنى منه.
* وإنما لم يقطع بعد ذلك في السرقة؛ لأن وجوب القطع كان متعينًا في اليمنى بالسرقة، فلا ينتقل إلى غيرها، كما أن من وجب له قصاص في يمنى رجل، لم ينتقل إلى اليسرى بتعذر استيفائه من اليمنى.
مسألة:
(ومن سرق وإبهامه اليسرى أو أصبعان غيرها مقطوعة منها: لم تقطع يده).
قال أبو بكر: قد بينا أن عدم اليد اليسرى يمنع قطع اليمنى في السرقة، فما أتى على عموم منافع اليسرى يمنع أيضًا القطع في اليمنى، ومعلوم أن النقص اليسير في اليسرى لا يمنع قطع اليمنى، مثل أن يكون أنملة من أصابع اليسرى مقطوعة، أو تكون فيها أصبع زائدة، وإذا ثبت أن قليل النقص لا يمنع، والكثير يمنع، جعلوا ذهاب الإبهام نقصانًا كثيرًا؛ لأن بها قوة اليد.
ألا ترى أنها تشارك سائر الأصابع في القبض والبسط، وتقويها وتعينها على أعمالها، فكان بذهابها عامة منافع اليد، فصارت اليسرى كأنها معدومة، وكذلك إذا كانت أصبعان من اليسرى مقطوعة، ضعفت قوى باقي الأصابع، فكان نقصانًا كثيرًا مانعًا من قطع اليمنى.
стр. 2801
فإن قيل: فقد جعلت الإبهام مساوية لغيرها في الأرش، فهلا كانت مساوية لغيرها فيما وصفت؟.
قيل له: كما كانت العين مساوية لليد ي أرشها، ولم يجز أن تقوم عنها في استيفاء حق السرقة فيها، وكما لا يمنع ذهاب العين من القطع في السرقة، ويمنع ذهاب اليد اليسرى.
وأما إذا كانت أصبع واحدة مقطوعة من اليسرى سوى الإبهام، فإنهم جعلوا ذلك نقصانًا يسيرًا، بمنزلة قطع الأنملة والأصبع الزائدة؛ لأن ذهابها لا يأتي على عامة منافع اليد.
مسألة: [سرقة الخمر من نصراني]
قال: (ومن سرق من نصراني خمرًا: لم يقطع فيها).
وذلك لأنها ليست بمال لنا، وإنما أقر هؤلاء على أن تترك مالاً لهم بالعهد والذمة التي أعطوها، فلم يقطع سارقها؛ لأن ما كان مالاً من وجه، غير مال من وجه آخر، كان أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء القطع عن سارقه.
كما أن من وطئ جارية بينه وبين غيره: لم يجب عليه الحد وإن كان واطئًا لملك غيره؛ لأن له فيها ملكًا من وجه، كذلك الخمر لما لم تكن مالاً لنا: لم يقطع فيها وإن كانت مالاً لهم.
مسألة: [إذا قطع منفذ الحد اليد اليسرى خطأ أو عمدًا]
قال: (ومن سرق، فأمر الإمام بقطع يده المينى، فقطع المأمور يده
стр. 2802
اليسرى عمدًا أو خطأ، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان عليه، وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان فعل ذلك خطأ: فلا شيء عليه، وإن كان عمدًا ضمن).
وجه قول أبي حنيفة ﵀ في العمد: أنه قد حصل للمقطوع عوض اليسار، وهي اليمين؛ لأنها قد كانت مستحقة بالسرقة، فلما قطع اليسار، سقط القطع به عن اليمين، وحصل ما هو خير له من المقطوعة، فلم يضمنها: عمدًا كان أو خطأ.
ومن جهة أخرى: وهي أن حكم الحاكم بذلك يبيح قطع اليمنى، واستيفاء الحد منها، واستيفاؤه يوجب إسقاطه عنها، فلما كان مسقطًا للحد عن اليمنى بقطع اليسرى، وجب أن يكون مستوفيًا للحد الواجب فيها، فكان كقطع اليمنى، إذ كان مستوفيًا للحد في الحالين.
فإن قيل: كيف يكون مستوفيًا للحد به، وهو منهي عن ذلك؟
قيل له: كونه منهيًا عنه لا يمنع وقوع استيفاء الحد به على الوجه الذي ذكرنا، والدليل عليه: أن الإمام لو حكم عليه بالرجم، فضرب رجل عنقه: لم يكن عليه شيء، وكان مستوفيًا للحد من حيث كان مسقطًا له، فكذلك ما وصفنا.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أن قطع السارق واقع له، لما فيه من زجره عن العود إلى مثل هذا الفعل، قال الله تعالى:﴾ والسارق
стр. 2803
والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴿، فإذا أخطأ فيه، لم يلزمه الضمان؛ لأنا لو ضمناه، لوجب له الرجوع به على السارق، ومن أجل ذلك لم يضمن النفس إذا تولدت من القطع، إذ لو ضمنها، لكان حاصل الضمان على من قطع له، وهو السارق، فمن حيث يجب فيسقط.
وأما إذا قطعها عمدًا، فلم يأخذها السارق، لأن اليسرى لا تستحق بالسرقة، فلزمه الضمان عندهما، إذ كان متعمدًا في أخذها.
مسألة: [إقرار العبد المأذون له بالسرقة]
قال أبو جعفر: (وما أقر به العبد من سرقة مال، أو قتل عمد، أو قذف محصنة: صدق عليه، وأقيم عليه الواجب فيه، والمال للمقر له إذا كان العبد مأذونًا له، والمال قائم بعينه).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن كل ما لا يملكه المولى من عبده، فإن العبد يملكه من نفسه، ويكون فيه بمنزلة الحر؛ لأن العبد مكلف جائز القول على نفسه، إلا فيما يملكه المولى، فلا ينفذ عليه في حال الرق، لأنه إقرار على الغير، ولا يجوز إقرار الإنسان على غيره.
فقلنا من أجل ذلك: إن المولى لما لم يجز إقراره على عبده بما يوجب عليه الحد، أو القصاص باتفاق المسلمين: علمنا أن المولى لا يملك ذلك من عبده، ألا ترى أن المولى لما ملك رق العبد، وكان جائز التصرف، جاز إقراره على العبد بالدين الذي استحق به رقه.
стр. 2804
وإذا ثبت ما وصفنا، وجب أن يجوز إقرار العبد على نفسه بما يوجب الحد أو القصاص، إذ لم يملكه المولى منه.
وليس ذلك كإقرار بالمال وهو محجور عليه، فلا يجوز في حق المولى؛ لأن المولى يملك ذلك من عبده، وكذلك لا يجوز إقراره برقبة نفسه لغيره، لأن المولى يملك الإقرار به لغيره.
فإن قيل: لما كان في إقراره بما يوجب الحد أو القصاص إدخال ضرر على المولى بالحد، واستحقاق رقبته بالقصاص، وهي ملك لغيره، وجب أن لا يجوز إقراره.
قيل له: لا يمتنع ذلك إذا كان مالكًا لما أقر به، ولم يملكه المولى منه، فيستحق حينئذٍ رقبته بالقصاص من جهة الحكم، ألا ترى أنه لو ارتد عن الإسلام: قتلناه، وفي ذلك استحقاق رقبته على المولى بقوله، وإذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، فأقر بمال بعينه في يده أنه سرقه من هذا الرجل: فإنه يقطع، وإقراره جائز بالمال أيضًا في قول أصحابنا جميعًا، لأن إقرار المأذون جائز بما في يده لغيره، سواء أقر من جهته السرقة أو غيرها.
فصل: [إقرار العبد المحجور عليه بالسرقة]
(وأما إذا كان محجورًا عليه، فأقر بسرقة عشرة دراهم في يده من رجل، وصدقه الرجل، وكذبه مولاه، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: أقطعه، وأدفع الدراهم إلى المقر له.
وقال أبو يوسف: أقطعه، وأدفع الدراهم إلى مولاه.
стр. 2805
وقال محمد: ادفع الدراهم إلى مولاه، ولا أقطعه).
وجه قول أبي حنيفة: ما قدمنا من جواز إقرار العبد بما يوجب الحد إذا كان المولى لا يملك ذلك من عبده، ولا يلتفت إلى ما يلحق المولى به من الضرر، ألا ترى أنه لو أقر أنه سرق دراهم، وقد استهلكها: أنه يقطع في قولهم جميعًا، فلما وجب عليه القطع لصحة إقراره، وجب أن يحكم بأن الدراهم للمقر له بها، إذ لا جائز أن يكون مقطوعًا في دراهم محكوم بها ملكًا للمولى.
فإن قيل: فإذا كان إقراره بالمال الذي في يده على الانفراد غير جائز إذا لم يكن من جهة السرقة، وإقراره بالقطع جائز إذا انفرد عن مالٍ بعينه في يده، فلم غلبت جنبة وجوب القطع على إسقاطه، وهلا غلبت جنبة المال، فيحكم به للمولى، ويسقط القطع؟
قيل له: لأن جنبة القطع آكد في هذا الوجه من جنبة المال، والدليل على ذلك: أن إقرار المولى عليه بما وجب القطع لا يجوز في حال، ويجوز إقراره على نفسه بذلك إذا لم يتعلق بمال في يده باتفاق، فصار في باب ما يوجب القطع بمنزلة الحر، ولا تأثير لتصديق المولى، ولا لتكذيبه فيه.
وأما المال، فقد يجوز إقراره العبد فيه بحال إذا كان مأذونًا له في التجارة، فيستحقه المقر له، فلما كان لجهة المال حالان: أحدهما: يجوز إقراره فيه، والآخر: لا يجوز، ويكون لإذن المولى تأثير في جوازه مرة،
следующие страницы →