Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
فإن قيل: فقد جعلت الإبهام مساوية لغيرها في الأرش، فهلا كانت مساوية لغيرها فيما وصفت؟.
قيل له: كما كانت العين مساوية لليد ي أرشها، ولم يجز أن تقوم عنها في استيفاء حق السرقة فيها، وكما لا يمنع ذهاب العين من القطع في السرقة، ويمنع ذهاب اليد اليسرى.
وأما إذا كانت أصبع واحدة مقطوعة من اليسرى سوى الإبهام، فإنهم جعلوا ذلك نقصانًا يسيرًا، بمنزلة قطع الأنملة والأصبع الزائدة؛ لأن ذهابها لا يأتي على عامة منافع اليد.
مسألة: [سرقة الخمر من نصراني]
قال: (ومن سرق من نصراني خمرًا: لم يقطع فيها).
وذلك لأنها ليست بمال لنا، وإنما أقر هؤلاء على أن تترك مالاً لهم بالعهد والذمة التي أعطوها، فلم يقطع سارقها؛ لأن ما كان مالاً من وجه، غير مال من وجه آخر، كان أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء القطع عن سارقه.
كما أن من وطئ جارية بينه وبين غيره: لم يجب عليه الحد وإن كان واطئًا لملك غيره؛ لأن له فيها ملكًا من وجه، كذلك الخمر لما لم تكن مالاً لنا: لم يقطع فيها وإن كانت مالاً لهم.
مسألة: [إذا قطع منفذ الحد اليد اليسرى خطأ أو عمدًا]
قال: (ومن سرق، فأمر الإمام بقطع يده المينى، فقطع المأمور يده
стр. 2802
اليسرى عمدًا أو خطأ، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان عليه، وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان فعل ذلك خطأ: فلا شيء عليه، وإن كان عمدًا ضمن).
وجه قول أبي حنيفة ﵀ في العمد: أنه قد حصل للمقطوع عوض اليسار، وهي اليمين؛ لأنها قد كانت مستحقة بالسرقة، فلما قطع اليسار، سقط القطع به عن اليمين، وحصل ما هو خير له من المقطوعة، فلم يضمنها: عمدًا كان أو خطأ.
ومن جهة أخرى: وهي أن حكم الحاكم بذلك يبيح قطع اليمنى، واستيفاء الحد منها، واستيفاؤه يوجب إسقاطه عنها، فلما كان مسقطًا للحد عن اليمنى بقطع اليسرى، وجب أن يكون مستوفيًا للحد الواجب فيها، فكان كقطع اليمنى، إذ كان مستوفيًا للحد في الحالين.
فإن قيل: كيف يكون مستوفيًا للحد به، وهو منهي عن ذلك؟
قيل له: كونه منهيًا عنه لا يمنع وقوع استيفاء الحد به على الوجه الذي ذكرنا، والدليل عليه: أن الإمام لو حكم عليه بالرجم، فضرب رجل عنقه: لم يكن عليه شيء، وكان مستوفيًا للحد من حيث كان مسقطًا له، فكذلك ما وصفنا.
* ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أن قطع السارق واقع له، لما فيه من زجره عن العود إلى مثل هذا الفعل، قال الله تعالى:﴾ والسارق
стр. 2803
والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴿، فإذا أخطأ فيه، لم يلزمه الضمان؛ لأنا لو ضمناه، لوجب له الرجوع به على السارق، ومن أجل ذلك لم يضمن النفس إذا تولدت من القطع، إذ لو ضمنها، لكان حاصل الضمان على من قطع له، وهو السارق، فمن حيث يجب فيسقط.
وأما إذا قطعها عمدًا، فلم يأخذها السارق، لأن اليسرى لا تستحق بالسرقة، فلزمه الضمان عندهما، إذ كان متعمدًا في أخذها.
مسألة: [إقرار العبد المأذون له بالسرقة]
قال أبو جعفر: (وما أقر به العبد من سرقة مال، أو قتل عمد، أو قذف محصنة: صدق عليه، وأقيم عليه الواجب فيه، والمال للمقر له إذا كان العبد مأذونًا له، والمال قائم بعينه).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن كل ما لا يملكه المولى من عبده، فإن العبد يملكه من نفسه، ويكون فيه بمنزلة الحر؛ لأن العبد مكلف جائز القول على نفسه، إلا فيما يملكه المولى، فلا ينفذ عليه في حال الرق، لأنه إقرار على الغير، ولا يجوز إقرار الإنسان على غيره.
فقلنا من أجل ذلك: إن المولى لما لم يجز إقراره على عبده بما يوجب عليه الحد، أو القصاص باتفاق المسلمين: علمنا أن المولى لا يملك ذلك من عبده، ألا ترى أن المولى لما ملك رق العبد، وكان جائز التصرف، جاز إقراره على العبد بالدين الذي استحق به رقه.
стр. 2804
وإذا ثبت ما وصفنا، وجب أن يجوز إقرار العبد على نفسه بما يوجب الحد أو القصاص، إذ لم يملكه المولى منه.
وليس ذلك كإقرار بالمال وهو محجور عليه، فلا يجوز في حق المولى؛ لأن المولى يملك ذلك من عبده، وكذلك لا يجوز إقراره برقبة نفسه لغيره، لأن المولى يملك الإقرار به لغيره.
فإن قيل: لما كان في إقراره بما يوجب الحد أو القصاص إدخال ضرر على المولى بالحد، واستحقاق رقبته بالقصاص، وهي ملك لغيره، وجب أن لا يجوز إقراره.
قيل له: لا يمتنع ذلك إذا كان مالكًا لما أقر به، ولم يملكه المولى منه، فيستحق حينئذٍ رقبته بالقصاص من جهة الحكم، ألا ترى أنه لو ارتد عن الإسلام: قتلناه، وفي ذلك استحقاق رقبته على المولى بقوله، وإذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، فأقر بمال بعينه في يده أنه سرقه من هذا الرجل: فإنه يقطع، وإقراره جائز بالمال أيضًا في قول أصحابنا جميعًا، لأن إقرار المأذون جائز بما في يده لغيره، سواء أقر من جهته السرقة أو غيرها.
فصل: [إقرار العبد المحجور عليه بالسرقة]
(وأما إذا كان محجورًا عليه، فأقر بسرقة عشرة دراهم في يده من رجل، وصدقه الرجل، وكذبه مولاه، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: أقطعه، وأدفع الدراهم إلى المقر له.
وقال أبو يوسف: أقطعه، وأدفع الدراهم إلى مولاه.
стр. 2805
وقال محمد: ادفع الدراهم إلى مولاه، ولا أقطعه).
وجه قول أبي حنيفة: ما قدمنا من جواز إقرار العبد بما يوجب الحد إذا كان المولى لا يملك ذلك من عبده، ولا يلتفت إلى ما يلحق المولى به من الضرر، ألا ترى أنه لو أقر أنه سرق دراهم، وقد استهلكها: أنه يقطع في قولهم جميعًا، فلما وجب عليه القطع لصحة إقراره، وجب أن يحكم بأن الدراهم للمقر له بها، إذ لا جائز أن يكون مقطوعًا في دراهم محكوم بها ملكًا للمولى.
فإن قيل: فإذا كان إقراره بالمال الذي في يده على الانفراد غير جائز إذا لم يكن من جهة السرقة، وإقراره بالقطع جائز إذا انفرد عن مالٍ بعينه في يده، فلم غلبت جنبة وجوب القطع على إسقاطه، وهلا غلبت جنبة المال، فيحكم به للمولى، ويسقط القطع؟
قيل له: لأن جنبة القطع آكد في هذا الوجه من جنبة المال، والدليل على ذلك: أن إقرار المولى عليه بما وجب القطع لا يجوز في حال، ويجوز إقراره على نفسه بذلك إذا لم يتعلق بمال في يده باتفاق، فصار في باب ما يوجب القطع بمنزلة الحر، ولا تأثير لتصديق المولى، ولا لتكذيبه فيه.
وأما المال، فقد يجوز إقراره العبد فيه بحال إذا كان مأذونًا له في التجارة، فيستحقه المقر له، فلما كان لجهة المال حالان: أحدهما: يجوز إقراره فيه، والآخر: لا يجوز، ويكون لإذن المولى تأثير في جوازه مرة،
стр. 2806
وفي إبطاله أخرى، ولم يكن لإقراره بما يوجب الحد إلا جهة واحدة، ولا تأثير لقول المولى فيه: فجاز في كل حال كان جنبة القطع من هذا الوجه آكد، فلذلك كانت جنبة القطع في باب ثبوته آكد.
ألا ترى أنه لا توجد له حال لا يجوز إقراره فيها بما يوجب الحد، وقد توجد حال يجوز إقراره فيها بالمال لغيره.
فإن قيل: هلا كانت جنبة سقوط الحد أولى من إثباته، لأن الحدود تسقط بالشبهة.
قيل له: لا شبهة هاهنا، وليس كون المسألة مشبهة لأصلين: أحدهما يوجب الحد، والآخر يسقطه، شبهة في سقوطه، وإنما يحتاج أن نتبع حينئذٍ ما يوجبه النظر، ولا يلتفت إلى جهة سقوط الحد إن كان النظر يوجبه.
ألا ترى أنهم قد أجروا الحد على جماعة سرقوا، وولي بعضهم أخذ المتاع، وهو استحسان من قولهم، فتركوا القياس في إسقاطه عمن لا يلي أخذه إذا كان النظر يوجب خلافه، وليست الشبهة المسقطة للحد هي أن تكون للمسألة شبه من أصل يوجب سقوط الحد.
* وأما أبو يوسف: فإنه ذهب إلى أن إقراره قد انطوى على معنيين: القطع، والمال، فهو مصدق على نفسه في وجوب قطعه، غير مصدق على مولاه في استحقاق ما في يده، كإقرار أحد الابنين بأخ، أنه مقر بشيئين: النسب، والمال، فيعطيه المال، ولا يثبت النسب، وكإقراره أن امرأته أخته من أبيه وأمه، وهو مجهول النسب، فيفرق بينهما، ويبطل النكاح، ولا يثبت النسب.
قال أبو بكر: وهذا قول واهٍ، وذلك لأنه لا يخلو من أن يقطعه في
стр. 2807
هذا المال، أو في غيره، فغن قطعه في هذا المال بعينه، فهذا المال بعينه محكوم به لمولاه، ولا يجوز قطعه في مال مولاه، وإن قطعه في غيره، فهو لم يقر بمال غيره، فكيف يجوز قطعه فيما لم يقر به؟ وإنما هو مقطوع من جهة إقراره.
ولا يشبه هذا ما ذكرناه من الإقرار بالنسب في صحة استحقاق المال، وفساد النكاح، مع عدم ثبوت النسب، من قبل أن المقر هناك يملك بدل المال من غير جهة الإقرار، ويملك الفرقة من غير جهة النسب الذي أقر به، ألا ترى أنه يملك إبطال نكاحها بالطلاق، وسائر ما يملك من وجوه الفرق، ويملك هبة المال وبدله وإن لم يكن هناك نسب، ولا يملك بدل يده للحد في السرقة، فلا يصح إقراره به إلا من الوجه الموجب لاستحقاقه.
* وأما محمد: فإنه ذهب إلى أنه لما لم يجز إقراره بالمال على الانفراد، وصار المال محكومًا به للمولى، فإذا حكمنا به للمولى، سقط القطع، فأتبع القطع المال، ولم يتبع المال القطع.
*******************
стр. 2808
باب حد قطع الطريق
مسألة: [حكم قطاع الطريق إذا لم يأخذوا مالاً، ولم يقتلوا أحدًا]
قال أبو جعفر: (وإذا قطع قوم من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة الطريق على قوم من أهل الذمة، أو من أهل الإسلام، فلم يأخذوا مالاً، ولم يقتلوا أحدًا، ثم ظهر عليهم الإمام: نفاهم، والنفي جبسهم حتى يحدثوا توبة).
قال أبو بكر: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن قطاع الطريق قد يكونون من أهل الإسلام، وأهل الذمة، وأن حكم الآية المذكورة في المحاربين جار عليهم، وهو قوله تعالى:﴾ إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا ﴿إلى آخر القصة.
وقال بعض المتأخرين ممن لا يعتد بخلافهم: إن ذلك مخصوص في المرتدين.
وقد اختلف في قصة العرنيين الذي أسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى الإبل، فيشربوا من ألبانها، ثم
стр. 2809
قتلوا الراعي، وساقوا الإبل.
فروي عن أنس ﵁: أنهم ارتدوا، وأن ذلك كان سبب نزول الآية، وأن النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في المشركين، ولم يذكر هذه القصة.
وروي ابن عمر أنها نزلت في العرنيين، ولم يذكر ردة.
وكيفما جرت الحال في ثبوت ردتهم أو عدمها، فلا دلالة فيه أن حكم الآية مقصور على المرتدين؛ لأن نزولها على سبب لا يوجب أن يكون حكمها مقصورًا عليه، بل يجب إتباع لفظ الآية عندنا، دون السبب الذي نزل عليه.
فإذا كان عمومها يوجب إجراء الحكم في الجميع، لم يكن لنا تخصيصه بغير دلالة.
وعلى أن ظاهر حالهم، وما استحقوه من التنكيل والحد، يدل على أن الآية لم تنزل فيهم؛ لأن فيها ذكر القتل والصلب، وليس فيها ذكر سمل الأعين، وغير جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وكانوا مرادين بها؛ لأنه لو كان كذلك، لأجرى النبي ﷺ حكمها عليهم، فلا لم يصلبهم النبي صلى الله عليه وسملهم، دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتًا في وقت ما حكم فيهم بما حكم به، فلا
стр. 2810
محالة أن الآية نزلت بعد ما أجرى هذا الحكم عليهم.
ولا يجوز أن يكون ذلك نازلاً فيهم، لاستحالة إمكان إجرائه عليهم، فثبت أن الذي في الآية حكم مبتدأ، غير متعلق بسبب، فاوجب ظاهرها إجراء الحكم على كل من تضمنته الآية، من مسلم أو كافر.
فإن قال قائل: لفظ الآية يوجب أن يكون الحكم خاصًا في المشركين، لأن المحارب لله ولرسوله لا يكون إلا كافرًا.
قيل له: قد يصح إطلاق هذا اللفظ على من كان من أهل الملة، والدليل على ذلك: ما روى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ رأي معاذًا يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن اليسير من الرياء شرك، ومن عادي أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة".
فأطلق عليه اسم المحاربة، ولم يذكر الردة، ومن قتل مسلمًا وحاربه على أخذ ماله، فهو معادٍ لأولياء الله تعالى، ومحارب لله سبحانه.
وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم "أن النبي ﷺ قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃: أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم".
فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ورسوله وإن لم يكن مشركًا.
стр. 2811
ويدل على أن المراد بالآية أهل الإسلام: أنه تعالى قال:﴾ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴿، ومعلوم أن المرتدين وأهل الحرب إذا تابوا: سقط عنهم ما لزمهم بالكفر وإن كان بعد القدرة.
وأيضًا: الإسلام لا يُسقط الحد عمن وجب عليه، فوجب أن يكون من حيث لزم الكفار، أن يلزم المسلمين مثله.
وأيضًا: فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة، دون المحاربة، والمذكور في الآية من استحق القتل بالمحاربة، فعلمنا أنه لم يرد المرتد.
وأيضًا: ذكر في الآية النفي قبل التوبة، والمرتد لا ينفي، فعلمنا أن حكم الآية ليس في المرتد خاصة.
فصل: [العقوبة المذكورة في الآية على الترتيب بحسب الفعل]
واتفق فقهاء الأمصار على أن في الآية وما يستحق من حكمها ضميرًا يتعلق حكمها به، فروي عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإبراهيم والضحاك ﵃ أجمعين أنها على الترتيب، كأنه قال:
أن يقتلوا: إن قتلوا.
أو يصلبوا: إن قتلوا وأخذوا المال.
أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: إن أخذوا المال، ولم يقتلوا.
стр. 2812
أو ينفوا من الأرض: إن خرجوا ولم يحدثوا شيئًَا من ذلك حتى أخذوا.
وهو قول أصحابنا ﵃، على اختلاف بينهم فيما نبدأ بذكره فيما بعد.
* ويروى عن الحسن وعطاء ومجاهد أن الإمام مخير إذا ظهر عليهم قبل التوبة: بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي.
* وقال مالك بن أنس: هو على قدر اجتهاد الإمام، فإن كان قد صار لهم شوكة: فله أن يفعل بهم أي ذلك شاء، وإن كان وحده وأخذه في الفور: نفاه وحبسه، وقد شرط فيه مالك اجتهاد رأي الإمام، ويجري المصلحة فيما يأتيه فيهم، فأثبت في هذه الآية ضميرًا لا يقتضيه ظاهر لفظها.
والدليل على أنها على الترتيب على النحو الذي شرطه من ذكرنا قوله بدءًا: قول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس".
فنفى ﵊ بهذا الحديث قتل من لم يقتل، ولم يخصص قاطع الطريق من غيره، وإذا انتفى قتل من لم يقتل، وجب قطع يده ورجله إذا أخذ المال، وهذا لا خلاف فيه.
فإن قيل: روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن
стр. 2813
عمير عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصانه، ورجل قتل فقُتل به، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فيقتل أو يصلب، أو ينفي من الأرض".
قيل له: قد روي هذا الحديث عن عائشة ﵂ من وجوه صحاح، فلم يذكر فيها قتل المحارب.
ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ ، ولم يذكرا قتل المحارب.
والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه، إذ المرتد لا محالة مستحق للقتل بالاتفاق، وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء، فلم يبق من الثلاثة غيرهم، ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجًا منهم، وإن صح ذكر المحارب فيه، فالمعنى فيه: إذا قتل، حتى يكون موافقًا للأخبار الأخر، فتكون فائدته أنه يجوز قتله على وجه الصلب.
فإن قيل: فقد ذكر فيه: "أو ينفى من الأرض".
قيل له: لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه: إن لم يقتل.
فإن قيل: فأنت تقتل الباغي وإن لم يقتل، وهو خارج من الثلاثة المذكورين في الخبر.
قيل له: ظاهر الخبر ينفي قتله، وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق، وبقي حكم الخبر في نفي قتل المحارب، إلا أن يقتل على العموم.
стр. 2814
وأيضًا: فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه، واستقر حكمه عليه، كالزاني، والمرتد، والقاتل، والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه، وإنما يقتل على وجه الدفع، ألا ترى أنه لو قعد في بيته، فلم يقتل: لم يقتل وإن لم يكن تابعًا من البغي.
فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بينا، وليس على التخيير.
* وأما الذي روي في خبر العرنيين، من سمل العيون، فهو منسوخ عندنا، ودلالة ذلك من وجهين.
أحدهما: أنا قد بينا أن الآية نزلت بعده، وليس فيها السمل، وجميع ما في الآية هو حد المحاربين، فصارت ناسخة لما في حديث أنس في قصة العرنيين.
والوجه الآخر: ما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن المثلة".
روى الحسن عن سمرة قال: "ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة".
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا شيئًا من الروح غرضًا".
стр. 2815
فكان النهي عن المثلة متأخرًا عن قصة العرنيين، فصار ناسخًا لما فيها من سمل العيون.
فصل: [المراد من النفي المذكور في آية قطاع الطريق]
وقد اختلف في النفي المذكور في الآية:
فروى مجاهد وغيره أن يطلبه الإمام أبدًا لإقامة الحد عليه حتى يخرج عن دار الإسلام.
وقال إبراهيم النخعي ﵀: نفيه حبسه، وهو قول أصحابنا.
وقال مالك: ينفي إلى بلد آخر غير البلد الذي استحق فيه العقوبة، فيحبس هناك. ط
فأما قول مجاهد في طلبه ليقام عليه الحد: فليس مما يقتضيه ظاهر الآية؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون الحبس إحدى العقوبات التي استحقها كالقتل، لقوله :﴾ أو ينفوا من الأرض ﴿، ولو كان طلبه لإقامة الحد، لقال والله أعلم: "وينفوا من الأرض"، يعني يطلبوا لقيام الحد عليهم.
وأما نفيه عن بلده بغير حبس: فلا معنى له؛ لأنه معلوم أن المراد بما ذكره زجره عن إخافة السبيل، وكف أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى بلد آخر وكان مطلقًا هناك، كانت معرته قائمة على المسلمين، إذ كان تصرفه هناك كتصرفه في بلده، فلا معنى لذلك.
стр. 2816
وأما قول من قال: إنه ينفى إلى بلد آخر، ويحبس فيه: فلا معنى له أيضًا؛ لأن الحبس يستوي في بلده وغير بلده، وإنما معنى النفي هو نفيه عن سائر الأرض، إلا موضع الحبس الذي لا يمكنه فيه العبث والفساد، فصح بذلك ما قال أصحابنا.
فصل: [حكم قطاع الطريق إذا خرجوا فأخذوا المال .....]
ولم يختلف أصحابنا أنهم إذا خرجوا، فأخذوا المال: قطعت أيديهم وأرجلهم فحسب، وذلك لما وصفنا أن القتل لا يستحق بغير ما ذكر في الخبر من الأشياء الثلاثة، فوجب قطع اليد والرجل حينئذٍ بقوله سبحانه:﴾ أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ﴿.
ولأن في الأصول: أن أخذ المال لا يستحق به القتل، وقد يستحق به قطع اليد والرجل، ألا ترى أن السارق تقطع يده، فإن سرق ثانية: قطعت رجله.
* وإن قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا، لقوله تعالى:﴾ أن يقتلوا ﴿: معناه: إن قتلوا، لقوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، وذكر فيه: "أو قتل نفس بغير نفس".
وهذان الفعلان لا خلاف بين أصحابنا ﵏ فيهما.
* وإن قتلوا وأخذوا المال: فإن أبا حنيفة ﵀ قال في الجامع الصغير: الإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم، وقتلهم.
стр. 2817
وإن شاء صلبهم.
وإن شاء قتلهم وترك القطع.
ولم يرو عنه خلاف ذلك في موضعٍ آخر فيما نعلم:
وذلك لأنه استحق هذه العقوبة بأخذ المال والقتل، وصار جميع ذلك حدًا واحدًا.
كما استحق قطع اليد والرجل بأخذ المال، ويكون ذلك حدًا واحدًا.
كذلك لما استحق القتل والقطع بأخذ المال والقتل على وجه المحاربة، صار جميع ذلك حدًا واحدًا.
ألا ترى أن القتل في هذا الموضع مستحق على وجه الحد، كالقطع، وأن الأولياء لو عفوا: لم يصح عفوهم، فدل ذلك على أنهما جميعًا كالحد الواحد، فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعًا عليه.
وله أن يقتلهم، فيدخل فيه قطع اليد والرجل، وذلك لأنه لم يؤخذ على الإمام الترتيب في الابتداء ببعض ذلك دون بعض، فله أن يبدأ بالقتل، فيسقط القطع.
فإن قيل: هلا كان قتله مانعًا من قطعه، كما لو سرق وقتل: قتل ولم يقطع.
قيل له: لما بينا من أن جميع ذلك حد واحد، مستحق بسبب واحد، وهو القتل، وأخذ المال على وجه المحاربة، وأما السرقة والقتل، فكل
стр. 2818
واحد منهما مستحق بسبب غير السبب الذي استحق به الآخر، وقد أمرنا بدرء الحدود ما استطعنا، فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ الحد، ولما كان هذا حدًا واحدًا في قطاع الطريق، لم يلزمنا إسقاط بعضه وإيجاب بعضه، وهو مخير مع ذلك بين القتل والصلب، لقوله تعالى:﴾ أن يقتلوا أو يصلبوا ﴿.
مسألة: [إذا أخذوا المال وقتلوا]
وذكر أبو جعفر: (أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا: قتلهم الإمام، ولم يقطع لهم يدًا ولا رجلاً، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد).
قال أبو بكر: وهذا قول محمد، ولا أعلمه روي عن أبي حنيفة ﵀ في موضع.
وقول أبي حنيفة المشهور هو ما قدمناه، وهو أن له أن يجمع بين القتل والقطع، وله أن يبدأ بالقتل، فيسقط القطع.
وروى محمد عن أبي يوسف في ذلك مثل قول نفسه سواء.
(وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه قال: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم، وصلبهم، وأما الصلب فلا أعفيه منه).
فكان الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في رواية أصحاب الإملاء
стр. 2819
إنما هو في ترك الصلب، فقال أبو حنيفة ﵀: له أن يقتلهم، ولا يصلبهم، وقال أبو يوسف: لابد من صلبهم.
مسألة: [الصلب يكون بعد القتل أم قبله؟]
قال أبو جعفر: (والصلب المذكور في آية المحاربة هو الصلب بعد القتل في قول أبي حنيفة).
قال أبو بكر: كان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه يصلب، ثم يقتل، يبعج برمح أو غيره، وكان أبو الحسن ﵀ يقول: هذا هو الصحيح، وصلبه بعد القتل لا معنى له؛ لأن الصلب عقوبة، وذلك غير ممكن في الميت.
قيل لأبي الحسن ﵀: لم لا يجوز أن يصلب بعد القتل ردعًا لغيره؟
فقال: لأن الصلب إذا كان موضوعًا للتعذيب والعقوبة، لم يجز فعله إلا على الوجه الموضوع في الشريعة.
مسألة: [عدم الجمع بين القتل والضمان]
قال أبو جعفر: (ومتى وجب القطع أو القتل: سقط ضمان المال والجراحات).
стр. 2820
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن الحد متى وجب: سقط ضمان ما تعلق به الحد من حق الآدمي، كالسارق إذا قطع: لم يضمن السرقة، وكالزاني إذا وجب عليه الحد: لم يلزمه المهر، وكالقاتل إذا وجب عليه القود: لم يجب معه مال، فكذلك ما وصفنا.
وإذا سقط القطع أو القتل على وجه الحد، وجب ضمان ما تناوله من مال ونفس، كالسارق إذا ردئ عنه القطع: وجب عليه ضمان المال، وكالزاني إذا سقط عنه الحد: لزمه المهر.
مسألة: [توبة قطاع الطريق]
قال أبو جعفر: (وإن لم يقدر الإمام على قطاع الطريق حتى جاؤوه تائبين: سقط عنهم ما كان وجب من طريق الحد، ووجب حقوق الآدميين من القتل، والجراحات، وضمان المال).
قال أبو بكر: أما وجه سقوط الحد المذكور في الآية، فلقول الله تعالى:﴾ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ﴿.
فأخرجهم من جملة من أوجب عليهم الحد بالاستثناء؛ لأن موضوع الاستثناء لإخراج بعض ما دخل في الجملة، كقوله تعالى:﴾ إلا أل لوطٍ إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ﴿، فأخرج آل لوط من جملة
стр. 2821
المهلكين، وأخرج امرأته من جملة المنجين، وكقوله :﴾ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ﴿، فكان إبليس خارجًا من جملة الساجدين، فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم، فقد نفى وجوب الحد عليهم.
فإن قيل: فقد قال في السرقة:﴾ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴿، ولم تكن توبة السارق مسقطة للحد عنه.
قيل له: لأنه لم يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد، وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم، ولا دلالة في ذلك على إسقاط الحد، وفي آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من الجملة.
وأيضًا: فإن قوله :﴾ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴿: يصلح أن يكون كلامًا مبتدأ، مستغنيًا بنفسه عن تضمينه بغيره، وكل كلام استغنى بنفسه في إيجاب الفائدة، لم نجعله مضمنًا بغيره، وأما قوله تعالى:﴾ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴿: فمفتقر في صحته إلى ما قبله، فمن أجل ذلك كان مضمنًا به.
وقد روى الشعبي أن حارثه بن زيد حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد، ثم تاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي ﵁ إلى عامله بالبصرة: أن حارثة بن زيد ممن حارب الله ورسوله، ثم تاب من
стр. 2822
قبل أن يقدر عليه، فلا تعرض له إلا بخير.
مسألة: [قطاع الطريق في المصر والمدينة]
قال: (ولا يكون قطع الطريق في مصر من الأمصار، ولا مدينة من المدائن، ولا بقربهما، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
قال: روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنهم إذا كابروا أهل مدينة من المدائن ليلاً: كانوا في حكم قطاع الطريق).
قال أبو بكر: قال أبو يوسف: إذا شهروا السلاح نهارًا على أهل مصر أو قرية: فهم المحاربون، وكذلك إذا فعلوه ليلاً بسلاح أو عصي، وإن كابروا بالنهار بغير سلاح: فليسوا بمحاربين.
والأصل في ذلك: أن المعنى الذي باين السارق به قطاع الطريق، هو أن قاطع الطريق أخذ المال على وجه الامتناع والمحاربة، والسارق أخذه على وجه الاستخفاء، فوجب عليه القطع، وغلظت العقوبة على المحارب لما باين السارق المحارب، فالمحاربة على جهة الامتناع.
وها هنا قسم ثالث لا يقطع رأسًا، وهو المختلس الذي أخذ المال لا على وجه الاستخفاء ولا المحاربة، فأسقط النبي ﷺ عنه القطع بقوله ﵊: "لا قطع على مختلس".
ومعلوم أن قطاع الطريق لا منعة لهم في الأمصار، ولا في المواضع القريبة منها؛ لأن من أرادوا قطع الطريق عليه يلحقه الغوث من جهة أهل
стр. 2823
المصر، وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث من أهل مصر: فهم قطاع الطريق، فثبت أنهم في المصر بمنزلة المختلس والمنتهب، لا تجري عليهم أحكام قطاع الطريق، لعدم المنعة فيه.
ووجب أن لا يختلف في المنتهب حكم الليل والنهار، كما لا يختلف في المختلس حكم الليل والنهار.
وأيضًا: فإنه إذا ثبت أنهم غير محاربين في المصر نهارًا لما وصفنا، وجب أن يكون الليل كذلك؛ لأنهم لم يحصل لهم امتناع بالليل، وإنما أكثر ما فيه غفلة الناس عنهم بنومهم، والنوم لا يوجب لهم امتناعًا، ألا ترى أن من أخذ ثوب إنسانٍ نائم: لم يجز أن يقال: إنه ممتنع لغفلته عنه بالنوم، فلم يكن بمنزلة قطاع الطريق.
فإن قيل: فيجب أن يكون: لو أن عشرة اعترضوا قافلة فيها ألف رجل ألا يكونوا محاربين.
قيل له: هم محاربون؛ لأن عشرة قد يجوز أن يمتنعوا على ألف رجل حتى لا يقدروا عليهم إذا لم يكونوا في المصر، كالأعراب والأكراد ونحوهم، ولو كانوا في المصر لم يمكنهم أن يمتنعوا على أهل المصر، فلذلك اختلف حكمهم في المصر وغيره.
وأيضًا: فإن الموضع الذي خرجوا فيه هم فيه ممتنعون، وحضور القافلة والجمع العظيم هناك شاذ نادر، ولا تقيم القافلة أيضًا هناك، وإنما هي مجتازة، فلا يخرجهم من حكم قطاع الطريق باجتيازها هناك.
* وأما أبو يوسف: فإنه لم يعتبر المصر، وإنما اعتبر إمكان معاملتهم إياه بالقتل وأخذ المال قبل غياث الناس إياه، فإذا كانوا بهذه الصفة: كانوا قطاع الطريق، وأجرى عليهم حكم المحاربين، ومتى أمكن المقصود
стр. 2824
بذلك أن يستغيث بالناس قبل أن يعاجلوه بالقتل وأخذ المال، لم يكونوا محاربين.
ومعلوم أنهم إذا حملوا عليه بالسلاح في مصر أو غيره نهارًا، فقد يمكنهم أن يقتوله قبل غوث الناس، فكانوا محاربين، وكذلك إذا قصدوه بعصي وغيره ليلاً في المصر لهذه العلة.
فأما إذا قصدوا بالعصي نهارًا، فقد يمكنه أن يستغيث بالناس قبل أن يأتوا عليه ويأخذوا المال، فلم يكونوا من أجل ذلك محاربين، ألا ترى أنهم لو هددوه بغير عصي ولا سلاح، لم يكونوا محاربين، وكذلك لو أخذوا ماله على هذا الوجه، فالحكم إنما تعلق عنده بحصول هذه الحال التي وصفنا دون الأماكن.
مسألة: [الاشتراك في قطع الطريق]
قال أبو جعفر: (وإن كان الذي ولي القتل من قطاع الطريق بعضهم: كان حكمهم في ذلك كحكمهم لو ولوه كلهم).
قال أبو بكر: وهذا لا نعلم فيه خلافًا بين الفقهاء.
والمعنى فيه أيضًا: أن حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا باجتماعهم جميعًا، فلما حصل السبب الذي به تعلق حكم المحاربة باجتماعهم، وجب أن لا يختلف فيه حكم من ولي القتل، ومن كان منهم ردءًا وظهيرًا وعونًا، ألا ترى أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه حكم من ولي القتال ومن كان منهم ردءًا وظهيرًا.
стр. 2825
* قال أبو جعفر: (وسواء قتلوا بحجر أو بعصا أو بسيف في ذلك).
وذلك لأنا نجري الحكم على من لم يلي القتل، فمن ولي ذلك بعصا أحرى بذلك.
مسألة: [قطع الطرق على ذي رحم محرم]
قال: (وإن كان من قطاع الطريق ذو رحم محرم من المقطوع عليهم الطريق: لم تقم عليهم الحدود، وقتل الذين ولوا القتل، وكان ذلك إلى الأولياء، دون الإمام).
وذلك لأن مشاركة ذوي الرحم المحرم إياهم في ذلك، يمنع وجوب الحد عليهم؛ لأنه ممن لو تفرد لم يجب عليه الحد، كما لو سرقوا وفيهم ذو رحم محرم: لم يقطع واحد منهم، وكما لو قتل رجلان رجلاً عمدًا، وأحدهما أبوه أو مجنون: لم يجب القود على واحد منهما، وإذا سقط الحد ثبت حقوق الآدميين في القصاص، والمال، كما أن سقوط القطع في السرقة يوجب ضمان المال.
مسألة:
قال: (والحكم في قطاع الطريق فيما يُقطع من أيديهم وأرجلهم كحكم السارق في جميع ما وصفنا، من شلل أيديهم، ومن ذهاب بعضها).
стр. 2826
وذلك للعلة التي وصفناها في السرقة، وهي أنه لا يجوز أن يلحقهم من الضرر بالقطع أكثر مما هو مستحق بالسرقة.
مسألة: [حكم النساء والصبيان في قطع الطريق]
قال أبو جعفر: (والنساء والعبيد في قطع الطريق، كالرجال وكالأحرار في جميع ما وصفنا).
قال أبو بكر: قوله في النساء إنهن بمنزلة الرجال في قطع الطريق: خلاف المشهور من مذهب أصحابنا، ولا خلاف بين أصحابنا أن المرأة لا يجري عليها أحكام قطاع الطريق والمحاربين وإن حضرت معهم.
وإنما اختلفوا في الرجال المحاربين إذا كانت معهم امرأة، وشاركتهم في المحاربة، فقال أبو حنيفة وزفر ومحمد: لا يجب الحد على واحد منهم، وتجب حقوق الآدميين، من ضمان المال والقصاص، سواء كان الذي ولي القتل المرأة أو الرجال.
وقال أبو يوسف: أقتل الرجال البالغين العقلاء، ولا أحد المرأة، ولا أضمنها شيئًا؛ لأن الحد أقيم على الرجال، سواء كان الذي ولي ذلك المرأة أو الرجال.
وقال محمد: لا أحد الرجال إذا كان فيهم امرأة، وأضمنهم حقوق الآدميين، فإن كانت المرأة هي التي وليت القتل وأخذ المال: قتلتها
стр. 2827
وضمنتها المال، ولم أحد الرجال، ولا أضمنهم شيئًا.
* وأما العبيد البالغون، فهم بمنزلة الأحرار في قولهم جميعًا.
[مشاركة الصبي لقطاع الطريق]
وإذا شاركهم صبي أو مجنون: لم يحد منهم أحد في قول أبي حنيفة ومحمد، سواء كان الذي ولي القتل وأخذ المال الصبي، أو المجنون، أو الرجال العقلاء.
وقال أبو يوسف: إن كان الذي ولي القتل وأخذ المال الرجال البالغون: أجري عليهم أحكام قطاع الطريق، وإن وليه الصبي أو المجنون:
لم يجب على أحد منهم قطع ولا قتل.
وفرق أبو يوسف بين المرأة إذا وليت القتل وأخذت المال، وبين الصبي والمجنون إذا وليا ذلك.
وجهة الفرق بينهما: أن فعل المرأة صحيح يتعلق عليه الأحكام، ألا ترى أنها إذا سرقت: قطعت، وإذا قتلت: فلا يلبهم حضورها حكم قطاع الطريق، ويكون فعلها في ذلك كفعلهم؛ لأن فعل أحدهم كفعل جميعهم فيما يستحق به من حكم المحاربة، فلذلك لم يختلف حكم فعلها وفعلهم.
ولا تجرى عليها عنده حكم المحاربين؛ لأنها ليست من أهل القتال والمحاربة، ولا يحصل بها امتناع، ألا ترى أنها إذا حضرت قتال المشركين: لم يسهم لها، إلا أنها مع ذلك حضورها ليس بشبهة في سقوط الحد عن الباقين، فكانت في ذلك بمنزلة من لم يحضر.
стр. 2828
وأما الصبي والمجنون فإن حضورهما عنده كلا حضور، فإن قتلا أو أخذا المال: لم تجر أحكام المحاربين إلا على الرجال العقلاء؛ لأن فعلهما ليس بفعل صحيح في السرقة والقتل ونحوه مما يتعلق به حد أو قصاص.
وفارقا المرأة من هذا الوجه، إلا أنهما والمرأة سواء في أن حضورهما ليس بشبهة في سقوط الحد عن الرجال.
* وأما أصل أبي حنيفة ومحمد في ذلك: فهو أن المرأة والصبي والمجنون، لما لم يكونوا من أهل المحاربة، ثم شاركوا المحاربين في الخروج والاجتماع، وهو السبب الذي به حصل الامتناع وحكم المحاربة: وجب أن يكون ذلك شبهة في سقوط الحد عن الباقين، كما لو كان معهم ذو رحم محرم من المقطوع عليهم، كانت مشاركته إياهم شبهة في سقوط الحد عن الباقين؛ لأنه لو انفرد بذلك لم يحد، كذلك إذا شارك الآخرين، فكان ذلك حكم المرأة والمجنون والصبي.
ألا ترى أن النساء لو انفردن بالخروج، وقطع الطريق: لم تجر عليهن أحكام قطاع الطريق في قولهم جميعًا، كذلك إذا شاركن الرجال، وكما لو شاركهم في السرقة من لا يجب عليه القطع: كان ذلك شبهة في سقوط القطع عن الآخرين، وكالرجلين إذا قتلا رجلاً، وأحدهما أبوه، أو مخطئ، أو مجنون.
مسألة: [اشتراط نصاب السرقة في قطع الطريق]
قال أبو جعفر: (ولا يكون على قطاع الطريق فيما أخذوا من الأموال ما يوجبه أخذ الأموال في ذلك من العقوبة، حتى يكون الذي يصيب كل واحد منهم من ذلك المال إذا قسم على عددهم: عشرة
стр. 2829
دراهم فصاعدًا، أو قيمتها).
وذلك لأن قطعهم لما تعلق بأخذ المال، وجب اعتبار المقدار فيه، كاعتباره في السرقة حين تعلق القطع فيها بأخذ المال، وعلى أنه إذا ثبت أن حكم القطع يتعلق فيه بأخذ المال، فلا خلاف في اعتبار المقدار فيه؛ لأن كل من أوجبه لأجل المال، اعتبر فيه المقدار.
وإنما لم يعتبر مالك بن أنس في ذلك مقدار المال المأخوذ؛ لأن من أصله: أنهم يستحقون أحكام المحاربين من غير أخذ المال، والله أعلم.
*********************
стр. 2830
كتاب الأشربة
وأحكامها
مسألة: [نقيع الزبيب]
قال أبو جعفر: (ونقيع الزبيب إذا لم يطبخ لا بأس به ما لم يغل ويشتد، فإذا على واشتد: فلا خير فيه).
قال أبو بكر: أما إذا لم يغل: فلا خلاف بين الأمة في إباحة شربه، وكذلك نقيع العنب، ونقيع التمر، وأما إذا على: فهو محرم عندنا، وكذلك نقيع التمر وهو السكر.
والأصل فيهما: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة".
стр. 2831
وهذا اللفظ يتناول أول خارجٍ منهما من الشراب، وهو النيء منه قبل انتقاله إلى حال أخرى بالطبخ.
وأيضًا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا أيوب اليمامي قال: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثني أنس بن مالك ﵁ "أنه كان وصيفًا يدير الكأس على ناسٍ من الأنصار في ناحية فيهم أبو طلحة، وما بالمدينة يومئذٍ خمر إلا البسر والتمر، فكانوا يشربونه، وأنا أدير عليهم الكأس، فأتينا، فقيل: إن الله قد حرم الخمر.
فأهراقوا ما بقي من شرابهم، وانطلقوا إلى رسول الله ﷺ ، وأنا معهم، فجاء رجل من الأنصار، يا رسول الله! إني كنت أبيع خمرًا من التمر والبسر في خابيةٍ ليتيم في حجري؟
قال: فضرب رسول الله ﷺ إحدى يديه على الأخرى، وقال: "قاتل الله اليهود: حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، أهرقه".
وقد ذرك في بعض ألفاظ الحديث عن أنس: "وكان خمرهم يومئذٍ الفضيخ".
стр. 2832
ودلالة هذا الخبر على تحريم نقيع التمر من وجوه:
أحدها: قوله: "وكان خمرهم يومئذٍ البسر والتمر"، وفي بعضه: "الفضيح"، وهو نقيع البسر، ثم أخبر أن الأنصار الذي كان يقيهم اهراقوها حين بلغهم تحريم الخمر، فدل ذلك على تحريمه عندهم من وجهين: أحدهما: إطلاق اسم الخمر عليه، وأنهم علقوا تحريمه بتحريم الخمر.
والآخر: اتفاقهم على تحريمه، مع ما روي في تحريمه عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ في آخرين من الصحابة، فصار ذلك إجماعًا من السلف عليه.
والوجه الآخر من الدلالة على ذلك: قول الأنصاري: يا رسول الله! إني كنت أبيع خمرًا من التمر والبسر في خابية ليتيم، فأمره النبي ﷺ بإراقته، فلم ينكر ﵊ تسميته إياه خمرًا، فاقتضى ذلك تحريمه، ثم أمره بإراقته، واقتضى ذلك أيضًا تحريمه.
مسألة: [حكم الأنبذة]
قال أبو جعفر: (وكل شيء من الأنبذة – سوى نبيذ الزبيب – النقيع من العسل والذرة والزبيب والتمر وما سواهن، عتق أو لم يعتق، خلط بعضه ببعض أو لم يخلط، بعد أن يطبخ: فلا بأس به، وإنما المكروه نبيذ الزبيب المعتق إذا على، وهذا كله قول أبي حنيفة ﵁ الذي رواه
стр. 2833
محمد عن أبي يوسف في كتاب الأشربة من الأصول).
قال أبو بكر: لا فرق بين المعتق وغير المعتق من نبيذ الزبيب والتمر بعد أن يكون مطبوخًا عند أبي حنيفة، والذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة من كراهة نبيذ الزبيب المعتق غير معروف، والأصل الذي يجمع مذهب أبي حنيفة في ذلك: ما رواه ابن رستم عن محمد قال: قال أبو حنيفة: الأنبذة كلها حلال إلا أربعة أشياء: الخمر، والمطبوخ إذا لم يذهب ثلثاه ويبقي ثلثه – قال أبو بكر: يعني مطبوخ العنب -، ونقيع التمر- فإنه سكر-، ونقيع الزبيب.
وأما أبو يوسف: فإنه كان يقول في سائر الأشربة إذا بقيت بعد البلوغ عشرة أيام: فلا خير فيها، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، روى ذلك ابن سماعة عنه.
وحكي ابن شجاع عن الحسن بن أبي مالك أن أبا يوسف قيل له: هل في نفسك من النبيذ شيء؟ فقال أبو يوسف: وكيف لا يكون؟ في نفسي منه شيء، وقد اختلف فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، في نفسي منه مثل الجبال.
وأما محمد بن الحسن: فإن هشامًا ذكر أنه سأله عن النبيذ ما أسكر كثيره؟ فقال: أحب إلى أن لا أشربه، ولا أحرمه.
وقال في كتاب الأشربة من الأصل: وقال أبو يوسف: يكره كل شراب من الأنبذة يزداد جودة على طول الترك، ولا أجيز بيعه، ووقته عشرة
стр. 2834
أيام، فإذا بقي أكثر من عشرة أيام: فهو مكروه، وإن كان يحمض في عشرة أيام، أو أقل: فلا بأس به.
وهو قول محمد، ثم رجع أبو يوسف وحده، وقال: لا بأس بذلك كله.
والذي ذكره أبو جعفر من قول أبي يوسف في كراهة المعتق، هو مرجوع عنه من قول أبي يوسف إلى قول أبي حنيفة، قد روى رجوعه جماعة.
* فأما الحجة لما قدمنا ذكره من قول أبي حنيفة في إباحة ما خلا الأربعة الأشربة التي ذكرناها: فهي من جهة ظاهر الكتاب، والسنة، واتفاق السلف، والنظر.
[دليل الإباحة من القرآن الكريم]
فأما جهة الظاهر، فقوله تعالى:﴾ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصًا سائغًا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ﴿.
وكان المفهوم من ظاهر هذا الخطاب إباحة جميع ما ذكر في هذه الآيات، إذ كانت واردة مورد الامتنان بها، وبين موضع النعمة بإباحة منافعها.
والسكر: اسم يتناول النبيذ على الإطلاق، لما حدثنا عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا حجاج بن محمد بن جريج عن عطاء
стр. 2835
عن ابن عباس ﵄ قال: "السكر النبيذ".
وروى مندل بن علي عن أبي روق عن الشعبي قال: "هو ما يصنع منه من النبيذ، والرزق الحسن: ما كانوا يصنعونه من الزبيب والتمر".
وإذا تناوله الاسم على الإطلاق، دخل في الإباحة، فلم يخرج منها شيء إلا بدلالة.
وقد روي عن بعض السلف: "أن السكر الخمر".
وقال بعضهم: نقيع التمر.
وهو عندنا يتناول جميع ذلك، وظاهر الآية يقتضي إباحة الكل، إلا أن الدلالة قد قامت على تحريم الخمر، ونقيع التمر، فأخرجناهما من الجملة، وبقي حكم اللفظ فيما عداهما.
* وأخرى من جهة الظاهر: وهو قوله تعالى:﴾ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴿.
فتضمن ظاهره إباحة جميع المشروب ما دون السرف، والسرف هو مجاوزة الحد عن مقدار ما أبيح منه.
وقال تعالى:﴾ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من
стр. 2836
الفجر ﴿.
وهذا مثل الأولى في دلالتها على ما دلت عليه.
وقال سبحانه:﴾ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴿، وقال:﴾ فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ﴿.
فكل مأكول ومشروب، فهو داخل تحت هذا العموم، لانطوائه تحت اللفظ، إلا ما قام دليله.
* وضرب آخر من دليل هذا العموم: وهو قوله تعالى:﴾ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ﴿.
ومقتضى هذا اللفظ ومضمونه إباحة جميع ما فيهما، حتى تقوم الدلالة على حظر شيء منها.
وقال تعالى:﴾ لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرءان تبدلكم عفا الله عنها ﴿.
فأخبر أن ما لم يقم الدليل على حظره، فهو في حيز المعفو عنه.
* وبهذا المعنى ورد الأثر عن الرسول ﷺ فيما رواه
стр. 2837
داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها".
وقال سليمان التيمي أخبرنا أبو عثمان النهدي قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: سئل رسول الله ﷺ عن الفراء والجبن والسمن، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه: فهو ما عفا الله عنه".
فاقتضى ظاهر هذه الآثار مع ما تقدمها من الآيات إباحة جميع الأشياء، إلا ما قام الدليل على حظره.
[دليل إباحة النبيذ من السنة]
وأما الحجة من طريق السنة: فهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن جعفر القتاب الكوفي قال: حدثنا يزيد بن مهران قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد عن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال:
"أتي رسول الله ﷺ بنبيذ، فلما شمه قطب، وناوله الغلام، فلما كاد إن يقطع الأبطح، قالوا: يا رسول الله! أحلال أم حرام؟ قال: ردوه، فلما ردوه، دعا بكوزٍ من ماء، فصبه عليه، وقال: إذا اشتد
стр. 2838
عليكم، فاكسروه بالماء".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قرة العجلي عن عبد الملك ابن أخي القعقاع ابن شور عن ابن عمر ﵄ قال:
"كنا مع النبي ﷺ فذكر له شراب، فأتي بقدح منه، فلما قربه إلى فيه: كرهه، فرده، فقال له بعض القوم: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: ردوه، فأخذه منه، ودعا بماء فصبه عليه، ثم قال: أنظروا هذه الأسقية إذا اغتلمت، فاقطعوا متونها بالماء".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اشربوا في الظروف، ولا تسكروا".
قال: وحدثنا أحمد بن الوليد الكرابيسي قال: حدثنا أبو داود المباركي
стр. 2839
قال: حدثنا ابن شهاب عن الأعمش عن أبي صالح عن المطلب عن أبي وداعة قال: "أتيت رسول الله ﷺ بقدح من نبيذ، فصب عليه الماء حتى تدفق، ثم شربه".
قال: وحدثنا علي بن الصقر قال: حدثنا محمد بن عمر بن حيان الحمصي قال: حدثنا ضمرة قال: حدثنا عثمان بن عطاء عن أبيه عن عبد اله بن بريدة عن أبيه "أن النبي ﷺ أحل نبيذ الجر بعد أن حرمه".
والآثار الموجبة لتحيل النبيذ كثيرة كرهت إطالة الكتاب بذكرها، وقد ذكرتُ طرفًا منها في المسألة التي عملتها في الأشربة، واستقصيت الكلام فيها لأصحابنا والمخالفين، من جهة الأثر والنظر، إلا أني أحببت أن لا أخلى هذا الكتاب من ذكر شيء منها على جهة الإيجاز والاختصار.
ومما يدل على ما ذكرنا من طريق الأثر: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن زكريا قال: حدثنا العباس بن بكار قال:
стр. 2840
حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال:
"سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة عام حجة الوداع، فقال: حرام الخمر لعينها، والسكر من كل شراب".
قال: حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: حدثنا شعيب بن واقد قال: حدثنا قيس عن قطب عن منذر عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ نحوه.
وقد روى عبد الله بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي قال: حدثنا سوار بن مصعب عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر لعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا عياش
следующие страницы →