Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الفجر ﴿.
وهذا مثل الأولى في دلالتها على ما دلت عليه.
وقال سبحانه:﴾ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴿، وقال:﴾ فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ﴿.
فكل مأكول ومشروب، فهو داخل تحت هذا العموم، لانطوائه تحت اللفظ، إلا ما قام دليله.
* وضرب آخر من دليل هذا العموم: وهو قوله تعالى:﴾ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ﴿.
ومقتضى هذا اللفظ ومضمونه إباحة جميع ما فيهما، حتى تقوم الدلالة على حظر شيء منها.
وقال تعالى:﴾ لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرءان تبدلكم عفا الله عنها ﴿.
فأخبر أن ما لم يقم الدليل على حظره، فهو في حيز المعفو عنه.
* وبهذا المعنى ورد الأثر عن الرسول ﷺ فيما رواه
стр. 2837
داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها".
وقال سليمان التيمي أخبرنا أبو عثمان النهدي قال: سمعت سلمان الفارسي يقول: سئل رسول الله ﷺ عن الفراء والجبن والسمن، فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه: فهو ما عفا الله عنه".
فاقتضى ظاهر هذه الآثار مع ما تقدمها من الآيات إباحة جميع الأشياء، إلا ما قام الدليل على حظره.
[دليل إباحة النبيذ من السنة]
وأما الحجة من طريق السنة: فهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا حسين بن جعفر القتاب الكوفي قال: حدثنا يزيد بن مهران قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن يزيد عن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال:
"أتي رسول الله ﷺ بنبيذ، فلما شمه قطب، وناوله الغلام، فلما كاد إن يقطع الأبطح، قالوا: يا رسول الله! أحلال أم حرام؟ قال: ردوه، فلما ردوه، دعا بكوزٍ من ماء، فصبه عليه، وقال: إذا اشتد
стр. 2838
عليكم، فاكسروه بالماء".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قرة العجلي عن عبد الملك ابن أخي القعقاع ابن شور عن ابن عمر ﵄ قال:
"كنا مع النبي ﷺ فذكر له شراب، فأتي بقدح منه، فلما قربه إلى فيه: كرهه، فرده، فقال له بعض القوم: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: ردوه، فأخذه منه، ودعا بماء فصبه عليه، ثم قال: أنظروا هذه الأسقية إذا اغتلمت، فاقطعوا متونها بالماء".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا معاذ قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اشربوا في الظروف، ولا تسكروا".
قال: وحدثنا أحمد بن الوليد الكرابيسي قال: حدثنا أبو داود المباركي
стр. 2839
قال: حدثنا ابن شهاب عن الأعمش عن أبي صالح عن المطلب عن أبي وداعة قال: "أتيت رسول الله ﷺ بقدح من نبيذ، فصب عليه الماء حتى تدفق، ثم شربه".
قال: وحدثنا علي بن الصقر قال: حدثنا محمد بن عمر بن حيان الحمصي قال: حدثنا ضمرة قال: حدثنا عثمان بن عطاء عن أبيه عن عبد اله بن بريدة عن أبيه "أن النبي ﷺ أحل نبيذ الجر بعد أن حرمه".
والآثار الموجبة لتحيل النبيذ كثيرة كرهت إطالة الكتاب بذكرها، وقد ذكرتُ طرفًا منها في المسألة التي عملتها في الأشربة، واستقصيت الكلام فيها لأصحابنا والمخالفين، من جهة الأثر والنظر، إلا أني أحببت أن لا أخلى هذا الكتاب من ذكر شيء منها على جهة الإيجاز والاختصار.
ومما يدل على ما ذكرنا من طريق الأثر: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن زكريا قال: حدثنا العباس بن بكار قال:
стр. 2840
حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ قال:
"سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة عام حجة الوداع، فقال: حرام الخمر لعينها، والسكر من كل شراب".
قال: حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال: حدثنا شعيب بن واقد قال: حدثنا قيس عن قطب عن منذر عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ نحوه.
وقد روى عبد الله بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي قال: حدثنا سوار بن مصعب عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم الخمر لعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب".
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا حسين بن إسحاق قال: حدثنا عياش
стр. 2841
بن الوليد قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا سعيد بن عمارة قال: حدثنا الحارث بن النعمان قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "الخمر لعينها حرام، والسكر من كل شراب".
وقد روى هذا الحديث محمد بن عبيد الله الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ﵁ موقوفًا عليه، إلا أن فتيا ابن عباس بذلك لا تنفي صحة رواية من رفعه إلى النبي ﷺ .
وهذه الآثار تدل أيضًا على إباحة النبيذ الذي يسكر كثيره؛ لأنه علق تحريم الخمر لعينها، قبل حدوث السكر منها، وعلق تحريم ما عداها بما يحدث عن السكر.
* وأما ما روي عن النبي ﷺ في قوله: "كل مسكر حرام، فإنه خبر لا يصححه أهل النقل لاختلاف الرواة في رفعه.
ولو صح رفعه، واستقام سنده، لم يكن معارضًا لما قدمنا مما يوجب الإباحة؛ لأن الذي يقتضيه حقيقة اللفظ، هو ما يحدث السكر عنه،
стр. 2842
ويوجد عقيبه؛ لأن ما لا يحدث السكر عقيبه لا يقال له: مسكر، كما لا يقال للقمة من الطعام: هذا طعام مشبع، ولا للجرعة من الماء هذا شراب مرو، وإنما يطلق ذلك فيما يقع الشبع والري عقيبه.
ويدل على أن المراد ذلك: ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا محمد بن علي بن عتاب الجلاب المخزومي قال: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدثنا مشعل بن ملجان عن النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام".
قال: "اشرب، فإذا خفت: فدع".
ويدل عليه أيضًا ما روي في بعض الأخبار: "كل شراب أسكر فهو حرام".
ولا يصح أن يقال للقليل منه إنه شراب قد أسكر ولما يحدث السكر عنه.
وعلى هذا المعنى حمله عبد الله بن مسعود ﵁، روى حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت ابن مسعود عن قول رسول الله ﷺ في المسكر قال: الشربة الأخيرة.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ مثله.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا به بشر بن موسى قال: حدثنا هوذة قال:
стр. 2843
حدثنا عوف عن سيار عن أبي الحكم عن بعض الأشعريين عن الأشعري قال: "بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البتع والمزر يشتد حتى يسكر قال: - وأعطي رسول الله جوامع الكلم – فقال: "إنما أحرم المسكر الذي يسكر عن الصلاة".
ومعلوم أن القليل منه لا يسكر عن الصلاة.
* وأما ما روي عن النبي ﷺ : "ما أسكر كثيره: فقليله حرام".
" وما أسكر الفرق منه: فملء الكف منه حرام":
فإنا متى حملنا قوله: "ما أسكر كثيره فقليله حرام": على ما يقتضيه ظاهره، حصل من ذلك أن القليل مما يحدث عنه السكر هو المحرم، فيكون قد وفينا اللفظ حقه من مقتضاه وموجبه؛ لأنه ﵊ لم يقل: ما أسكر كثيره، فالقليل مما لم يسكر حرام، وإنما حرم به القليل مما يسكر، وكذلك نقول.
ومن حمله على ما أسكر كثيره، فالقليل مما لم يسكر حرام: فقد زال معنى اللفظ عن وجهه، وصرفه إلى غير حقيقته.
стр. 2844
فهذا الخبر لأن يكون لنا أولى من أن يكون علينا.
* ووجه آخر: وهو أنه لو صح أنه أراد تحريم القليل مما لم يسكر إذا كان مما يسكر كثيره، كان المعنى فيه: أنه متى قصد عند ابتداء شربه إلى بلوغ حد السكر: فكله عليه حرام؛ لأنه قصد بالشرب معصية، وأرادها بالشرب كله، كما أنه إذا نوى بمشيه أن يمشي إلى سرقة، أو إلى زنى: كان مشيه ذلك معصية، كذلك إذا شرب وهو يريد بذلك أن يشرب حتى يسكر: كان القليل محرمًا.
وقد حدثنا ابن قانع قال: حدثنا محمود بن محمد قال: حدثنا رحموية قال: حدثنا سوار بن مصعب عن المفضل عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب شرابًا ينوي فيه السكر، فقد عصى الله ورسوله".
* ووجه آخر: وهو أن الشراب إذا كان عنه السكر، فكله عامل فيه، وعن جميعه وقع، فصار جميعه مؤثرًا فيه، كما أن الجراح الكثيرة إذا قتلت، كان جميعها موجبًا للقتل، وكجماعة جرحوا رجلاً، وكل واحدة من الجراحات لو انفردت لم توجب الموت، ثم إذا اجتمعت فقتلت، كان القتل حادثًا عن جميعها، وكذلك حال السكر، وعلى هذا معنى قوله ﵊: "ما أسكر الفرق منه، فالجرعة منه حرام"، إذ كان جميعه مؤثرًا في إيجاب السكر، وعلى الوجه الآخر، إذا قصد بها السكر.
стр. 2845
* فأما ما روي في ذلك عن الصحابة والتابعين، فهو أشهر من أن يحتاج إلى الإكثار في ذكرها.
فممن روي عنه بالأخبار المتواترة شرب النبيذ الشديد عمر بن الخطاب ﵁، تركت ذكر أسانيدها اكتفاء باستفاضتها وشهرتها عند أهل العلم.
وكذلك قد تواتر عنه الخبر بإباحة ما ذهب ثلثاه، ويبقي ثلثه، فيما كتب به إلى أمراء الأمصار بعد مشاورة أصحاب النبي ﷺ ، وإشارتهم عليه بذلك.
وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يشرب نبيذًا صلبًا آخره يسكر.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أشهد على البدريين من أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يشربون النبيذ في الحرار الخضر.
وعن ابن عباس ﵄ قال: حرمت الخمرة لعينها، والسكر من كل شراب.
وروي عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن أرقم،
стр. 2846
وعمران بن حصين، وأبي بكرة، وجرير بن عبد الله، في آخرين من الصحابة شرب النبيذ، وإباحته بألفاظٍ مختلفة، وأسانيد صحيحة، تركت ذكرها كراهة الإطالة.
وقد روي ذلك أيضًا عن عامة علماء التابعين، منهم شريح، عطاء، والحسن، وعمرو بن ميمون، وأبو عبيدة بن عبد الله، وعمرو بن شرحبيل، والضحاك بن مزاحم، وعامة أصحاب عبد الله، وسعيد بن جبير، والشعبي، وماهان الحنفي، والربيع بن خثيم.
روي عن أبي حازم الثوري قال: بعثني الربيع بن خثيم أشتري له طلاء، فاشتريته، وفيه بعض الحلاوة، فقال: رده، واشتر لي ما هو أشد منه.
وقد حدثنا ابن قانع عن إبراهيم بن شريك الأسدي قال: حدثنا شهاب بن عباد العبدي قال: حدثنا حماد بن يزيد عن عاصم بن بهدلة قال: أدركت أقواما يتخذون هذا الليل جملا، يلبسون المعصفر، ويشربون نبيذ الجر، لا يرون به بأسًا، منهم: أبو وائل، وزر بن حبيش.
فقد استفاض عن عامة الصحابة والتابعين شرب النبيذ الشديد، وليس
стр. 2847
يوجد عن أحدٍ من السلف تحريم ما يبيحه أصحابنا من الأنبذة نصًا.
ومن روى عنه كراهة شيء من ذلك، فإنما روى ذلك عنه في نقيع التمر والزبيب، والمنصف، وما لم يرد إلى الثلث، فأما تحريم ما أبحتاه، فغير موجود عن أحد منهم نصًا.
[دليل إباحة النبيذ من طريق النظر]
وأما وجه إباحته من طريق النظر: فهو أنه لما كانت بلوى أهل المدينة عامة بشرب نبيذ التمر والبسر، وسائر ما يخرج من النخل، ثم حرمت الخمر، وليس بالمدينة منها شيء على ما روي عن جماعة من السلف، فلو كان التحريم شاملاً لما ذكرنا من الأنبذة، لكان من النبي ﷺ توقيف لهم عليه، لعلمه ﵊ بظهور شربهم إياها، وعموم بلواهم بها.
ولو وقفهم عليه، لورد النقل به متواترًا مستفيضًا، كوروده في تحريم الخمر، إذ كانت الحاجة إلى معرفة حكم هذه الأشربة، أمس منها إلى معرفة حكم الخمر، لقلة الخمر عندهم، وكثرة سائر الأنبذة المتخذة من النخل عندهم، فثبت بذلك أنها لم تدخل في تحريم الخمر، وأن النبي ﷺ لم يوقفهم على تحريمها.
ألا ترى أن نقيع التمر والبسر لما كانا محرمين، ورد النقل بتحريمهما من جهة التواتر والاستفاضة عن الصحابة والتابعين على النحو الذي قدمنا.
стр. 2848
وأيضًا: فقد صح عندنا أن الأشياء على أصل الإباحة، حتى يقوم الدليل من عقل أو سمع على الحظر، وليس في العقل حظر ما أبحنا من الأشربة، ولا ثبت السمع بتحريمها، فهي باقية على أصل الإباحة.
فصل: [حكم الأنبذة من غير النخل والكرم]
وأما ما عدا الخارج من النخل والكرم من الأنبذة، فإن أبا حنيفة ﵀ يبيحه بغير طبخ؛ لأن النبي ﷺ قصر حكم التحريم على الخارج منهما بقوله ﷺ : "الخمر من هاتين الشجرتين".
فاحتاج الخارج منهما إلى طبخ ينقلهما عن الحال التي كانا عليها، والنار قد تغير العصير والدبس، حتى تحيله إلى الناطف والبختج، وغيرهما من الأشياء التي يستحيل أن تكون خمرًا بعد مصيرها إليها.
وما عدا الخارج منهما من نبيذ العسل وغيره، لا يجئ منه خمر على الحقيقة بحال، فلذلك لم يعتبر فيه الطبخ، ولم يحد من سكر منه، وكان السكر منه كالسكر من الأدوية المسكرة، فلا توجب حدًا، ولا يكون قليلها محرمًا.
وأيضًا: لما قصر حكم التحريم على العدد المذكور، وجب أن يكون
стр. 2849
هذا الحكم مقصورًا عليها دون غيرها، ومنع أن يكون غيرهما في حكمهما؛ حتى يكون لحصره إياه بالعدد فائدة.
وهذا كقوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان ودما": بمنع أن يكون غيرهما من الدم والميتة لاحقًا بحكمهما.
وكقوله ﷺ : "خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم": يمنع أن يكون غير الخمس داخلاً في حكم الخمس.
مسألة: [حكم صلاة من في ثوبه ما يسكر كثيره]
قال أبو جعفر: "قال هشام: وكان محمد يقول: من صلى وفي ثوبه مما يسكر كثيره أكثر من مقدار الدرهم: أعاد الصلاة".
قال أبو بكر: وذلك لأنه محرم عنده؛ لأن كل شراب محرم، فهو نجس كالخمر.
والدليل على نجاسة الخمر: قول الله تعالى:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب
стр. 2850
والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿.
فلزم اجتنابها بظاهر الآية في سائر الأحوال، فهو إذًا مأمور بإزالتها عن ثوبه وبدنه كسائر النجاسات.
فإن قيل: فقد جمع في الآية إلى الخمر الأنصاب والأزلام، ولو صلى ومعه شيء من الأنصاب والأزلام: لم تفسد عليه صلاته.
قيل له: ظاهر الآية يقتضي ذلك، إلا أن الدلالة قد قامت على جواز الصلاة معه، فخصصناه منها.
مسألة: [السكر من النبيذ]
قال أبو جعفر: (ومن سكر من النبيذ: حد في قولهم جميعًا).
وذلك لما رواه ابن عليه عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله ابن عتبة بن عروة بن مسعود الثقفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سكر أحدكم فاضربوه، ثم إن عاد فاضربوه، ثم إن عاد فاضربوه، ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه".
стр. 2851
ورواه ابن أبي ذئب عن خاله الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاضربوا عنقه".
فأوجب الحد بالسكر، فدل على أنه أراد النبيذ؛ لأنه لو أراد الخمر، لكان وجوب الحد فيه متعلقًا بشرب القليل منها، كما روي في خبر عبد الله بن عمرو: "إذا شرب الخمر فاجلدوه".
فثبت بذلك أن شرب النبيذ يوجب الحد إذا بلغ السكر.
وهو يدل أيضًا على أن ما لا يحدث منه السكر من النبيذ لا يوجب الحد؛ لأنه علق الحد بوجود السكر، دون غيره.
مسألة: [السكر الذي يتعلق به الحد]
قال أبو جعفر: (ثم يختلفون – يعني أصحابنا – في السكر الذي يوجب هذا الحد، فكان أبو حنيفة يقول: هو الذي لا يعقل صاحبه الأرض من السماء، ولا المرأة من الرجل، وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان أكثر كلامه الاختلاط: حد، وهو قول محمد).
قال أبو بكر: وجه قول أبي حنيفة: أن السكر الموجب للحد لما كان مختلفًا في حده، لم يوجب الحد إلا بيقين، وهو السكر المتفق عليه، وحيثما شككنا فيما أنه يوجب الحد أو لا يوجبه: أسقطنا الحد فيه، من
стр. 2852
قبل أن لا نوجب الحد بالشك، ولأن الفعل إذا كان مختلفًا فيه: هل هو من الفعل الذي يتعلق به وجوب الحد أم لا؟ لم يجب به الحد، كالقتل المختلف فيه: هل هو عمد أو خطأ؟ وكالوطء المختلف فيه: هل هو زنى أم لا؟ فلا يجب القصاص والحد.
مسألة: [مقدار حد شرب الخمر]
قال: (وحد الخمر في قولهم جميعًا ثمانون جلدة).
وذلك لما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلاً من كلب يقال له: ابن وبرة، أخبره "أن أبا بكر ﵁ جلد في الشراب أربعين، وكان عمر ﵁ يجلد فيها أربعين، فبعثني خالد بن الوليد ﵁ إلى عمر أن الناس قد انهمكوا في الخمر، فقال عمر ﵁ لمن حوله: ما ترون؟
فقال علي ﵁: يا أمير المؤمنين أرى ثمانين جلدة، وذلك أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون".
وروى مسلم بن إبراهيم عن هشام عن قتادة عن أنس "أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فاستشار عمر الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أرى أن
стр. 2853
تجعله كأخف الحدود ثمانين".
فحصل بذلك اتفاق الصحابة على الثمانين في زمان عمر، وثبتت حجته؛ لأن عمر لا يشاور إلا من إذا قالوا كان قولهم حجة إذا أجمعوا عليه.
وقد روى ربيعة عن السائب بن يزيد "أن عمر ﵁ جلد ابنه ثمانين".
وروى أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: "أتي علي ﵁ بالنجاشي قد شرب الخمر في شهر رمضان، فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرجه نم الغد، فضربة عشرين، ثم قال: إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في شهر رمضان، وجرأتك على الله".
فصار ذلك إجماعًا منهم، كاتفاقهم على حزر بيع أم الولد.
فإن قيل: قد روي عن علي ﵁ "أنه أشار على عثمان ﵁ بان يضرب الوليد بن عقبة في الخمر أربعين، وقال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة".
стр. 2854
وروى سعيد بن أبي عروبة عن الداناج عن حصين بن المنذر الرقاشي أبي ساسان عن علي ﵁ قال: "جلد رسول الله ﷺ الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة".
ففي هذا الحديث وجهان من جهة الدلالة على بطلان الاحتجاج بما ذكرت: أحدهما: حصول الخلاف من الصحابة ﵃ في المقدار بعد موت عمر ﵁، والثاني روايته عن النبي ﷺ أربعين.
قيل له: أما إثبات الأربعين حدًا عن النبي ﷺ في ذلك: فلا يصح؛ لأن ذلك لو كان حدًا ثابتًا عند علي ﵁، لأشار به على عمر حين استشاره في مقدار الحد، فلما لم يذكر له ذلك عند مشاورته إياه، دل على أنه لم يكن عنده في مقدار الأربعين سنة ثابتة عن النبي ﷺ .
وقد روى محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ أنه أشار على عمر بأن يضرب الذين شربوا الخمر بالشام – وقالوا هي حلال، لقوله تعالى:﴾ ليس على الذين امنوا وعملوا الصالحات ﴿الآية – ثمانين، بعد أن
стр. 2855
يستتابوا".
وكيف اشتهر عن علي أنه روى عن النبي ﷺ في حد الخمر أربعين مع إشارته على عمر مرة بعد أخرى بأن يجلد في الخمر ثمانين.
* وأما ما روي في قصة الوليد بن عقبة قال سفيان: روي عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي "أن عليًا ﵁ جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان".
وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن علي ﵁ مثله.
فهذا يوجب أن يكون ثمانين؛ لأن كل ضربة بمنزلة سوطين، ولا ينافي ذلك رواية من روى أربعين؛ لأنه يكون أربعين ضربة بطرفي السوط، فيكون ثمانين.
وقد روى عن النبي ﵊ أنه ضرب في الخمر ثمانين، رواه إسحاق ابن أبي إسرائيل قال: حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الرحمن بن صخر الأفريقي عن جميل بن كريب عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر "أن النبي ﷺ أمر بشارب الخمر فجلده ثمانين".
стр. 2856
وروى ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن وهب عن محمد بن علي بن أبي طالب عن علي عن النبي ﷺ "أنه جلد رجلاً في الخمر ثمانين".
فإن قال قائل: لا يصح عن النبي ﷺ إثبات حد الخمر، لما روى الخصيب بن ناصح عن عبد العزيز بن مسلم عن مطرف فجلدناه، فمات وديناه، لأنه شيء صنعناه".
وبما روى شريك عن أبي حصين عن عمير بن سعيد عن علي ﵁ قال: "ما حددت أحدًا، فمات منه، فوجدت في نفسي شيئًا إلا الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يبين فيها شيئًا".
فهذا الحديث يفسد سائر ما رويته عن النبي ﷺ في حد الخمر، ويبطل أصلكم أيضًا في أن الحدود لا يجوز إثباتها قياسًا.
قيل له: ليس في هذا ما ينفي ما رويناه عن النبي ﷺ في حد الخمر ثمانين، وذلك لأن شعبة روى عن قتادة عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فأمر به، فضرب بنعلين أربعين، ثم أتي ابو بكر ﵁ برجل قد شرب الخمر فصنع به مثل ذلك، ثم أتي عمر ﵁ برجل قد شرب الخمر، فاستشار الناس في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله
стр. 2857
عنه: أقل الحدود ثمانون، فضربه عمر ﵁ ثمانين".
فأخبر في هذا الحديث أن النبي ﷺ أمر بضربه بنعلين أربعين، وذلك يكون ثمانين.
كما روى عن علي ﵁ "أنه ضرب الوليد بن عقبة بسوط له طرفان أربعين"، وذلك يكون ثمانين جلدة.
وأما قول علي ﵁: "أن النبي ﵊ لم يبين لنا فيه شيئًا"، وقوله: "شيء صنعناه نحن": فإن معناه: أنه لم يبين مقدار حده قولاً ولا أمرًا، وإنما ورد ذلك عنه فعلاً، ولم يقل: اضربوه ثمانين، وإنما اتفق ضربه ثمانين، فلم يكن في ذلك مقدار الحد، إلا أنهم مع ذلك استدلوا أن هذا الفعل كان منه ﵊ على جهة الحد، لا على جهة التعزير؛ لأنه قد ثبت عنه ﵊ بغير هذا الخبر أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه" ولم يذكر المقدار، ثم لما وجدوا المقدار في هذا الخبر، استدلوا به على أنه هو الحد المأمور به، فهذا معنى قوله ﵁: "صنعناه"، والله أعلم.
وأيضًا: فجائز أن يكون استعمال الرأي كان في نقله عن الجريد والنعال إلى السوط، إذا كان النبي ﷺ روي عنه أنه أمر بضربه بالجريد والنعال.
وأيضًا: لما اختلفوا بدءًا في مقداره، فقال بعضهم: أربيه، وقال
стр. 2858
بعضهم: ثمانين، وذلك قبل أن يجمعوا، احتذوا بعد ذلك ضربه بالنعال ثمانين، لاحتمال أن يكون ضرب بنعلين جلدة، واحتمال إن يكون جلدين، فكان في اجتهادهم أن كل ضربة كجلدتين إذ كانت بنعلين، كما قال الله تعالى:﴾ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ﴿، فكانت الضربة الواحدة في معنى الأعداد الكثيرة على حسب عدد الأغصان، أو الخشب.
فليس في ذلك إثبات حد بقياس، وإنما فيه استعمال الاجتهاد في احتذاء فعل النبي ﷺ ، كما يجتهد الجلاد في الضرب فيما يضرب به، ولا يفرط ولا يقصر في سائر الحدود المقدرة.
فإن قيل: ردهم إياه إلى حد الفرية، يدل على أن اجتهادهم كان في إثباته.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن هذا الضرب من الاجتهاد، لم يكن منهم إلا مع تقرره عندهم من ضرب النبي ﷺ للسكران على الوجه الذي بينا.
مسألة: [مقدار حد المملوك في الشرب]
قال: (وحد المملوك في ذلك، وفي جميع الحدود مثل نصف حد الحر).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما
стр. 2859
على المحصنات من العذاب ﴿.
ولم يختلف أهل العلم أن حد العبد كذلك، فثبت أن المعنى الموجب لنقصان حده هو الرق، فوجب أن يكون كذلك حكم سائر الحدود، لوجود الرق.
مسألة: [النساء كالرجال في حد شرب الخمر]
قال: (والنساء في ذلك كالرجال).
لقول الله تعالى:﴾ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ﴿، فسوى بينهما في مقدار الحد.
مسألة: [كيفية ضرب النساء]
قال: (ولا تضرب النساء قيامًا، وإنما يضربن قعودًا).
وذلك لأن أستر لهن.
وقد روى "أن النبي ﷺ أمر بأن يحفر للغامدية، وأن تشد عليها ثيابها".
стр. 2860
مسألة: [حكم عصير العنب ونحوه]
قال: (والعصير حلال شربه ما لم يغل ويقذف بالزبد، فإذا صار كذلك: كان خمرًا، وقال أبو يوسف: وإذا على ولم يقذف بالزبد: فهو خمر).
قال ابو بكر: وهو قول محمد، وروي نحو قول أبي حنيفة عن سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد، وهو قول الثوري.
فذهب أبو حنيفة إلى أن اسم الخمر لا يتناوله حتى يقذف بالزبد؛ لأنه مختلف فيه قبل ذلك، فلا يحرم ما لم يحصل له اسم الخمر بالاتفاق، إذ لا سبيل إلى إثبات الاسم إلا من طريق اللغة أو التوقيف والاتفاق.
مسألة: [حكم الانتفاع بالخمر]
قال أبو جعفر: (ولا يحل الانتفاع بالخمر للرجال ولا للنساء ولا للصبيان في حال من الأحوال، لدواءٍ ولا غيره).
قال أبو بكر: وذلك لقول الله تعالى:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿.
فدلت الآية على تحريم الانتفاع بها من سائر الوجوه من وجهين:
стр. 2861
أحدهما: قوله: "رجس"، والرجس ما يجب اجتنابه.
والآخر: قوله: "فاجتنبوه"، وذلك يقتضي تحريم سائر وجوه الانتفاع.
ولقول النبي ﷺ في الأخبار المتواترة: "إن الله حرم الخمر، وحرم بيعها وأكل ثمنها".
وإطلاق لفظ التحريم يتناول انتفاعنا بها، وفعلنا فيها، لأن عين الخمر على الحقيقة لا تكون محرمة، إذ كانت فعل الله سبحانه، وإنما يتناول التحريم أفعالنا فيها، دون فعل الله ، فامتنع بذلك سائر وجوه الانتفاع.
ويدل عليه أيضًا: تحريم النبي ﷺ بيعها، وأكل ثمنها، وذلك ضرب من ضربو الانتفاع.
وقال ﵊: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها".
فأبان ﵊ أن التحريم إذا ورد مطلقًا، تناول سائر وجوه الانتفاع، ومن أجل ذلك قال أصحابنا، لا يجوز أن يسقيها البهائم، ولا يبل بها طينًا، ولا ينظر إليها للتلهي، ولا يطعم كلابه الميتة؛ لأن كل ذلك من ضربو الانتفاع، وإطلاق لفظ التحريم يتناول حظره.
وقد حدثنا عن أحمد بن علي الخزاز قال: حدثنا الحكم بن أسلم قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه "أن
стр. 2862
رجلاً سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي ﷺ : إنها داء وليست دواء".
مسألة: [تخليل الخمر]
قال أبو جعفر: (فإن صارت خلاً: جاز بيعه، وحل الانتفاع به، سواء صارت بذاتها خلاً أو بعلاج).
قال أبو بكر: أما إذا صارت خلاً بذاتها، فلا خلاف بين السلف ﵃ في جواز الانتفاع به وشربه، قد روي ذلك عن جماعة منهم من غير خلاف عن أحد من نظرائهم.
وأما إذا خللها هو، فقد روي عن بعض السلف ﵃ كراهته.
وقال أصحابنا: هو حلال، وذلك لقول الله تعالى:﴾ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا ﴿.
روي في التفسير عن بعض السلف أن الرزق الحسن: هو الخل.
стр. 2863
وإذا صح أن الخل مراد بما تضمنته الآية من الإباحة، كان ذلك عمومًا في كل حل، إلا أن يقوم الدليل على تخصيص شيء منه.
وأيضًا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "نعم الإدام الخل".
ولم يفرق بين الخل المتخذ نم الخمر وغيره، فهو على عمومه في الجميع.
وأيضًا: فإن المعنى الموجب لتحريم الخمر، حدوث الاسم عندنا، وعند مخالفنا حدوث الشدة، بدلالة إباحته في حال كونه عصيرًا، فإذا خلل فقد زال المعنى الذي من أجله حرم، فيزول التحريم، ويكون حينئذٍ بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي.
فإن احتجوا بما حدثنا ابن قانع عن بشر بن موسى قال: حدثنا عبد الصمد بن حسان قال: حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل السدي عن أبي هريرة عن أنس: "أنه كان عنده مال ليتيم، فاشترى به خمرًا، فلما حرمت الخمر أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أجعله خلاً؟ قال: لا، أهرقه".
قيل لهم: وما في هذا من الدلالة على أنه إذا جعلها خلاً مع النهي عن التخليل، منع ذلك إباحة أكله، والانتفاع به، وليس يمتنع أن يقول لنا: لا تجعلوها خلاً، فإن جعلتموه خلاً، جاز لكم الانتفاع به بعد ذلك، كما لا يمتنع عندنا وعند مخالفينا جميعًا أن يقول: لا تذبحوا الشاة بسكين
стр. 2864
مغصوبة: فإن فعلتموه: جاز لكم أكلها، ألا ترى أنه منهي عن أن يجعل عصير غيره خلاً، ولو فعل ذلك كان خلاً مباحًا.
فإن قيل: فما وجه النهي عن تخليله؟
قيل له: على وجه التغليظ، لتحريم الخمر، ولقطع عادتهم التي كانت لهم في الانتفاع، كما أمر ﵊ بشق الراوية.
وكسر أبو طلحة والأنصار معه الأواني، ولم يكن شق الراوية واجبًا، ولا كسر الأواني، لكن على جهة تغليظ حكم التحريم في تلك الحال.
فإن قيل: لما كان منهيًا عن الانتفاع بالخمر، وكان في تخليلها ضرب من الانتفاع، وجب أن يكون ممنوعًا منه.
قيل له: ليس في التخليل شيء من الانتفاع بالخمر، وإنما يقع بعد ذلك الانتفاع بالخل، والخل ليس بخمر، ألا ترى أنه يجوز له أن يدبغ جلد الميتة، فيصل إلى الانتفاع به بعد الدباغ، وليس ذلك انتفاعًا بالميتة، إذ كان ذلك الدباغ يخرجه من أن يكون ميتة، كذلك لما كان التخليل يخرجه من أن يكون خمرًا، لم يمتنع جواز الانتفاع به.
وجواز دباغ جلد الميتة، والتوصل إلى جهة استباحة الانتفاع به يجوز أن يكون أصلاً لإباحة تخليل الخمر؛ لأن الدباغ لما ذكاه، أخرجه من حكم الميتة، وكذلك التخليل يخرجه من إن يكون خمرًا، فجاز له التوصل إلى ذلك بالتخليل.
стр. 2865
مسألة: [طرح السمك أو الملح في الخمر]
قال أبو جعفر: (ومن كانت عنده خمر، فطرح فيها سمكًا وملحًا حتى صارت مربي: فلا بأس به في قول أبي حنيفة).
وذلك لأنها تصير خلا، فتحل بالاستحالة.
قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن الخمر إن كانت هي الغالبة: فكما قال أبو حنيفة ﵀، وإن كان ما جعل فيها هو الغالب عليها: فلا خير في ذلك).
وكأن أبا يوسف ذهب إلى أن الخمر إذا كانت هي الغالبة، فهذا ضرب من تخليلها، ويجوز له تخليل الخمر، وإن كان ما جعل فيها هو الغالب: فهو بمنزلة قطرة خمر خالطت ماء أو عجينًا أو نحو ذلك، فتنجسه وتفسده.
إلا أن ذلك لا يلزم أبا حنيفة؛ لأن الملح من شأنه أن يحيلها خلاً، وقليل الخمر أولى بذلك من كثيرها.
مسألة: [صب الخمر في الحنطة]
قال: (ومن صب خمرًا في حنطة: فقد أفسدها، فإن غسلت وطحنت، ولا يوجد للخمر فيها طعم ولا رائحة: فلا بأس بأكلها).
стр. 2866
وذلك لأن الخمر نجسة، فنجست الحنطة، فإذا غسلت: طهرها الغسل، كما تطهر سائر النجاسات.
مسألة: [بيع عصير العنب ممن يجعله خمرًا]
قال: (ولا بأس ببيع العصير من كل أحد: خاف البائع أن يتخذه المشتري خمرًا، أو أمن ذلك).
وذلك لأن العصير مباح جائز التصرف فيه، وإنما المأثم على من يتخذه خمرًا لشربها، فأما البائع فلا شيء عليه في ذلك، كبيع الحرير والحلي من الرجال: فهو جائز مباح وإن لم يأمن أن يلبسه الرجل، أو يستعمله فيما لا يجوز.
فإن قيل: فقد كرهتم بيع السلاح في الفتنة، وفي عساكر الفتنة، فهلا كان كذلك بيع العصير ممن يتخذه خمرًا؟
قيل له: الفصل بينهما: أن السلاح على هيئته هذه يستعان به على القتال، فإذا كان زمان الفتنة: كره بيعه ممن يستعين به عليها، كما يكره إعطاء صاحب الفتنة من الخوارج وأهل الحرب، وأما العصير فلا بأس بالانتفاع به على هيئته كيف شاء صاحبه، وإنما المحظور منه بعد استحالته خمرًا، وليست هي المعقود عليها في الحال.
فإن قيل: فينبغي أن يكره بيع الحرير والحلي من الرجال؛ لأنهما على هيئتهما ينتفع بهما في الجهة المحظورة.
قيل له: لم نقل إن بيع السلاح مكروه، لأجل إمكان الانتفاع به على هذه الهيئة في الوجه المحظور، دون أن تكون الحال دالة عليه، وهو إن
стр. 2867
يكون في عسكر الفتنة، أو زمان الفتنة مع ما وصفنا من حاله.
وأما الحرير والحلي، فليس لهما حال ظاهرة يمنع ببيعهما وإن كان الانتفاع بهما ممكنًا على الوجه المحظور، وبيع العصير يشبه من هذه الجهة بيع الحرير والحلي من الرجال، إذ ليست ها هنا حال ظاهرة يقتضي أن يكون شراء العصير لأن يتخذ خمرًا، فوجب أن لا يمنع بيعه.
وأما ما روي عن النبي ﷺ : "أنه لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، وبيعها": فما ذكر في الخبر فلا دلالة عليه على مسألتنا؛ لأن ذلك وارد في الخمر، وكلامنا في عصير ليس بخمر.
فإن قيل: إنما عنى عاصر العنب للخمر، فينبغي أن يكون بائع العصير للخمر مثله.
قيل له: قولك إنه عنى عاصر العنب للخمر: دعوى لا دلالة عليه من الخبر، لأن الخمر نفسه قد يجوز أن يعتصر، بأن يطرح العنب في الإناء حتى ينشي ويغلي، ثم يعصر، فيكون عاصرًا للخمر، وهذا الذي اقتضاه ظاهر الخبر؛ لأنه لعن عاصر الخمر، فينبغي أن يكون خمرًا في حال العصير.
وعلى أنا ننهى أيضًا عن عصير العنب للخمر، ومن فعل ذلك فهو عاصر، وإنما مسألتنا فيمن باع ولم يعصره، وإنما خاف أن يعصره المشتري، فلا يكون البائع منهيًا عنه لأجل فعلٍ يحدث بعده من غيره.
стр. 2868
مسألة: [حكم لحم الحيوان إذا شرب خمرًا]
قال: (ومن كانت له شاة، فشربت خمرًا، ثم ذبحها ساعتئذ: لم يحرم بذلك لحمها).
لأنها بمنزلة نجاسة جاوزتها، أو جاوزت أمعاءها، فلا يفسد بذلك لحمها، كما لو شربت ماء نجسًا، وكما لا ينجس لحمها ولبنها بمجاورة الدم والفرث، قال الله تعالى:﴾ من بين فرث ودمٍ لبنا خالصًا سآئغًا للشاربين ﴿.
مسألة: [الاضطرار لشرب الخمر]
(وللمضطر أن يشرب من الخمر مقدار ما يمسك رمقه، وكذلك الميتة والدم، ولا يتناول أكثر من ذلك).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه ﴿.
فأباح الأكل منها عند الضرورة، وهو عند الخوف على النفس، فإذا تناول منها ما أمسك الرمق، فقد زال الخوف في هذه الحال، فيعود على حكم التحريم، لزوال الضرورة المبيحة لها.
والخمر وإن لم تكن مذكورة في الآية، فحكمها حكم ما هو مذكور فيها، لوجود الضرورة، وخوف التلف على النفس.
стр. 2869
مسألة: [كيفية الضرب في التعزير]
قال أبو جعفر: (والتعزير أشد الضرب).
قال أبو بكر: يعني إذا رأى الإمام ذلك؛ لأنه موضوع للزجر والردع، فإذا لم يكن للإمام فيه بلوغ الحد، لورود الأثر في منعه، وجب عليه المبالغة في ردعه بشدة الضرب.
مسألة: [ضرب الزاني أشد من ضرب الشارب]
قال: (وضرب الزاني أشد من ضرب الشارب).
وذلك لوجوه: أحدها: قول الله في قصة الزاني:﴾ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴿.
والآخر: أنه منصوص في كتاب الله تعالى، وضرب الشارب أخذ من جهة السنة.
والثالث: "أن النبي ﷺ ضرب الشارب بالجريد والنعال"، وهذا يدل على التخفيف.
مسألة: [ضرب الشارب أشد من ضرب القاذف]
قال: (وضرب الشارب أشد من ضرب القاذف).
стр. 2870
وذلك لوجهين: أحدهما: أن القاذف قد غلظ عليه من جهة أخرى، وهي بطلان الشهادة، فلا يجوز أن يجمع عليه التغليظ من وجهين.
والثاني: أن القاذف جائز أن يكون صادقًا في قذفه، وأن له شهودًا قعدوا عن إقامة الشهادة، لقصدهم الستر على الزاني، وهم في سعة من ذلك، فوجب تخفيف ضربه، وقد تقدم ذكر هذه المسائل في الحدود، وتكلمنا فيها بما يغني عن الإعادة.
مسألة: [حكم من وجدت منه ريح الخمر]
قال: (ولا يحد من وجد منه ريح خمر، ولا من قاء خمرًا، لجواز أن يكون أوجر مكرهًا).
مسألة: [طلاق السكران]
وقد تقدمت مسألة طلاق السكران في كتاب الطلاق.
مسألة: [شرب ما نبذ في الأوعية والظروف]
قال: (ولا بأس بشرب ما انتبذ في الدباء والنقير والمزفت).
стр. 2871
وذلك للأخبار المتواترة عن النبي ﷺ في إباحته بعد حظره.
مسألة: [حكم أهل الذمة في شرب الخمر]
قال: (ومن شرب من أهل الذمة خمرًا أو ما سواها مما يسكر كثيره: فلا حد عليه في ذلك وإن سكر).
قال أبو بكر: وذلك أنهم غير ممنوعين من شرب الخمر، لأنهم أعطوا الذمة على أن يخلى بينهم وبين ذلك، كما أعطوا على أن يخلى بينهم وبين عبادة غير الله ، فلا يجوز أن يجب عليهم الحد فيما أطلق لهم شربه.
وأيضًا: فكما خلينا بينهم وبين شربها، فالتخلية واقعة بينهم وبين ما يوجب السكر منها، فينبغي أن لا يحدوا.
فإن قيل: هلا كانوا في ذلك بمنزلة المسلم الذي يشرب المباح من نبيذ التمر وغيره، ويحد إذا سكر؟
قيل له: لأن المسلم ممنوع من شرب ما يوجب السكر، وهؤلاء غير ممنوعين من ذلك، كما ليسوا ممنوعين من تمولها وبيعها وشرائها.
قال أبو جعفر: (وقال الحسن بن زياد: لا حد عليه في ذلك إلا أن يسكر، فإن سكر: حد في ذلك، كما يحد المسلم).
стр. 2872
ويشبه أن يكون ذهب إلى الوجه الذي ذكرناه في السؤال، وهو أن يكون كالمسلم إذا شرب النبيذ المباح، وسكر منه.
*******************
стр. 2873
كتاب السير والجهاد
مسألة: [فرضية الجهاد]
قال أبو جعفر: (الجهاد واجب، إلا أن المسلمين في سعة ما لم يحتج إليهم).
قال أحمد: الجهاد عند أصحابنا فرض على الكفاية، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، وليس بفرض على أحد في نفسه، وهو مثل غسل الموتى، والصلاة عليهم، ودفنهم، ومثل طلب علم الدين، والقيام به وتعليمه.
* ويحكى عن ابن شبرمة، والثوري أن الجهاد تطوع، وليس بواجب
стр. 2874
والدليل على وجوبه في الجملة: قول الله تعال:﴾ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴿.
ومعناه: فرض عليكم، كقوله تعالى:﴾ كتب عليكم الصيام ﴿.
وقال:﴾ وقتلوا المشركين كافة ﴿، وقال:﴾ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴿الآية، وقال تعالى:﴾ مالكم إذا قيل لكم أنفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض ﴿، إلى قوله تعالى:﴾ إلا تنفروا يعذكم عذابًا أليمًا ﴿.
والوعيد لا يلزم في ترك غير الواجبات.
وقال:﴾ انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفكم في سبيل الله ﴿.
وظاهر هذه الآي أوامر تقتضي الإيجاب، ولا يجوز صرفها عن الوجوب إلى الندب إلا بدلالة، ولا دلالة من السنة، ولا من إجماع الأمة على أنها ليست على الإيجاب.
стр. 2875
بل وردت آثار متواترة عن النبي ﷺ موجبة لمثل ما اقتضته هذه الآيات من فرض الجهاد، منها:
حديث جبلة بن سحيم عن أبي المثنى العبدي عن ابن الخصاصية السدوسي "أن النبي ﵊ اشترط عليه في البيعة: أن أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، وتحج حجة الإسلام، وتؤدي الزكاة، وتجاهد في سبيل الله تعالى.
قال: قلت: يا رسول الله اثنتان ما أطيقهما: الزكاة، والله مالي إلا عشرة ذود؛ وهن رسل أهلي وحمولتهن، وأما الجهاد: فإنهم يزعمون أن من ولى الدبر: فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن أحضر القتال: كرهت الموت، وخشيت على نفسي.
قال: فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حركها، فقال: لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنة؟!. ثم قلت: أبايعك يا رسول الله، قال: فبايعني عليهن كلهن".
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
следующие страницы →