Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
وذلك للأخبار المتواترة عن النبي ﷺ في إباحته بعد حظره.
مسألة: [حكم أهل الذمة في شرب الخمر]
قال: (ومن شرب من أهل الذمة خمرًا أو ما سواها مما يسكر كثيره: فلا حد عليه في ذلك وإن سكر).
قال أبو بكر: وذلك أنهم غير ممنوعين من شرب الخمر، لأنهم أعطوا الذمة على أن يخلى بينهم وبين ذلك، كما أعطوا على أن يخلى بينهم وبين عبادة غير الله ، فلا يجوز أن يجب عليهم الحد فيما أطلق لهم شربه.
وأيضًا: فكما خلينا بينهم وبين شربها، فالتخلية واقعة بينهم وبين ما يوجب السكر منها، فينبغي أن لا يحدوا.
فإن قيل: هلا كانوا في ذلك بمنزلة المسلم الذي يشرب المباح من نبيذ التمر وغيره، ويحد إذا سكر؟
قيل له: لأن المسلم ممنوع من شرب ما يوجب السكر، وهؤلاء غير ممنوعين من ذلك، كما ليسوا ممنوعين من تمولها وبيعها وشرائها.
قال أبو جعفر: (وقال الحسن بن زياد: لا حد عليه في ذلك إلا أن يسكر، فإن سكر: حد في ذلك، كما يحد المسلم).
стр. 2872
ويشبه أن يكون ذهب إلى الوجه الذي ذكرناه في السؤال، وهو أن يكون كالمسلم إذا شرب النبيذ المباح، وسكر منه.
*******************
стр. 2873
كتاب السير والجهاد
مسألة: [فرضية الجهاد]
قال أبو جعفر: (الجهاد واجب، إلا أن المسلمين في سعة ما لم يحتج إليهم).
قال أحمد: الجهاد عند أصحابنا فرض على الكفاية، إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، وليس بفرض على أحد في نفسه، وهو مثل غسل الموتى، والصلاة عليهم، ودفنهم، ومثل طلب علم الدين، والقيام به وتعليمه.
* ويحكى عن ابن شبرمة، والثوري أن الجهاد تطوع، وليس بواجب
стр. 2874
والدليل على وجوبه في الجملة: قول الله تعال:﴾ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴿.
ومعناه: فرض عليكم، كقوله تعالى:﴾ كتب عليكم الصيام ﴿.
وقال:﴾ وقتلوا المشركين كافة ﴿، وقال:﴾ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴿الآية، وقال تعالى:﴾ مالكم إذا قيل لكم أنفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض ﴿، إلى قوله تعالى:﴾ إلا تنفروا يعذكم عذابًا أليمًا ﴿.
والوعيد لا يلزم في ترك غير الواجبات.
وقال:﴾ انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفكم في سبيل الله ﴿.
وظاهر هذه الآي أوامر تقتضي الإيجاب، ولا يجوز صرفها عن الوجوب إلى الندب إلا بدلالة، ولا دلالة من السنة، ولا من إجماع الأمة على أنها ليست على الإيجاب.
стр. 2875
بل وردت آثار متواترة عن النبي ﷺ موجبة لمثل ما اقتضته هذه الآيات من فرض الجهاد، منها:
حديث جبلة بن سحيم عن أبي المثنى العبدي عن ابن الخصاصية السدوسي "أن النبي ﵊ اشترط عليه في البيعة: أن أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، وتحج حجة الإسلام، وتؤدي الزكاة، وتجاهد في سبيل الله تعالى.
قال: قلت: يا رسول الله اثنتان ما أطيقهما: الزكاة، والله مالي إلا عشرة ذود؛ وهن رسل أهلي وحمولتهن، وأما الجهاد: فإنهم يزعمون أن من ولى الدبر: فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن أحضر القتال: كرهت الموت، وخشيت على نفسي.
قال: فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حركها، فقال: لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنة؟!. ثم قلت: أبايعك يا رسول الله، قال: فبايعني عليهن كلهن".
وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
стр. 2876
لا إله إلا الله، فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
وروى سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق".
وروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "من لم يغز، أو يجهز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير: أصابه الله تعالى بقارعة".
قال يزيد بن عبد ربه في حديثه: قبل يوم القيامة.
والآثار الواردة في فرض الجهاد أكثر من أن يحتمل ذكرها هذا الكتاب.
* وإنما قلنا إنه فرض على الكفاية، وليس هو على كل أحد في عينه، لقول الله تعالى:﴾ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴿.
فدل على أن فرض الجهاد على الكفاية، فهذه الآية قد تضمنت لزوم الجهاد، وانه على الكفاية.
ويدل عليه أيضًا: قوله :﴾ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى
стр. 2877
الضرر والمجتهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى وفضل الله المجهدين على القاعدين أجرا عظيمًا ﴿
فمدح الجميع، وفضل المجاهدين، ولو كان فرضًا على كل واحد في نفسه، لكان مستحقًا للوم بالقعود.
* ويدل عليه من جهة السنة: حديث يزيد بن أبي حبيب عن يزيد بن أبي سعيد مولى المهري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لحيان، وقال: ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير: كان له مثل نصف أجر الخارج".
ويدل عليه أيضًا: حديث ابن عباس ﵄: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي تريد أن تحج، فقال النبي ﷺ : حج مع امرأتك".
فأباح له ترك الغزو من غير فرض انصرف إليه،؛ لأنه لم يكن عليه الخروج مع امرأته، فدل ذلك على أن فرض الجهاد غير متعين على كل احد بنفسه.
стр. 2878
وأيضًا: فإن الله تعالى غنما فرض الجهاد لإقامة الدين، قال الله تعالى:﴾ وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﴿
وفي إلزام فرض الجهاد الكافة في وقت واحد: ذهاب للدين، وهلاك للناس؛ لأنهم يشتغلون عن معايشهم وأرضهم، ويخلون أهليهم وأولادهم، وفي ذلك بوارهم وهلاكهم، وفي هلاكهم اعتلاء الكفار عليهم، وذهاب دينهم، فدل على أن فرض الجهاد على الكفاية.
مسألة: [استئذان الأبوين للجهاد]
قال أبو جعفر: (ومن كان له أبوان لم يجاهد إلا بإذنهما له في ذلك).
وذلك لما حدثنا به عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال اخبرنا سفيان قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان.
قال: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما".
وروى حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو قال:
стр. 2879
"جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أجاهد؟ قال ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد".
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رجلًا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن، فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما.
مسألة: [من تؤخذ منه الجزية، ومن لا تقبل منه]
قال أبو جعفر: (ونقاتل أهل الكتاب عربهم وعجمهم، والمجوس ممن سوى العرب حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ونقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا).
قال أبو بكر: قوله في أهل الكتاب: تقبل منهم الجزية عربًا كانوا أو
стр. 2880
عجمًا، والمجوس، فهو كما قال الله تعالى.
وأما قوله: "ونقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا": فليس هذا الإطلاق بسديد على مذهب أصحابنا؛ لأن من مذهبهم: قبول الجزية من سائر أصناف مشركي العجم، سواء كانوا من عبدة الأوثان أو غيرهم.
وإنما لا تقبل من مشركي العرب خاصة، ومن المرتدين، هذان الصنفان لا يقبل من رجالهم إلا الإسلام أو السيف، وسائر الكفار يقرون على كفرهم بالجزية، وذلك منصوص عنهم، ذكره محمد بن الحسن في "السير الكبيرة".
فأما قبول الجزية من أهل الكتاب، فالأصل فيه: قول الله تعالى:﴾ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴿.
فهذا عام في سائر أهل الكتاب عربهم وعجمهم.
стр. 2881
[لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف]
* وأما مشركو العرب: فلا لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والأصل فيه: قول الله تعالى:﴾ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ﴿.
وهذا في مشركي العرب، لقوله تعالى:﴾ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴿، والعهد إنما كان بين النبي ﵊، وبين مشركي العرب.
ولأن النبي ﷺ لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وكان ذلك حكمًا جاريًا فيهم.
فإن قيل: آية الجزية قاضية عليه؛ لأن أهل الكتاب مشركون.
قيل له: لا خلاف أن حكم آية الجزية ثابت في أهل الكتاب من العرب والعجم، وإنما الخلاف في مشركي العرب وغيرهم، ممن ليس من أهل الكتاب، هل تقبل منهم الجزية أم لا؟
وقد دللنا بظاهر الآيات التي قدمنا على أنهم لا يقرون على الكفر بالجزية، وأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
* وأما الدلالة على قبول الجزية من مشركي العجم: فهو ما روى علي
стр. 2882
بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف ﵄ "أن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس".
وليس المجوس بأهل كتاب، لقوله تعالى:﴾ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴿: يعني به اليهود والنصارى، ولو كان المجوس أهل كتاب لصاروا ثلاث طوائف.
وأيضًا: في حديث عبد الرحمن بن عوف "أن النبي ﷺ حين أخذ الجزية من المجوس قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
فدل ذلك على أنهم ليسوا أهل كتاب.
وقد تلقت الصحابة ﵃ هذا الخبر بالقبول، واستعملوه في مجوس العراق حين فتحوه، ولما ثبت ذلك في المجوس، وليسوا أهل كتاب: دل على جواز من ساتر مشركي العجم.
وأيضًا: ما روي "أن النبي ﷺ لما أنزل عليه:﴾ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴿، وأمره الله تعالى بالدعاء، عرض نفسه على القبائل، وقال لهم: هل لكم أن تجيبوني إلى كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي إليكم بها الجزية العجم".
стр. 2883
فعم جميع العجم بأداء الجزية، وأخبر أن العرب تدين لهم بها، فدل على انه لا تقبل منهم الجزية، إلا أن أهل الكتاب منهم مخصوصون من هذه اللفظة لقيام الدلالة.
وأيضًا: ما رواه أبو حنيفة والثوري وغيرهما عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على جيش أو سرية، وذكر الحديث إلى قوله: وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فآيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم، وكف عنهم، إلى قوله: فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك: فأقبل منهم، وكف عنهم".
فعم جواز أخذ الجزية من سائر المشركين، ولما قامت الدلالة على أن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، خصصناه من هذه الجملة، واستعملناه باقي اللفظ على العموم في مشركي العجم.
فإن قيل: هلا استعملت قوله تعالى:﴾ فاقتلوا المشركين ﴿،: في سائر المشركين، ولم كان ما في الخبر من جواز أخذ الجزية من المشركين أولى بالاستعمال من عموم لفظ الآية في إيجاب القتل دون الجزية؟
قيل له: من قبل أن وجوب الجزية متأخر عن الأمر بالقتل؛ لأن النبي ﵊ قد كان مأمورًا بالقتال بعد الهجرة، ولم يكن وجوب الجزية إلا في آخر أيامه ﵊، فوجب أن يكون خبر
стр. 2884
ذكر الجزية قاضيًا على حكم الآية الواردة في وجوب القتال مخصصًا لها.
مسألة: [تبليغ الدعوة للعدو قبل قتاله]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي قتال أحٍد من العدو ممن لم تبلغه الدعوة ...) إلى آخر ما ذكره.
قال أحمد: الأصل في الدعاء قبل القتال: قول الله تعالى ذكره:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴿.
ومن جهة الأثر: ما روي في حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر رجلًا على سرية قال له: ادعهم إلى الإسلام"، وذكر الحديث.
وروى أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ لما
стр. 2885
وجه عليًا ﵁ إلى خبير قال: "ادعهم إلى الإسلام".
وفي حديث أنس قال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم".
وروى سفيان وحجاج عن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال: "ما قاتل رسول الله ﵊ قومًا حتى يدعوهم".
فهذا حكم مستعمل فيمن لم تبلغه الدعوة.
* وسائر ما ذكره أبو جعفر من كلامه، فإنه احتذى فيه حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه في سياقه ألفاظه.
مسألة: [استحباب دعاء من بلغته الدعوة أيضًا]
قال أبو جعفر: (وإن كانوا ممن قد بلغته الدعوة، ورأى الإمام أن يدعوهم: دعاهم كما ذكرنا، وإن رأى أن لا يدعوهم: لم يدعهم).
قال أحمد: دعاء من بلغته الدعوة حسن أيضًا، لما روي "أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ بدعاء أهل خيبر، وقد كانوا ممن بلغتهم الدعوة".
стр. 2886
وإن ترك الدعوة، واقتصر على ما قد حصل لهم من العلم بدعوة النبي ﵊: جاز.
وذلك لما روى الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد: أن النبي ﵊ قال له: "أغر على أبنى صباحًا، وحرق".
وروى حماد عن ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يغير على العدو عند صلاة الصبح، فيستمع: فإن سمع أذانًا: أمسك، وإلا: أغار".
وعن جندب الجهني: "أن النبي ﷺ بعث سرية، وأمرهم بشن الغارة".
وقد حدثنا ابو بكر محمد بن بكر بن عبد الرازق البصيري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا ابن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين عند القتال، فكتب إلى: أن ذلك كان في أول الإسلام، وقد أغار نبي الله
стр. 2887
صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث".
حدثني بذلك عبد الله، وكان في ذلك الجيش.
قال أبو داود: "هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد".
فثبت بهذه الأخبار جواز ترك الدعاء لمن بلغته الدعوة.
مسألة: [تبييت العدو والإغارة عليهم]
قال أبو جعفر: (وللإمام إذا لم يحتج إلى الدعوة فيما وصفنا أن يبيت من نزل بساحته من العدو، ويقتل مقاتلتهم، ويسبي ذراريهم ونساءهم، ويغنم أموالهم، ويقطع أشجارهم المثمرة غير المثمرة).
وذلك لما وصفنا من أمر النبي ﷺ أسامة بالغارة والتحريق.
وحديث جندب الجهني "أن النبي ﷺ بعث سرية وأمرهم بشن الغارة".
стр. 2888
وحديث نافع عن ابن عمر ﵄ في قصة بني المصطلق.
* وأما غنيمة الأموال، وسبي الذراري، فلقول الله ﴾ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ﴿.
وما نقلته الأمة من سيرة النبي ﷺ في المشركين إذا غلبهم بالسيف.
* وأما قطع الشجر المثمر: فلقول الله تعالى:﴾ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين ﴿.
فأباح تعالى القطع والترك، وصب الجميع من الفريقين.
وقطع النبي ﷺ نخل بني النضير، وقال فيه حسان بن ثابت:
стр. 2889
وهان على سراة بني لؤي ... حريق البويرة مستطير
* وقد كره الأوزاعي قطع الشجرة المثمرة، واحتج بأن أبا بكر الصديق ﵁ نهى الجيش الذي أنفذه إلى الشام عن قطع الشجرة المثمرة.
والمعنى في ذلك عندنا: أن النبي ﷺ قد كان وعدهم فتحها، وأنها تصير للمسلمين، فلذلك كرهه لما بيناه.
ولما روي أن النبي ﷺ قال لأسامة: "أغر على أبني صباحًا، وحرق".
مسألة: [تحريق حصون العدو، وإغراقها بالماء]
قال ابو جعفر: (وله أن يرميهم بالمنجنيقات، وأن يحرق حصونهم
стр. 2890
بالنيران، ويغرقها بالماء، ولا يمتنع من ذلك لأجل من في أيديهم من الأسرى، ومن لا يجوز لنا قتله).
وذلك لما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ عن الصعب بن جثامة "أنه سأل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال رسول الله ﷺ : هم منهم".
فقد أباح النبي ﷺ أن يبيتوا مع إخبار السائل بما يصاب من الذراري، فلم ينهه من أجل ذلك.
وقد "رمي النبي ﷺ أهل الطائف حين حاصرهم"، مع علمه بمن فيهم من الذراري الذين لا يتعمدون بالقتل.
قال أحمد: ولا يوجب أصحابنا لمن أصيب من الأسرى وغيرهم على هذا الوجه دية ولا كقارة؛ لأنهم مأمورون برمي الكفار مع العلم بمن فيهم من الأسرى، وجواز إصابتهم به، فصاروا في حكم المأمور برميه
стр. 2891
وقتله، فلا يجب فيه شيء.
مسألة: [موضع قسمة الغنائم]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للإمام إذا غنم غنيمة أن يقسمها في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام).
وذلك لأن المسلمين لا يثبت لهم فيها حق إلا بحيازتهم في دار الإسلام، ومن أجل ذلك قال أصحابنا: إن من مات من الجند قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام: لم يكن لورثته منها شيء، وإذا مات بعد إحرازها: كان نصيبه منها لورثته.
стр. 2892
ولذلك قالوا أيضًا: إذا لحقهم جيش آخر قبل أن يخرجوها إلى دار الإسلام: شركوهم فيها.
والدليل على أن حقهم لا يثبت في الغنيمة إلا بالحيازة والإحراز: أن الموضع الذي حصلوا فيه من دار الحرب لا يصير من دار الإسلام بحصول الجيش فيه، ولو ثبت حقهم فيه دون الحيازة، لصار من دار الإسلام، ولو كان كذلك: كان يجب أن تكون أحكام تلك البقعة حكم دار الإسلام، حتى تنقطع العصمة بين من حصل هناك وبين أهل الحرب في عتق العبيد إذا خرجوا، فحصلوا في ذلك الموضع، ووقوع الفرقة بين المهاجرة المسلمة إذا حصلت هناك وبين زوجها.
وكان ينبغي أن يكون لو لحقهم جيش قبل أن يظهروا على دار الحرب أن لا يشاركهم في البقعة التي كان الجيش الأول اجتازوا بها، ووطؤوها، ولا خلاف أن جيشًا لو لحقهم، ثم ظهروا على دار الحرب جميعًا: أن الأول والثاني شركاء في جميع الدار، فدل أن حق الأولين لم يثبت فيها بظهورهم عليها دون حيازتها وإحرازها، وكذلك الأموال.
فإن قيل: "إن النبي ﷺ قسم غنائم بني المصطلق قبل رجوعه إلى المدينة".
قيل له: قسمها بعد ما صار الموضع من دار الإسلام، ولم يقسمها قبل ذلك، ونحن كذلك نقول: إذا صارت الدار دار الإسلام، لظهور المسلمين عليها، وحيازتهم لها: قسم فيها الغنائم.
стр. 2893
ويدل على ما ذكرنا: أنه يجوز له أن يأكل من الطعام الذي غنموه في دار الحرب، ولا يأكل منه إذا خرج إلى دار الإسلام.
ويدل عليه أن من باع حصته منها: لم يجز بيعه.
مسألة: [أخذ ما يحتاجه الإنسان من طعام وعلف الغنيمة]
قال أبو جعفر: (وما كان في الغنيمة من طعام أو علف: لم يكن على من احتاج إلى ذلك جناح أن يأخذ منه بمقدار حاجته وإن لم يستأذن الإمام في ذلك).
لما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال: حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر "أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخميس".
وهذا يدل على أنهم أكلوه في دار الحرب قبل أن يخرجوه إلى دار الإسلام؛ لأنهم لو أخرجوه: لم يختلف الفقهاء أن الخمس واجب فيه.
وثبت بذلك جواز الأكل بغير إذن الإمام، ما لم يحرز في دار الإسلام، ويكون حينئذ بمنزلة المباحات من الصيد والثمار، فلا يجب فيه شيء.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا موسى بن
стр. 2894
إسماعيل والقعنبي قالا: حدثنا سليمان عن حميد- يعني ابن هلال- عن عبد الله بن مغفل قال: "دلي جراب من شحم يوم خيبر، قال: فأتيته، فالتزمته، قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليوم شيئًا، قال: فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ يتبسم إلى".
فلم ينكر عليه النبي ﵊ قوله: "لا أعطي اليوم أحدًا منه شيئًا، فدل على جواز أكله من غير استئذان الإمام.
وقد روي إباحة ذلك عن جماعة من السلف، منهم ابن عمر وسلمان وإبراهيم والحسن وعطية بن قيس في آخرين منهم، من غير خلاف يحكى عن أحد من نظرائهم.
مسألة: [أخذ المجاهد السلاح وغيره من الغنيمة عند الحاجة]
قال أبو جعفر: (وكذلك إن كان فيها سلاح، فلا بأس أن يقاتل به من احتاج إليه، ثم يرده في الغنيمة، وكذلك ثياب اللبس، وأداة الركوب، ولا يأخذ شيئًا من ذلك بغير حاجة إليه).
стр. 2895
وذلك لما روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، "أنه قتل أبا جهل بن هشام بسيفه".
وروي "أن ابن الدغنة قتل دريد بن الصمة بسيفه".
ولم ينكر النبي ﵊ ذلك عليهما.
ألا ترى أنه لو رماه المشرك بسهم: كان له أن يرميه به، ولا خلاف في ذلك نعلمه.
[مسألة]
(ولا ينتفع بشيء من ذلك لغير حاجة).
لما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة- واللفظ له- قال أبو داود: وأنا لحديثه أتقن، قالا: حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق
стр. 2896
مولى تجيب عن حنش الصنعناني عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها: ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه: ردة فيه".
مسألة: [الغنائم التي عجز المسلمون عن حملها إلى دار الإسلام].
قال: (وما أصاب المسلمون في دار الحرب من الغنائم، وعجزوا عن حمله من غير الحيوان: أحرقوه بالنار، وما كان من ماشية: ذبحوها، ثم احرقوها بالنار).
وذلك لوجهين:
أحدهما: ما يلحق الكفار من ذلك من الغيظ والأسف.
والثاني: لئلا يقووا به على قتال المسلمين.
وقد "قطع النبي ﷺ نخل بني النضير وحرقها".
و"قطع من كروم الطائف".
стр. 2897
و"أمر أسامة بن زيد أن يغير ويحرق".
إلا أن الحيوان يذبح، ثم يحرق؛ لأن إحراقها مثله، وفيه زيادة في إيلامها من غير نفع، وقد "نهى النبي ﷺ عن صبر الحيوان، وأن يتخذ شيء من الروح غرضًا، وهى أن يمثل بالحيوان".
مسألة: [قتل النساء والصبيان والرهبان ونحوهم]
قال: (ولا يقتل المسلمون في دار الحرب صبيًا، ولا معتوهًا، ولا أعمى، ولا مقعدًا، ولا الرهبان، ولا أصحاب الصوامع، ولا النساء، إلا أن يقاتلوهم، فيكون لهم قتل من قاتلهم منهم).
قال أبو بكر: قال محمد بن الحسن: ولا يقتل من الرهبان، والسائحين من لم يخالط الناس من أصحاب الصوامع، ممن قد طين الباب على نفسه، ولا يؤسرون، ولا تؤخذ منهم الجزية، ومن خالط الناس منهم: كان بمنزلة سائر رجالهم المقاتلين، فيقتلون، ويؤسرون، وتؤخذ منهم الجزية.
والأصل في حظر قتل من ذكرنا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا
стр. 2898
قيس بن الربيع عن عمر مولى عنبسة عن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁. قال:
"كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين قال: انطلق باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا عليهم، فادع القوم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، فإن أجابوكم: فإخوانكم، وإن أبوا: فناصبوهم حربًا، واستعينوا بالله تعالى، ولا تقتلوا وليدًا، ولا طفلًا ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا، ولا تغورن عينًا، ولا تعقرن شجرًا إلا شجرًا يضر بكم- يعني: تغدروا يمنعكم قتالًا- ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغلوا، ولا".
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا".
стр. 2899
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك: فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول م دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك: أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين.
فإن أبوا واختاروا دارهم: فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء ولا الغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أبوا: فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا: فأقبل منهم، وكف عنهم.
فإن أبوا: فاستعن بالله تعالى، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله تعالى: فلا تنزلهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم".
قال سفيان بن عيينه: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم قال أبو داود: هو ابن هيضم عن النعمان بن
стр. 2900
مقرن عن النبي ﷺ مثل حديث سلمان بن بريدة.
قال أحمد: وروى أبو حنيفة هذا الحديث عن علقمة بن مرثد كنحو رواية الثوري، وزاد فيه:
"وإذا أرادوا منكم أن تعطوهم ذمة الله تعالى: فلا تعطوهم، ولكن أعطوهم ذمتكم وذمة آبائكم، فإنكم إن تخفروا ذمتكم خير من أن تخفروا ذمة الله".
وفي حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن حماد قال: حدثنا سفيان عن سعيد عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، وذكر الحديث بطوله، وقال فيه:
"إذا حاصرت أهل حصن فإن أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيك: فلا تجعل لهم ذلك"، وذكر معنى حديث أبي حنيفة.
قال أحمد: قال لي أبو كر الجعابي قدر رواه الثوري كرواية أبي حنيفة، الإسناد والمتن جميعًا متساويان.
ورواه أيضًا عن علقمة شعبة والمسعودي وإدريس الأودي وغيلان بن جامع ويحيى بن أبي أنيسة وزيد بن أبي أنيسة.
وحدثنا عن أبي داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن آدم وعبيد الله عن الحسن بن صالح عن خالد بن الفرز قال: حدثني
стр. 2901
أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
"انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلو، وضمنوا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال: حدثنا عباس بن الوليد بن صبح قال: حدثنا زيد بن يحيى قال: حدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان إلا من عدا بالسيف".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا سعيد قال حدثنا هشيم عن جوبير عن الضحاك قال: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والولدان إلا من عدا بالسيف".
قال: حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا يوسف بن يعقوب قال: حدثنا عبد الواحد بن غيات قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أيوب قال: حدثني، شيخ بمنى عن أبيه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2902
"ينهى عن قتل العسفاء، والوصفاء".
وقد روى عن حنظلة الكاتب، وقيل: إن أخاه رباح بن الربيع رواه عن النبي ﷺ : "أنه أمر رجلًا أن يلحق خالد بن الوليد، فقال: قل له: لا يقتلن ذرية، ولا عسيفًا".
وقيل: إن الثوري وهم فيه حين رواه عن أبي الزناد عن المرقع عن حنظلة؛ لأن أصحاب أبي الزناد رووه عن المرقع بن صيفي عن رباح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب أنه كان مع النبي ﷺ ، وذكر الحديث.
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا محمد بن أيوب الرازي قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ "أنه كان إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله،
стр. 2903
تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع.
قال أحمد: وإنما جمعنا بين هذه الآثار لما تنتظمه من أصول مسائل السير وأحكامها، لننبه على معانيها مجموعة، ليكون أقرب إلى فهم قارئه، وأحضر متناولًا لطالبيه، فنقول:
* أما قوله ﷺ في حديث علي الذي قدمنا: "باسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله": فإنه ابتدأ فيه باسم الله تبركًا بذكره تعالى؛ لأن كل أحٍد مندوب إلى أن يجعل افتتاح أموره بسم الله.
* وقوله: "في سبيل الله، وعلى ملة رسول الله": أمر منه بأن يكون قتالهم لله تعالى خالصًا، لا يشوبه رياء، ولا طلب شيء من أعراض الدنيا. كما قال تعالى:﴾ وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴿،﴾ وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﴿.
وقال النبي ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
* وأما قوله ﵊: "لا تقاتلوا القوم حتى تحتجوا
стр. 2904
عليهم": فإن هذه اللفظة لم نجدها في غير هذا الحديث، وفيها فائدة عظيمة، وهي أن لا يقتصر على الدعاء دون الاحتجاج عليهم لصحة قولنا، وبطلان قولهم، كما قال تعالى:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴿، وقال سبحانه:﴾ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴿: يعني حتى يقيم عليهم الحجة بالرسل فيما طريقه السمع.
[ما يقوله الكافر ليحكم بإسلامه:]
* وقال ﵊: "وادع القوم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله: فإن معناه عندنا: أن عظم من كان النبي ﵊ يدعوهم كانوا مشركين جاحدين للتوحيد، ونبوة النبي ﷺ ، وكان من أعطى منهم الإقرار بهذين داخلًا في الإسلام، ومن كان من المشركين الجاحدين للتوحيد والرسالة إذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، أو قال: أنا مسلم: فهو عند أصحابنا مسلم، كذا قال محمد بن الحسن في السير.
وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "أمرت أن أقاتل
стр. 2905
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها: عصموا متى دمائهم وأموالهم إلا بحقها".
وقال انس عبد النبي ﵊: "أمرت أن أقاتل المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله".
وقال النبي ﵊ لأسامة حين قتل الرجل الذي حين أراده قال: لا إله إلا الله: "من لك بلا إله إلا الله؟
فقلت: إنما قالها مخافة السلاح.
قال: فهلا شققت عن قلبه.
قال: فما زال يقول: من لك بلا إله إلا الله؟ حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ".
فهذه الآثار تدل على صحة قولهم: في أن المشركين الذين يقاتلون على التوحيد، إذا قالوا: "لا إله إلا الله": صاروا بذلك مسلمين.
* وأما قوله: في أن من قال من هؤلاء: إني مسلم، فإنه يقبل منه: فلما روى ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي الخيار عن المقداد بن الأسود أنه أخبره "أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت
стр. 2906
رجلًا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
قال رسول الله: لا تقتله.
فقلت: غنه قطع يدي؟
قال رسول الله: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
حدثنا بذلك محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن محبب أبو همام الدلال حدثنا سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضر عن فرات بن حيان "أن رسول الله ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، وكان حليفًا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم؟
فقال رسول الله ﷺ : إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان".
فجعله النبي ﷺ مسلمًا بقوله: "إني مسلم"؛ لأنهم
стр. 2907
كانوا ينكرون ذلك، ويرون أن من قاله دخل في دين النبي ﵊.
ولذلك قال أصحابنا في المشركين الجاحدين للتوحيد إنه يقبل منهم قول: "لا أله إلا الله"، ويكف عنهم.
وكذلك إن قالوا: "محمد رسول الله"، وكذلك إن قال: "إني مسلم"؛ لأن ظاهر هذا القول يقتضي أن يكون مسلمًا.
وقد حكم النبي ﷺ لقوم بظاهر الإسلام لأجل سجودهم فحسب.
فيما حدثنا عن أبي داود حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: إني بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين".
فحكم ﵊ لهم بالإسلام لظهور السجود منهم؛ لأنهم كانوا يأبون ذلك في حال الشرك.
стр. 2908
فإن قيل: لو كان حكم لهم بالإسلام لمر لهم بجميع العقل.
قيل له: لم يسقط نصف العقل لأجل أنه لم يحكم بحكم الإسلام، وإنما أسقطه- والله أعلم- لأنه لم يثبت عنده أن قتلهم كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.
وجائز أن يكون ذلك في موضع يجوز أن يكون من دار الحرب، ويجوز أن يكون من دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لم يجب شيء وإن كان مسلمًا، ولأجله قال علي الصلاة والسلام: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، وإن كان في دار الإسلام: وجب جميع العقل، فلما وجب في حٍال الجميع، ولم يجب في حٍال أخرى: أوجب النصف.
وهذا أصل عندنا في اعتبار الأحوال، على حسب ما يقوله أصحابنا في مسائلهم.
فإن قيل: فالنبي ﵊ أمر في خبر علي ﵁ أن يدعو إلى ثلاثة أشياء: التوحيد، والنبوة، والإقرار بما جاء من عند الله.
قيل له: كذلك نقول، ندعوهم إلى جميع ذلك، إلا أنهم إذا أظهروا قبول أحد هذه الأشياء، فالظاهر أنهم قابلون لجميعها، ما لم ينكروا شيئًا منها مما دعوا إليه، استلالًا بسائر الآثار التي ذكرنا.
[عدم الحكم بإسلام اليهود والنصارى لو نطقوا بالشهادتين]
* قال محمد بن الحسن ﵀: وأما اليهود والنصارى الذين
стр. 2909
بين ظهراني المسلمين عندنا، فمن قال منهم: "أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله": فإنه لا يكون بهذا مسلمًا؛ لأنهم جميعًا يقولون هذا عندنا في بلدهم، ليس من نصراني ولا يهودي نسأله إلا قال ذلك، فإذا فسر قوله: قال: رسول الله إليكم.
قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يكون هذا منهم إسلامًا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقروا بما جاء به من عند الله، فإن كان نصرانيًا: قال: وأبرأ من النصرانية، وإن كان يهوديًا: قال: وأبرأ من اليهودية، فإذا قال هذا: كان مسلمًا.
[وجوب قتال جميع الكفار، ومنهم القرامطة والباطنبة]
* وأما قوله ﵊ في حديث بريدة، وحديث ابن عباس: "قاتلوا من كفر بالله": فإنه يدل على وجوب قتال جميع أصناف الكفار وقتلهم، وأن أحدًا منهم لا يقر على ما هو عليه من الكفر إلا بالجزية ممن يجوز أخذ الجزية منهم، وإلا: فالإسلام أو السيف، كنحو من يعطي الإقرار بجملة التوحيد وتصديق النبي ﵊، وينقصه برد النصوص، مثل القرامطة المتسمية بالباطنية، فإن استحقاق
стр. 2910
القتل لا يزوال عنهم بزعمهم أنهم مقرون بجملة التوحيد والنبوة؛ لأنهم ينقصون ذلك في الحال بقولهم: إن للشريعة باطنًا مرادًا غير ما نقلته الأمة، وكذلك أشباههم من سائر الملحدين.
ويدل عليه أيضًا: شرط النبي ﵊ في حديث علي ﵁ الإقرار بما جاء به من عند الله تعالى، مع ما تقدم من الإقرار بالتوحيد، وتصديق الرسول ﷺ ؛ لأن هذه الطوائف من الملحدين، غير مقرين بما جاء به النبي ﷺ من عند الله، لردهم الشريعة المنصوص عليها، وإنما إقرارهم بدءًا بالجملة تلاعبًا بالدين، وتخوفًا من أن يحملوا على إظهار ما أسروه من الإلحاد.
وليس سبيل هؤلاء المنافقين الذين أقرهم النبي ﵊، ولم يقتلهم، مع علمه بكفرهم؛ لأنهم كانوا يظهرون للنبي ﵊ الإسلام، ولا يظهرون له الكفر، وإنما يظهرونه لأصحابهم،
следующие страницы →