Полный текст (3 930 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ولأنه لا خلاف بين الفقهاء أن من أسلم بعد نصف الليل قبل طلوع الفجر: لزمته صلاة العتمة، وكذلك لو بلغ صبي قبل طلوع الفجر.
قال: (وطلوع الفجر هو البياض المستطيل الذي ينتشر في الأفق).
والبياض المستطيل هو من الليل، وكذلك روي عن النبي ﷺ في صفة الفجر.
مسألة: [الوقت المستحب للظهر]
قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة الظهر أن يعجل بها في الشتاء، ويبرد بها في الصيف).
وذلك لما في حديث بشير بن أبي مسعود عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يصلي الظهر حين تزيغ الشمس، وربما أخرها في شدة الحر".
وقال أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا كان
стр. 317
الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها".
وروى أبو سعيد، وأبو هريرة، وأبو موسى، وأبو ذر ﵃ أن النبي ﷺ قال: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من قيح جهنم".
وأما ما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يصلى بالهجير".
وقول خباب ﵁: "شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء، فلم يشكنا".
وقول عائشة ﵂: "ما رأيت أحدا أشد تعجيلا لصلاة الظهر من رسول الله ﷺ ".
стр. 318
فإن ذلك كان في أول مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، ثم نسخ بما ذكرنا.
* الدليل عليه ما ذكره أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن أبى داود قال: حدثنا يحيى بن معين وتميم بن المنتصر قالا: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن بيان عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهجير، ثم قال: إن شدة الحر من قيح جهنم، فأبردوا بالصلاة".
فبين المغيرة تاريخ الفعلين، وأن آخرهما كان الإبراد.
فإن قيل: روي عن ابن مسعود ﵁ أنه صلى حين زالت الشمس، فقال: "هذا والله الذي لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة".
قيل له: كذلك نقول هو وقتها، إلا أنه ليس فيه بيان موضع الخلاف؛ لأن الخلاف إنما هو في الوقت المستحب، وليس في خبر عبد الله دلالة على أنه هو المستحب دون غيره.
وأيضا: ليس فيه أنه كان في الصيف، ويحتمل أن يكون في الشتاء، كما روى الزهري عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر حين زالت الشمس".
ثم روى أبو خلدة عن أنس ﵁ "أن النبي صلى الله عليه
стр. 319
وسلم كان يعجلها في الشتاء، ويؤخرها في الصيف".
مسألة: [الوقت المستحب للعصر]
قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة العصر التأخير في الزمان كله، إلا أنه يصليها والشمس بيضاء، لم تدخلها صفرة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾، فكلما قرب من آخره: فهو أولى بموافقة الآية، إلا ما قام دليله، وقد قامت الدلالة على النهي عن تأخيرها إلى اصفرار الشمس، فخصصناه من اللفظ، وبقي حكمه فيما عداه.
ومن جهة السنه ما حدثنا به محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العنبري قال: حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال: حدثنا محمد بن يزيد اليماني قال: حدثني يزيد بن عبد الرحمن بن على بن شيبان عن أبيه عن جده علي بن شيبان ﵁ قال: "قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية".
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أبو الحسين علي بن مهران بن
стр. 320
يحيى القاساني قال: حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله بن محمد بن هاني قال: حدثنا حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، قال عبد الواحد بن نفيع الكلابي: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج ﵁ يقول: حدثني أبي "أن رسول الله ﷺ أمر بتأخير العصر".
ويدل عليه حديث أبي مسعود ﵁ "أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة".
وعن أنس ﵁ "كان النبي ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة".
فإن قيل: روي عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، والشمس مرتفعة".
стр. 321
وفي بعض ألفاظه: "ثم يذهب الذاهب إلى قباء وهم يصلون".
وقال أنس: "ما كان أحد أشد تعجيلا لصلاة العصر من رسول الله".
وفي حديث أبي واقد الليثي عن أبي أروى ﵁ قال: "كنت أصلي العصر مع النبي ﷺ ، ثم أمشي إلى ذي الحليفة، فآتيهم قبل أن تغيب الشمس".
وهي على فرسخين من المدينة.
قيل له: ليس في شيء من ذلك دليل على أنه كان يصليها في أول الوقت؛ لأن الوقت لا يتقدر بالسير والمشي، إذ قد يجوز فيه الإسراع والإبطاء، فليس يمتنع حينئذ أن يقول: عسى كان الرجل يسرع المشي، وقد صلى في وسط الوقت، فيبلغ ذا الحليفة قبل الغروب، وكذلك العوالي.
стр. 322
وعلى أن دلالة التأخير ظاهرة في هذه الأخبار, لأنه لا يقول: والشمس مرتفعة حية", إلا وقد أخرها، إذ لا يصح أن يقال: صلى في أول الوقت, والشمس حية؛ لأن قوله: "والشمس حية": يدل على مقاربة التأخير إلى حين الاصفرار.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول في قوله: "والشمس حية": إنه يعني القرص نفسه, لا الضياء المنفصل منها, قال: وهو حقيقة اللفظ.
قال: ومادام شيء من الضوء فيها باقيًا: فهي حية, وإنما تخرج من أن تكون حية إذا ذهب ضوءها على حسب ما نرى في الصحاري عند الغروب.
وعلى أن دلالة أخبارهم لو كانت ظاهرة على حسب ما ادعوه, لكان خبرنا أولى, لأن فيه أمرًا بالتأخير, وفي خبرهم حكاية فعل النبي ﷺ , لا أمر فيه, والأمر يقضى على فعل.
وأيضًا: فليس في مجرد الفعل دلالة على الأفضل. إذ قد يفعل الأفضل تارة, ويفعل المباح تارة تعليمًا, ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء الآخرة إلى ثلث الليل", فأخبر بفضيلة التأخير، ولم يفعله في كل حال.
فإن قالوا: في حديث عائشة ﵂" أن النبي صلى الله عليه
стр. 323
وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر".
قيل لهم: لا دلالة فيه على منع التأخير, لأنا نحتاج أن نرجع إلى اعتبار طول حائط الحجرة, وليس عندنا علم بمقداره, وجائز أن يكون قصيرًا, فتبقى الشمس في حجرتها إلى آخر الوقت المستحب, فليس إذ فيه بيان موضع الخلاف.
فإن قيل: قول النبي ﷺ : " أول الوقت رضوان الله, وآخره عفو الله": يدل على أن فعلها في أول الوقت أفضل, لأن العفو لا يكون إلا تقصير.
قيل له: هذا غلط فاحش في التأويل, لأن العفو معناه: التسهيل والتوسعة, كقوله ﷺ : " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق: , وقال الله تعالى: ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾: معناه سها عليكم.
وليس هذا من العفو عن الذنب؛ لأن النبي ﷺ قد
стр. 324
صلى الصلوات في أواخر أوقاتها, وصلى به جبريل صلى الله عليهما كذلك, ولا يجوز لأحد أن يقول: إنه كان مقصرًا في التأخير, ومتأوله على ذلك جاهل بما يجوز على النبي ﷺ وما لا يجوز عليه.
وأما قوله: " أول الوقت رضوان الله": فلا دلالة فيه على أن آخر الوقت ليس برضوان الله، بل هما جميعا رضوان الله، وآخر الوقت تسهيل الله وتوسعته ورحمته ورضوانه؛ لأنه لو منعنا التأخير عن أول الوقت, لكان فيه التضييق والتشديد علينا، فأخبر ﵊ نعمة الله علينا في أن جعل الصلاة في أول الوقت وآخره, ولم يقصرها على وقت واحد.
مسألة: [الوقت المختار للمغرب]
قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة المغرب التعجيل في الزمان كله).
وذلك لأن النبي ﷺ صلاها في اليومين جميعًا في أول الوقت حين سأله السائل عن مواقيت الصلاة.
وكذلك في حديث ابن عباس ﵁ في إمامة جبريل بالنبي
стр. 325
عليهما السلام.
وقال النبي ﷺ : "لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم".
مسألة: [الوقت المستحب للعشاء]
قال أبو جعفر: (والاختيار في صلاة العشاء التعجيل فيها قبل مضى ثلث الليل, فإن فات: فقبل مضى نصف الليل, فإن فات: فتاركها بلا عذر مسيء).
قال أبو بكر: المستحب عندهم في العشاء تأخيرهم إلى ثلث الليل,
لما روي عن النبي ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخيرها إلى ثلث الليل".
فدل أنه أفضل؛ لأنه لا يقول: لولا المشقة لأخرتها إلى وقت مثله في الفضل أو دونه, وهو كقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور".
فإن قيل: روي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه
стр. 326
وسلم أنه قال: " أفضل الأعمال: الصلاة لأول ميقاتها".
في رواية مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشبياني عن ابن مسعود ﵁.
قيل: له: قد روى أبو أسامة عن مالك بن مغول هذا الحديث بإسناده, وقال فيه: "الصلاة في ميقاتها".
ورواه جماعة عن الوليد بن عيزار بإسناده, وقالوا: " الصلاة لوقتها".
* ولا يكره تأخيرها إلى نصف الليل, لما روي عن النبي ﷺ أنه أخر العشاء ذات ليلة إلى ثلث الليل, أو شطره, ثم قال: "إنكم في صلاة ما انتظرتموها, ولولا ضعف الضعيف لجعلت هذا وقتها".
وروي عنه ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخيرها إلى ثلث الليل, أو إلى نصفه".
стр. 327
وفي حديث أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ أخر العتمة إلى قريب من شطر الليل".
وفي حديث أبي سفيان عن جابر ﵁ "أن رسول الله ﷺ جهز جيشًا, حتى إذا انتصف الليل أو بلغ ذاك: خرج إلينا".
وفي حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل".
فدلت هذه الأخبار على أن من أخرها إلى نصف الليل: لم تلحقه إساءة.
وأما إذا أخرها عن نصف الليل: فهو مسيء, لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ تأخيرها عن ذلك بغير عذر.
ولأنه قال ﷺ : "آخر وقتها نصف الليل", ومعلوم أن مراده إباحة فعلها, وجواز تأخيرها إليه, لأن الدلالة قد قامت على أنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر, وهي ما قدمنا فيما سلف.
стр. 328
مسألة: [الوقت المستحب في صلاة الفجر]
قال أبو جعفر: (والاختيار في الصبح: جمع التغليس والإسفار جميعًا, فإن فات ذلك: فالإسفار أفضل من التغليس).
فأما وجه جمعهما, فلما روي عن النبي ﷺ من الآثار في التغليس.
وروي عنه آثار أخر مثلها في الإسفار، فإذا جمع بينهما: فغلس بابتدائها, وانصرف عنها مسفرا: كان مستعملًا للأخبار كلها.
* وأما إذا لم يجمعهما: فالأفضل الإسفار.
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج رضي الله عنه
стр. 329
قال: قال رسول الله ﷺ :
"أصبحوا بالصبح, فإنه أعظم لأجوركم".
وقد روي: " أسفروا بالصبح, فإنه كلما أسفرتم كان أعظم للأجر".
وذكر الطحاوي قال: حدثنا على بن معبد قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر عن بلال ﵃ عن النبي ﷺ مثله.
وهذا عندنا أولى من الأخبار التي روي فيها التغليس’ لأنه ليس فيها بيان موضع الفضل, إذ قد يفعل النبي ﷺ المباح تارة على وجه التعليم, ويفعل الأفضل أيضًا اختيارًا له على غيره’ فإذا ليس في ظاهر فعله ﷺ دلالة على موضع الخلاف, وفي خبرنا بيان الأفضل’ لأنه أمر, وأخبر أنه أعظم للأجر.
ولأن الأمر والفعل إذا اجتمعا: كان الأمر أولى.
وعلى أنه قد روي في الأخبار التغليس والإسفار, فتتعارض الأخبار في الفعل, ويبقى لنا الأمر بالإسفار من غير معارض.
стр. 330
وروي إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ صلى الفجر بالمزدلفة يوم النحر حين سطع الفجر, ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما في هذا المكان: المغرب, وصلاة الفجر هذه الساعة".
وذكر الطحاوي قال: حدثنا حسين بن نصر قال: حدثنا الفريابي قال: حدثنا إسرائيل بهذا.
فاقتضى هذا اللفظ من النبي ﷺ أن الوقت المستحب لها هو الإسفار, لقوله: "تحولان عن وقتهما".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي صلاة إلا لميقاتها إلا الفجر بالمزدلفة, فإنه صلاها يومئذ قبل ميقاتها".
هذا مع لزوم عبد الله ﵁ النبي ﷺ في سفر وحضره.
وقال جابر ﵁: "كان النبي ﷺ يؤخر الفجر كاسمها".
стр. 331
فإن قيل: قوله: "أسفروا بالفجر ", و"أصبحوا بها" معناه: صلوها بعد طلوع الفجر.
قيل له: فهذا يوجب أن يكون الإسفار هو التغليس, وذلك قلب اللغة وعكس ما يقتضيه لفظ الخبر, فإذا لا معنى لقولهم في وصف صلاة النبي ﷺ في اليومين أنه غلس بها في اليوم الأول, وأسفر في اليوم الثاني.
وعلى أنه تأويل يحيل معنى الخبر ويبطله؛ لأنه يصير بمنزلة من قال: "صلوا الفرض بعد دخول الوقت, فإنه أعظم لأجوركم من أن تصلوها قبل الوقت", وهذا كلام ساقط لا يجوز مثله على النبي ﷺ .
فإن قيل: في حديث بشير بن أبي مسعود عن أبيه أن رسول الله ﷺ صلى الغداة فغلس بها, ثم صلاها فأسفر, ثم لم يعد إلى الأسفار حتى قبضه الله.
قيل له: يعارضه حديث ابن مسعود ﵁ " أن النبي ﷺ لم يحولها عن وقتها إلا بالمزدلفة".
стр. 332
وأيضًا: قد بينا أنه ليس في ظاهر الفعل دلالة على الأفضل, وفي حديث ابن مسعود ﵁ وحكايته عن النبي ﷺ : "أنهما حولتا عن وقتهما", وحديث رافع بن خديج ﵁ أمر بالتأخير , فهو أولى.
وعلى أن كل ما روي في التغليس, فمحتمل أن يريد أنه ابتدأها بغلس, ثم انصرف عنها مسفرًا.
مسألة: [الأوقات المنهي عن الصلاة فيها]
قال أبو جعفر: (ولا يصلي أحد عند طلوع الشمس, وعند الزوال, وعند الغروب).
قال أحمد: ثلاثة أوقات لا يصلى فيها نقل ولا فرض: عند طلوع الشمس, وعند الزوال, وعند الغروب, إلا عصر يومه عند الغروب.
ووقتان لا يصلى فيهما نفل, ويصلى فيهما الفرض, بعد العصر حتى تغرب الشمس, وبعد الفجر حتى تطلع الشمس.
* فأما الصلاة في الأوقات الثلاثة, فالأصل: ما روي عن النبي ﷺ في الآثار المتواترة أنه نهى عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة.
منها حديث ابن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ : "لا
стр. 333
يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان".
وحديث عقبة بن عامر ﵁: "نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي في ثلاث ساعات، وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند الزوال، وعند الغروب".
وحديث ابن مسعود أن عمرو بن عنبسة ﵄ قال: يا رسول الله! هل من الليل والنهار ساعة ينهى فيها عن الصلاة؟ فقال: "أما الليل: فالصلاة مقبولة مشهودة، حتى تصلي صلاة الفجر فاجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض، فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ابيضت فالصلاة مقبولة مشهودة، حتى ينتصف النهار، فإذا مالت الشمس فالصلاة مقبولة مشهودة، حتى تصفر الشمس فأنها تغرب بين قرني شيطان".
وعموما هذا الخبر ينفي جواز الصلاة في هذه الأوقات، وهو ينتظم الفرض والنفل جميعا في النهي؛ لأنه قال: "فاجتنب الصلاة".
وفيه دلالة على ما قلنا من وجه آخر، وهو قوله: "الصلاة مقبولة حتى ينتصف النهار"، و: "حتى تصفر الشمس".
стр. 334
و: "حتى" غاية تقتضي أن يكون حكم ما بعدها بخلافها, وإلا لم تكن غاية, فتضمن نفي قبول الصلاة عند انتصاف النهار, وعند الغروب, كقوله: لا يقبل الله صلاة بغير طهور", وهذا آكد ما يكون من اللفظ الموجب لإفساد الصلاة.
وروى عمران بن حصين وأبو قتادة وأبو هريرة وجبير بن مطعم ﵃ " أن النبي ﷺ لما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في الوادي, فاستيقظ وقد طلعت الشمس, أمر بالرحيل حتى لما ارتفعت الشمس نزل, فأمر بلالا فأذن, وصلى ركعتي الفجر, ثم أمره فأقام وصلى بهم الفجر".
وقال عمران بن حصين ﵁ في حديثه: "لما خرج النبي ﷺ من الوادي: انتظر حتى استقلت الشمس".
وقال جبير بن مطعم ﵁: " قعدوا هنيهة, ثم صلوا ركعتي
стр. 335
الفجر، ثم صلوا الفجر".
فدل ذلك على امتناع جواز الصلاة في هذا الوقت: الفوائت وغيرها. فإن قيل: إنما أخرها لأجل أنه قال: "في الوادي شيطان".
قيل له: وقد قيل إن الشيطان يقارن طلوع الشمس وغروبها، فعله كون الشيطان هناك، موجودة في غير الوادي.
والدليل على أنه لم يؤخرها لأجل كونه في الوادي: أن في خبر جبير بن مطعم وعمران بن حصين: "أنه لما خرج من الوادي قعد وقعد أصحابه حوله، فلما استقلت الشمس: صلى"، فدل على أنه انتظر ارتفاع الشمس.
فإن قيل: روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك"، وتلا قوله:﴾ وأقم الصلاة لذكرى ﴿، وهذا يوجب فعل الفوائت في هذه الأوقات.
قيل له: الجواب عن هذا من وجوه:
стр. 336
أحدهما: أن أحد الخبرين ورد في بيان لزوم الفائت، لا في تفصيل أوقاته، والآخر وارد في بيان الوقت وتفصيله، فكل واحد منهما مستعمل في باب لا يعترض به على صاحبه، فكأنه قال: فليصلها إذا ذكرها، إلا في هذه الأوقات.
وفائدته: أن فوات الوقت لا يسقطها، ألا ترى أن قوله تعالى:﴾ فعدة من أيام أخر ﴿: لم يقض على نهي النبي ﷺ عن صوم يوم النحر ويوم الفطر، وأيام التشريق؛ لأن قوله:﴾ فعدة من أيام أخر ﴿: وارد في حكم وجوب القضاء، ونهيه ﵊ عن صوم هذه الأيام وارد في بيان الوقت، فقضى على قوله تعالى:﴾ فعدة من أيام أخر ﴿.
وأيضا: فإن النبي ﷺ حين فاتته صلاة الفجر، لم يقضها وقت الطلوع، وأخرها عنه، فدل على أن خبر النهي قاض على خبر الأمر بقضاء الفائت.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ تلا يومئذ:
стр. 337
﴾ وأقم الصلاة لذكرى ﴿، فأمر بقضاء الفائت، ولم يفعله في وقت الطلوع، فدل على صحة ما ذكرناه.
وأيضا: قوله: "فليصلها إذا ذكرها": معناه بشرائطها وحدودها، ألا ترى أنه لم يقض على وجوب الطهارة، وستر العورة.
وعلى هذا الاعتبار لمخالفنا ألزم في ترتيب الأخبار؛ لأنه يرتب العام على الخاص، وأمره لقضاء الفائت عام في سائر الأوقات، وخبرنا خاص في بيان الوقت، فواجب أن يكون ما اقتضاه خبر قضاء الفوائت من عموم الأوقات، مبنيا على خبر تخصيص بعض الأوقات بجوازها فيه دون غيره.
وأيضا: فإن خبرنا يقتضي الحظر، وخبرهم الإباحة؛ لاتفاق الجميع على جواز تقديم النافلة على وقت ذكر الفائتة والمنسية، وقدم النبي ﷺ ركعتي الفجر على الفرض في حال الفوات، فدل على أن خبرهم اقتضى إباحة فعل الفائتة في حكم الوقت، وإن كان قد أفاد لزوم الفرض في ذمته، وخبرنا حاظر لفعلها في الوقت، ومتى اجتمع خبران، في أحدهما حظر، وفي الآخر إباحة: كان الحظر قاضيا على الإباحة.
стр. 338
فإن احتجوا بخبر أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "من أدك ركعة من صلاة الغداة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك".
وروي في بعض الأخبار: "فليصل إليها أخرى"، وهذا يوجب جواز فعلها في هذا الوقت.
قيل له: يحتمل أن يكون قبل النهي، ويدل عليه ما روى إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: خرجنا مع أبي هريرة ﵁ حين طلعت الشمس في جنازة، فقال: ضعوها، فلما ارتفعت صلينا عليها، ثم قال: "إن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني الشيطان".
فدل فعله على أنه قد علم أن قوله ﷺ : " فليصل إليها أخرى": كان قبل النهي.
وأيضا: أصل الحديث: قوله: "فقد أدركها"، وهذا لا دلالة فيه على جواز فعلها فيه، وإنما يدل على إدراك وقت الوجوب، كالصبي يبلغ، والكافر يسلم.
والدليل عليه أنه معلوم أنه لم يرد بقوله: "فقد أدرك": فعل جميعها في الوقت، فعلم أن المراد إدراك وقت وجوبها؛ لأن جميعها يجب
стр. 339
بإدراك الجزء من الوقت.
* وأما ما روي من قوله: "فليصل إليها أخرى"، فيشبه أن يكون نقل الراوي المعنى عنده، حين ظن أن قوله: "فقد أدركها": يفيد ذلك.
ولو ثبت عن النبي ﷺ : كان معناه: فليصل ركعتين، فأفاد أن إدراكه لهذا الجزء من الوقت: يلزمه ركعتين، فيفعلهما في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة.
وقد روي: "فقد تمت صلاته"، ومعناه: فقد تم لزومها؛ لاتفاق الجميع أن فعلها لم يتم.
فإن قيل: فما الفرق بينهما وبين عصر يومه، والنهي شامل لجميع الصلوات؟
قيل له: لاتفاق الجميع على جوازها، فخصصناها من جملة الأخبار بالاتفاق، وبقينا حكم العموم فيما عداها، لعدم دلالة التخصيص.
وأيضا: فإن وقت الغروب لوجوب العصر، بدلالة أن مدركه بالإسلام والبلوغ يلزمه، ويمتنع أن يكون وقت لزومها، ولا يصح فيه أداؤها، وليس وقت الطلوع وقتا لوجوب صلاة الفجر؛ لأن مدركها
стр. 340
لإسلام، ولبلوغ لا يلزمه فرضها.
وأيضا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من فاتته العصر حتى غابت الشمس، فكأنما وتر أهله وماله".
وقال عمر ﵁ للنبي ﷺ يوم الخندق: "ما صليت العصر حتى كادت الشمس تغرب"، فقال النبي ﷺ : " وأنا والله ما صليت بعد"، فلم ينكر على عمر فعلها في ذلك الوقت، فمن أجل ذلك جوزنا فعلها، دون غيرها من الصلوات.
فإن قيل: فقد روي النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولم يدخل فيه الفوائت بالاتفاق، كذلك النهي عنها في الأوقات الثلاثة.
قيل له: الفصل بينهما: أن النهي تناول الوقت نفسه في هذه الأوقات الثلاثة، واعتبار الوقت من فروض الصلاة وشرائطها، فاستوى فيها من أجل ذلك حكم النفل والفرض، كسائر فروض الصلاة إذا تركها، نحو الطهارة، والستر، واستقبال القبلة، وأما بعد الفجر والعصر: فلم يتناول الوقت، وإنما تعلق بفعل الصلاة.
ألا ترى أن رجلا آخر قد يتنفل في هذا الوقت ممن لم يصل الفرض،
стр. 341
ومن قد صلى الفرض لا يصليها، فدل على أن النهي لم يتعلق بالوقت، وإنما تعلق بفعل الصلاة.
ولم نجد في الأصول فعل فرض يمنع فرضا آخر غيره، فانصرف النهي من أجل ذلك إلى النوافل.
وأيضا: فعموم النهي يتناول الجميع، فإذا قامت الدلالة على تخصيصه من وجه: لم يوجب ذلك تخصيصه من سائر الوجوه.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا طائفا يطوف بهذا البيت، ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار"، وعمومه يقتضي جواز فعلها في سائر الأوقات.
قيل له: يخصه ما وصفنا.
وأيضا: فإن هذا وارد في نهيهم عن منع الناس من الصلاة في الكعبة، وخبرنا وارد في بيان حكم الأوقات، فلا يعترض أحدهما على الآخر بحسب ما بينا في قوله: "فليصلها إذا ذكرها"، ألا ترى أنه لم يبح بذلك فعل النفل في هذه الأوقات.
* فصل: [وقتان يصلى فيهما الفرض دون النفل]
وأما بعد العصر، وبعد الفجر: فإنما ينهى فيهما عن النوافل والنذور وصلاة الطواف، ويجوز فيهما فعل الفرض.
стр. 342
وذلك لما روى أبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء، وابن عمر، وأبو هريرة ﵃ "أن النبي ﷺ نهى عن صلاتين بعد الصبح، وبعد العصر".
وفي حديث ابن مسعود في سؤال عمرو بن عنبسة ﵄ النبي ﷺ عن الأوقات: "أن الصلاة بالليل مقبولة مشهودة حتى تصلي الفجر، ثم اجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس".
وقال ابن عباس ﵄: حدثني رجال مرضيون، وأرضاهم عمر ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب".
ثم روي عن عمر وأبي سعيد ومعاذ بن عفراء رضي الله عنهم
стр. 343
من قولهم النهي عن صلاة الطواف في هذين الوقتين، فدل على أنهم علموا من مراد النبي ﷺ شمول النهي لجميع النوافل في هذين الوقتين، سواء كان نفلا مبتدأ، أو نفلا له سبب.
* واحتج مخالفنا بما روي عن عائشة ﵂ قالت: "ما دخل رسول الله ﷺ بيتي قط بعد العصر إلا صلى ركعتين".
وبحديث يزيد بن الأسود عن أبيه أن النبي ﷺ صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فرأى رجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: "علي بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما"، فقال: "ألستما مسلمين؟ " قالا: بلى. قال: "فما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا.
قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة".
стр. 344
وبأن النبي ﷺ انصرف من صلاة الفجر، فرأى قيسا ﵁ يصلي، فلما فرغ قال له: "ما هذه الصلاة؟ " قال: ركعتا الفجر، فلم ينكر عليه.
قيل له: أما حديث عائشة ﵂ فمختلف في متنه، وذلك أنه قد روي على ما قال، وهذا اللفظ منكر عند جميع الأمة؛ لأن أحدا لايبيح النفل المبتدأ بعد العصر.
ثم قد روى محمد بن شجاع عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق قال: أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب حدثه أن عبد الله بن الحارث بن نوفل حدثه "أن معاوية رأى ناسا يصلون بعد العصر، فقال لابن عباس ﵄: ما هذه الصلاة التي أرى الناس يصلون؟
فقال: ما يفتي ابن الزبير عن عائشة ﵃.
فبعث معاوية إلى عائشة ﵂، فسألها عن ذلك. قال: فذهبت مع رسوله، فسألها، فقالت:
стр. 345
حدثتني أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلاهما في بيتها.
فبعثه معاوية إلى أم سلمة ﵂، وأنا معه، فسألها أيضاً فقالت أم سلمة ﵂: يغفر الله لعائشة، والله ما هكذا حدثتها، إنما صلى رسول الله ﷺ ركعتين تركهما بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، فسألتُه فقال: "شغلت عنهما، فكرهت أن تراني الناس أصليهما بعد العصر، فصليتهما في بيتك.
فأحالت عائشة على أم سلمة، وأنكرت أم سلمة رواية عائشة ﵄ بفعل صلاة رسول الله ﷺ بعد العصر على الإطلاق، وذكرت أن رسول الله ﷺ قال: "كرهت أن تراني الناس أصليهما بعد العصر".
وهذا يقتضي النهي عنهما بعد العصر؛ لأنه منع الاقتداء به فيهما.
وذكر الطحاوي قال: حدثنا علي بن شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس بن ذكوان عن أم سلمة ﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله! صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: "قدم علي مال، فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن". قلت: يا رسول الله! أفنقضيهما
стр. 346
إذا فاتتا؟ قال: "لا".
فقد دل هذا الحديث على معنيين:
أحدهما: النهي عن النوافل بعد العصر: كانت مبتدأة أو لها سبب.
والثاني: أن النوافل لا يجب قضاؤها بعد فوات وقتها. لا
ويدل أيضا على أن خبر عائشة ﵂ غير مستعمل على ما ورد من الإطلاق: ما ورى محمد بن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: "إذا أردتم الطواف بعد العصر والفجر، فأخروا الصلاة حتى تغيب الشمس أو تطلع".
وأما حديث يزيد بن الأسود عن أبيه في قصة الرجلين: فجائز أن يكون قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين.
ولأن الحظر والإباحة متى اجتمعا: فالحظر أولى.
وأيضا: يحتمل أن يكون ذلك في وقت ما كان يجوز إعادة الفرض، فكان تصير الثانية فرضا، والأولى نافلة، وقد نهى النبي ﷺ بعد ذلك عن إعادة الفرض مرتين.
وأيضا: يجمع بينه وبين أخبار النهي، فكأنه قال: إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم في غير هذا الأوقات.
стр. 347
وكذلك حديث قيس ﵁: يحتمل أن يكون قبل النهي.
ولأن النهي أولى على ما بينا.
وأيضا: فإن من أصل أبي حنيفة ﵀ في الخبرين المتضادين، أن الناس متى اتفقوا على استعمال أحدهما، واختلفوا في استعمال الآخر صار ما اتفقوا عليه قاضيا على ما اختلفوا فيه، عاما كان أو خاصا.
فلما اتفق السلف على استعمال خبر النهي في النفل المبتدأ، واختلفوا في استعمال إباحة النفل الذي هو سبب: كان ما اتفقوا عليه من النهي قاضيا على أخبار الإباحة إن كان مختلفا في استعمالها.
فإن قيل: فما وجه حديث أم سلمة ﵂؟
قيل له: يحتمل أن تكون الركعتان قد كانتا واجبتين على النبي ﷺ من طريق الشرع، فكان هو مخصوصا بوجوبهما عليه، فكانتا مثل الفوائت، ويدل على ذلك أنه كره ﵊ أن يراه الناس يصليهما، فيقتدوا به فيهما.
فإن قيل: لما جاز فعل الفوائت، وكان المعنى أيضا فيها أنها صلاة لها سبب، كان كذلك النوافل التي لها أسباب، مثل صلاة الطواف، وما أمر به من إتباع الإمام إذا لحقه في الصلاة.
قيل له: فالنفل المبتدأ له سبب، وهو أنه مندوب إليه مئاب على فعله.
وأيضا: فلو دخل مسجدا بعد العصر، يلزم على علتك أن تبيح له فعل الركعتين تحية المسجد، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 348
في أمره بهما.
وأيضا: فقد اتفقنا على أن النوافل المبتدأة لا تفعل في هذين الوقتين، والمعنى فيها أنها ليست بواجبة، فلما شاركتها النوافل التي لها أسباب في العلة، فوجب أن تشاركها في الحكم.
* فصل: [ما يصلى بعد الفجر، والعصر]
قال أبو جعفر: (ويسجد للتلاوة في هذين الوقتين، ويصلي فيهما على الجنائز، ولا يصلي لطواف، ولا نذر).
قال أبو بكر أحمد: لا خلاف في جواز فعل الصلاة على الجنازة في هذين الوقتين، وكذلك الفوائت.
* وأما سجود التلاوة، فهو واجب عندنا، فصار بمنزلة الصلاة الفائتة، وفرقوا بينه وبين النذر وصلاة الطواف، وذلك لأن سجود التلاوة ليست صحة لزومه متعلقة بفعله، لأنه لو سمعها من غيره: لزمته، فصارت كالفوائت وصلاة الجنازة، والسجدة وإن كان لو تلاها لزمته، فإن لزومها لم يثبت في هذه الحال من حيث تلا؛ لما وصفنا.
* وأما صلاة الطواف، فهي كالنذر؛ لأن لزومها متعلق بفعله، والنذر وأن كان واجبا فإن لزومه بمنزلة الدخول فيها، ولو دخل فيها في هذين
стр. 349
الوقتين: لم يجز له المضي فيها وإن كان لزمته، كذلك لزومها بالقول.
مسألة: [لا قضاء على المغمى عليه في أكثر من خمس صلوات].
قال أبو جعفر: (ومن أغمي عليه خمس صلوات أو أقل منها، ثم أفاق: قضاها، ومن أغمي عليه أكثر من ذلك، ثم أفاق: لم يقض).
قال أبو بكر أحمد: كان القياس عندهم أن لا يلزمه القضاء إذا أغمى عليه وقت الصلاة؛ لاتفاق الفقهاء على أن للإغماء تأثيرا في إسقاط فرض الصلاة، فكان القياس أن لا يلزمه القضاء إذا مر عليه وقت الوجوب، وهو آخر الوقت مع الإغماء، إلا أنهم تركوا القياس في اليوم والليلة، لما روي عن عمار ﵁ "أنه أغمي عليه يوما وليلة، فقضى صلاته"، ولو يرو عن أحد من السلف خلافه.
وما زاد على اليوم والليلة حملوه على القياس.
وروي عن ابن عمر ﵄ أنه أغمي عليه أكثر من يوم وليلة، فلم يقض.
стр. 350
مسألة: [لا قضاء إلا على من أدرك وقت وجوب الصلاة عليه]
قال أبو جعفر: (ومن طهرت من الحيض، أو بلغ من الصبيان، أو أسلم من الكفار: لم يكن عليه أن يصلي شيئا مما فات وقته، وإنما يصلي ما أدرك وقته، ويقضيه إن فاته).
* أما الحيض فلما روت معاذة العدوية أن امرأة سألت عائشة ﵂: أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ لقد كنا نحيض على عهد رسول ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
* وأما الصغير، فلأنه ليس من أهل التكليف قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم: الصبي حتى يحتلم".
стр. 351
وأمرنا إياه بالصلاة قبل البلوغ: تأديب وتعليم، لا على جهة التكليف.
* وأما الكافر، فلقول الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿.
وقال النبي ﷺ : "إن الإسلام يجب ما قبله".
وهو مع ذلك اتفاق من الفقهاء.
[مسألة:]
قال: (ومن أدرك من هؤلاء من الوقت مقدار ما يمكنه فيه افتتاح الصلاة: لزمته).
لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن
стр. 352
تطلع الشمس: فقد أدرك".
فألزمه حكم الفرض بإدراك بعضه، والمعنى فيه، أن الجزء الذي لزمه بإدراك الوقت لا يصح ولا يثبت حكمه إلا بفعل باقي أجزائها.
فإن قيل: النبي ﷺ إنما رخص ركعة بالإدراك، فلم جعلت ما دونها بمنزلتها؟
قيل له: ذكر مدرك الركعة، وسكت عن حكم ما دونها، فكان حكمه حكمها في المعنى من الوجه الذي ذكرنا.
مسألة: [الجمع الصوري بين الصلاتين في يوم الغيم].
قال أبو جعفر: (ويصلي في يوم الغيم بأن يؤخر الفجر، ويؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء).
قال أبو بكر أحمد: أما الفجر، فإنه يسفر بها في الأوقات كلها؛ لما بينا فيما تقدم، وأما باقي الصلوات، فإنه يفعلها على حسب ما فعل من الجمع في السفر والمرض؛ لأن الغيم عذر في اشتباه الوقت، فصار كالعذر بالسفر والمرض في الجمع.
* * * * *
стр. 353
باب الأذان والإقامة
مسألة: [صفة الآذان]
قال أبو جعفر: (والآذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخره).
قال أبو بكر أحمد: الكلام في ذلك من وجهين:
أحدهما: عدد التكبيرات، فإن من الناس من يقول يكبر في أوله مرتين، وحكى الطحاوي أن هذا القول قد روي عن أبي يوسف.
والثاني: في الترجيع.
فروى عثمان بن السائب عن أبيه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه الآذان، فذكر في أوله: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.
стр. 354
وروى عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة ﵁ مثله.
فذكر في هذين الحديثين التكبير في أوله مرتين.
وروى مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة ﵁: الله أكبر أربع مرات.
وكذلك الآذان هو في حديث عبد الله بن زيد ﵁، الذي أري في المنام، فأمره النبي ﷺ أن يلقنه بلالا، فأذن به.
فكان هذا أولى؛ لما فيه من الزيادة، ولأن التكبير مرتين شاذ في الأمة غير مشهور، وقد استفاض نقل الأربع قولا وعملا.
стр. 355
* وأما الترجيع، فليس هو عندنا من صلب الآذان، وذلك لأنه ليس في آذان عبد الله بن زيد ﵁، الذي يرويه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب النبي ﷺ في قصة الآذان ترجيع.
ورأى عمر بن الخطاب مثل ذلك إلا أن عبد الله بن زيد سبقه.
وكذلك في رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه بغير ترجيع.
وأما ما روي في آذان أبي محذورة ﵁ من الترجيع، وأن النبي ﷺ علمه إياه: فإنه قد ذكر فيه السبب الذي من أجله أمر بالترجيع.
وهو أن النبي ﷺ مر في صبيان من المشركين، يتحاكون أصحاب النبي ﷺ في الآذان، كالمستهترين،
قال: فسمع رسول الله ﷺ آذاننا فقال: "إن فيهم رجلا حسن الصوت"، فأرسل إلينا فآذنا، وكنت في آخرهم، فحبسني ولا شيء أكره مما يأمرني به رسول الله ﷺ ، قال: فعلمني الآذان,
следующие страницы →