Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
رجلًا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
قال رسول الله: لا تقتله.
فقلت: غنه قطع يدي؟
قال رسول الله: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
حدثنا بذلك محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن محبب أبو همام الدلال حدثنا سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضر عن فرات بن حيان "أن رسول الله ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، وكان حليفًا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إني مسلم؟
فقال رسول الله ﷺ : إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان".
فجعله النبي ﷺ مسلمًا بقوله: "إني مسلم"؛ لأنهم
стр. 2907
كانوا ينكرون ذلك، ويرون أن من قاله دخل في دين النبي ﵊.
ولذلك قال أصحابنا في المشركين الجاحدين للتوحيد إنه يقبل منهم قول: "لا أله إلا الله"، ويكف عنهم.
وكذلك إن قالوا: "محمد رسول الله"، وكذلك إن قال: "إني مسلم"؛ لأن ظاهر هذا القول يقتضي أن يكون مسلمًا.
وقد حكم النبي ﷺ لقوم بظاهر الإسلام لأجل سجودهم فحسب.
فيما حدثنا عن أبي داود حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: إني بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين".
فحكم ﵊ لهم بالإسلام لظهور السجود منهم؛ لأنهم كانوا يأبون ذلك في حال الشرك.
стр. 2908
فإن قيل: لو كان حكم لهم بالإسلام لمر لهم بجميع العقل.
قيل له: لم يسقط نصف العقل لأجل أنه لم يحكم بحكم الإسلام، وإنما أسقطه- والله أعلم- لأنه لم يثبت عنده أن قتلهم كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.
وجائز أن يكون ذلك في موضع يجوز أن يكون من دار الحرب، ويجوز أن يكون من دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لم يجب شيء وإن كان مسلمًا، ولأجله قال علي الصلاة والسلام: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، وإن كان في دار الإسلام: وجب جميع العقل، فلما وجب في حٍال الجميع، ولم يجب في حٍال أخرى: أوجب النصف.
وهذا أصل عندنا في اعتبار الأحوال، على حسب ما يقوله أصحابنا في مسائلهم.
فإن قيل: فالنبي ﵊ أمر في خبر علي ﵁ أن يدعو إلى ثلاثة أشياء: التوحيد، والنبوة، والإقرار بما جاء من عند الله.
قيل له: كذلك نقول، ندعوهم إلى جميع ذلك، إلا أنهم إذا أظهروا قبول أحد هذه الأشياء، فالظاهر أنهم قابلون لجميعها، ما لم ينكروا شيئًا منها مما دعوا إليه، استلالًا بسائر الآثار التي ذكرنا.
[عدم الحكم بإسلام اليهود والنصارى لو نطقوا بالشهادتين]
* قال محمد بن الحسن ﵀: وأما اليهود والنصارى الذين
стр. 2909
بين ظهراني المسلمين عندنا، فمن قال منهم: "أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله": فإنه لا يكون بهذا مسلمًا؛ لأنهم جميعًا يقولون هذا عندنا في بلدهم، ليس من نصراني ولا يهودي نسأله إلا قال ذلك، فإذا فسر قوله: قال: رسول الله إليكم.
قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يكون هذا منهم إسلامًا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقروا بما جاء به من عند الله، فإن كان نصرانيًا: قال: وأبرأ من النصرانية، وإن كان يهوديًا: قال: وأبرأ من اليهودية، فإذا قال هذا: كان مسلمًا.
[وجوب قتال جميع الكفار، ومنهم القرامطة والباطنبة]
* وأما قوله ﵊ في حديث بريدة، وحديث ابن عباس: "قاتلوا من كفر بالله": فإنه يدل على وجوب قتال جميع أصناف الكفار وقتلهم، وأن أحدًا منهم لا يقر على ما هو عليه من الكفر إلا بالجزية ممن يجوز أخذ الجزية منهم، وإلا: فالإسلام أو السيف، كنحو من يعطي الإقرار بجملة التوحيد وتصديق النبي ﵊، وينقصه برد النصوص، مثل القرامطة المتسمية بالباطنية، فإن استحقاق
стр. 2910
القتل لا يزوال عنهم بزعمهم أنهم مقرون بجملة التوحيد والنبوة؛ لأنهم ينقصون ذلك في الحال بقولهم: إن للشريعة باطنًا مرادًا غير ما نقلته الأمة، وكذلك أشباههم من سائر الملحدين.
ويدل عليه أيضًا: شرط النبي ﵊ في حديث علي ﵁ الإقرار بما جاء به من عند الله تعالى، مع ما تقدم من الإقرار بالتوحيد، وتصديق الرسول ﷺ ؛ لأن هذه الطوائف من الملحدين، غير مقرين بما جاء به النبي ﷺ من عند الله، لردهم الشريعة المنصوص عليها، وإنما إقرارهم بدءًا بالجملة تلاعبًا بالدين، وتخوفًا من أن يحملوا على إظهار ما أسروه من الإلحاد.
وليس سبيل هؤلاء المنافقين الذين أقرهم النبي ﵊، ولم يقتلهم، مع علمه بكفرهم؛ لأنهم كانوا يظهرون للنبي ﵊ الإسلام، ولا يظهرون له الكفر، وإنما يظهرونه لأصحابهم،
стр. 2911
كما ذكر الله تعالى:﴾ وإذا لقوا الذين امنوا قالوا أمنا ﴿الآية.
وهؤلاء مع إظهارهم التوحيد، يظهرون نقضه بقولهم: إن له باطنًا غير الظاهر المعقول منه.
والذي عندي من مذهب أبي حنيفة: أن هذه الفرقة- أعني القرامطة، المتسمية بالباطنية- لا تقبل منهم التوبة بعد أن وقف على اعتقاد الواحد منهم، وأنه مباٍح الدم بذلك؛ لأن أبا حنيفة قد كان قال في الساحر: إنه لا يستناب، واعتل في ذلك بأنه جمع إلى الكفر السعي في الأرض بالفساد، وفساد هذه الطائفة في الأرض على الملة والنفوس أعظم من فساد الساحر.
وإنما لم يتكلم أصحابنا في حكم هذه الطائفة وغيرهم من الملحدين؛ لأنهم لم يكونوا حدثوا في ذلك الزمان، وإنما حدثوا بعدهم، فأردنا أن نبين حكمهم، لكي إن اتفق في مستقبل الزمان إمام للمسلمين يغضب لدين الله تعالى، أن يتلاعب به الملحدون، أو يسعوا في إطفاء نوره: أجرى عليهم حكم الله وإن كان وجود ذلك بعيدًا في عصرنا، والله تعالى ولي دينه، وناصر شريعته.
* وفي حديث علي ﵁ وغيره: "ولا تقتلوا وليدًا، ولا طفلًا، ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا":
وكذلك قال أصحابنا، فأما الشيخ الكبير إذا كان ذا رأي، فإنه يقتل،
стр. 2912
لما روي أن دريد بن الصمة قتله ابن الدغنة في حرب حنين، وكان شيخً كبيرًا، ولم ينكر النبي ﵊ قتله، لأنه كان ذا رأي.
وقد روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم": فاستعملنا الحديثين جميعًا، وقلنا:
إذا كان ذا رأي يقتل؛ لحديث سمرة، وقصة دريد بن الصمة.
وإذا كان شيخًا فانيًا لا رأي له، ولا ينهض لقتال: لم يقتل؛ للأحاديث الأخر التي ذكرنا، إذ يكون الشيخ حينئذ بمنزلة الطفل والمجنون، إلا أن يقاتل، فيجوز أن يقتل، على ما روينا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان إلا من عدا بالسيف".
* وأما قوله ﵊ في حديث علي ﵁: "ولا تغورن عينًا، ولا تعقرن شجرًا": فإن هذا عندنا على معنى ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ في وصيته للأمراء: "أن لا تعقروا شجرة مثمرة لما كان النبي ﷺ وعدهم بأن الله سيغنمهم إياها".
стр. 2913
[النهي عن المثلة:]
* وقوله: "ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة": قد أفادنا النهي عن المثلة بالكفار وبهائمهم إذا لم يقدروا على إخراجها؛ لأن النهي عن المثلة قد ورد عن النبي ﵊ شائعًا مستفيضًا على الإطلاق في غير هذه الأخبار.
وفائدة ذكره في وصايا الأمراء: أنه قد كان يجوز أن يتوهم أن أهل الحرب إذا كانت دماؤهم مباحة: أن المثلة بهم مباحة، فأبان النبي ﷺ أن النهي عن المثلة عام فيهم وفي غيرهم.
وأفادنا النهي عن المثلة بالبهيمة، أنا متى لم نقدر على إخراجها: لا يجوز لنا أن نعقرها، أو نتركها، أو نبتدئ فنحرقها، ولكن نذبحها، لئلا يكون مثلة، ثم نحرقها.
[النهي عن الغلول والغدر:]
* وقوله ﵊ في حديث علقمة بن مرثد: "زى تغلوا ولا تغدروا": فإن الغلول هو الخيانة في المغنم، وهو اسم مخصوص بذلك، ليس يكاد يسمى به الخيانة في غير الغنيمة، قال تعالى:﴾ وما
стр. 2914
كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴿.
وأما الغدر: فإنه وإن كان محظورًا من طريق العقل قبل السمع، فإن النبي ﵊ زاده توكيدًا، لئلا يظن جوازه في أهل الحرب.
* وأما قوله ﵊ في حديث بريدة: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال: أحدها: إعطاء الجزية": فإنه يدل على جواز أخذ الجزية من سائر مشركي العجم، لعموم اللفظ، وقد بينا ذلك فيما تقدم.
[التحول من دار الكفر إلى دار الإسلام]
قال ﵊: "فإن أجابوك إلى الإسلام فأقبل منهم، وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، فإن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون مثل أعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في القيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا":
فإن سقوط حقهم من الفيء بترك الهجرة يحتمل معنيين:
أحدهما: أن ذلك كان في وقت ما كانت الهجرة إلى المدينة فرضًا، وكذا كان يقول أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى.
والثاني: أن يكون المراد الانضمام إلى جيوش المسلمين، والدخول في جملتهم، ليكونوا يدًا واحدة على أعدائهم، ويتناصروا باجتماعهم
стр. 2915
على مخالفيهم، كما قال الله تعالى:﴾ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴿، فإذا لم ينضموا معهم في أمصارهم، وانقطعت نصرتهم عنهم، فلم يستحقوا شيئًا من فيثهم، وكانوا بمنزلة سائر العلوم الذين لا نصرة فيهم: فلا يستحقون شيئًا من الفيء والغنيمة.
ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن أسلم من أهل الحرب قبل لأن تصير داره دار الإسلام، وتكون باقية على حكم الحرب، فلا تجري حينئذ عليه أحكامنا مادام هناك، كما قال ﷺ في خبر آخر:
"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
قالوا: يا رسول الله لم؟
قال: لا تراءى ناراهما"، ويكون ذلك أصلًا في أن أحكامنا لا تجري على كل من أسلم من أهل الحرب قبل أن يخرج إلينا، وأنه يكون
стр. 2916
باقيًا على حكم الحرب حتى لا يكون لدمه قيمة على من قتله.
[محاصرة أهل الحصن وطلبهم النزول على حكم الله]
وأما قوله ﵊ في حديث بريدة: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله: فلا تنزلهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم": فإن ذلك يحتمل معنيين:
أحدهما: أنهم إذا غابوا عن حضرة النبي ﷺ ، جوزوا أن يكون الحكم الأول قد نسخ، وحدث آخر خلاف ما علموه، فقال: "لا تنزلوهم على حكم الله"، وهم لا يدرون في ذلك الوقت ما حكم الله تعالى فيهم، أهو الأول، أو حكم حادث غير الأول؟ فلا تقدموا على إنزالهم على حكم الله إلا على بصيرة منكم، ويقين بحكم الله تعالى.
ومن أجل ذلك قال أبو يوسف: إنه جائز لنا أن ننزلهم على حكم الله تعالى؛ لأن حكم الله تعالى قد استقر في الكفار، ولا يجوز ورود النسخ عليه بعد النبي ﵊، فإذا نزلوا على حكم الله تعالى، حكم الإمام فيهم بحكمه فيمن غلبوا عنوة: إن شاء قتلهم، وإن شاء استرقهم، وإن شاء من عليهم، وأقرهم على أرضهم.
والوجه الثاني: انه لما كان في شريعة النبي ﵊ إباحة الاجتهاد في إدراك أحكام الله تعالى، وكان جائزًا أن يكون حكم الله تعالى
стр. 2917
فيهم من طريق الاجتهاد، وهم لا يعلمون ذلك من ديننا، كان في إنزالهم على حكمه ضرب من التعزيز لهم، مما لو علموه حقيقة، عسى أن لا ينزلوا عليه، ومن اجل ذلك قال محمد بن الحسن: لا ينبغي لنا أن ننزلهم الآن على حكم الله تعالى.
ووجه آخر: وهو انه لو كان حكم الله فيهم عند نزولهم عليه موكولًا إلى رأينا واختيارنا، إما بالقتل أو السبي أو المن- كما قال أبو يوسف- كان ذلك بمنزلة نزولهم على حكمنا، وهم لم يرضوا بالنزول على حكمنا، فلذلك لم يجز أن ننزلهم على حكم الله الآن، إذا كان ذلك بمنزلة النزول على حكمنا، وهم لم يرضوا بذلك منا".
* وأما قوله ﷺ : "وإن أرادوا منكم أن تعطوهم ذمة الله، فلا تعطوهم ذمة الله، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم": فإن وجهة تعظيم حرمة ذمة الله، وهو وإن كان لا يجوز أن يخفروا ذممكم أيسر من أن تخفروا عهد الله"، ألا ترى أن اليمين بالله هي الموجبة للكفارة، دون اليمين بعيره، تعظيمًا لحرمة عهد الله.
[النهي عن قتل الأجير ما لم يكن من أهل الحرب].
وأما قوله في حديث رباح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب: "ولا تقتلوا
стр. 2918
ذرية ولا عسيفًا": فإن العسيف: الأجير، والمعنى فيه، إذا لم يكن من أهل حربنا، وإنما هو أجير من غيرهم استأجروه لبعض الأعمال: فلا يقتل، فأما إن كان من أهل الحرب: فإنه يقتل، ولا فرق بين أن يكون أجيرًا أو غيره بعد أن يكون من أهل القتال.
* وفي حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﵊ قال: "ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع": فهو حجة لما قال محمد في أن أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون الناس لا يقتلون.
وقد ذكر أبو جعفر ﵀ مسائل قد مر الكلام فيها في عرض ما تقدم من المسائل، فكرهت إعادتها خوف الإطالة.
مسألة: [السلب واستحقاقه]
قال: (ومن قتل من المسلمين قتيلًا من العدو: لم يكن له سلبه، وكان سلبه كسائر الغنيمة، إلا ان يكون الإمام قد قال قبل ذلك بعد ما حضر لقتال العدو: من قتل قتيلًا فله سلبه: فإنه يستحق
стр. 2919
القاتل سلب المقتول).
قال أحمد: قال الله تعالى: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾.
ويقتضي ظاهر ذلك معنيين:
أحدهما: أن ما حصل غنيمة: كان لسائر الجند بعد الخمس.
والآخر: وجوب الخمس في سائر الغنائم، والسلب غنيمة، ولا يختص به بعضهم دون بعض؛ لأن الله تعالى جعله لجميعهم بقوله: ﴿غنمتم﴾، ولما أوجب فيه الخمس: دل على أن أربعة أخماسه للجند؛ لأن ذلك حكم الغنائم.
فإن قال قائل: هذا فيه غنمته الجماعة، وأما ما غنمه الواحد منهم: فلم يدخل في الآية.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن لفظ الآية يتضمن ما غنمه الجماعة، وما انفرد به الواحد من الجماعة، كقوله : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾: تضمن النهي لكل أحد أن يقتل نفسه، وللجماعة أن يقتل بعضهم بعضًا.
وأيضًا: لم يختلفوا أن ما غنمه الواحد إذا لم يقتل صاحبه، فهو
стр. 2920
والجماعة فيه سواء، وذلك بالآية، لأنها تقتضيه، فثبت أن المراد: الواحد والجماعة إذا غنموا.
ثم قتله إياه، لا يخرجه من أن يكون سلبه غنيمة، فوجب أن يكون للجماعة بدلالة ظاهر الآية.
* ويدل على ذلك من جهة السنة: ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن المثني قال: حدثنا عفان بن مسلم حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف، ذكر قصة قتل أبي جهل يوم بدر، وأن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﵊، فاخبراه، فقال رسول الله ﷺ : أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في سيفيهما، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
فلو كان القاتل مستحقًا للسلب بقتله دون غيره من الناس، لاستحقَا جميعًا للسلب، لقوله ﵊ لهما: "كلاكما قتله"، ثم قضى مع ذلك بسلبه لأحدهما، فدل ذلك على أنه لا يستحق بالقتل؛ لأن النبي ﵊ لم يكن يجعل ما استحقه أحدهما من نصيبه من السلب لصاحبه إلا باستئذانه ورضاه.
стр. 2921
* ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مددي من أهل اليمن، وذكر الحديث إلى أن قال:
"فقتل المددي الرومي، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه السلب.
قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته.
قلت: لتردنه عليه، أو لأعرفنكها عند رسول الله ﵊، فأبى أن يرد عليه.
قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﵊، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد.
فقال رسول الله ﷺ : يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟
قال: يا رسول الله استكثرته.
стр. 2922
قال رسول الله ﷺ : يا خالد، رد عليه ما أخذت منه.
قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد. ألم أف لك؟
فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟
فأخبرته:
قال: فغضب رسول الله ﵊، فقال: يا خالد! لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي امرأتي، لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره".
فهذا الحديث يدل على أن القاتل لم يستحق السلب، وأن أمره إياه كان بإعطائه على جهة الاستحباب، لأنه لو كان مستحقًا له، لما قال ﵊ لخالد: "لا ترد عليه".
* ويدل عليه أيضًا: ما روى حماد بن زيد عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين، قال: "قلت: يا رسول الله: هل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه، فليس بأحق به من أخيه".
стр. 2923
وذلك عموم في سائر المغانم؛ لان النبي ﵊ لم يفرق بين أن يكون قاتلًا وغير قاتل.
ويدل عليه أيضًا: حديث مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي عن عبادة بن الصامت في قصة بدر لما اختصم الذين قاتلوا، والذين حرسوا رسول الله ﷺ ، فادعاه كلا الفريقين لنفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾، فقسمه رسول الله ﷺ على فواق".
وذكر هذه القصة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال فيها: قال رسول الله ﷺ : "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم".
وروي نحوه عن ابن عباس ﵄.
* ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا أحمد بن خالد الحروري شيخ ثقة من
стр. 2924
أهل الري قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال: حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمار قالا: حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية قال: نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فبلغ حبيب بن مسلمة أن ابن صاحب قبرس يريد طريق أذربيجان، ومعه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج، فخرج في جند حتى قتله في الدرب، وجاء بما كان معه إلى أبي عبيدة، فأراد أن يخمسه، فقال حبيب: يا أبا عبيدة، لا تحرمني رزقًا رزقنيه الله تعالى، فإن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل.
فقال معاذ بن جبل: مهلًا يا حبيب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه.
وعموم هذا الخبر ينفي أن يكون السلب للقاتل إلا بطيبة نفس الإمام، فدل على أنه لا يستحقه بالقتل إلا بتقدمه من الإمام بذلك قبل القتل، أو
стр. 2925
أن يجعله له من الخمس.
[أدلة المخالفين القائلين بأن السلب للقاتل، ومناقشتها]
* فإن احتج من جعل السلب للقاتل في سائر الأحوال بما روى أبو قتادة عن النبي ﵊ أنه قال يوم حنين: "من قتل قتيلًا له عليه بينة: فله سلبه".
وذلك بعد انقضاء الحرب.
وبما روى أنس أن النبي ﵊ قال يوم حنين: "من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم".
وبما روى عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد: "أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب".
وروى سمرة بن جندب أن النبي ﵊ قال: "من قتل قتيلًا فله سلبه".
стр. 2926
وروى شريك عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس رصي الله عنهما قال: انتدب رجل من المشركين يوم بدر، فقال النبي ﵊ للزبير: يا زبير بارزة، فقتله الزبير، فنفله النبي ﵊ سلبه".
وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: "نفلني رسول الله ﷺ يوم بدر سيف أبي جهل، كان قتله".
وقد روينا قبل ذلك أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمر قتلاه، ومعناه أنهما أثخناه حتى صار ميئوسًا من حياته، وأدركه عبد الله بن مسعود وبه رمق، فأجهز عليه، وكذا روي في المغازي.
* قيل له: ليس في شيء من هذه الأخبار ما ينافي ما قلناه، وذلك لأن
стр. 2927
ما أعطاه النبي ﵊ القتل من السلب، لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون باستحقاق، لتقدم القول من النبي ﵊ عند حضور القتال بأن من قتل قتيلًا فله سلبه، وكذلك نقول في أمير الجيش إذا قال: من قتل قتيلًا فله سلبه: استحق القاتل السلب، وكان أخص به من سائر الناس.
أو أن يكون لم يتقدم من النبي ﵊ في ذلك قول عند حضور الحرب، فرأى النبي ﵊ أن يعطيه إياه من الخمس، تحريضًا منه لهم على القتال، وتضريه على العدو.
فإن قيل: لو كان أعطاه من الخمس لبين في الخبر.
قيل له: ولو كان أعطاهم من جملة الغنيمة لبين، فإذا لم يكن نفل بيان أحد الوجهين بأولى من نفل الآخر: سقط الاحتجاج به، وعلم أن النبي ﵊ قد أعطى المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين، ولم يذكر في شيء من الأخبار أنه أعطاهم من الخمس، ولكنه لما كان معلومًا أنه لم يكن يعطيهم من غنيمة الجيش، إذ لو كان كذلك لاستأذنهم، كما استأذنهم في إطلاق سباياهم، علمنا أنه أعطاهم من الخمس الذي كان له صرفه في الوجوه التي يراها، مما هو أرد على
стр. 2928
المسلمين وأنفع لهم.
فإن قيل: هلا جعلت قوله ﵊: "من قتل قتيلًا، فله سلبه": عامًا في سائر الأحوال والأزمان.
قيل له: لأنا متى أمكننا استعمال حكم الأخبار التي قدمناها في أن السلب غير مستحق للقاتل بالقتل دون تقدمة الإمام، جمعنا بينها وبين هذه الأخبار، فقلنا: إن هذا القول مقصور الحكم على الحال التي خرج عليها الخطاب.
كما روى حبيب بن مسلمة الفهري عن النبي ﵊ أنه "كان ينفل الثلث بعد الخمس".
وكان ذلك حكمًا مقصورًا عند الجميع على الحال، دون أن يكون عامًا في سائر الأزمان بغير تقدمة من الإمام قبل القتال.
"وكما قال ﵊ يوم الفتح: "من ألقى سلاحه: فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه: فهو آمن".
стр. 2929
وكان حكمًا مخصوصًا بالحال التي خرج الكلام عليها، دون سائر الأحوال.
كما حدثنا أحمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن علي الذهلي قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا غالب بن حجرة قال: حدثتني أم عبد الله، وهي بنت الملقام بن التلب عن أبيها عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من أتى بمول: فله سلبه".
ومعلوم أن من أتى بمول، لا يستحق سلبه إذا لم يشترط ذلك له أمير الجيش.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ لم يفرق في قوله: "من قتل قتيلًا: فله سلبه": بين حال الإقبال والإدبار، وقد وافقنا مخالفنا على أنه إذا قتله في حال الإدبار: لم يستحق سلبه، فعلمنا أنه كلام مقصور الحكم على حال قول الإمام للجند في وقت القتال دون غيرها.
فإن قيل: ما رويتم من الأخبار التي استدللتم بها على أن السلب لا يستحق بالقتل، إنما هي في قصص في يوم بدر، قبل حنين، وقوله: "من قتل قتيلًا: فله سلبه": كان في يوم حنين، فكان ناسخًا له.
قيل له: ليس كذلك؛ لأن قصة المددي مع خالد بن الوليد رضي الله
стр. 2930
عنه كانت بعد حنين، ولم يجعله النبي ﵊ مستحقًا للسلب بالقتل.
وأيضًا: فمتى أمكننا الجمع بين هذه الأخبار من غير نسخ لبعضها ببعض، لم يجز لنا إيجاب النسخ مع إمكان الجمع، وجهة الجمع بينهما صحيح من الوجه الذي ذكرنا، فلا يجوز حملها على النسخ.
فإن قيل: لا يصح لكم الاحتجاج بقصة بدر، وتركه إعطاء السلب للقاتل، لأن داود بن أبي هند قد روى عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من قتل كذا، فله كذا، فذهب شبان الرجال، وجلست الشيوخ تحت الرايات، ثم طلب الشبان نفلهم، وأبى عليه الشيوخ، فأنزل الله : ﴿يسألونك عن الأنفال﴾، فقسم بينهم بالسواء".
ففي هذا الحديث أن النبي ﵊ لم يعطهم ما وعدهم من النفل بقوله: "من قتل كذا: فله كذا"، ولم يدل ذلك على أن الإمام إذا قال: "من قتل قتيلًا: فله سلبه": أن القاتل لا يستحق السلب، فكذلك لا يدل على أن السلب في الأصل غير مستحق للقاتل.
قيل له: هذا الحديث فاسد المعنى من وجهين:
стр. 2931
أحدهما: أنه قد روى أبو زميل عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ "أن الغنائم لم تكن قد أجلت حين حارب النبي ﵊ ببدر، وإنما أحلت بعد القتال".
وكذا روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
والثاني: أن النبي ﵊ لو كان وعدهم شيئًا، لم يكن يجوز منه إلا الوفاء، ولا يجوز عليه خلف الوعد، فثبت بذلك فساد حديث عكرمة هذا.
* ومن الدليل على صحة قولنا من طريق النظر: اتفاق الجميع على أن سلب القتيل الذي لا يعرف قاتله في حكم سائر الغنيمة، ولو كان القاتل مستحقًا للسلب بقتله، لوجب أن يكون بمنزلة اللقطة، وأن يعرف، فإن لم يعرف صاحبه: لم يقسم، وتصدق به، كما يتصدق باللقطة، فلما اتفق
стр. 2932
الجميع على أنه يكون غنيمة، دل على أن القاتل لم يستحقه بالقتل.
فإن قيل: فيلزمك هذا في سلب القتيل الموجود بعد قول الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه: إذا لم يعرف قاتله، أن يجعل سلبه بمنزلة اللقطة، فإنه قد ملكه بقتله إياه.
قيل له: لسنا نعرف الرواية عن أصحابنا في هذه المسألة بعينها، وقد يحتمل أن يقال: أنه بمنزلة اللقطة تعرف، وإذا احتمل أن ذلك قولهم، سقط سؤالك.
ودليل آخر: وهو اتفاق الجميع على أن الردء والمقاتل سواء في استحقاق سائر المغنم، فوجب أن يكون القاتل وغيره سواء في استحقاق سائر السلب، لأن المعنى في ذلك: أن القاتل والغانم كل واحد منهما إنما نال ما نال بظهر الآخر ومعونته، ومن أجله استوي الجيش مع السرية فيما غنمته؛ لأنها غنمت بظهر الجيش وبمعونتهم، فكذلك القاتل لما كان قتله بمعونة الآخرين وقوتهم، وجب أن يساووه في استحقاق سلب قتيله.
فصل: [تعريف السلب]
قال أبو جعفر: (وسلبه: دابته التي هو راكبها، وما كان معه من سلاح
стр. 2933
مما هو حامله، ومن كسوة مما هو لابسها، ولا يكون ما سوى ذلك سلبًا).
قال أحمد: السلب: ما يسلبه مما هو مستعمله وفي يده، فأما ما كان في يد غيره من بهيمة أو خيمة أو عبد أو نحو ذلك: فليس بسلب، كما أن ما في بيته، وفي رجله: ليس بسلب.
ويدل على أن فرسه من سلبه: ما روي في قصة المددي، وقد ذكرناها قبل، أنه حاز فرسه وسلاحه، ولم ينكر عليه خالد إلا من جهة أنه استكثره، لا من جهة أن الفرس ليس بسلبه.
قال أحمد: ومن الناس من يخمس السلب، ثم يجعل الباقي للقاتل، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ في سلب مرزبان الزارة؛ لأنه استكثره، وإذا ثبت أنه مخموس، صح أنه كسائر الغنائم، فالواجب أن يكون حكمه حكمها.
مسألة: [استحقاق الإمام السلب أيضًا]
قال أبو جعفر: (وإذا قال الإمام هذا القول، كان هو فيه كسائر الناس، فإن قتل قتيلًا: فله سلبه).
стр. 2934
لأن: "من": ينتظم سائر العقلاء، وهو أحدهم.
فإن قيل: ينبغي أن يكون القاتل خارجًا منه، كما لو قال رجل: إن دخل داري هذه رجل فعبدي حر: كان هو خارجًا من اليمين؛ لأنه هو المخاطب بذلك.
قيل له: لم يخرج من اليمين من أجل أنه مخاطب، دون أن يكون أضاف الدار إلى نفسه بالكناية؛ لأنه لو قال: إن دخل هذه الدار أحد، ولم يضفها إلى نفسه، كان هو أيضًا داخلًا في اليمين.
وهذا نظير الإمام إذا قال: "من قتل قتيلًا، فله سلبه"؛ لأنه لم يضف إلى نفسه شيئًا.
قال: (ولو كان الإمام قال: "من قتل منكم قتيلًا فله سلبه": لم يستحق هو سلبًا إن قتل قتيلًا).
لأن قوله: "منكم": لا يجوز أن يدخل هو فيه؛ لأن هذه الكاف، كناية عن غيره، ولا يصح أن يكون كناية عن نفسه؛ لأن الكناية عن نفسه لا تكون بالكاف فصار كقوله: "إن قتل غيري رجلًا، فله سلبه": فلا يدخل هو فيه.
مسألة: [استحقاق القاتل أسلاب جميع من قتلهم]
قال أبو جعفر: (إذا قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه، فقتل رجل قتلى: استحق أسلابهم جميعًا).
стр. 2935
وذلك لما روى أنس أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم.
ولأن المعنى في قوله: "من قتل قتيلًا فله سلبه": أن ذلك مستحق له بالقتل على أي وجه وقع من غير شرط عدد بعينه.
وهو كقول الله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فلو قتل رجلين: لزمته كفارتان؛ لأن المعنى فيه تعظيم حرمة الدم، كما أن المعنى في جعل السالب: التضربة له على القتال، والتحريض له على قتل العدو.
فإن قيل: قوله: "من": لا يقتضي التكرار؛ لأنه لو قال: "من دخل من نسائي الدار، فهي طالق": فدخلت امرأة منهن، فطلقت، ثم دخلتها مرة أخرى: لم تطلق أخرى.
قيل له: لعمري أن قوله: "من": لا يقتضي التكرار، ولم يعلق حكم التكرار في قوله: "من قتل قتيلًا، فله سلبه": باللفظ، بل بالمعنى، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، إنما
стр. 2936
تعلق فيه وجوب الرقبة الثانية بالمعنى، لا باللفظ؛ لأن المعنى لما كان مفهومًا، تعلق الحكم به على أي وجه وقع، وأما الطلاق فحكمه مقصور على اللفظ، ولا يقع بالمعنى دون اللفظ.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإن قتل رجلان أو أكثر قتيلًا: فلهم سلبه، إلا أن يكون الأغلب عجز المقتول عنهم، وقوتهم عليه، فإنهم إذا قتلوه كذلك: لم يستحقوا سلبه).
قال أحمد: إذا كان الأغلب أن مثل المقتول لا يقاوم القاتلين: فهو بمنزلة الأسير يأخذه الجيش أو السرية: فلا يستحقون سلبه، إلا إذا قتلوه.
مسألة: [تصرفات الإمام فيما يظهر عليه من أرض العدو]
قال أبو جعفر: (وإذا ظهر الإمام على أرض من أرض العدو، كان فيها بالخيار: إن شاء خمسها، وقسم أربعة أخماسها بيت الذين افتتحوها، وإن شاء تركها كما ترك عمر أرض السواد، فيكون أهلها يملكونها، ويكونون ذمة للمسلمين، ويؤدون الخراج عن رقابهم وعنها).
стр. 2937
قال أحمد: قال الله تعالى: ﴿واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ....﴾ الآية، فاقتضى ظاهر الآية معنيين:
أحدهما: أن الغانمين يستحقون أربعة أخماس الغنيمة.
والثاني: أن الخمس مصروف في الوجوه المذكورة فيها، فلو أن خلينا وظاهرها: أجريناها على حسب مقتضاها وموجبها، إلا أنه لما ثبت بالآثار المتواترة التي لا ينساغ الشك فيها بنقل أهل السير والمغازي، وبدلائل الكتاب والسنة، أن النبي ﷺ فتح مكة عنوة بالسيف، ومن على أهلها، وأقرهم على أملاكهم فيها.
وصح عندنا أن النبي ﵊ فتح عظم حصون خيبر بالسيف، وقسم بعضها، ولم يقسم بعضًا.
وأقر عمر بن الخطاب أهل سواد العراق على أملاكهم بموافقة جل الصحابة: صار ما ثبت من ذلك مجموعًا إلى حكم الآية الواردة في حكم الغنائم، فقلنا: إن الغمام مخير بين أن يخمسها، ويقسم أربعة أخماسها بين
стр. 2938
الغانمين على ما في الآية.
وإن شاء أقر أهلها على أملاكهم، على حسب ما فعله النبي ﵊ في أهل مكة، وعلى حسب ما روي في قصة خيبر أن النبي ﵊ وقف بعضها، ولم يقسمه، وعلى سبيل ما فعله عمر رضي الله تعالى عنه بالسواد بحضرة الصحابة ﵃.
* وأما ما ذكرناه من فتح النبي ﵊ مكة عنوة بالسيف، فعسى أن نفرد لها مسألة نبين فيها مخالفة من خالف فيها الأخبار المتواترة، والنقل الشائع، ودلائل الكتاب والسنة.
* وأما ما ذكرناه من قسمة النبي ﵊ بعض خيبر، وتركه قسمة بعضها: فمن جهة ما روى الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "أعطى رسول الله ﷺ خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم".
وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﵊ عامل
أهل خيبر على شطر ما خرج من الزرع".
стр. 2939
وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﵊ نحوه.
ثم روى ابن وهب وابن مبارك عن هشام بن سعد عن ويد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: "لولا أن يكون الناس بيانًا، ليس لهم شيء، لما فتح الله علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خبير".
فدل ذلك على أن النبي ﵊ لم يكن قسم خيبر بكمالها، ولكنه قسم طائفة منها.
وقد بين في حديٍث آخر مقدار ما قسم وما ترك، فروى سفيان عن
стр. 2940
يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال. "قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصفًا لنوائه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا".
فينيغي أن يكون الذي دفعه إلى اليهود مزارعة ومعاملة، هو النصف الذي وقفه ولم يقسمه، على ما روي في حديث ابن عباس وابن عمر وجابر ﵃: "ثم تولى عمر قسمه بين المسلمين في خلافته، لما أحلى اليهود عن خبير".
ولو لم يكن الإمام مخيرًا بين القسمة وتركها، لما ترك النبي ﵊ قسمتها، ولم يكن يقفها على نوائبه، فدل ذلك على خيار الإمام فيما يغلب عليه من الأرضين على الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: قد روى محمد بن إسحاق عن ابن لمحمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله: "أن النبي ﵊ حاز حصون خيبر وأموالهم إلا حصنين: الوطيح، والسلالم، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام
стр. 2941
أن يسيرهم، ويحقن دمائهم، ففعل، فلما سمع بهما أهل فدك، صنعوا ذلك، فسألوه مثل ذلك.
ثم إن أهل خيبر سألوا النبي ﵊ أن يعاملهم على النصف، فصالحهم على أنا إذا شئتا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحهم أهل فدك على مثل ذلك، فكانت أموال خير فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
فقد يجوز أن يكون ما لم يقسمه النبي ﵊ من خيبر هو هذان الحصنان، لأنه ﵊ صالحهم على الجلاء، ولم يوجف المسلمون عليه، فكانت لرسول الله ﵊، يفعل فيهما ما يشاء، كالنضير وفدك.
قيل له: هذا غلط؛ لأنهم أجلوا عنها بعدما أقام النبي ﵊ عليهم لقتالهم وحاصرهم، وما كان ها سبيله فهو للغانمين، إذا أراد الإمام قسمته كسائر ما أوجفوا عليه، وقهروا أهله بالسيف.
ألا ترى أنه فرق في هذا الحديث بين حكم مال فدك، وبين حكم ما أجلوا عنه، وحصون خيبر كانت فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيٍل ولا ركاب.
стр. 2942
وأما النضير فكان سبيلها سبيل فدك، أعطوا بأيديهم، وسلموها إلى النبي ﵊ قبل أن ينهض لقتالهم.
ويحتمل أن النبي ﵊ لم يقسم شيئًا من أرض خيبر بين الغانمين، وأن تكون رواية من روى أنه ﵊ قسم خيبر على معنيين:
قسمة الثمرة التي فارق اليهود عليها، كما قيل في قصة خيبر.
ثم قسم رسول الله ﷺ خمس الكتيبة، وهي حصن هناك بين قرابته ونسائه، وبين رجاٍل ونساٍء من المسلمين، ومعلوم أنه لم يقسم الرقبة، وإنما قسم الثمرة.
ويدل عليه: قول ابن عمر في قسمة عمر خيبر: إنه خير أزواج النبي ﵊، فمنهن من اختارت الأرضين، ومنهن من اختارت الوساق التي كن يأخذنها.
فهذا يدل على أن رواية من روى أن النبي ﵊ قسم خيبر، إنما المعنى فيه قسمة الغلة.
ويدل عليه أيضًا: "أن النبي ﵊ بعث عبد الله بن
стр. 2943
رواحة ﵁ خارصًا".
فدل على أن النبي ﷺ كان يتولى قسمة ما يؤخذ منهم بين المسلمين، ولو كان قد قسم الأرضين، لطالب كل واحد لنفسه بالخرص.
فإن قيل: روى محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: "خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمناها، تفرقنا في أموالنا، فعدي علي تحت الليل وأنا نائم على فراشي، ففدعت يداي من مرفقي، فلما أصبحت استصرخ علي صاحباي، فأتياني، فقالا: من فعل بك هذا؟ فقلت: لا أدري.
فأصلحا من يدي، ثم قدموا بي على عمر، فقال: هذا عمل يهود، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﵊ عامل يهود خيبر على أنا إن شئنا أخرجناهم، ثم إنهم عدوا على عبد الله، ففعلوا به ما قد بلغكم، فمن كان له مال بخيبر، فليلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم".
стр. 2944
فدل ذلك على أن النبي ﷺ قد كان قسم رقبة الأرضين بينهم.
قيل له: ليس فيما ذكرت دليل على ما وصفت، إذ ليس يمتنع أن يكون المراد ما سمي له من الأوساق، دون رقبة الأرضين، وكما سمى لأزواج النبي صلى الله ﵊ أوساقًا، ثم خيرهن عمر بين أن يأخذنها، أو يقسم لهن من الأرضين بقسطها.
ويحتمل أن يكون سمى لكل واحدة موضع رقبة بعينه، تأخذ عنه الأوساق، وأضاف ذلك إلى نفسه، لما ثبت له من الحق في ثمرته.
* ومما يدل على أن النبي ﵊ لم يقسم رقاب الأرضين، وأنه أقر اليهود على أملاكهم التي كانت لهم فيها قديمًا: أن ملك الأرضين لو حصل للغانمين، لم يجز أن يعطاها هؤلاء إلا على جهة المزارعة، أو الإجارة، وهما عقدان لا يصحان بالاتفاق إلا على مدة معلومة، ولم يشترط النبي ﵊ لهم مدة معلومة.
ويدل عليه أيضًا: قوله لهم: "إنا متى شئنا أخرجناكم"، ولو كانت أملاكهم قد زالت من أيديهم إلى الغانمين، لما احتاج إلى هذا الشرط؛ لأن المؤاجر لا يحتاج إلى ذلك.
стр. 2945
ويدل عليه: أن النبي ﵊ لم يأخذ من الغانمين الذين كان لهم قسط من ثمرة خيبر العشر، ولا نصف العشر، ولو كانت الأرضون ملكًا لهم، وكانت في يد اليهود على وجه الإجارة أو المزارعة، لما خلا من إيجاب عشر، أو نصف عشر؛ لأن أرض المسلم لا تخلو من ذلك.
وأي الوجهين ثبت مما وصفنا: من ترك النبي ﵊ قسمة جميع خير، أو قسمة بعضها، فدلالته قائمة على صحة ما وصفنا، من أن غلبة الجيش على الأرض لا توجب نقل ملكها إليهم إلا باختيار الإمام تملكيهم إياها، وأن له إسقاط حقهم عن رقبتها، كما وقف النبي ﵊ بعض أرض خيبر على نوائبه.
منها: الكتيبة الخمس، ولطعام أزواجه، وطعام رجال سعوا في الصلح بينه وبين أهل فدك وهذه نوائب ثابتة على ما روي في الأخبار.
ومنها: الوطيح والسلالم، على ما بينا فيما تقدم، جعلها النبي ﵊ محبوسة على وجوه، ولم يقسمها بين المقاتلة.
فإذا جاز أن يوقف بعض الغنيمة، وتصرف غلته في مصالح المسلمين، ويمنع تمليكه من حضر فتحه، دل ذلك على أن المقاتلة لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار الإمام ذلك لهم، على الوجه الذي وصفناه.
فإن قيل: يجوز أن يكون إلي حبسه النبي ﵊ من خيبر على نوائبه، وطعام أواجه، كان من الخمس الذي لا حق للمقاتلة فيه.
следующие страницы →