← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

أن يسيرهم، ويحقن دمائهم، ففعل، فلما سمع بهما أهل فدك، صنعوا ذلك، فسألوه مثل ذلك. ثم إن أهل خيبر سألوا النبي ﵊ أن يعاملهم على النصف، فصالحهم على أنا إذا شئتا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحهم أهل فدك على مثل ذلك، فكانت أموال خير فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب. فقد يجوز أن يكون ما لم يقسمه النبي ﵊ من خيبر هو هذان الحصنان، لأنه ﵊ صالحهم على الجلاء، ولم يوجف المسلمون عليه، فكانت لرسول الله ﵊، يفعل فيهما ما يشاء، كالنضير وفدك. قيل له: هذا غلط؛ لأنهم أجلوا عنها بعدما أقام النبي ﵊ عليهم لقتالهم وحاصرهم، وما كان ها سبيله فهو للغانمين، إذا أراد الإمام قسمته كسائر ما أوجفوا عليه، وقهروا أهله بالسيف. ألا ترى أنه فرق في هذا الحديث بين حكم مال فدك، وبين حكم ما أجلوا عنه، وحصون خيبر كانت فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك لرسول الله ﷺ ؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيٍل ولا ركاب.

стр. 2942

وأما النضير فكان سبيلها سبيل فدك، أعطوا بأيديهم، وسلموها إلى النبي ﵊ قبل أن ينهض لقتالهم. ويحتمل أن النبي ﵊ لم يقسم شيئًا من أرض خيبر بين الغانمين، وأن تكون رواية من روى أنه ﵊ قسم خيبر على معنيين: قسمة الثمرة التي فارق اليهود عليها، كما قيل في قصة خيبر. ثم قسم رسول الله ﷺ خمس الكتيبة، وهي حصن هناك بين قرابته ونسائه، وبين رجاٍل ونساٍء من المسلمين، ومعلوم أنه لم يقسم الرقبة، وإنما قسم الثمرة. ويدل عليه: قول ابن عمر في قسمة عمر خيبر: إنه خير أزواج النبي ﵊، فمنهن من اختارت الأرضين، ومنهن من اختارت الوساق التي كن يأخذنها. فهذا يدل على أن رواية من روى أن النبي ﵊ قسم خيبر، إنما المعنى فيه قسمة الغلة. ويدل عليه أيضًا: "أن النبي ﵊ بعث عبد الله بن

стр. 2943

رواحة ﵁ خارصًا". فدل على أن النبي ﷺ كان يتولى قسمة ما يؤخذ منهم بين المسلمين، ولو كان قد قسم الأرضين، لطالب كل واحد لنفسه بالخرص. فإن قيل: روى محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: "خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمناها، تفرقنا في أموالنا، فعدي علي تحت الليل وأنا نائم على فراشي، ففدعت يداي من مرفقي، فلما أصبحت استصرخ علي صاحباي، فأتياني، فقالا: من فعل بك هذا؟ فقلت: لا أدري. فأصلحا من يدي، ثم قدموا بي على عمر، فقال: هذا عمل يهود، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﵊ عامل يهود خيبر على أنا إن شئنا أخرجناهم، ثم إنهم عدوا على عبد الله، ففعلوا به ما قد بلغكم، فمن كان له مال بخيبر، فليلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم".

стр. 2944

فدل ذلك على أن النبي ﷺ قد كان قسم رقبة الأرضين بينهم. قيل له: ليس فيما ذكرت دليل على ما وصفت، إذ ليس يمتنع أن يكون المراد ما سمي له من الأوساق، دون رقبة الأرضين، وكما سمى لأزواج النبي صلى الله ﵊ أوساقًا، ثم خيرهن عمر بين أن يأخذنها، أو يقسم لهن من الأرضين بقسطها. ويحتمل أن يكون سمى لكل واحدة موضع رقبة بعينه، تأخذ عنه الأوساق، وأضاف ذلك إلى نفسه، لما ثبت له من الحق في ثمرته. * ومما يدل على أن النبي ﵊ لم يقسم رقاب الأرضين، وأنه أقر اليهود على أملاكهم التي كانت لهم فيها قديمًا: أن ملك الأرضين لو حصل للغانمين، لم يجز أن يعطاها هؤلاء إلا على جهة المزارعة، أو الإجارة، وهما عقدان لا يصحان بالاتفاق إلا على مدة معلومة، ولم يشترط النبي ﵊ لهم مدة معلومة. ويدل عليه أيضًا: قوله لهم: "إنا متى شئنا أخرجناكم"، ولو كانت أملاكهم قد زالت من أيديهم إلى الغانمين، لما احتاج إلى هذا الشرط؛ لأن المؤاجر لا يحتاج إلى ذلك.

стр. 2945

ويدل عليه: أن النبي ﵊ لم يأخذ من الغانمين الذين كان لهم قسط من ثمرة خيبر العشر، ولا نصف العشر، ولو كانت الأرضون ملكًا لهم، وكانت في يد اليهود على وجه الإجارة أو المزارعة، لما خلا من إيجاب عشر، أو نصف عشر؛ لأن أرض المسلم لا تخلو من ذلك. وأي الوجهين ثبت مما وصفنا: من ترك النبي ﵊ قسمة جميع خير، أو قسمة بعضها، فدلالته قائمة على صحة ما وصفنا، من أن غلبة الجيش على الأرض لا توجب نقل ملكها إليهم إلا باختيار الإمام تملكيهم إياها، وأن له إسقاط حقهم عن رقبتها، كما وقف النبي ﵊ بعض أرض خيبر على نوائبه. منها: الكتيبة الخمس، ولطعام أزواجه، وطعام رجال سعوا في الصلح بينه وبين أهل فدك وهذه نوائب ثابتة على ما روي في الأخبار. ومنها: الوطيح والسلالم، على ما بينا فيما تقدم، جعلها النبي ﵊ محبوسة على وجوه، ولم يقسمها بين المقاتلة. فإذا جاز أن يوقف بعض الغنيمة، وتصرف غلته في مصالح المسلمين، ويمنع تمليكه من حضر فتحه، دل ذلك على أن المقاتلة لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار الإمام ذلك لهم، على الوجه الذي وصفناه. فإن قيل: يجوز أن يكون إلي حبسه النبي ﵊ من خيبر على نوائبه، وطعام أواجه، كان من الخمس الذي لا حق للمقاتلة فيه.

стр. 2946

قيل له: هذا غلط؛ لأن سهل بن أبي حثمة ذكر أن النبي ﵊ قسم خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمة بينهم على ثمانية عشر سهمًا، فهذا يسقط ظن من توهم أن ما وقفه كان من الخمس. فإن قيل: فقد قسمها عمر ﵁ بين الغانمين من حين أجلى عنها اليهود، فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أنه لم يسقط حق الغانمين من رقابهما. والثاني: أنه لو كان أقرهم عليها على أنها ملكهم على ما كانت عليه قبل الفتح، لما جاز له أن يجليهم عنها. قيل له: دلالة فعل النبي ﵊ فيها على النحو الذي قدمنا قائمة على ما وصفنا، وذلك لأن المقاتلة لو كانوا مستحقيها، لما وقف نصفها وقتًا من الزمان لنوائبه وحاجاته، وهي ملك لغيره، ولما سلمها أيضًا إلى اليهود معاملة ومزارعة إلا بإذنهم؛ لأن النبي ﵊ لم يكن يتصرف في أموال المسلمين بغير رضاهم، فلما دفعها إليهم من غير استئذان منه لهم، دل على أنه قد كان له إقرارهم فيها على أملاكهم، على حسب ما كانوا مالكيها فيما قبل. وأما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه أخرجهم عنها؛ لأن النبي ﷺ شرط عليهم: "إن لنا أن نخرجكم متى شئنا"، فلما كان إقراره إياها على هذا الشرط، كان له أن يخرجهم. ولمعنى آخر: وهو ما روي أن النبي ﵊ قال: "لا

стр. 2947

يجتمع دينان في جزيرة العرب"، فكان ذلك عرًا في إخراجهم، وكذلك نقول في أهل بلد إذا فتحنا"، وأقررنا أهله على أملاكهم: إن لنا إخراجهم عنه لعذر، كما أخرج عمر ﵁ أهل نجران، لما بلغه عنهم كثرة خيلهم وسلاحهم، وخاف على أهل المدينة منهم، ولما جاز له إخراجهم من أملاكهم للوجوه التي ذكرنا، كان له حينئذ أن يجعلها للغانمين، ويقسمها بينهم، كما له أن يفعل ذلك بدءًا في حال قهرهم، وفتح بلدهم. وإما فعل عمر رضي الله تعالى عنه في السواد: فقد قال إسماعيل بن جعفر روى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر رضي الله تعالى عنه: "أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين، وأمر بهم أن يحصوا، فوجد الرجل يصيبه اثنين وثلاثة من الفلاحين، فشاور في ذلك أصحاب محمد ﷺ ، فقال علي ﵁ وعنهم: دعهم يكونون مادة للمسلمين". وفي الأخبار: أن عليًا ﵁ قال له: إنك إن قسمتهم بين هؤلاء، لم تصب من بعدهم شيئًا، فتركهم عمر ﵁، وبعث عليهم عثمان بن حنيف، فوضع عليهم ثمانية وأربعين، وأربعة وعشرين،

стр. 2948

واثني عشر. وهذا فعل مشهور عن عمر، قد ورد به النقل من جهة الاستفاضة، بحيث لا يعتري فيه ريب، وكذلك في مقدار الخراج من درهم وقفيز على كل جريب يصلح للزرع. واعترض مخالفونا على احتجاجنا بذلك من وجهين: أحدهما: أن عمر لم يقرهم عليها على أنها ملكهم، بل على أنها ملك للمسلمين، وجعلها في أيديهم على وجه الإجازة". والثاني: أن عمر وإن رأي ذلك، فقد خالفه فيه غيره من الصحابة،

стр. 2949

وإذا وقع الخلاف لم يصح الاحتجاج بقول بعضهم إلا بدلالة من غيره. [أدلة من قال بأن السواد في العراق كان موقوفًا] واستدل من قال إنها موقوفة على ملك المسلمين: بما روى قيس بن مسلم عن طارق ابن شهاب قال: "أسلمت امرأة من أهل نهر الملك، فقال عمر: إن اختارت أرضها؛ وأدت ما على أرضها، فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم". وبما روى المسعودي عن أبي عون الثقفي قال: أسلم دهقان على عهد علي ﵁، فقال له علي: أما أنت، فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا. وبما روى جماعة من السلف من كراهة شراء أرض الخراج، وادعوا أن كراهتهم لذلك كانت من جهة أن أهلها غير مالكين لها، وأنها موقوفة على ملك من فتحها.

стр. 2950

قالوا: والأجرة تسمى خراجًا، ومنه قول النبي ﷺ : "الخراج بالضمان"، يعني الغلة، "وأن النبي ﵊ لما حجمه أبو طيبة، سأل أهله أن يضعوا من خراجه". * قال أحمد: وأما قولهم إن السواد في أيدي أهله على وجه الإجارة، وأنها باقية على ملك المسلمين موقوفة عليهم: فإنه قول بين الاستحالة، ظاهر الفساد، ومع ذلك، فدلالته قائمة على صحة قولنا وإن سلمنا لهم دعواهم هذه، وسنبين ذلك بعد إيضاحنا لفساد دعواهم هذه، فنقول: [أولًا: إبطال القول بأن السواد كان إجارة] إن الإجارة لها شرائط لا تصح إلا بها باتفاٍق من الفقهاء، وأنها متى عدمت شرائطها: لم تصح، منها: أنها تحتاج إلى مدة معلومة فيما تتعلق به الإجارة بالوقت، ومعلوم أنه لم يكن في توظيف عمر بن الخطاب ﵁ مدة لا معلومة، ولا مجهولة.

стр. 2951

وأيضًا: الإجارة لا تنعقد غلا برضا المتعاقدين، وعمر رضي اله عنه فإنما بعث عثمان بن حنيف وحذيفة، فوضعا على أراضيهم شيئًا، وعلى رؤوسهم شيئًا، ولم يناظروهم، ولم يعاقدوهم عليها، فكيف يكون ذلك إجازة؟. وأيضًا: فإجازة المولى على عبده لا تصح، ولا يثبت له عليه دين، فإن كانت الأرضون مبقاة على حكم الفيء، وكذلك الرقاب، ينبغي أن يكونوا عبيدًا، فلا يصح حينئذ بيعهم؛ لأن مالك الأرضين هو مالك الرقاب. وأيضًا: وضع الجزية على رؤوسهم، فدل على أنهم أحرار؛ لأن العبد لا جزية عليه. وأيضًا: فإن سبيل ما يؤخذ من الأرضين سبيل الجزية المأخوذة من الرقاب، ومعلوم أن من أسلم منهم: سقطت عنه الجزية، ولو كان بمنزلة الأجرة، وكان هو باقيًا على حكم الفيء: لم يسقط ذلك عنه بإسلامه؛ لأن الإسلام لا يسقط الجرة، ولا يزيل الرق، فكذلك ما يؤخذ من الأرضين، ليس على وجه الأجرة. وأيضًا: فلا خلاف في بطلان إجارة النخل والشجر، فدل على أنها لم تكن إجارة. وأيضًا: لو كانت إجارة، لوجب أن تكون أجرتها للغانمين، ولم يختلف الناي أن عمر ﵁ لم يصرف خراج السواد إلى الغانمين خاصة دون غيرهم من المسلمين، بل كان حكمه حكم سائر الفيء الذي لم يفتتحه المقاتلة.

стр. 2952

وأيضًا: لو كان المأخوذ من أهل السواد على جهة الجرة، لما اختلف الرجال والنساء، ولا الصغار ولا الكبار فيما يؤخذ من جزية الرأس؛ لأنهم لا يختلفون في أجرة ما ينتفعون به، فلما لم يجب على النساء والصغار جزية الرؤوس، علمنا أنها ليست بمنزلة الأجرة. وأيضًا: فإذا وضح ما احتج به عمر على من خالفه من الصحابة، فد إجماعهم على ذلك، أنه خرج إليهم يومًا بعد طول المنازعة، فقال فيما روى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: "قد قرأت الآيات من كتاب الله تعالى ، واستغنيت بهن، قال الله تعالى:﴾ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ﴿الآية، والله ما لهؤلاء وحدهم، ثم قال تعالى:﴾ والذين جاءو من بعدهم ... ﴿الآية، ثم قرأ قوله تعالى:﴾ للفقراء المهاجرين ... ﴿الآية، فوالله ما لهؤلاء وحدهم، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم ببانًا، يعني بابًا واحدًا. قال أسلم: فجاءه ابن له، وهو يقسم، يقال له: عبد الرحمن، قال: اكسني خاتمًا، قال: الحق بأمك تسقيك شربة من سويق، وما أعطاه شيئًا".

стр. 2953

فعمر ﵁ تلا عليهم الآية، واحتج بها عليهم استغناه بها، وبدلالتها عن موافقتهم إياه، وأخبر أن الجميع متساوون في هذا الحق، من باشر الحرب والفتح، ومن جاء من بعدهم ممن لم يباشر ذلك، فكيف يجوز أن يتوهم عليه أنه قصد إلى وقفها على الغانمين، وإجارتها عليهم، وهو يقول لهم: إني إنما فعلت ذلك ليشارككم من بعدكم فيها فهذا يوضح بطلان دعوى من ذكرنا قوله. وعلى أن القوم لم ينازعوه في الإجارة لو تركها، وإنما نازعوه في قسمتها، وإزالة ملك أهلها، فاتفق معه جل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، مثل علي ﵁، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، والأكابر ذوي الفقه والعقول والعلم منهم، فثبت باتفاقهم على ذلك مع ما أورد من الآثار صحة ما قلنا. [ثانيًا: إبطال القول بأن السواد موقوف] وأما ما احتجوا به من أمر الدهقان الذي أسلم على عهد عمر، والذي أسلم على عهد عمر، والذي أسلم على عهد علي، فقالا له: "إن تركت أرضك فهي لنا": فإن معناه عندنا: أن لنا أن نزرعها، ونؤدي خراجها، ونؤاجرها، وكذلك نقول في الذي يعجز عن زراعة أرض الخراج.

стр. 2954

ويدل عليه: ما روى هشام قال: حدثنا شيبان عن الزبير بن عدي "أن دهقانًا أسلم على عهد علي ﵁، فقال له علي: إن أقمت في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك، وأخذناها من أرضك، وإن تحولت عنها، فنحن أحق بها". * وعلى أنه لو ثبت أن عمر إنما جعل الأرضين في أيديهم موقوفة على المسلمين، لا على أنها ملك لهم، لكانت دلالة فعله على صحة ما ذكرنا قائمة، وذلك لأن الغانمين في هذه الحال ممنوعون من ملكها، والتصرف فيها حسب تصرف المالكين في أموالهم، وإذا صح ذلك، وجاز للإمام فعله، علمنا أن صحة ملك الغانمين في الأرضين موقوفة على اختيار الإمام، فكان للإمام حينئذ تبقيتها على ملك أهلها، إذ لا ملك لأهلها الذين أقرهم الإمام فيها، ولا حق لهم يومئذ في كونها موقوفة دون أن تكون ملكًا لأهلها الذين أقرهم الإمام فيها. وأيضًا: فلما ثبت أن الغانمين وغيرهم سواء فيما يؤدونه من خراج هذه الأرضين، علمنا أنه ليس للغانمين مزية على غيرهم فيما يتعلق بحكم الأرضين، وإذا كان كذلك، فمعلوم أن حق الجميع إنما هو في الخراج الموظف عليهم، وأنهم لا يستحقون في حاٍل من الأحوال تمليك رقبة الأرضين، وقسمتها بينهم.

стр. 2955

وإذا لم يستحق المسلمون ملك رقبة الأرضين، فلا حق لهم في أن تكون موقوفة، دون أن تكون ملكًا لأهلها، لما كان الحق الذي يستحقه المسلمون قائمًا، سواء كانت ملكًا لأهلها، أو كانت موقوفة، فثبت أن الذي فعل عمر في أرض السواد على جهة تبقية ملك أهلها عليها. فإن قيل: فائدة كونها موقوفة دون أن تكون مملوكة، لفائدة وقوف الأرضين من جهة ملاكها. قيل له: إنما صح أن تكون أرضو الملاك موقوفة على وجوه القرب، فيمنع ذلك من انتقال الأملاك فيها، من قبل أن وجوب تلك الحقوق كانت من جهة الملاك، وانتقال الملك إلى غيره يمنع نفاذ شرطه، وما أوجبه من الحق فيها، وحق الخراج لم يتعلق بإيجاب آدمي، فيكون حكمه مقصورًا على ملكه، دون ملك غيره، فلا يمنع انتقال الملك فيه من بقاء الحق، كالزكاة والعشر وسائر الحقوق التي تجب لله تعالى في الأموال، فلا يمنع انتقال الملك. [ثالثًا: إبطال قول المخالفين بأن كراهة شراء السواد دليل الملكية] وأما كراهة من كره شراء أرض السواد من السلف: فلم يكن ذلك لأنهم يرونها ملكًا لأهلها، لكن لأن الخراج قد يوضع موضع الجزية، فكرهوا أن يدخل المسلم نفسه فيما يلزمه له حكم الفيء. وأما من زعم منهم أن فعل عمر ﵁ في ذلك لا تقوم به حجة، لمخالفة بعض الصحابة إياه فيه، وذكر في ذلك ما روي عن بلال

стр. 2956

ونفر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم سألوه قسمة السواد، وأن عمر ﵁ كان أعطى بجيلة ربع السواد ثلاث سنين، ثم قال عمر لجرير بن عبد الله ﵃: لولا أني قاسم مسؤول، لكنت على ما قسم لكم، فأرى أن ترده على المسلمين، ففعل، فأجازه عمر بثمانين دينارًا. "وأن امرأة من بجيلة قالت لعمر: إني لا أرضى حتى تملأ كفي ذهبًا، وتحملني على جمٍل ذلول، وتعطيني قطيفة حمراء، ففعل"، قالوا: فدل ذلك على وجهين: أحدهما: وجود الخلاف من بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليه فيما فعله. والثاني: أنه فعل ذلك برضا من له فيها الحق من الغانمين. وبما روي "أن عمرو بن العاص لما فتح مصر، استشار من كان معه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قسمة أرضها، كما قسم غنائمهم، وكما قسم رسول الله ﷺ خيبر بين من شهدها. فقال الزبير: ما ذاك إليك، ولا إلى عمر، هي أرض أو جفنا عليها بخيلنا، وحوينا ما فيها. فكتبوا إلى عمر ﵁، فكتب عمر: إني إن قسمتها بينكم، لم

стр. 2957

يكن بعدكم مادة، فأوقفوها فيثًا على من بقي من المسلمين، حتى يفرض آخر عصابة من يغزو من المؤمنين". فهذا زبير قد خالف عمر ﵄ في جواز قسمة الأرضين. وبما روى حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمالي قال: قال علي ﵁ "لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم". [الجواب عما تقدم من الآثار التي أوردها المخالفون] فإنا نقول في ذلك: إن بلالًا ومن خالف من الصحابة في قسمة السواد، فإنهم قد وافقوه بعد ذلك على رأيه حين احتج عليهم بدلالة الآيات التي تلاها عليهم، ولم يثبت عن أحد منهم انه نازعه فيها بعد ذلك، فحصل منهم إجماع بعد الاختلاف، فارتفع الاختلاف المتقدم. وكذلك الزبير قد كان خالفه بدءًا، ثم لم يظهر منه خلاف بعد ما عرف صحة رأي عمر رضي الله تعالى عنه، وجهة وجه المصلحة فيه. وأيضًا: فلو كان خلافهم إياه باقيًا على الجهة التي ذكرت، لم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف بيننا وبينهم؛ لأنا نقول إنه تجوز القسمة، ويجوز تبقية أهلها على أملاكهم فيها، إلا أن ذلك موقوف علة اجتهاد الإمام، وما يرى من المصلحة فيه، فجائز أن يكون خلافهم إياه كان في

стр. 2958

جهة المصلحة: أهي القسمة أو التبقية على ملك أهلها؟ فرأى هؤلاء أن المصلحة في القسمة، ورأى هؤلاء أن المصلحة في تبقيتها على ملك أهلها، فلا يكون في هذا الخلاف دلالة على أنهم لم يكونوا يرون ما فعله عمر ﵁ صوابًا، بل جائز أن يكون من رأيهم جميعًا، وأنهم خالفوه في جهة المصلحة في الحال. وأيضًا: لو ثبت إقامتهم على الخلاف على الوجه الذي ادعاء المخالف، لم يمتنع أن يقال: إن خلاف من خالفه من الصحابة في ذلك لا يكون خلافًا، بل يكون شذوذًا، لاتفاق الأئمة الراشدين عليه، وهم عمر وعثمان وعلي، وكبراء الصحابة معهم، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"، فلا يكون غيرهم إذا اتفقوا خلافًا عليهم. * وأما ما روي عن ثعلبة بن يزيد الحماني أن عليًا ﵁ قال: لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف لقسمت السواد بينكم": فإنه قول لا يصح عن علي من جهة السند، وكيف يصح ذلك عن علي وهو أول من أشار على عمر بأن لا يقسم السواد بينهم، وأن يقر أهلها عليها، ليؤدوا الخراج. وعلى أن قسمته لو كانت عنده واجبة، لما ترك الحق عنده خشية أن

стр. 2959

يضرب بعضهم وجوه بعض، ولم يأخذه في الله لومة لائم، فلما لم يقسمها، وأمضاها على ما كان عمر أمضاها عليه، ثبت أن رأيه كان موافقًا لرأي عمر. ومما يدل على صحة رأي عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك: ما احتج به عليهم من الآيات. ويدل عليه أيضًا: ما روى زهير قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "منعت العراق قفيزها، ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتكم كما بدأتم، قالها ثلاثًا، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه".

стр. 2960

فهذا يدل على صحة فعل عمر ﵁ في السواد، لأنه لو قسمها بين الغانمين، لم يجب فيها درهم ولا قفيز، وإنما كان يجب العشر أو نصف العشر. فقول النبي ﷺ يقتضي أن يكون الدرهم والقفيز هما الواجبان؛ لأنه أخبر عن فساد الزمان في ذلك الوقت، ومنع حقوق الله تعالى، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "وعدتكم كما بدأتم". * وأما قولهم: إنه جائز أن يكون فعل ذلك برضا من له الحق فيها من الغانمين: فإنه قول جاهل بما جرى عليه أمر القوم، وذلك أنهم لما نازعوه، لم يلتفت إلى قولهم، وامتنع من القسمة، حتى لما ظهرت له دلالة الآيات لم يلتفت إلى قولهم، وامتنع من القسمة، حتى لما ظهرت له دلالة الآيات التي ذكرها قال: إني قد قرأت الآيات من كتاب الله تعالى، فاستغنيت بهن، فتلا عليهم الآيات، ثم أمضى الحكم على ما رأى، ولم يلتفت إلى رضاهم أو كرامتهم. وأيضًا لو كان فعله في السواد برضاهم؛ لوجب أن يعزل الخمس الذي لا يعمل رضاهم فيه، فلما لم يخمسها، دل على سقوط هذا القول.

стр. 2961

فتح مكة شرفها الله تعالى: قال أحمد: لم يختلف أهل السير ونقلة المغازي والآثار أن النبي ﷺ فتح مكة بالسيف قهرًا. ولا ينكر فتح مكة على هذا الوجه الذي قلنا إلا أحد رجلين: إما رجل جاهل بالأخبار، إذ كان طريق ما ذكرنا العلم بالأخبار، وسماع الآثار، أو رجل مكابر مباهت بعد سماعه للأخبار الواردة في فتح مكة. وذلك لأن الأخبار التي بها علمنا أن رسول الله ﷺ فتح مكة بها، علمنا يقينًا أنه فتحها عنوة بالسيف، وأنه قاتل فيها، وقتل فيها رجالًا، فمن جحد القتال، وادعى الصلح، فهو كجاحد الفتح رأسًا، لا فرق بينهما، ونحن قائلون في ذلك بما نبين به عن بطلان قول من ادعى أنها فتحت صلحًا، ومبتدؤون فيه بما دل عليه ظاهر كتاب الله تعالى، ثم الآثار الصحيحة من رسول الله ﷺ ، ثم ما ورد به النقل من جهة نقلة المغازي، ورواة السير، ثم اتفاق الأمة ودلائل النظر، فنقول وبالله التوفيق. [الأدلة على أن مكة فتحت عنوة] إنه لم تختلف الأمة أن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة يوم الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم، وفي أكثر الأخبار أن مدته

стр. 2962

كانت عشر سنين، وذلك كان قبل الفتح. ثم روي في أخبار متواترة من جهة أهل المغازي، أن أهل مكة نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﵊، بقتالهم خزاعة حلفاء النبي ﷺ مع بني بكر، وهم خلفاء قريش، ثم سألوا أبا سفيان أن يأتي النبي ﷺ ، ويجدد الحلف. فجاء أبو سفيان إلى أبي بكر ﵁، فسأله أن يصلح بين الناس، فقال أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله. فأتى عمر، فسأله، فقال له عمر: أنقضتم ما كان منه جديدًا فأبلاه الله، وما كان منه متينًا، فقطعه الله. فأتى فاطمة ﵂، فلم تجبه. فأتى عليًا ﵁، فقال له علي: أصلح أنت بين الناس؟ فضرب أبو سفيان بإحدى يديه على الأخرى، وقال: قد أخذت الناس بعضهم من بعض، فذهب وقد كان النبي ﵊ قال: "قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير حاجة.

стр. 2963

ثم قدم أبو سفيان مكة، فأخبرهم بما صنع، فقالوا: والله ما رأينا اليوم كوافد قوم، ما أتيتنا بحرب فنحذر، ولا أتيتنا بصلح فنأمن، ارجع. قالوا: وقدم بعد ذلك وافد خزاعة على رسول الله ﷺ ، فقال: اللهم إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا وهم أتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا ركعًا وسجدا قال: فقاله له رسول الله ﷺ : قد نصرت يا عمرو بن سالم. قال: ورأى سحابة، فقال: إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب، وأنشد في ذلك شعرًا لحسان يقول فيه: أتاني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رجال بني كعب تحز رقابها

стр. 2964

وقيل: إن النبي لما بلغه ذلك قال: "والله لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي". وإن أبا سقيان لما استقبل النبي ﵊ في مر الظهران، وأجازه العباس، جاء عمر إلى النبي ﵊، فقال: هذا أبو سفيان قد جاءك يا رسول الله بلا عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فثبت بما ذكر في هذه الأخبار أن قريشًا نقضت العهد الذي كان بينها وبين النبي ﵊، وأنهم عادوا حربًا، ثم غزاهم النبي ﷺ بعد ذلك. فإن قيل: فلو كان الصلح منتقضًا لقتل أبا سفيان. قيل له: لم يقتله لأنه كان رسولًا لقريش، والرسل لا تقتل، كذا قال النبي ﷺ لرسول مسيلمة عبد الله بن النواحة: "لولا أنك رسول: قتلتك". وإذا ثبت ما ذكرنا من انتقاض الصلح، كان ظاهر كتاب الله تعالى

стр. 2965

موجبًا لقتالهم، وهو قوله تعالى:﴾ وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أين لهم لعلهم ينتهون * ألا تقتلون قوما نكثوا أيمانهم وهنوا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين* قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين* ويذهب غيظ قلوبهم ﴿. فأفادتنا هذه الآية معاني: أحدها: أنهم لما نكثوا أيمانهم، وجب على المسلمين قتالهم. وأفادتنا أيضًا: أنهم نكثوها بقوله تعالى:﴾ ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم ﴿. وأفادت أيضًا: أنهم إذا قاتلوهم، نصرهم الله تعالى عليهم، وشفى صدورهم، ويعذب عدوهم، ويخزيهم بأيديهم. فروي عن مجاهد في قوله تعالى:﴾ ألا تقاتلون قومًا نكثوا

стр. 2966

أيمانهم ﴿: قال: عهدهم. ﴾ وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة ﴿. قال: قريش إلى قوله:﴾ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴿، قال: خزاعة حلفاء محمد ﷺ . وقال عكرمة: نزلت في خزاعة:﴾ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ﴿. وقال الحسن في قوله:﴾ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴿: قال: خزاعة. وقد علمنا لا محالة أن النبي ﷺ من أشد الناس مسارعة إلى أمر الله تعالى، فلا جائز أن يكون الله قد أخبره بنكث القوم أيمانهم، وأمره بقتالهم، ووعده النصر عليهم، فيتخلف عن ذلك بإيقاع عقد صلٍح بينه وبينهم. وإذا لم يجز ذلك على النبي ﷺ ، فقد كان من النبي

стр. 2967

صلى الله عليه وسلم من القتال ما يوجب تنجيز موعود الله تعالى له. من النصرة، وشفاء صدور المؤمنين، وإذهاب غيظ قلبوهم. ومن ادعى الصلح، فهو مخالف لمضمون هذه الآيات؛ لأن الصلح ينفي القتال والعذاب الذي وعد الله ورسوله ﷺ والمؤمنين؛ لأن الفريقين يكونان متساويين في عقد الصلح، ولا ينال احدهما فيه غضاضة، ولا عار ولا نصر على أصحابه، ولا شفاء صدور واحد منهما من صاحبه، والصلح إنما هو ترك لما كانوا عليه من القتال، وهدنة فيما يستقبل، ليس فيه مزية لأحد الفريقين على الآخر. * وأيضًا: قال الله تعالى:﴾ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ﴿: فهي الله تعالى عن الصلح إذا كانوا مستعلين عليهم بالقوة والعزة. وقد كان النبي ﵊ كذلك في فتح مكة، فلا جائز أن يكون قد صالح مع نهي الله تعالى عن الصلح لمن كان بالوصف الذي كان عليه النبي ﵊. * ويحتمل أن يكون قول الله تعالى:﴾ وأنتم الأعلون والله معكم ﴿: إخبارًا منه عن حالهم، ونهاهم عن الصلح من أجل ذلك، فيكون النهي

стр. 2968

حينئذ بيانًا غير معلق بالشرط. والوجه الأول على أن يكون النهي معلقًا بشرط أن يكونوا هم الأعلون، فيصير تقدير الكلام: فلا تهنوا إلى السلم إذا كنتم الأعلون. وكلا الوجهين دال على أن الحال التي كان النبي ﵊ عليها عنده قصده مكة مانعة من الصلح. * وقوله تعالى:﴾ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ﴿: يوجب أن يكون دخلها عنوة؛ لأنه أخبره أنه أظفره عليهم، ولو كان صلحًا، ما كان النبي ﵊ ظافرًا بهم، ولم يكن هو أولى بأن يوصف بذلك منهم؛ لأن عقد الصلح يتم بهم جميعًا. فإن قيل: المراد به القوم الذين نزلوا عليه بالحديبية من جبل التنعيم من قريش، فظفر بهم وأطلقهم. قيل له: ما قلناه أولى بظاهر الآية؛ لأنه قال:﴾ ببطن مكة ﴿، والحديبية ليست ببطن مكة، بل هي خارج الحرم. * وقوله تعالى:﴾ إذا جاء نصر الله والفتح ﴿: يوجب ذلك،

стр. 2969

لما روى الزهري أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد، وقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة، حتى هزمهم الله، ثم أمر رسول الله ﷺ بالسلاح، فرفع عنهم، فدخلوا في الدين، فأنزل الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، حتى فتحها. [أدلة من السنة على أن مكة فتحت عنوة] وأما ما روي في ذلك من جهة السنة: فما روي عن النبي ﵊ من جهات مختلفة- كرهت ذكر أسانيدها خوف الإطالة- أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن مكة حرام، حرمها الله تعالى، لم يحل فيها القتال لأحد قبلي، ولا يحل لأحد من بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار". رواه ابن عباس وأبو شريح الخزاعي وأبو هريرة. وقد أجاز لي أحمد بن محمد يعقوب بن شيبة قال: حدثنا جدي قال: حدثنا زهير بن حرب حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: سمعت يونس يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد حدثني سعد بن بكر أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي يقول: "أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر، حتى أصبنا منهم مارا بمكة، ثم أمرنا رسول الله ﷺ برفع

стр. 2970

السيف". وذكر الحديث. قال أحمد: وحدثنا جدي يعقوب بن شيبة قال: حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا محمد بن عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال يعقوب: وحدثنا عبد الوهاب بن عطاء الجعابي وروح بن عبادة قالا: حدثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وساق الحديث عن روح أن النبي ﷺ لما فتح مكة قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر، فإذن لهم حتى صلوا العصر، ثم قال لهم: كفوا السلاح". وذكر الحديث. وذكر يعقوب أيضا عن سويد بن سعيد حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عثمان الجزري عن مقسم عن ابن عباس، ذكر قصة الفتح، وقال فيها: "أن النبي ﵊ دخل مكة، وأمر أصحابه بالكف، فقال: كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر ساعة، ثم أمرهم فكفوا، فأمن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح، وابن خطل، ومقيس بن

стр. 2971

صبابة، وامرأة أخرى وذكر غيره: "أنه أمر بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ " ولو وجدوهم متعلقين بأستار الكعبة. فقتل ابن خطل، ومقيس، وإحدى المرأتين، واستأمن عثمان لعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فلم يجبه النبي ﵊، حتى سأله ثلاثا فأجابه وبايعه، ثم قال: ألم يكن منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا فيقتله حين رآني أمسكت عن بيعته؟

стр. 2972

فقالوا: هلا أومأت إلينا يا رسول الله. قال: ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين. وفي بعضها: أن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لنبي أن يقتل بالإشارة"، وأنه قال بعد ذلك: "لا تغزي مكة بعد اليوم أبدا"، "ولا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا". *وما روي في سائر الأخبار الشائعة: أن النبي ﷺ قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن": فهذا ضرب من الأخبار المروية في نص قول رسول الله ﷺ في الأمر بالقتل وبالقتال. وقد وردت من جهات مختلفة، ونقلتها الأمة بحيث لا يحتمل التواطؤ والاتفاق، ولا يجوز فيها الوهم والغلط، ولا مساغ للشك معها. ومنها: ما روي في أخبار ثابتة بأسانيد صحيحة، ورواه أهل المغازي

стр. 2973

جميعا "أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم الفتح: أترون أوباش قريش؟ احصدوهم حصدا، وأمر إحدى يديه على الأخرى، حتى ظنوا أن السيف لا يرفع عنهم، فجاء أبو سفيان فقال: أبيدت خضراء قريش، فلا قريش بعد اليوم، فحينئذ قال النبي ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". وأنه بعث خالد بن الوليد في المجنبة اليمنى، والزبير في المجنبة اليسرى، وأن خالدا قتل رجالا بالخندمة، ثم انهزموا، فقال قائلهم: إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فرد صفوان وفر عكرمة فلو كان هناك صلح، كيف يخفى على خالد بن الوليد، وعلى صفوان وعكرمة، وهما من رؤساء قريش. *وضرب آخر من الأخبار يقتضي ذلك من فحواها وإن لم يكن من النبي ﷺ قول منصوص فيها:

стр. 2974

فمنها: حديث بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: "لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، ومثلوا بهم، فقال رسول الله ﷺ : لئن كان لنا مثل هذا لنربين عليهم. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة، فقال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : الأسود والأبيض آمن، إلا مقيس بن صبابة، وابن خطل، وقينتي فلان قد سماه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وإن عاقبهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. فقال رسول الله ﷺ : نصبر ولا نعاقب" فهذا الخبر يوجب أنها فتحت بالسيف من وجوه: أحدها: قوله دخلها عنوة. والآخر: قول القائل: "لا قريش بعد اليوم". والآخر: قول رسول الله ﵊: "الأسود والأبيض آمن إلا فلان وفلان وفلان"، ولو كان صلحا، لم يحتج إلى ذلك، ولدخل مقيس ومن ذكر معه في الصلح، فلم يجز قتلهم.

стр. 2975

والآخر: قول رسول الله ﷺ : "نصبر ولا نعاقب" فدل على أنه لو شاء لعاقب، قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم بمثل ما عوقبتم به﴾. *فإن قال قائل: ليس في ذكر العنوة دلالة على القهر؛ لأن العنوة قد تكون صلحا، كما أنشدنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب أنه أنشد: وما أخذوها عنوة عن مودة ... ولكن بحد المشرفي استقالها وزعم أن معنى العنوة في هذا الموضع: الصلح فيقال له: إن هذا غلط فاحش على اللغة؛ لأن العنوة: من عنا، يعنو: إذا ذل وخضع، وصار أسيرا. ومنه قول الله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحى القيوم﴾، معناه: خضعت وذلت. ومنه قول النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان"، يعني: أسراء، والعاني: الأسير في لغة العرب. فاقتضى قوله:

стр. 2976

"فتحها عنوة": أنه غلبهم، فصاروا أسرى في يده. وأما قول الشاعر: "فما أخذوها عنوة عن مودة": فلا دلالة فيه أنه أراد الصلح؛ لأن المعني: أنهم لم يأخذوه أسراء عن مودة تقدمت بينهم، ثم صارت عداوة، لكن لم تزل العداوة التي كانت بينهم قائمة فأخذوها على هذا الوجه، ليكون أغيظ لهم. ويحتمل أنهم لم يأخذوها، بأن أطهروا لهم مودة وعهدا، ثم نكثوا أو غدروا، فأخذوها على وجه الغدر والمخادعة، لكن أخذوها جهدا بحد السيف. *وعلى أنه ليس بنا حاجة إلى ما يحتمل التأويل من الألفاظ، لأن الأخبار المتواترة المنصوص فيها ذكر القتال، أشهر من أن تخفى. ومن نحو ما وصفنا من الأخبار: ما روي "أن أم هانئ أجارت يوم الفتح حموين لها، وأن عليا ﵁ أراد قتلهما، فأغلقت عليهما الباب، وجاءت إلى النبي ﵊، فقالت: يا رسول الله! إني أجرت حموين لي، وإن عليا يريد قتلهما. فقال النبي ﵊: قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت".

стр. 2977

وقد نقلت الأمة هذا الخبر، واحتجت به في جواز أمن النساء؛ ودلالته على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: أنه لو كان هناك صلح، لما خفي على ﵁ مع محله من النبي ﷺ ، ومعلوم أن صلح الحديبية جرى على يده، وهو الذي كتبه، فكيف كان يقتل حموي أم هانئ، مع علمه بأن النبي ﷺ قد أمنهم بالصلح. والوجه الآخر: قوله ﵊: "قد أمنا من أمنت، وأجرنا من أجرت": فأخبر أن أمانها حصل بأن أمنتهما، ولو كانا آمنين قبل ذلك بالصلح، ما كان لأمانها تأثير ولا حكم. *ونوع آخر: وهو ما روي "أن النبي ﷺ لما فتح مكة، صعد إلى باب الكعبة، وأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: ما تقولون معاشر قريش؟ قالوا: نقول: أخ كريم، وابن عم، ملكت، فاصنع ما شئت. قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾، وقد أجرتكم، إلا ما كان من ابن خطل، وذكر الآخرين معه.

стр. 2978

وفي بعضها: قال لهم: "أنتم الطلقاء": فدل ذلك على ما قلنا من وجوه: أحدها: "قد ملكت فاصنع ما شئت": فدل أنه لم يكن صلح. والثاني: قوله: "قد أجرتكم"، ولو كانوا آمنين بالصلح، لم يكن لهذا القول وجه. والثالث: قوله: "أنتم الطلقاء"، وبلغ من استفاضة ذلك في الأمة، أن الصحابة كانوا يسمون قريشا الذين أطلقهم النبي ﷺ حين فتح مكة: الطلقاء، مثل سهيل بن عمرو، ومعاوية، وأشباههما من الناس، حتى كانوا يسمون أبناءهم: أبناء الطلقاء. وقال عمر: إن هذا الأمر- يعني الخلافة- لا يصلح للطلقاء، ولا لأبناء الطلقاء. فكانت هذه سمة لهم ولأبنائهم، حتى صارت كالنسب، لشهرتها واستفاضتها، ولو كان دخلها صلحا، ما كان هؤلاء طلقاء، كما لم يكونوا طلقاء حين دخلها النبي ﷺ لعمرة القضاء عن صلح الحديبية. *ونوع آخر: وهو ما ذكره أهل المغازي، فيما عدوا من مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل، فعدوا فيها فتح مكة. قال الواقدي: "حدثني نيف وعشرون رجلا من أهل المدينة، فكل قد

стр. 2979

حدثني بطائفة من هذا، وبعضهم أوعى من بعض قال: وكانت مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعا: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف". *ونوع آخر: وهو ما روي أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه مغفر. وقال جابر: "وعلى رأسه عمامة سوداء"، ولو دخلها صلحا لدخلها حراما، كما دخلها في عمرة القضاء، إذ كان دخوله إياها عن صلح، فدل على أن تركه الإحرام كان لأجل القتال. *فهذه أخبار متواترة، قد وردت من جهات مختلفة في فتح النبي ﷺ مكة عنوة بالسيف، مثلها يوجب العلم لسامعيها، لاستفاضتها وانتشارها، وامتناع التواطؤ على ناقليها، ولا يحكى على أحد من السلف والخلف رد شيء من ذلك ولا إنكاره، ولا معارضته بخبر شائع أو شاذ على وجه من الوجوه، ولا شك فيه أحد منهم غير الشافعي

стр. 2980

رحمه الله تعالى، فإنه زعم أن مكة فتحت صلحا، من غير خبر رواه فيه، ولا حكاية عن أحد من السلف فيما ادعاه. ولئن لم يوجب مثل هذا الخبر العلم الحقيقي، لم يكن لنا سبيل إلى إثبات شرع من الشرع من جهة خبر التواتر، ولئن لم يثبت خبر التواتر، فخبر الواحد أحرى أن لا يثبت، وهذا يؤدي إلى بطلان الأخبار رأسا، والانسلاخ من الدين بواحدة. *ومما يدل على بطلان دعواه الصلح من جهة النظر: أنه لو كان فتحها صلحا، لوجب أن يرد النقل به متواترا، لكثرة من حضره من الناس، ولحاجة الجميع إلى معرفته من الفريقين جميعا، من أهل مكة، ومن عسكر النبي ﷺ ، لما في الصلح من حقن الدماء، وحظر الأموال، فكانت حاجة الفريقين ماسة إلى معرفته، فكيف يجوز أن يخفى مثله ولم يعلموه؟ ولو علموه لنقلوه. وقد علمنا أن صلح الحديبية كان أيسر أمرا من فتح مكة، وقد ورد به النقل متواترا؛ لأن مثل ذلك بحضرة تلك الجماعة لا يجوز خفاؤه، ولا
следующие страницы →