← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

"فتحها عنوة": أنه غلبهم، فصاروا أسرى في يده. وأما قول الشاعر: "فما أخذوها عنوة عن مودة": فلا دلالة فيه أنه أراد الصلح؛ لأن المعني: أنهم لم يأخذوه أسراء عن مودة تقدمت بينهم، ثم صارت عداوة، لكن لم تزل العداوة التي كانت بينهم قائمة فأخذوها على هذا الوجه، ليكون أغيظ لهم. ويحتمل أنهم لم يأخذوها، بأن أطهروا لهم مودة وعهدا، ثم نكثوا أو غدروا، فأخذوها على وجه الغدر والمخادعة، لكن أخذوها جهدا بحد السيف. *وعلى أنه ليس بنا حاجة إلى ما يحتمل التأويل من الألفاظ، لأن الأخبار المتواترة المنصوص فيها ذكر القتال، أشهر من أن تخفى. ومن نحو ما وصفنا من الأخبار: ما روي "أن أم هانئ أجارت يوم الفتح حموين لها، وأن عليا ﵁ أراد قتلهما، فأغلقت عليهما الباب، وجاءت إلى النبي ﵊، فقالت: يا رسول الله! إني أجرت حموين لي، وإن عليا يريد قتلهما. فقال النبي ﵊: قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت".

стр. 2977

وقد نقلت الأمة هذا الخبر، واحتجت به في جواز أمن النساء؛ ودلالته على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: أنه لو كان هناك صلح، لما خفي على ﵁ مع محله من النبي ﷺ ، ومعلوم أن صلح الحديبية جرى على يده، وهو الذي كتبه، فكيف كان يقتل حموي أم هانئ، مع علمه بأن النبي ﷺ قد أمنهم بالصلح. والوجه الآخر: قوله ﵊: "قد أمنا من أمنت، وأجرنا من أجرت": فأخبر أن أمانها حصل بأن أمنتهما، ولو كانا آمنين قبل ذلك بالصلح، ما كان لأمانها تأثير ولا حكم. *ونوع آخر: وهو ما روي "أن النبي ﷺ لما فتح مكة، صعد إلى باب الكعبة، وأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: ما تقولون معاشر قريش؟ قالوا: نقول: أخ كريم، وابن عم، ملكت، فاصنع ما شئت. قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾، وقد أجرتكم، إلا ما كان من ابن خطل، وذكر الآخرين معه.

стр. 2978

وفي بعضها: قال لهم: "أنتم الطلقاء": فدل ذلك على ما قلنا من وجوه: أحدها: "قد ملكت فاصنع ما شئت": فدل أنه لم يكن صلح. والثاني: قوله: "قد أجرتكم"، ولو كانوا آمنين بالصلح، لم يكن لهذا القول وجه. والثالث: قوله: "أنتم الطلقاء"، وبلغ من استفاضة ذلك في الأمة، أن الصحابة كانوا يسمون قريشا الذين أطلقهم النبي ﷺ حين فتح مكة: الطلقاء، مثل سهيل بن عمرو، ومعاوية، وأشباههما من الناس، حتى كانوا يسمون أبناءهم: أبناء الطلقاء. وقال عمر: إن هذا الأمر- يعني الخلافة- لا يصلح للطلقاء، ولا لأبناء الطلقاء. فكانت هذه سمة لهم ولأبنائهم، حتى صارت كالنسب، لشهرتها واستفاضتها، ولو كان دخلها صلحا، ما كان هؤلاء طلقاء، كما لم يكونوا طلقاء حين دخلها النبي ﷺ لعمرة القضاء عن صلح الحديبية. *ونوع آخر: وهو ما ذكره أهل المغازي، فيما عدوا من مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل، فعدوا فيها فتح مكة. قال الواقدي: "حدثني نيف وعشرون رجلا من أهل المدينة، فكل قد

стр. 2979

حدثني بطائفة من هذا، وبعضهم أوعى من بعض قال: وكانت مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعا: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف". *ونوع آخر: وهو ما روي أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه مغفر. وقال جابر: "وعلى رأسه عمامة سوداء"، ولو دخلها صلحا لدخلها حراما، كما دخلها في عمرة القضاء، إذ كان دخوله إياها عن صلح، فدل على أن تركه الإحرام كان لأجل القتال. *فهذه أخبار متواترة، قد وردت من جهات مختلفة في فتح النبي ﷺ مكة عنوة بالسيف، مثلها يوجب العلم لسامعيها، لاستفاضتها وانتشارها، وامتناع التواطؤ على ناقليها، ولا يحكى على أحد من السلف والخلف رد شيء من ذلك ولا إنكاره، ولا معارضته بخبر شائع أو شاذ على وجه من الوجوه، ولا شك فيه أحد منهم غير الشافعي

стр. 2980

رحمه الله تعالى، فإنه زعم أن مكة فتحت صلحا، من غير خبر رواه فيه، ولا حكاية عن أحد من السلف فيما ادعاه. ولئن لم يوجب مثل هذا الخبر العلم الحقيقي، لم يكن لنا سبيل إلى إثبات شرع من الشرع من جهة خبر التواتر، ولئن لم يثبت خبر التواتر، فخبر الواحد أحرى أن لا يثبت، وهذا يؤدي إلى بطلان الأخبار رأسا، والانسلاخ من الدين بواحدة. *ومما يدل على بطلان دعواه الصلح من جهة النظر: أنه لو كان فتحها صلحا، لوجب أن يرد النقل به متواترا، لكثرة من حضره من الناس، ولحاجة الجميع إلى معرفته من الفريقين جميعا، من أهل مكة، ومن عسكر النبي ﷺ ، لما في الصلح من حقن الدماء، وحظر الأموال، فكانت حاجة الفريقين ماسة إلى معرفته، فكيف يجوز أن يخفى مثله ولم يعلموه؟ ولو علموه لنقلوه. وقد علمنا أن صلح الحديبية كان أيسر أمرا من فتح مكة، وقد ورد به النقل متواترا؛ لأن مثل ذلك بحضرة تلك الجماعة لا يجوز خفاؤه، ولا

стр. 2981

كتمانه؛ لأن مثل تلك الجماعة لو جاز وقوع الاتفاق منهم على كتمانه وإخفائه، لجاز منهم الاتفاق والتواطؤ على نقل خبر لا أصل له، وتجويز ذلك يؤدي إلى بطلان خبر التواتر. *وأيضا: فإنه يقال للقائل بذلك: خبرنا عن صلح النبي ﷺ قريشا حين قصد مكة عام الفتح على أي وجه كان؟ وقد علمنا انتفاض صلح الحديبية بينه وبينهم، أصالحهم على إقرارهم على كفرهم، وقد علمنا أنه كسر أصنامهم حين دخلها؟. أو صالحهم على جزية، أو على خراج معلوم، يؤدونه إليه عن أنفسهم وبلادهم، وقد علمنا أنه لم يكن يقر أحدا من مشركي العرب على جزية وخراج، ولم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف؟. أو صالحهم على إقرارهم بغير جزية؟ فهذا أبعد من الجواز مع القوة والعدة. أو دخلها وقد أسلموا؟ فإن كان كذلك، لم يحتج بعد ذلك معهم إلى صلح؛ لأنهم قد عصموا دماءهم وأموالهم بالإسلام، فلا يكون دخوله بعد ذلك على وجه الصلح. *ولا يجوز أيضا أن يقال: إنه فتحها؛ لأن أهل بلد لو أسلموا من غير قتال: لم يجز أن يقال: إن الإمام قد فتحه.

стр. 2982

فالقول بالصلح في فتح مكة منتقض من جميع جوانبه، سوى ما ترده من الأخبار المتواترة. *فإن قال قائل: إنما دفعنا أن تكون مكة فتحت عنوة بظاهر كتاب الله تعالى في حكم الغنائم، وبدلالة سيرة النبي ﷺ في أهل مكة حين دخلها. فأما ظاهر الكتاب: فبقول الله تعالى: ﴿وأعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ الآية. فلو كان فتحها عنوة لقسمها بين الغانمين. وبقوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها﴾. فأخبر أن ما غلبنا عليه فهو لنا وفي ملكنا، فلما أقر النبي ﷺ أهل مكة على أرضهم وأموالهم، ولم يقسمها بين الغانمين، ولم يسترق أحدا من أهلها، علمنا أنها فتحت صلحا؛ لأنه لو فتحها عنوة، لما كان يسقط حق الغانمين على استحقوه لقاتلهم، ولما أسقط حق الله تعالى في الخمس عن أرضهم وأموالهم. *فإنه يقال لهذا القائل: خبرنا عن خبر التواتر إذا ورد من الجهات التي يمتنع فيها التواطؤ والاتفاق هل يوجب العلم؟

стр. 2983

فإن قال: يوجب العلم. قيل له: فهلا جمعت بينه وبين ظاهر الكتاب في حكم الغنائم، فقلت إن الإمام مخير في إقرار أهل البلد على أرضهم وأموالهم، وقسمتها بين الغانمين، فتستعمل الخبر مع الآية. وخبرني عن عمر بن الخطاب ﵁ وسائر الصحابة الذين اتفقوا معه على إقرار السواد على أرضهم من غير إخراج الخمس، ولا قسمتها بين الغائمين، هل خالفوا حكم الكتاب؟ فإن قال: نعم: طعن في الصحابة الذين تثبت الحجة باتفاقهم. وإن قال: لا، ولكن استدللنا بفعلهم على أن للإمام أن لا يقسم، ويوقفها على المسلمين، وأنه إن شاء قسمها، كما قال الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾، فجمعنا بين فعل عمر مع الصحابة، وبين الآية. قيل له: فهلا جمعت بين الآية وبين تصحيح الأخبار الواردة في فتح مكة عنوة، واستدللت بذلك على أن الإمام مخير في الأرضين على الوجه الذي قلنا. *أما قوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم ودايرهم وأموالهم﴾: فلا دلالة

стр. 2984

فيه على شيء من ذلك؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وأورثكم﴾: لا يوجب الملك، قال الله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾. ولأنا قد اتفقنا أن نفس الغلبة لا توجب ملك الأرضين، ورقاب أهلها للغانمين، ألا ترى أن للإمام أن يقتلهم قبل القسمة، ولو ملكهم بنفس الغلبة لما جاز قتلهم بعد ذلك، وقد من النبي ﷺ على الزبير بن باطا اليهودي، وسوغه ماله، وهو من بني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ بقتل الرجال، وسبي الذرية، وغنيمة الأموال، بمسألة ثابت بن قيس، وقال: له عندي يد، أريد أن أجزيه بها، فأبى الزبير أن يقبل ذلك، وقال: ألحقوني بأصحابي، فقتل فيمن قتل منهم. ولو كان ماله قد ملكه الغانمون بنفس حكم سعد، لما وهبه النبي ﷺ بمسألة ثابت.

стр. 2985

وقد قال مخالفنا: إن الغانمين لا يملكونه بنفس الغلبة، فكيف يستدل بقوله: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾:على أن نفس الغلبة توجب لهم الملك؟ وأيضا: فإن هذه الآية نزلت في شأن بني قريظة وخيبر، وسائر قرى اليهود، التي فتحها النبي ﷺ ، وجعلها للغانمين. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾. فإنما أخبر أنه أورثهم هذه الأرضين المذكورة لهؤلاء، فما في هذا من الدليل على أن ذلك من حكم سائر الأرضين، أمن جهة الظاهر أو القياس؟ فإن قال: من جهة الظاهر. قيل له: حكم الظاهر مقصور على ما ورد فيه؛ لأن غيره لم يدخل في اللفظ وأما الظاهر: فإنما هو ما يقتضيه اللفظ، ويشتمل عليه، فإما ما لا يتناوله اللفظ، فلا يقال فيه إنه الظاهر. وإن قال: من جهة القياس.

стр. 2986

قيل له: فكأنك إنما اعترضت على الأخبار التي رويناها، وما نقلته الأمة من فتح مكة عنوة بالقياس، وهذا ظاهر البطلان. فإن قيل: لما "قيل للنبي ﵊ حين فتح مكة: ألا تنزل دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع"؟. دل على أنه فتحها صلحا، لأنه لو فتحها عنوة، لأخذ داره. قيل له: فوقع الصلح على أن لا يرد على النبي ﵊ ملكه الذي كان له في الدار؟ فإن قال: نعم. قيل له: من أين لك هذا؟ فإن قال: لأنه لا وجه للحديث غير ذا. قيل له: لم قلت هذا؟، وما أنكرت أن يكون المعنى فيه: ما روي أن عقيلا باع دورهم لما هاجر للنبي ﵊، فأخبر النبي ﵊ أن عقيلا لم يترك له دارا ينزلها، لأنه احتوى عليها، وملكها بذلك، وجاز يبيعه فيها. ودلنا ذلك على أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموالنا ملكوها؛

стр. 2987

لأن النبي ﵊ أخبر أنه لم يبق له ملك، لأجل ما فعله عقيل. ثم يقال له: أليس كان ملك النبي ﵊ باقيا في الدار التي أخذها عقيل، وتصرف فيها عندك؟ فإذا قال: نعم. قيل له: فما الذي منع النبي ﵊ من أخذها؟ وقد أسلم أهل مكة في اليوم الذي فتحها النبي ﵊ إلا نفرا يسيرا منهم هربوا، مثل صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأنت تقول: إن ملك النبي ﵊ كان باقيا في الدار، وإسلامهم يوجب رد ملكه عليه على أصلك، فما فائدة قوله على أصلك: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ "، وما معنى امتناعه من نزول داره، وليس هناك مانع يمنعه؟ *وإن من اعترض على الأخبار الواردة في فتح مكة عنوة بمثل هذا لضعيف العقل، والعجب ممن قبل أخبار الآحاد، ولا يلتفت معها إلى معارضتها للكتاب والسنة الثابتة، ويقضي بها على ظاهر الكتاب، ثم يعترض على الأخبار المتواترة بمثل هذه الاعتراضات الواهية.

стр. 2988

[قسمة الغنيمة] قال أبو جعفر: (وإذا قسم الإمام الغنيمة ضرب للفارس سهمين، وللراجل سهما واحدا، وهو قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف محمد: للفرس سهمين). والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾. فأضاف الغنيمة إلى جماعتهم بعد إخراج الخمس، وإطلاق إضافة الغنيمة إليهم، يقتضي المساواة بينهم، كقوله تعالى: ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾، وكقوله: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾، وكقول القائل: هذه الألف لهؤلاء العشرة: أنهم يستحقونها على المساواة. فلما كان إطلاقا اللفظ على هذا الوجه يقتضي المساواة، قلنا: إن مقتضى اللفظ إيجاب التسوية بين الفارس والراجل، إلا فيما يقوم الدليل على تخصيصه، فلما اتفق الجميع على تفضيله بسهم واحد، خصصناه في الظاهر، وبقي حكم العموم في إيجاب التسوية فيما عداه.

стр. 2989

ومن جهة السنة: ما حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البصري حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن عيسى حدثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبا يعقوب بن المجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن بن زيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جاري- وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية وذكر الحديث: "قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطي الراجل سهما". حدثنا ابن قانع قائلا: حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي حدثنا صبح بن دينار حدثنا عفيف بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ أسهم يوم بدر للفارس سهمين، وللراجل سهما". قال أحمد: قال لي بعض أهل المعرفة: عفيف: ثقة مأمون، وكذلك

стр. 2990

صبح بن دينار. حدثنا ابن قانع قال: حدثنا يعقوب بن غيلان العماني حدثنا محمد بن الصباح الجرجرائي: ثقة قال: حدثنا عبد الله بن رجاء عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما". قال عبد الباقي بن قانع: لم يجئ به عن الثوري غير محمد بن الصباح، قال أبو بكر بن الجعابي: حديث صحيح. فإن قيل: روى الفزاري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: "قسم رسول الله ﷺ للفارس سهمين، وللراجل سهما". فهذا يعارض حديث عفيف بن سالم عن عبيد الله، وهو مع ذلك أولى، لما فيه من إثبات زيادة سهم. وقد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن النبي ﷺ جعل للفارس ثلاثة أسهم: سهمان له وسهم لفرسه". قيل له: حديث عبيد الله معارض بما قدمنا من رواية سفيان عنه: "أنه

стр. 2991

جعل للفارس سهمين". وأيضا: في خبرنا زيادة حظ الراجل؛ لأن كل ما نقص من سهم الفارس، ففيه زيادة في سهم الراجل، فلم تكن أنت أولى بإثباتك زيادة سهم للفارس منا بإثبات زيادة حظ الراجل. وأيضا: في خبرنا أن للراجل نصف حظ الفارس، وفي خبركم الثلث، فخبرنا زائد من هذا الوجه، ولو ثبتت الزيادة من غير معارض، لم يجز الاعتراض به على عموم الآية، ولا على خبر عبيد الله الذي ذكر فيه للفارس سهمين. وذلك لان فعل النبي ﷺ لا يقتضي عندنا الوجوب، فلا دلالة في على أن السهم الزائد كان على جهة الاستحقاق، فلا يخص به العموم الذي ذكرنا. ولا يعارض به حديث عبيد الله الذي ذكر فيه السهمين للفارس، وذلك لأنه معلوم أن النبي ﷺ لا يمنع حقا واجبا، وقد يجوز أن يعطي ما ليس بمستحق على جهة النفل، فوجب من أجل ذلك أن تكون دلالة العموم قائمة على ما وصفنا، وأن يكون حكم خبر السهمين ثابتا، والزيادة منتفية على وجه الاستحقاق. فإن قيل: فالنبي ﵊ لا يعطي من سهم الغانمين من لا يستحق؛ لأن ذلك حق للغير، فإذا لم يعط زيادة السهم إلا على جهة الاستحقاق. قيل له: لم نقل إنه أعطى من جملة الغنيمة، وإنما أعطى عندنا

стр. 2992

من الخمس. كما أعطى سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم الفارس والراجل، وكان راجلا. وكما "أسهم لأبي موسى وأصحابه من غنائم خيبر، وإنما جاؤوا بعد الفتح". و"أسهم لعثمان بن عفان، ولم يشهد بدرا". وكما قال ابن عمر: "أعطانا رسول الله ﷺ في سرية بعثها اثني عشر بعيرا سهامنا، ونفلنا بعيرا بعيرا". وكما "أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأمثالهما يوم حنين

стр. 2993

عطايا جزيلة، وكانت من الخمس"، وإن لم يذكر في الخبر؛ لأنه كان معلوما أنه لا يعطي من غنائم الجند. *ومن جهة النظر: أن غناء الراجل في الحرب أكثر من غناء الفرس، لا يجوز أن يفضل عليه، ألا ترى أن تفضيل الفارس على الراجل إنما هو لأجل ما له من الغناء في الحرب ما ليس للراجل، فكما لم يفضل راجل على راجل؛ لأنه لا فضيلة له في الغناء، وجب أن لا نفضل فرسا على راجل، إذ لا فضيلة له عليه في الغناء في الحرب. فإن قيل: فلا يسوى بينهما؟ قيل له: إذا نصبنا علة للتفضيل، لا يلزمنا عليه التسوية؛ لأن علة واحدة لا يجوز أن توجب حكمين مختلفين، وهذا الإلزام ونحوه لا يكون إلا من جاهل بالنظر. *ووجه آخر من النظر: وهو أن القياس يمنع أن يسهم للفرس، لأنه آلة لا غناء له بنفسه، كما لا يسهم لجماعة أفراس، وكما لا يسهم للبغل والحمير، إلا أنه لما اتفق الجميع على سهم واحد، تركنا القياس فيه، والباقي محمول على القياس. مسألة: [الدواب التي يسهم لها من الغنيمة] قال أبو جعفر: (والبرذون، والفرس في ذلك سواء).

стр. 2994

وذلك لأن غناءهما واحد؛ لأن الفرس وإن كان أجرى من البرذون، فالبرذون أقوى وأحمل للسلاح. *قال: (ولا يسهم لبعير ولا بغل ولا حمار). وذلك لأن النبي ﵊ في غزواته قد كان يكون مع أصحابه الجمال والحمير والبغال، فلا يسهم لشيء منها، ولو أسهم لكان نقله أظهر من نقل الإسهام للفرس، لأنها كانت أكثر من الأفراس. [حكم الإسهام لأكثر من فرس] قال أبو جعفر: (ولا يسهم إلا لفرس واحد في قول أبي حنيفة ومحمد، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر منهما). وجه قول أبي حنيفة: أنه لم يرو عن النبي ﵊ أنه أسهم لأكثر من فرس واحد، وقد علمنا أن الجيوش العظام لا يخلو من أن يكون فيها من له فرسان وأكثر. وقد حاز النبي ﷺ غنائم حنين، وكان معه فيها

стр. 2995

اثنا عشر ألف رجل، ومعه من رؤساء العرب مثل عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس في آخرين من الرؤساء الذين لا يخلون إذا حضروا الحرب من أن يكون معهم عدة أفراس، ولم يسهم النبي ﷺ لأكثر من فرس واحد، لأنه لو أسهم لأكثر من واحد لنقل، لكثرة من كان معه. ولأن مثله يكاد يخفى علي أحد من أهل السهام، لأن ما زاد في سهام غيرهم، نقص من سهامهم، فثبت أنه لا يسهم لأكثر من فرس. وأيضا: كان القياس أن لا يسهم للفرس رأسا، فلما وردت السنة بالإسهام للواحد، تركنا القياس فيها، وحملنا الزيادة على القياس كسائر الآلات التي تحضر الحرب. *وذهب أبو يوسف إلى أنه قد يقاتل بهما جميعا في الحرب، بأن يكون أحدهما جنيبة يقاتل بها تارة، وبالأخرى تارة. مسألة: [الضابط الذي يستحق به الفارس سهمه] قال: (ومن دخل دار الحرب فارسا، ثم نفق فرسه: فله سهم

стр. 2996

فارس، ومن دخلها راجلا، ثم اشترى فرسا: فله سهم الراجل). قال أحمد: ذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إن باع فرسه بعد دخوله دار الحرب، فله سهم فارس، وكذلك لو وهبه، وقاتل راجلا. وقال محمد بن الحسب في السير الكبير: إنه إن باع فرسه بعد دخوله دار الحرب: فله سهم راجل، ولم يذكر فيه خلافا، وذكر المسألة في الجامع الصغير: إذا نفق الفرس بعد الدخول: أن له سهم فارس، وإذا اشترى فرسا بعد الدخول: فله سهم راجل، وقال: إنما أنظر إليهم يوم يدخلون. والدليل على أن الاعتبار بيوم الدخول في استحقاق السهام: قول الله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. فدل أن السهم مستحق بالإيجاف، وظاهره يقتضي استحقاقه بخروجه على الخيل نحو دار الحرب، إلا أن الجميع متفقون على أنه لا اعتبار به ما دام في دار الإسلام، فوجب اعتبار الإيجاف بالخيل في دار الحرب، لما تضمنه ظاهر اللفظ.

стр. 2997

ويدل عليه أيضا: قول الله تعالى: ﴿ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح﴾. فجميع بين ما ينال من أنفسهم من جراح أو قتل، وبين وطء أرضهم فيما يستحقانه من الأجر، فدل على أنهما سواء فيما يستحق به من السهم. وأيضا: وطء بلادهم هو أول الظهور والغلبة، بدلالة ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا". فوجب اعتبار أول الظهور، لاتفاق الجميع على أن فرسه لو نفق في حومة الحرب: لم يبطل سهمه وإن نفق قبل حيازة الغنائم، ولو كان الاعتبار لوقت الحرب، لوجب أن يكون وجوده معه شرطا في استحقاق سهمه إلى أن تحاز الغنائم، فلما سقط هذا، علم أن العبرة لحال الدخول لا غير. وأيضا: لو قاتل راجلا، لاستحق سهم الفارس إذا كان فرسه باقيا معه، فعلم أنه لا اعتبار ببقاء الفرس إذ كان إنما يحتاج إليه للغناء في الحرب، والفرس لا يغني عن الراجل.

стр. 2998

فإن قيل: لأنه لو احتاج إليه لركبه فانتفع به. قيل له: إنما قلنا فيمن لم يحتج إلى فرس بعد حضوره، أليس قد استحق سهم الفارس مع استغنائه عن الفرس؟ فكذلك إذا نفق بعد الدخول. وأيضا: فلا اعتبار بالقتال؛ لأن من قاتل ومن لم يقاتل سواء في استحقاق السهام، فلا اعتبار بأن يكون الفرس معه وقت القتال، وهو غير مستحق للسهم بالقتال. وأيضا: الجيش يستحقون السهمان فيما غنمته السرية ولم يحضروا الحرب، لأجل أنهم في دار الحرب ظهراء لهم، فكذلك يستحق سهم الفرس بعد ما نفق، لوجود القوة والظهور بأول الدخول. فإن قيل: فلو مات هو بعد الدخول: لم يستحق سهما، كذلك فرسه. قيل له: ولو مات في الحرب، أو قبل إحراز الغنيمة: لم يستحق سهما، ولا يدل على أن فرسه لو نفق في الحرب أو بعد انقضائها قبل إحراز الغنيمة، بطل سهم فرسه. وأيضا: فإن الفرس لا يستحق شيئا، فإذا كان الرجل حيا وقت الحيازة، استحق سهم الفارس لحصول الغلبة والظهور له، وهو ممن يثبت له الحق في الحال، وإذا كان ميتا وقت حيازة الغنيمة، لم يجز أن يستحق شيئا، لأن الميت لا يثبت له حق، والحق عندنا إنما يثبت بإحراز الغنيمة وحيازتها، لأجل السبب المتقدم، وهو الظهور والغلبة بدءا، وهو دخول دار الحرب. فإذا بقي الرجل حيا حتى أحرزت الغنيمة: استحق السهم، وإذا مات قبل ذلك: لم يستحق شيئا، ولا يمنع ذلك اعتبار حال الدخول في

стр. 2999

استحقاق السهم. ونظير ذلك ما نقول في الرجل يموت، ويترك امرأة حبلى: أن الولد إن خرج حيا: استحق الميراث بالسبب المتقدم وهو الموت، لأن الميراث لا يستحق بالولادة، وإنما يستحق بالموت، وإن خرج ميتا: علمنا أنه لم يكن له حق رأسا. وكما نقول في الشفيع: إنه إن بقي ملكه في الجار التي بها استحق الشفعة إلى وقت الأخذ: استحق الأخذ، لأجل العقد المتقدم، وإن زال ملكه عن الدار: سقط حقه في الأخذ، ولم يدل ذلك على بطلان حكم السبب الذي به استحق الأخذ بدءا. وكما نقول في الجارح: إن حكم جراحته مراعى، فإن سرت إلى النفس: كان قاتلا بالجراحة، وإن لم تسر: لم يثبت لجراحته حكم النفس. ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، فكذلك إذا دخل دار الحرب فارسا، فحكمه مراعى في استحقاق السهم، فإن بقي حيا إلى وقت حيازة الغنيمة: ثبت حقه فيها، واعتبر حكمه يوم الدخول، وإن مات قبل ذلك: علمنا أنه لم يستحق شيئا، فسقط حكم الدخول. *وأما إذا باع الفرس في دار الحرب، فإن الحسن بن زياد قد مر على

стр. 3000

القياس فيما رواه من استحقاق سهم الفارس. وأما محمد: فإنه أبطل سهمه، من قبل أنه قد انتفع به من وجه غير وجه الحرب، فمنع ذلك اعتبار حكمه في استحقاق سهمه. وليس ذلك كالموت، لأن ذلك يختلف حكمه في الأصول، ألا ترى أن البائع إذا قتل ولد المبيعة قبل القبض: سقط عن المشتري حصته من الثمن، لأنه قد استوفاه لنفسه من جهة، فلا يستوفي بدله، ولو مات الولد موتا: لم يسقط عن المشتري حصته في الثمن. مسألة: [الوقت الذي تملك فيه الغنيمة] قال أبو جعفر: (ومن مات في دار الحرب قبل خروجه إلى دار الإسلام: لم يكن له في الغنيمة شيء، وإن مات بعد خروجه إلى دار الإسلام: ضرب له فيها بسهمه). قال أحمد: هي على ثلاثة أحوال: حال الغلبة والظهور قبل الحيازة: فلا يثبت للغانمين عندنا فيها ملك ولا حق. وحال الحيازة والإحراز: يثبت لهم فيها حق، ولا يملكون. وحال القسمة: يملكون بها ما وقع في قسم كل واحد منهم. والدليل على أن الحق لا يثبت لهم في الغنيمة بنفس الغلبة، وأخذها

стр. 3001

دون إحرازها: أن الموضع الذي وطئوه من بلاد العدو، لا يثبت لهم فيه حق وإن غلبوا عليه، ولا يصير من دار الإسلام، وأن جيشا لو لحقهم، لم يكن الأولون أولى بالموضع إذا ظهر على الدار من الآخرين، والمعنى فيه عدم حيازته وإحرازه، فكذلك الأموال، لما كان هذا المعنى موجودا فيها، وجب أن يكون حكمها حكمه. وكما أن السرية إذا غنمت لا تكون أحق بها من الجيش، دل على أن نفس الأخذ لا يوجب الحق إلا بالحيازة والإحراز، فوجب من أجل ذلك: أن جيشا لو لحقهم قبل إخراجها إلى دار الإسلام: أن يشاركوهم فيها، فإذا صح أن الجيش اللاحق قبل الإخراج يشاركونهم، ثبت أن الحق لم يثبت فيها بنفس الأخذ دون الإحراز. ألا ترى أن الجيش لو لحقهم بعد إحراز الغنيمة في دارنا: لم يشركوهم فيها، فدل على أن الحق إنما يثبت في الغنيمة بإحرازها في دارنا دون غلبتنا عليها، وأما إذا أحرزوها في دارنا، فقد ثبت الحق، فينتقل حق كل واحد منهم إلى ورثته إذا مات بالدلالة التي وصفنا. ويدل عليه أيضا: ما روي "أن النبي ﷺ لم يسهم لمن لم يشهد خيبر ممن حضر بعد الفتح إلا لأبي موسى وأصحابه". لأن الغنائم صارت محوزة بكون الموضع من دار الإسلام؛ لأن خيبر صارت دار إسلام بظهور النبي ﷺ ، فدل ذلك على ثبوت حق الغانمين فيها بالحيازة والإحراز، من أجل ذلك لم يسهم النبي ﷺ لمن لحق بعد الفتح إلا لنفر مخصوصين.

стр. 3002

وإذا ثبت الحق فيها، انتقل إلى الوارث بالموت؛ لأنه حق مستقر وإن لم يتعين، كما ينتقل حق ولي الجناية في مخاطبة مولى العبد الجاني بالدفع أو الفداء إلى ورثته، إذ كانت الحقوق الثابتة المستقرة قد تنتقل إلى الوارث بالموت. ويدل على أنهم لا يملكون بالإحراز حتى يقسموا: أن للإمام قتل الأسرى قبل القسمة، ولا يقتلهم بعد القسمة، ولو كانوا ملكوا لما جاز قتلهم، كما لا يجوز قتلهم بعد القسمة. ولا يشبه هذا الحق حق الشفعة في بطلانها بموت الشفيع، من قبل أن من شرط هذا الحق بقاء الملك فيما استحق الشفعة من أجله، بدلالة أنه لو باع الدار التي بها استحق الشفعة: بطلت شفعته، وملك الميت قد زال بالموت لا محالة إلى غيره، فبطلت شفعته، والوارث لا يستحقها لعدم ملكه وقت العقد، وحدوث ملكه بعد البيع لا يوجب شفعته في المبيع. وأما حق الغنيمة فلم يعرض فيه ما يبطله، فلذلك انتقل إلى الوارث، كحق ولي الجناية، فإذا قسمت الغنيمة ملك كل واحد ما حصل له، كما يملك ولي الجناية العبد إذا اختار المولى دفعه إليه بها، ولو أعتق واحد من الجند نصيبه من السبي قبل القسمة: لم يعتق، كما لو أعتق ولي الجناية

стр. 3003

العبد الجاني لم يعتق وإن دفعه مولاه بالجناية. ويدل على أنهم لا يملكون بالإحراز قبل القسمة: ما روي عن ابن عباس عن النبي ﵊: "أنه نهى عن بيع المغانم قبل أن تقسم". وحديث رويفع بن ثابت عن النبي ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع نصيبا من المغنم حتى يقبضه". ولو كان مملوكا كان شريكا، فكان يجوز بيعه كالشريك. فصل: [مشاركة من لحق بالجيش في الغنيمة] قال أبو جعفر: (ومن لحق الجيش قبل إخراج الغنيمة إلى دار الإسلام شركهم في الغنيمة). وذلك لم وصفنا من أن الحق لم يثبت بنفس الأخذ. *قال أبو جعفر: (إلا أن يكون الإمام قد قسم الغنائم بينهم أو باعها، فلا يشركهم حينئذ من لحقهم بعد ذلك). قال أحمد: يكره عندنا قسمة الغنائم في دار الحرب، وقد تقدم القول

стр. 3004

في ذبك فيما سلف، إلا أنه إذا قسمه الإمام: صحت القسمة، لأن ذلك مما اختلف فيه الفقهاء، ويسوغ فيه اجتهاد الرأي، فإذا أمضاه من يجوز حكمه: نفذ وصح، فإذا صحت القسمة: ملك كل واحد منهم ما حصل في قسمته، وما صح ملكه فيه لا يشاركه فيه اللاحقون من الجيش. والبيع كذلك أيضا؛ لأن البيع يخرجه من بقائه على حكم الغنيمة الأولى، إذا كان الثمن المأخوذ عنها غير مأخوذ على وجه الغنيمة، فثبت حينئذ حق الغانمين فيه، ولا يشاركه فيه اللاحقون، وصار ذلك كالقسمة، لأن كل من حصل له منهم بالقسمة شيء، فإنما حصل بعضه على معنى المعاوضة، كذا سبيل القسمة إذا وقعت بالقيمة. [مسألة:] قال: (وإن فتح الإمام الدار، حتى صارت دار الإسلام: لم يشركهم في الغنيمة من لحقهم بعد ذلك). وذلك لما وصنفا من أن النبي ﵊ لم يقسم لمن لحق بعد فتح خيبر إلا لمن ذكرنا، وجائز أن يكون من قسم له ممن لم يشهد الفتح أعطاه من الخمس.

стр. 3005

مسألة: [فيمن يعطى من الغنيمة من غير إسهام] قال أبو جعفر: (ولا يسهم لامرأة ولا عبد، ويرضخ لهما). وذلك لما روى ابن عباس عن النبي ﵊ أن العبيد والنساء كانوا يحضرون مع النبي ﵊ الحرب، فلا يسهم لهم، ويرضخ لهم. مسألة: [الإسهام لمن مرض من الجيش وعجز عن القتال] قال: (ومن مرض من الجيش، فعجز عن القتال، أو جرح فصار كذلك: أسهم له كما يسهم لمن سواه). وذلك لما حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا محمد بن أحمد بن النضر حدثنا معاوية بن عمرو، عن الفزاري عن ابن أبي أنيسة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "لما كان يوم الفتح، خطب رسول الله ﷺ وهو مسند ظهره إلى جدار الكعبة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: المؤمنون يد على من سواهم، تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويعقد عليهم أولهم، ويرد عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهد، ولا يتوارث أهل ملتين".

стр. 3006

قال: وزاد في الحديث ابن جريج عن عمرو بن شعيب: "ويرد أدناهم على أقصاهم، والمتسري على القاعد، والقوي على الضعيف". فسوى ﵊ بين القوي والضعيف، فدخل فيه الضعيف من جهة المرض، ومن جهة السن وغيرها. وإنما ذكرنا الحديث على وجهه وإن كان موضع الدلالة منه على مسألتنا هذا الحرف، لما ينتظمه من أحكام السير، لكن إذا احتجنا إلى حرف منه في موضع غيره، لم نحتج إلى إعادته بطوله، وذكر إسناده. وأيضا: ما رواه جبير بن نفير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". وحديث عمرو بن شعيب الذي قدمنا يدل على المسألة من وجه آخر، وهو قول: "ويرد عليهم أقصاهم، ومتسريهم على قاعدهم"، فسوى بين من قاتل ومن لم يقاتل، بعد أن يكون حاضر الجيش، فلا فرق حينئذ بين المريض والصحيح.

стр. 3007

قال أحمد: وقد تقدم ذكر ما يجوز فيه التفريق بين الشيئين، وبين ما لا يجوز في كتاب البيوع. مسألة: [إقامة الحدود في دار الحرب] قال أبو جعفر: (ولا تقام الحدود في دار الحرب). قال أحمد: قال محمد بن الحسن: إذا أتى ما يوجب الحد في دار الحرب في عسكر الخليفة، أو عسكر أمير قد كان يقيم الحدود في دار الإسلام، فإن هذا يقيم الحدود في عسكره، كما كان يقيمها في بلاده، وإذا كان ممن لا يقيم الحدود في دار الإسلام في عمله، مثل أمير السرية ونحوها: فإنه لا يقيم الحد. والأصل في ذلك عندهم: أن الحدود تتعلق إقامتها بالإمام، أو بمن يقوم مقامه فيها، وليس للإمام يد في دار الحرب، ولا تجري فيها أحكامه، فإذا أتى الرجل في دار الحرب ما يوجب الحد، لم يقمه عليه الإمام بعد خروجه إلى دار الإسلام، لأنه لما لم يكن له يد في حال وجوبه في موضع الفعل، لم يصح إقامته من جهته، فلم يجب الحد في تلك الحال، وإذا لم يجب في حال الفعل، لم يجب بالخروج إلى دار الإسلام، لأن الخروج إلى دار الإسلام ليس هو سببا موجبا للحد. وأيضا: لما لم يبطل النبي ﷺ ما كان من عقود الربا بعد الفتح، مما قد حصل فيها القبض، دل ذلك على أن ما وقع في دار

стр. 3008

الحرب مما كان من حقوق الله تعالى، لم يؤاخذ به بعد الإسلام، فدل على أن من أتى ما يوجب الحد في دار الحرب، لا يقام عليه بعد خروجه إلى دار الإسلام. وإذا ثبت ذلك، قلنا فيمن أتى ما يوجب عليه الحد في عسكر المسلمين، فإن كان هناك من تصح منه إقامة الحدود التي أقام الحد عليه؛ لأن يده ثابتة عليه في الموضع، ويمكنه إقامة الحد عليه، فلزم الحد. وأما إذا لم يكن أمير الجيش ممن يقيم الحد في دار الإسلام، فلا يد له في دار الحرب، وصار بمنزلة من فعل ذلك في دار الحرب بحيث لا عسكر للإمام فيه، ثم خرج إلى دار الإسلام، فلا يقام عليه الحد. وقول النبي ﷺ في حديث بريدة الذي قدمناه، يدل على ذلك أيضا، لأنه قال: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما عليهم". فلم يجر عليهم أحكام المسلمين إلا بالهجرة من دار الحرب إلينا، فدل على أن أحكامنا غير جارية على أهل دار الحرب ومن كان فيها. مسألة: [حكم نكاح من سبيت أولا ثم سبي زوجها] قال أبو جعفر: (ومن سبي من النساء ولها زوج في دار الحرب، ثم سبي زوجها بعد ذلك: كانا على نكاحهما، ما لم يكن الإمام قسم الغنائم في دار الحرب، وما لم يكن أخرجها إلى دار الإسلام). قال أحمد: وذلك لما بينا من أن الغنيمة لا تملك ولا يثبت فيها حق

стр. 3009

الغانمين إلا بالحيازة في دار الإسلام، أو بالقسمة أو البيع؛ فلما كانت هذه المسبية باقية على حكم أهل الحرب، لم تبن من زوجها، فإذا سبي زوجها بعد: كانا على النكاح كأنهما سبيا معا، وقد بينا هذه المسألة فيما تقدم من أبواب النكاح. وأما إذا قسم الغنيمة أو باعها: فقد بانت من زوجها، من قبل أن ذلك بمنزلة الحيازة والإحراز في دار الإسلام، فتنقطع به العصمة بينها وبين زوجها. فإن قيل: إنما كانت علتك في وقوع الفرقة بسبي أحد الزوجين اختلاف الدارين، ومنعت أن يكون حدوث الملك موجبا للبينونة، على حسب ما يقوله مخالفوك في إيقاع البينونة بين الزوجين لورود الملك عليها بالسبي، فقد أوقعت الفرقة في دار الحرب، لأجل حدوث الملك بالقسمة والبيع من غير اختلاف الدارين، فدل على أن حدوث الملك بالسبي على في إيجاب الفرقة، لبطلان كون اختلاف الدارين علة في قطع العصمة وإيقاع البينونة. قيل له: علتنا في قطع العصمة باختلاف الدارين صحيحة، لم يرد عليها ما ينقضها، وقولك إنا أوقعنا الفرقة بالقسمة والبيع لأجل حدوث الملك عليها بالسبي: فليس كذلك، من قبل أنا أوجبنا الفرقة في هذا الوجه من قبل أن القسمة والبيع يصيران في معنى حيازتها وإحرازها في دار الإسلام من جهة الحكم. ألا ترى أنها تمنع ثبوت حق جيش آخر فيها لو لحقهم، وأنهم لو كانوا رجالا لم يجز له بعد ذلك أن يقتلهم، فلما كان ذلك في حكم الحيازة في دار الإسلام، صار الزوجان في هذا الوجه، كأنهما قد اختلفت

стр. 3010

بهما الداران، فانقطعت العصمة بينهما، وبانت. مسألة: [إذا هرب عبد المسلم إلى دار الحرب ثم غنمه المسلمون] قال أبو جعفر: (ومن لحق بدار الحرب من عبيد المسلمين آبقا إليهم، ثم غنمه المسلمون، فاقتسموه أو لم يقتسموه: فإنه يرد إلى مولاه في قول أبي حنيفة بغير شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذه مولاه قبل القسمة بغير شيء، وبعدها بالقيمة). قال أحمد: من أصل أصحابنا: أن العدو إذا غلبوا على أموالنا التي يصح تمليكها فيما بيننا ملكوها، ثم قال أبو حنيفة في العبد إذا أبق إليهم، فأسروه: لم يملكوه، فمتى وجده مولاه أخذه بغير شيء. ووجه ذلك: أن حصول العبد في دار الحرب، يوجب زوال يد المولى عنه؛ لأن من كان في دار الإسلام لا يد له على ما في دار الحرب، لأجل اختلاف الدارين، فلما زالت عنه يد المولى: صار في يد نفسه، لأنه ممن يصح أن يثبت له يد في نفسه، فصار بمنزلة المكاتب، لما كان في يد نفسه، منع ذلك من وقوع يد أهل الحرب عليه، وملكهم إياه بالغلبة،

стр. 3011

ألا ترى أنه لا يصير مضمونا على الغاصب بالغصب. ومما يدل على أن حصوله في دار الحرب يمنع بقاء يد مولاه عليه: أن أهل الحرب لا يملكون علينا ما يغلبون عليه من أموالنا إلا بحيازتها في دار الحرب، وكذلك نحن لا نملك عليهم أموالهم إلا بحيازتها في دارنا، فلو كانت أيديهم وأيدينا باقية بعد حصولها في الدار الأخرى، لما وقع الملك بالحيازة فيها، كما لا يقع قبل الحيازة، لبقاء حكم يد المالك الأول فيها. ويدل عليه أيضا: أن عبيدهم لو خرجوا إلينا مسلمين: عتقوا، ولو كان حكم أيديهم باقية لما عتقوا، كما لا يعتقون بنفس الإسلام، لأجل بقاء أيديهم عليهم. وليس العبد عنده كالبعير إذا ند إليهم وأخذوه، فيملكونه، من قبل أن البعير لا يصح أن يثبت له يد في نفسها، فلما زالت يد المالك عنه، ولم تحصل عليه يد غير أيدي أهل الحرب، ملكوه. *ولأبي يوسف ومحمد: أن العبد ممن يصح تمليكه، وانتقال الملك فيه بعد حصوله في دار الحرب، فملكه أهل الحرب بالغلبة، كسائر الأموال إذا غلبوا عليها، ألا ترى أن المولى لو مات، انتقل ملكه إلى الوارث عن أبي حنيفة وإن كان في دار الحرب، وليس كالمكاتب؛ لأنه لا يصح نقل الملك فيه بحال مع بقاء الكتابة.

стр. 3012

مسألة: [أموال المسلمين التي أخذها العدو، ثم غنمها المسلمون] قال: (وما أوجف العدو عليه من أموال المسلمين، فأحرزوه في دارهم، ثم غنمه المسلمون، فإن وجده صاحبه قبل القسمة: أخذه بغير شيء، وإن وجده بعد القسم: أخذه بالقيمة إن شاء). قال أحمد: دليلنا على صحة وقوع ملك أهل الحرب على أموالنا بالغلبة من جهة الكتاب، والسنة، واتفاق السلف، والنظر. فأما دليل الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾. فأخبر أنهم كانوا ذوي أموال، وأطلق اسم الفقر عليهم، لغلبة أهل الحرب عليها، فثبت ذلك أن أملاكهم زالت عنهم بغلبة عدوهم عليها، لولا ذلك لما صح إطلاق اسم الفقر عليهم؛ لأن هذا الاسم على الحقيقة إنما يتناول من لا يملك شيئا، أو يملك شيئا يسيرا. فإن قيل: إنما أطلق عليهم اسم الفقر لانقطاعهم عن أموالهم. قيل له: انقطاع الإنسان عن ماله، لا يستحق به إطلاق اسم الفقر عليه حقيقة وإن جاز له أخذ الزكاة، وإنما يسمى في هذه الحال ابن سبيل.

стр. 3013

والدليل عليه: ما حدثنا عن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن عمران البارقي عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك". قال أبو داود: رواه فراس وابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ مثله. فسمى النبي ﵊ ابن السبيل المنقطع عن ماله: غنيا، فانتفى بذلك عنه اسم الفقر على الإطلاق، فثبت أن إطلاق اسم الفقر على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إنما هو من أجل زوال أملاكهم، لغلبة العدو عليها. *وأما جهة السنة: فما حدثنا أبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن الجعابي قال: حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الثوري عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: "أصاب العدو ناقة رجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين، فعرفها صاحبها، فأتى النبي ﵊، فأمره أن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينه وبينها".

стр. 3014

وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم عن شفيق عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ نحوه، رواه سهل بن عثمان موصولا. ورواه أيضا ياسين الزيات موصولا حدثنا أبو بكر حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر. حدثنا عبد الرحيم عن ياسين الزيات، عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله. وحدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن ياسين الزيات عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵇ مثله. وروي هذا الحديث عن جابر بن سمرة بإسناد آخر: حدثنا أبو القاسم الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا إبراهيم بن محمد الهمداني عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله. وحدثنا أبو بكر الجعابي حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن

стр. 3015

عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن عثمان حدثنا إبراهيم بن محمد بن مالك الأنباري عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله. وروى أبو يوسف وغيره عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس "أن النبي ﵊ قال في بعير أحرزه العدو، ثم غلب عليه المسلمون: إن وجدته قبل القسمة: فأنت أحق به بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة: فأنت أحق بالثمن إن شئت". وحدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا علي بن المديني قال: سألت يحيى القطان عن حديث الحسن بن عمارة هذا؟ فقال يحيى: حدثنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة بهذا الحديث، فقال أبو بكر بن الجعابي: رواه أيضا أحمد بن حنبل عن إسحاق الأزرق عن مسعر بإسناده ومتنه. *وأيضا: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أسلم على مال: فهو له".
следующие страницы →