Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
ألا ترى أنه لا يصير مضمونا على الغاصب بالغصب.
ومما يدل على أن حصوله في دار الحرب يمنع بقاء يد مولاه عليه: أن أهل الحرب لا يملكون علينا ما يغلبون عليه من أموالنا إلا بحيازتها في دار الحرب، وكذلك نحن لا نملك عليهم أموالهم إلا بحيازتها في دارنا، فلو كانت أيديهم وأيدينا باقية بعد حصولها في الدار الأخرى، لما وقع الملك بالحيازة فيها، كما لا يقع قبل الحيازة، لبقاء حكم يد المالك الأول فيها.
ويدل عليه أيضا: أن عبيدهم لو خرجوا إلينا مسلمين: عتقوا، ولو كان حكم أيديهم باقية لما عتقوا، كما لا يعتقون بنفس الإسلام، لأجل بقاء أيديهم عليهم.
وليس العبد عنده كالبعير إذا ند إليهم وأخذوه، فيملكونه، من قبل أن البعير لا يصح أن يثبت له يد في نفسها، فلما زالت يد المالك عنه، ولم تحصل عليه يد غير أيدي أهل الحرب، ملكوه.
*ولأبي يوسف ومحمد: أن العبد ممن يصح تمليكه، وانتقال الملك فيه بعد حصوله في دار الحرب، فملكه أهل الحرب بالغلبة، كسائر الأموال إذا غلبوا عليها، ألا ترى أن المولى لو مات، انتقل ملكه إلى الوارث عن أبي حنيفة وإن كان في دار الحرب، وليس كالمكاتب؛ لأنه لا يصح نقل الملك فيه بحال مع بقاء الكتابة.
стр. 3012
مسألة: [أموال المسلمين التي أخذها العدو، ثم غنمها المسلمون]
قال: (وما أوجف العدو عليه من أموال المسلمين، فأحرزوه في دارهم، ثم غنمه المسلمون، فإن وجده صاحبه قبل القسمة: أخذه بغير شيء، وإن وجده بعد القسم: أخذه بالقيمة إن شاء).
قال أحمد: دليلنا على صحة وقوع ملك أهل الحرب على أموالنا بالغلبة من جهة الكتاب، والسنة، واتفاق السلف، والنظر.
فأما دليل الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾.
فأخبر أنهم كانوا ذوي أموال، وأطلق اسم الفقر عليهم، لغلبة أهل الحرب عليها، فثبت ذلك أن أملاكهم زالت عنهم بغلبة عدوهم عليها، لولا ذلك لما صح إطلاق اسم الفقر عليهم؛ لأن هذا الاسم على الحقيقة إنما يتناول من لا يملك شيئا، أو يملك شيئا يسيرا.
فإن قيل: إنما أطلق عليهم اسم الفقر لانقطاعهم عن أموالهم.
قيل له: انقطاع الإنسان عن ماله، لا يستحق به إطلاق اسم الفقر عليه حقيقة وإن جاز له أخذ الزكاة، وإنما يسمى في هذه الحال ابن سبيل.
стр. 3013
والدليل عليه: ما حدثنا عن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن عمران البارقي عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك".
قال أبو داود: رواه فراس وابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ مثله.
فسمى النبي ﵊ ابن السبيل المنقطع عن ماله: غنيا، فانتفى بذلك عنه اسم الفقر على الإطلاق، فثبت أن إطلاق اسم الفقر على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم إنما هو من أجل زوال أملاكهم، لغلبة العدو عليها.
*وأما جهة السنة: فما حدثنا أبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن الجعابي قال: حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الثوري عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: "أصاب العدو ناقة رجل من المسلمين، فاشتراها رجل من المسلمين، فعرفها صاحبها، فأتى النبي ﵊، فأمره أن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به من العدو، وإلا خلى بينه وبينها".
стр. 3014
وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم عن شفيق عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ نحوه، رواه سهل بن عثمان موصولا.
ورواه أيضا ياسين الزيات موصولا حدثنا أبو بكر حدثنا محمد بن الحارث الواسطي حدثنا عبد الله بن عمر.
حدثنا عبد الرحيم عن ياسين الزيات، عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله.
وحدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن ياسين الزيات عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵇ مثله.
وروي هذا الحديث عن جابر بن سمرة بإسناد آخر: حدثنا أبو القاسم الطبراني حدثنا عبد الرحمن بن سلم الرازي حدثنا سهل بن عثمان حدثنا إبراهيم بن محمد الهمداني عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله.
وحدثنا أبو بكر الجعابي حدثنا يحيى بن محمد حدثنا أحمد بن
стр. 3015
عبد الله بن زياد الدباج حدثنا سهل بن عثمان حدثنا إبراهيم بن محمد بن مالك الأنباري عن زياد بن علاقة عن جابر بن سمرة عن النبي ﵊ مثله.
وروى أبو يوسف وغيره عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس "أن النبي ﵊ قال في بعير أحرزه العدو، ثم غلب عليه المسلمون: إن وجدته قبل القسمة: فأنت أحق به بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة: فأنت أحق بالثمن إن شئت".
وحدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا علي بن المديني قال: سألت يحيى القطان عن حديث الحسن بن عمارة هذا؟
فقال يحيى: حدثنا مسعر عن عبد الملك بن ميسرة بهذا الحديث، فقال أبو بكر بن الجعابي: رواه أيضا أحمد بن حنبل عن إسحاق الأزرق عن مسعر بإسناده ومتنه.
*وأيضا: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أسلم على مال: فهو له".
стр. 3016
وهذا عام فيمن أسلم على مال أخذه من مسلم، أو كان له.
*وأيضا: روي "أن النبي ﵊ لما دخل مكة يوم الفتح، قيل له: ألا تنزل دارك؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من ربع؟ ".
وروي "أن عقيلا باع دار النبي ﷺ ودور أهل بيته لما هاجروا"، فأخبر النبي ﵊ أنه لم يبق له ملك فيها، لأجل غلبة عقيل عليها قبل الفتح.
فإن قيل: يحتمل أن يكون خربها، فلم يمكن نزولها، فلذلك قال النبي ﵊ ما قال.
قيل له: ما ذكر أحد أنه خربها، وقد ذكر أنه باعها، فهذا تأويل خطأ.
وأيضا: لو كان خربها، كيف كان يقال له: "ألا تنزل دارك؟ ".
قال أحمد: فهذه أحاديث قد رويت في ذلك من جهات مختلفة، كلها توجب صحة ما ذكرنا.
*وأما ما ذكرنا من اتفاق السلف، فإنا لا نعلم أحدا من السلف روي عنه خلاف قولنا، في أنهم يملكون علينا.
وقد روي عن أئمة السلف فيه مثل قولنا، منهم عمر بن الخطاب،
стр. 3017
وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة بن الجراح، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والحسن، والزهري ﵃، كرهنا ذكر أسانيدها خوف الإطالة، ولأنها أخبار مشهورة مستغنى عن ذكر أسانيدها لاستفاضتها، كلها يوجب وقوع ملك أهل الحرب فيما يغلبون عليه من أموالنا.
*وإنما الخلاف بين السلف من وجه آخر، وهو أن بعضهم يقول: لا يرد منه شيء إلى صاحبه الأول، وهو فيء للمسلمين إذا أخذناه بعد ذلك من أهل الحرب، وهو مذهب الحسن، والزهري.
ويروى عن زيد بن ثابت أنه قال: يأخذه صاحبه قبل القسمة، ولا سبيل له عليه بعد القسمة.
ومعنى ذلك عندنا: أنه لا سبيل له عليه في أن يأخذه بغير شيء، ولا دلالة فيه على أنه لا يأخذه بالقيمة.
وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يرد على صاحبه، قسم أو لم يقسم إذا قامت البينة.
وهو موافق لقولنا؛ لأنه لم يقل: يرد عليه بغير شيء، ونحن نقول: يرد عليه في الوجهين جميعا: قسم أو لم يقسم، إلا أنه بعد القسمة يأخذ بالقيمة، وأقل أحوال حديث أبي بكر هذا، إذ احتمل ما وصفنا، واحتمل غيره، ولا دلالة لنا في ظاهر لفظه على أحد الوجهين دون الآخر أن يسقط الاحتجاج به في إثبات الخلاف بين السلف في وقوع ملك أهل
стр. 3018
الحرب على ما غلبوا عليه من أموالنا.
*فالذي حصل من الخلاف بين السلف على وجوه ثلاثة بعد اتفاق الجميع منهم على صحة وقوع ملك أهل الحرب فيما غلبوا عليه:
أحدها: ما روي عن عمر وعلي وأبي عبيدة: في أن صاحبه يأخذه قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة.
والثاني: قول زيد: إنه يأخذه قبل القسمة بغير شيء، ولا سبيل له عليه بعد القسمة.
والثالث: قول الحسن والزهري: إنه لا سبيل لصاحبه عليه، لا قبل القسمة ولا بعدها.
فإذا حصلت أقاويل السلف على هذه الوجوه الثلاثة، وكانت مع اختلافها موجبة لوقوع ملك أهل الحرب فيما غلبوا عليه من أموالنا، ثبت حجته في إيجاب الملك، ولم يسغ خلافه؛ لأن القول بنفي الملك رأسا خارج عن أقاويلهم، والخروج عن أقاويلهم كالمخالفة لإجماعهم، لأنهم لما اختلفوا في المسألة على هذه الوجوه الثلاثة، فقد اتفقوا على أن ما خرج عنها هو خطأ، إذ لا جائز أن يخرج الحق عن أقاويلهم جميعا، لأنه لو جاز ذلك، لجاز أن يجمعوا على خطأ، وهذا فاسد قد علم بطلانه بقيام دلالة صحة إجماع السلف، ومثل هذه الأقاويل يثبت بها إجماع عندنا.
*وأما وجهه من طريق النظر: فهو أن أهل الحرب إذا غلب بعضهم على مال بعض: ملكوه، والمعنى فيه: حصول الغلبة فيما يجوز أن يملك مع اختلاف الدارين، وذلك موجود في أموالنا إذا أخذوها، فوجب على ذلك أن يملكوا علينا.
стр. 3019
فإن قيل: فهم يملك بعضهم على بعض رقابهم، ولا يملكون رقابنا إذا أسرونا، فلا يجوز أن يكون ذلك أصلا في وقوع ملكهم على أموالنا، إذا غلبوا عليها.
قيل له: قلنا إنهم يملكون علينا ما يجوز أن نملكه عليهم، ويملكه بعضهم على بعض، ورقابنا مما لا نملكه نحن فيما بيننا، ونملك رقابهم، فملكوا أولئك مثلها، وأما رقابنا، فإنه لا يصح أن يملكها بعضنا على بعض، فلا يملكوها علينا.
والأموال لما جاز أن يملكها بعضنا على بعض، جاز أن يملكوها علينا، قياسا على ملك بعضهم على بعض، ويجوز أن نقيس المسألة بهذه العلة بعينها على ملكنا بأموالهم بالغلبة.
فإن قيل: إنما جاز أن نملكها نحن عليهم، وأن يملك بعضهم على بعض؛ لأن أموالهم مباحة، وأموالنا لما كانت محظورة، لم يجز أن يملكوها علينا.
قيل له: ليست هذه معارضة على اعتلالنا، لأنك نصبت في أهل الحرب علة لوقوع الملك لا تعارض اعتلالنا؛ لأنهما جميعا علة لوقوع الملك، فلا تتنافيان، إلا أن إحداهما أعم من الأخرى، وذلك لا يوجب تضادا في الاعتلال ولا تعارضا،.
وهو اعتلال فاسد أيضا، من جهة أنه مقصور الحكم على موضع الاتفاق.
فإن قال قائل: أقيس غلبتهم على أموالنا على اتفاقنا في الغاصب والباغي إذا غلبا على مالنا، أن ذلك لما كان محظورا لم يوجب الملك.
قيل له: هذا فاسد؛ لأن أموال أهل الحرب ورقابهم محظورة من
стр. 3020
بعضهم على بعض قبل الإسلام، ثم قد كانت الغلبة موجبة للملك في الرقاب والأموال.
والدليل عليه: أن زيد بن حارثة قد كان ممن سبي في الجاهلية واسترق، فاشتراه حكيم بن حزام، وأهداه إلى خديجة بنت خويلد، فوهبته لرسول الله ﵊، فأعتقته، فلو لم يكن قد ثبت ملكه عليه، لما صح عتقه، فدل ذلك على صحة ملك أهل الحرب بعضهم على بعض قبل الإسلام أموالهم ورقابهم مع كونها محظورة عليهم، لأن إباحة الغنائم كانت لرسول الله ﷺ .
قال النبي ﷺ : "ما أحلت الغنائم لقوم سود الرؤوس غيركم".
وقال: "أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: منها: أنها أحلت لي الغنائم".
وأيضا: فإن أموال أهل الحرب غير مباحة لبعضهم من بعض، من قبل أن استباحة الغنائم متعلقة بالدعاء إلى الدين، ومن أخذها على غير هذا الوجه: فهو عاص لا يجوز له أخذها، ألا ترى أن قتال بعضهم لبعض معصية؛ لأنه ليس هو للدعاء إلى دين الله تعالى.
وأيضا: الداخل إلى دار الحرب بأمان، محظور عليه أخذ أموالهم،
стр. 3021
ولو أخذها وأخرجها إلى دار الإسلام: ملكها مع كونها محظورة عليه.
وقد كان المغيرة بن شعبة صحب رفقة قبل أن يسلم، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وأسلم، فجاء إلى النبي ﵊، فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام: فقد قبلنا، وأما المال: فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه".
فأخبره أنه مال غدر، ولم يأمره برده إلى ورثة الملاك.
ولو أن رجلا قصد إلى أن ينحل بعض ولده دون الباقين، كان ذلك محظورا عليه، ولو فعل صح التمليك، وقد قال النبي ﷺ لأبي النعمان بن بشير حين أراد أن ينحله دون غيره من بنيه: هل نحلت سائر ولدك مثل هذا؟ فقال: أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور".
فأخبره أنه جور، ولم يبطله، لأنه قال: "أشهد عليه غيري"، ولو كان باطلا، ما أمره بأن يشهد عليه غيره، فسقط بذلك اعتبار جهة الحظر.
فإن قيل: لو ملكوه علينا، لم يكن لصاحبه أخذه قبل القسمة بغير شيء.
стр. 3022
قيل له: ثبوت حق الأخذ فيه بغير بدل، لا ينفي صحة ملكهم، ألا ترى أن الواهب يرجع في الهبة لغير ذي الرحم المحرم عندنا، ويرجع عند مخالفنا الأب فيما وهب لابنه، ولا يدل ذلك على نفي ملكه.
وللإمام أن يأخذ صدقة المواشي من مال رب المال إذا امتنع عن دفعها، ولا يدل ذلك على نفي ملكه بدءا، وإنما اختلف حكمه قبل القسمة وبعدها، كما اختلف في باب جواز قتل الأسرى قبل القسمة، وامتناع ذلك فيهم بعدها، ولا يجوز لواحد من الغانمين بيع نصيبه قبل القسمة، ويجوز بعدها.
*فإن احتجوا بحديث عمران بن حصين "في العضباء، حين أخذها المشركون في سرح رسول الله ﷺ ، ومعها امرأة من المسلمين، فركبت العضباء، وتوجهت قبل المدينة، ونذرت لئن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت، عرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله، فأخبرته المرأة بنذرها فقال: بئس ما جزيتها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
قالوا: فلو كان أهل الحرب يملكون علينا بالغلبة، لوجب أن يصح
стр. 3023
نذرها، لأنها ملكتها عليهم.
قيل له: لا تخلو المرأة في حال ركوبها العضباء من أن تكون في دار الحرب، أو في دار الإسلام، فإن كانت في دار الحرب: فقد نذرت قبل الإحراز، والغنيمة إنما تملك عندنا بالإحراز.
وإن كانت في دار الإسلام: فأهل الحرب لم يملكوها؛ لأنهم لا يملكون علينا إلا بإحراز ما يأخذونه في دارهم، فلا دلالة في هذا الحديث لمخالفنا.
بل فيه الدلالة من وجه على صحة قولنا، وذلك أنها لو لم تكن عندها أنهم قد ملكوها، وأنها تملكها علليهم بأخذها، ما كانت نذرت نحرها.
*وأما قول من قال: إنه لا سبيل لصاحبه عليه قبل القسمة ولا بعدها: فإنه يبطله ما روى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر"أن غلاما له أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر، ولم يقسمه".
وذهب فرس له فأخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ .
وقد اختلف في لفظ هذا الحديث، إلا أنه قد روي على الوجه الذي ذكرنا.
стр. 3024
مسألة: [شراء المسلم في دار الحرب عبدا مأسورا وتصرفه فيه]
قال أبو جعفر: (ولو دخل رجل من المسلمين دار الحرب، فاشترى منهم العبد المأسور، أو وهبوه له، فأعتقه المشتري، والموهوب له: فعتقه جائز، وما لم يعتقه: فلمولاه الأول أخذه بالثمن في الشراء، وفي الهبة بقيمته).
قال أبو بكر: يأخذ في الشراء بالثمن؛ لأنه حصل على المشتري، كما أوجب النبي ﵊ له أخذه بعد القسمة بالقيمة، بحصوله له للمقسوم له بالقيمة.
وأما في الهبة، فإنه يأخذه بالقيمة، إذ ليس هناك بدل غيرها، ولا يجوز له أخذه بغير شيء، وعتق المشتري جائز فيه، لأنه مالك.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم".
فأنفذ عتق المالك، وهذا مالك، فوجب نفذ عتقه.
*قال: (وكذلك لو أسلم أهل الحرب عليه: كان لهم، ولم يكن لمولاه عليه سبيل).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أسلم
стр. 3025
على مال: فهو له".
مسألة: [هبة المسلم للعبد المأسور الذي حصل في ملكه]
قال أبو جعفر: (ولو لم يعتقه المشتري منهم، أو الموهوب له، ولكنه وهبه لآخر، أو باعه: فإن محمدا قال ولم يحك خلافا: إنه ليس للمولى نقض ما صنع، ولكنه في الهبة يأخذه بقيمته من الموهوب له، وفي البيع بثمنه الذي حصل على المشتري الثاني).
قال أحمد: ليس للمولى الأول نقض تصرف المشتري، كما لم يجعل النبي ﷺ للمولى الأول نقض القسمة وأخذه من يدي المقسوم له بغير شيء، لأنه لو كان له نقض القسمة، عاد إلى حاله قبل القسمة، فكان يأخذه بغير شيء، فثبت بذلك جواز تصرف المشتري.
*قال أبو جعفر: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن له نقض تصرف المشتري، والموهوب له، وإن شاء أخذه بالعقد الثاني الذي عقده المشتري).
قال أحمد: هذا الذي حكاه عن أبي يوسف غير معروف، ويجوز أن يكون من رواية وقعت إليه، وقد روى هذا القول ابن سماعة عن محمد وحده في نوادره، وقال: جعله محمد بمنزلة الشفيع، له نقض بيع المشتري، وإن شاء أخذه بالبيع الثاني كذلك هذا.
قال أحمد: لو كان كذلك، لكان له نقض القسمة أيضا، وأخذه بغير
стр. 3026
شيء، كما له نقض بيع المشتري.
مسألة: [سبي أهل الحرب مدبرا ونحوه، ثم ظفر المسلمين به]
قال أبو جعفر: (وإنما سبى أهل الحرب مدبرا أو أم ولد، فأحرزوه في دارهم، ثم ظفر به المسلمون: رد على مولاه، قسم أو لم يقسم).
قال أحمد: إنما يملك أهل الحرب علينا ما يجوز أن يملكه بعضهم على بعض، ألا ترى أنهم لا يملكون علينا رقابنا بالأسر، فكذلك كل من لا يجوز نقل الملك فيه فيما بيننا لم يملكوه علينا، لأن الغلبة جهة يملك بها، كالعقود والموت هي جهات الملك، فما لا يجوز أن يملك بهذه الأسباب، لم يصح ملكه بالغلبة.
مسألة: [مفاداة أسرى المسلمين]
قال أبو جعفر: (واختلف عن أبي حنيفة في الفداء بمن نسبيه من أهل الحرب، بمن في أيدي الحربيين من المسلمين، فروي عنه أنه لا يفادى بهم، ولا يردون إلى حربيتهم؛ لأن فيه قوة لأهل الحرب، قال: ولكن يفادى بمن في أيدي أهل الحرب من المسلمين بمال غير السلاح.
وقد روي عنه أنه قال: لا بأس بأن يفادى بالمشركين أسرى المسلمين، وهو قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: المشهور من قول أبي حنيفة أن أسرى أهل الحرب لا يفادون بشيء، ولا يردون إلى دار الحرب، فإما أم يقتلوا، أو يسترقوا إن
стр. 3027
كانوا يقرون على دينهم، وإن كانوا ممن لا يقر على دينه: فليس يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل.
والحجة لهذا القول: قول الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر﴾ إلى آخر الآية.
فحكم فيهم بأحد حكمين: إما القتل أو الجزية، وفي إثبات ردهم إلى دار الحرب، إسقاط حكم الآية.
وقال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾.
يعني حتى لا يكون كفر، ولا جائز أن يردهم إلى بلادهم لتكون فتنة، وهو ضد ما في الآيةـ، ولا يجوز أن نردهم لنستنقذ المسلمين؛ لأن علينا الاجتهاد في قتالهم لاستنقاذ من هناك من المسلمين.
والأسرى من المسلمين هناك في منزلة شريفة، بصبرهم على احتمال الأذى في حياطة أديانهم، مشاقين لأعداء الله الكفرة، مراغمين لهم، مستهزئين بما هم فيه جنب ما يرجون من ثواب الله تعالى، فذلك ضرب من الجهاد، ولما فيه من غيظ الكفار، فلا يجوز لنا رد أسارى الكفار إلى دارهم، لأجل حال أسرانا هناك؛ لأن في ردهم إليها معاونة على سائر
стр. 3028
أهل الإسلام، وتقوية للكفر وأهله.
ألا ترى أنهم لو قالوا لنا: اتركوا صلاة واحدة من فروضكم لنطلق لكم أسراكم، لم يسعنا إجابتهم إلى ذلك وإن كان فيه حقن دماء الأسرى، ووصولهم إلى دار الإسلام، فكذلك لا يجوز ترك قتل المشركين، وهو فرض علينا لأجل الأسرى.
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾.
فلم يبح تخليتهم إلا بشريطة الإيمان بعد أسرهم، فلا تجوز مفاداتهم؛ لأنها تنفي ما في الآية.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾.
стр. 3029
فأباح الله تعالى الفداء بعد الأسر.
وفدى النبي ﷺ أسرى قريش يوم بدر.
قيل له: قد روي عن ابن عباس والبراء بن عازب أن سورة براءة من آخر ما نزل من السور، وفيها الأمر بالقتل على ما بينا، فهي ناسخة لما تقدم من جواز الفداء.
*وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما أجازا ذلك، وجمعا بين آية الفداء وآية القتل، فكأنه قال: إن احتجتم إلى الفداء، فافدوا، وإن شئتم فاقتلوا.
وكذلك جمعوا بين آية القتل، وبين فداء النبي ﷺ أهل بدر حين كان محتاجا إلى المال.
وقد روي "أن النبي ﵊ بعث بنصف سبي بني قريظة، فبيع بالشام، واشتري له به السلاح والكراع، وكانت الشام يومئذ دار حرب".
*ويفدى المسلمون الذين في أيدي الحرب بمال غير السلاح؛ لأن في السلاح معونة لهم على حربنا، ومن أجل ذلك يمنع من يدخل إلى
стр. 3030
دار الحرب من السلاح للبيع.
مسألة: [إذا أسلمت امرأة الحربي في دار الحرب]
قال أبو جعفر: (ومن أسلمت امرأته في دار الحرب: كانت امرأته على حالها حتى تحيض ثلاث مرات، فإن حاضتها: بانت، ووجبت عليها العدة بعد ذلك).
وذلك لأنها لا تقر تحته أبدا.
فلو كان في دار الإسلام ذميين: عرض عليه الإسلام، لامتناع إقرارها وهي مسلمة تحت كافر، فلما تعذر ذلك، لكونه في دار الحرب، ولم يكن بد من التفريق، ولا بد أن يكون السبب الموجب للفرقة معنى حادثا، وليس الكفر حادثا فتقع به الفرقة، وإسلام المرأة وإن كان حادثا، فليس هو سبب التحريم: احتيج إلى معنى حادث يتعلق به وقوع الفرقة، فجعلوه مضي ثلاث حيض، اعتبارا بالمطلقة طلاقا رجعيا، لما تعلق به حكم الفرقة، كان الموجب لها مضي ثلاث حيض.
فإن قال: هلا اعتبرتها بمدة الإيلاء أربعة أشهر.
قيل له: هي بما يتعلق من المدة بالطلاق الرجعي أشبه؛ لأن هذه المدة لم يوجبها الزوج، كما لم يوجب مدة الطلاق الرجعي، وهي العدة، وأما مدة الإيلاء فمتعلقة بإيجابه، ألا ترى انه لو سمى مدة أقل منها، كان كما سمى، ولم يكن لها حكم في إيقاع البينونة.
стр. 3031
وأيضا فمدة الإيلاء مذكورة في اللفظ، ومدة العدة من الطلاق غير مذكورة، وكذلك المدة في مسألتنا، فكانت هذه المدة بمدة العدة في الطلاق الرجعي أشبه.
*فإذا وقعت الفرقة بمضي ثلاث حيض: كان عليها العدة من وقت وقوع الفرقة ثلاث حيض أخر.
مسألة: [متى تبين المسلمة المهاجرة من دار الحرب]
قال: (ومن خرج إلينا من نساء أهل الحرب مسلمة أو ذمية، فصارت في دار الإسلام: بانت من زوجها، ولا عدة عليها إذا لم تكن حاملا.
واختلف عنه فيها إذا كانت حاملا: فروى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن عليها العدة، وهي وضع حملها، وأنها لا تتزوج قبل ذلك.
وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا عدة عليها أيضا، وأنه لا بأس بأن تتزوج، ولا يدخل بها زوجها حتى تضع حملها.
وقال أبو يوسف ومحمد في رأيهما: إن عليها العدة حاملا كانت أو غير حامل).
قال أحمد: قوله: إن عليها العدة إذا كانت حاملا في قول أبي حنيفة: ليس هو عبارة صحيحة؛ لأن من أصل أبي حنيفة: أنه لا عدة عليها حاملا كانت أو غير حامل.
والذي ذكر أنه ليس لها أن تتزوج ما دامت حاملا: فهو صحيح في رواية الأصول، ومع ذلك فإن هذا الحمل ليس بعدة عنده، وقد بينه محمد بن الحسن في السير الكبير، فقال:
стр. 3032
ليس لها أن تتزوج حتى تضع حملها، ولكن لزوجها عند أبي حنيفة أن يتزوج أختها قبل أن تضع، يعني إذا أسلم الزوج بعد ذلك، وخرج إلينا، ولكن كره له أن يقربها حتى تضع الأولى حملها.
والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾.
ثم قال: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾.
فانتظمت هذه الآية الدلالة على وقوع الفرقة بين المهاجرة وبين زوجها من أربعة أوجه، وعلى أن لا عدة عليها من وجهين:
*فأما دلالتها على وقوع الفرقة:
[الأول]: فمن جهة قوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾، ولو كان النكاح باقيا، لردت إليه؛ لأن الزوج أولى بإمساك امرأته حيث كان.
стр. 3033
والثاني: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾.
والثالث: قوله: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن﴾، ولو كان نكاح الأولى باقيا، ما جاز لنا نكاحها.
والرابع: قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، فأوجب قطع العصمة بينها وبين زوجها بخروجها إلينا، والعصمة: المنع، فدلت على أنها ليس عليها أن تمتنع من الأزواج لأجل الزوج الذي كان لها في دار الحرب.
فإن قيل: ﴿الكوافر﴾: اسم للنساء دون الرجال، فكأنه أمر للرجال الذين أسلموا وهاجروا أن لا يتمسكوا بعصمة الزوجة الكافرة.
قيل له: ليس الاسم مخصوصا بالنساء دون الرجال، لما نبينه إن شاء الله.
وعلى أنه لو كان كذلك، لكانت دلالتها قائمة على ما ذكرنا، وذلك لأنه لما أمر الرجال أن لا يمسكوا بعصم الزوجات الكافرات في دار الحرب، وكان المعنى فيه اختلاف الدارين بهما بعد الإسلام، وذلك موجود في المهاجرة إذا خلفت زوجها كافرا في دار الحرب، فوجب أن تنقطع العصمة فيما بينهما.
стр. 3034
وعلى أن ظاهر الخطاب يقتضي أن يكون المراد الأزواج الحربيين، لأن أول الخطاب ورد في شأن الزوجة إذا هاجرت إلينا مسلمة، فالظاهر أن قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾: راجع إلى ما تقدم ذكره في الخطاب.
وأما قوله: ﴿الكوافر﴾: جمع يختص بالنساء دون الرجال، فإنه غلط من قائله؛ لأن الفواعل اسم يشترك فيه الرجال والنساء في كثير من الأشياء، يقولون: "فوارس": للرجال كما قال عنترة:
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الأول
وقال الفرزدق:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
فقال: "نواكس"، وأراد به الرجال، وتلك صفة يشترك فيها الرجال والنساء.
وإذا كان كذلك، جاز أن يقال: إن "الكوافر" اسم للفريقين من المؤنث والمذكر، فوجب إجراء الحكم عليهما بعموم الاسم.
*وأما ما روي عن ابن عباس "أن النبي ﷺ رد زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وقد كانت زينب هاجرت، ثم جاء أبو العاص بعد ذلك بزمان فأسلم":
стр. 3035
فإن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ ردها عليه بنكاح جديد"، وكان هذا عندنا أولى؛ لأنه أخبر عن عقد حادث عرفه، وابن عباس إنما أخبر عن العقد الأول، ولم يعلم حدوث عقد ثان، فكان جائزا له الإخبار بأنه ردها بالنكاح الأول، إذا لم يعلم حدوث عقد.
وأيضا: من أخبر أنه ردها بنكاح ثان، علم نزول قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾: قبل إسلام زوجها، ومن قال ردها بالنكاح الأول، لم يعلم فساد النكاح بالآية، وتقدمها عليه، فأخبر عن الحال الأولى.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على وقوع الفرقة بينها وبين زوجها إذا سيبت كافرة، والمعنى فيه حصول اختلاف الدارين، إذ لا يخلو من أن
стр. 3036
يكون المعنى فيه ما ذكرنا، أو حدوث الملك عليها، وحدوث الملك لا يقدح في النكاح، بدلالة اتفاقنا جميعا على أن بيع الأمة وهبتها، لا يفسخ نكاح زوجها مع حدوث الملك عليها، فلما بطل المعنى الثاني، صح الأول.
فصل: [عدم وجوب العدة على المهاجرة]
وأما دلالة الآية على نفي وجوب العدة على المهاجرة من الوجهين اللذين ذكرنا:
فأحدهما: قوله تعال: ﴿ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾، فأباح نكاحها من غير شرط العدة.
والثاني: قوله ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، والعصمة المنع، قال الله تعالى ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله﴾: يعني لا مانع، وقد دللنا أن الكوافر اسم يتناول الرجال، فأوجب علينا بظاهر الآية أن لا يمتنع من نكاحها لأجل زوجها الذي كان لها في دار الحرب.
ومن جهة النظر: اتفاق جميع أصحابنا أن المسبية لا عدة عليها، والمعنى فيه: حصول الفرقة باختلاف الدارين، والاستبراء الذي يجب في
стр. 3037
المسبية ليس بعدة؛ لأن العدة يتعلق حكمها بالفراش، والاستبراء لا يتعلق حكمه بالفراش، لأنها لو سبيت وهي غير ذات زوج في دار الحرب، لوجب الاستبراء، والاستبراء يجب على المشتري في الجارية المشتراة وإن اشتريت من امرأة.
ولو أن رجلا باع جارية: لم يجب عليها عدة بالبيع، فثبت أن الاستبراء ليس بعدة.
*وأما قول أبي حنيفة في رواية الأصول: أن المهاجرة لا تتزوج إذا كانت حاملا: فهو أصح قوليه، وذلك لأن هناك نسبا ثابتا من الغير، وذلك من أحكام النكاح، فلا يصح عقد غيره عليها، إذ لا جائز أن يجتمع بين حكم من أحكام النكاح لزوجين، وليس في منع نكاحها في هذه الحال ما يوجب أن تكون مقيدة؛ لأن أم الولد إذا كانت حاملا من مولاها، فليست بمعتدة، ومع ذلك لا يجوز تزويجها، وإنما منع تزويجها لأن في بطنها ولدا ثابت النسب من غيره، فمنع ذلك عقده، كذلك ما وصفنا.
*وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة؛ لأن الفرقة وقعت بعد حصولها في دار الإسلام، فلما وقعت الفرقة في دار الإسلام وهي مسلمة، لزمتها العدة، ولم تسقط لأجل كون زوجها في دار الحرب، كما أن رجلا لو ارتد عن الإسلام بانت منه امرأته، وكانت عليها العدة، ثم لو لحق الزوج بدار الحرب، لم تسقط عنها العدة.
стр. 3038
قال أحمد: وهذا الاعتلال ينتقض عليهما في المسبية؛ لأن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بعد إخراجها إلى دار الإسلام، ولم يوجب ذلك عليها العدة.
مسألة: [الأطفال المسبيون تبع لوالديهما فيما يدينان به]
قال أبو جعفر: (ومن سبي من دار الحرب من الأطفال ومعه أبواه، أو أحدهما: لم يصل عليه إذا مات، وكان على حكم الكفر حتى يقر بالإسلام وهو يعقل، وإن لم يسب معه واحد من أبويه: كان مسلما، وصلي عليه إذا مات).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: قول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه".
فإذا ثبت له حكم الأبوين في الكفر، لم يزل عنه ببقاء أحدهما في دار الحرب، ولا يوجب حصوله في دار الإسلام زوال حكمهما عنه، كما أنهما جميعا لو سبيا معه، لم يكن للدار تأثير في زوال حكمهما عنه، فكذلك إذا سبي أحدهما، لأن حكم أحدهما في هذا الباب آكد من حكم الدار.
والدليل عليه: أن الذمية إذا زنت، فجاءت بولد: أن ولدها ذمي، لأجل كفرها، لأنه لا أب له، فثبت أن حكم أحد أبويه آكد من حكم الدار.
стр. 3039
فإن قيل: هلا كان حصوله في يد المسلمين موجبا لقطع حكم أبويه عنه.
قيل له: لا تأثير لليد في حكم الدين؛ لأن المشركين لو أسروا صبيا رضيعا من المسلمين، وأدخلوه دارهم: لم يصر حكمهم بثبوت يدهم عليه، فثبت بذلك أن اليد لا تأثير لها في زوال حكم الدين.
*وأما إذا سبي الصبي وحده دون أبويه: فهو مسلم، لانقطاع حكم أبويه جميعا عنه، وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين الفقهاء، وفيه دلالة على اعتبار اختلاف الدارين في الأصول.
مسألة: [إسلام الحربي وحكم ماله وأهله بعد ظهور المسلمين عليهم]
قال: (ومن أسلم من أهل الحرب في دار الحرب، ثم ظهر المسلمون على الدار التي هو منها: ترك له ما كان في يده من ماله ورقيقه، وأولاده الصغار مسلمون لا يسبون، وأولاده الكبار على حكم أنفسهم، يسبون، ويكونون فيئا، وأرضوه كلها فيء، وامرأته وما في بطنها فيء).
قال أبو بكر: لما ظهرنا على الدار، وصارت دار إسلام: أحرز من ماله ما كان في يده، كما لو كان أدخله دار الإسلام، وكذلك ما كان له هناك في يد ذمي أو مسلم؛ لأن أيدي هؤلاء بعد الظهور أيد صحيحة، ويد المودع كيد المودع، فكأنه في يده.
*وأولاده الصغار أحرار؛ لأنهم مسلمون بإسلامه، وكونه في دار الحرب لا يمنعهم حكم الإسلام؛ لأن النبي ﷺ إنما نقل المولود عن حكم الإسلام إلى حكم الكفر بكفر الأبوين، بقوله: "كل
стр. 3040
مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه"، ولم يفرق بين دار الحرب ودار السلام.
*وأما أولاده الكبار: فلهم حكم أنفسهم؛ لأنهم إذا صار لهم اعتقاد لم يتبعوا آباءهم في حكم الدين.
*وأما أراضيه: فكلها فيء من وجهين:
أحدهما: أنها لا تثبت فيها يد على الحقيقة، لأنها لا تحول ولا تنتقل، وإنما تثبت فيها اليد من طريق الحكم، وقد ظهر المسلمون عليها، فصارت فيئا، كسائر أمواله التي ليست في يده.
والوجه الآخر: أن إسلامه بدءا لم يخرج تلك البقعة من أن تكون من دار الحرب وإن كانت في يده، فلما كانت باقية على حكم دار الحرب، وجب أن يقع الظهور عليها، كوقوعه على سائر أراضي الحرب، فتصير فيئا؛ لأن حكم دار الحرب إذا ظهر عليها: أن تكون فيئا ما لم يقر أهلها عليها.
ولو رددنا هذه الأرض إلى مالكها المسلم، لصارت هي وحدها في حكم أرض دار الإسلام، دون سائر أراضي أهل الحرب، وذلك محال، فامتنع لذلك أن يكون بعضها مغنوما، وبعضها غير مغنوم، كما امتنع أن يكون بعضها دار الإسلام، وبعضها دار حرب مع ظهور الإمام وغلبته عليها.
*وامرأته وما في بطنها فيء، من قبل أنها حربية يصح استرقاقها، وإذا حصلت رقيقة، تبعها ولدها في الرق؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق
стр. 3041
والحرية، دون الأب.
فإن قيل: الولد الذي في بطنها مسلم، فلا يجوز ورود الرق عليه.
قيل له: لا يمتنع ذلك بالأم؛ لأنه في حكمها، وتبع لها، كما أن ولد الحر حكمه أن يكون حرا، ثم ينتقل بالأم إذا كانت أمة.
*قال: (وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن العقار والأرضين اللاتي له في دار الحرب: له، لا تكون فيئا).
قال أبو بكر: ذهب أبو يوسف في ذلك إلى ما ورد في المغازي: "أن ناسا من بني قريظة أسلموا قبل أن تفتح بليلة، فأحرزوا أموالهم، وكان جل أموالهم الدور والأرضين".
[أسلم في دار الإسلام وله أموال وأولاد في دار الحرب]
قال أبو جعفر: (وإن كان هذا الحربي خرج إلى دار الإسلام، فأسلم هاهنا، ثم ظهر على الدار، كانت جميع أمواله التي له بها وأهله وأولاده الصغار والكبار فيئا أجمعين).
وذلك لأن ماله باق على حكم أموال أهل الحرب، لم يحرزه بإسلامه؛ لأن اختلاف الدارين يمنع ثبوت يده على ماله الذي له في دار الحرب، فبقي على حكم الحرب.
وليس هذا بمنزلة من أسلم في دار الحرب، ثم ظهرنا على الدار، فيكون ما في يده، وما أودعه ذميا أو مسلما له؛ لأن هذا مال قد أحرزه
стр. 3042
بكونه في يده، وهو مسلم بعد ظهورنا، فكان بمنزلته لو دخل دار الإسلام مسلما، والمال في يده، فيكون له، وما أودعه ذميا أو مسلما: فكأنه في يده.
وأما إذا أسلم هاهنا، فالمال الذي له في دار الحرب لم تحصل عليه يد بعد الإسلام، فيكون محرزا بها، فكان جميعه فيئا وإن كان في يد ذمي أو مسلم؛ لأنه يحتاج أن تثبت له عليه يد تحرز المال، حتى تثبت بعد ذلك يد المودع من جهته.
والدليل على أن إسلامه لا يجعل ماله محرزا دون أن تحصل يده عليه بعد الظهور على الدار: أن مستهلكه لا ضمان عليه فيه، فصار في الحكم باقيا على حكم أموال أهل الحرب.
فإن قيل: قد صار ماله محظورا بالإسلام، فينبغي أن يفارق حكم أموال أهل الحرب التي هي مباحة.
قيل له: كونه محظورا في الدين، لم يخرجه من أن يكون في حكم المباح في باب سقوط الضمان عن مستهلكه قبل إحرازه بدار الإسلام.
*وأولاده الصغار فيء أيضا، من قبل أن اختلاف الدارين يمنع لحاقهم بحكم آبائهم في الإسلام، ألا ترى أن الصبي المسبىي من دار الحرب إذا لم يسب معه أبواه: كان مسلما، ولم يبق عليه حكم الأبوين، لأجل اختلاف الدارين، فكذلك ولد الحربي إذا أسلم أبوه عندنا، والولد في دار الحرب.
стр. 3043
مسألة: [أسلم بدار الحرب، ثم دخل دار الإسلام، ثم ظهر على دار الحرب]
قال أبو جعفر: (وإن كان أسلم في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام، ثم ظهرنا على الدار، وهو في دار الإسلام: كان ماله وأهله فيئا أجمعين، إلا أولاده الصغار: فإنهم أحرار مسلمون، لا سبيل عليهم).
قال أبو بكر: وما أودعه مسلما أو ذميا: فهو له أيضا.
وإنما كان سائر ماله فيئا إلا ما ذكرنا؛ لأنا ظهرنا على الدار، وماله ليس في يد أحد، فلم يصر محرزا في الدار، فكان باقيا على حكم أموال أهل الحرب، واليد الأولى التي كانت له بدءا قد زالت بخروجه إلى دار الإسلام.
وأما ما أودعه مسلما أو ذميا: فإنه بمنزلة ما في يده؛ لأن يد هؤلاء يد صحيحة، فصار محرزا باليد بعد ما صارت الدار دار الإسلام.
وما كان في يد الحربي فهو فيء أيضا؛ لأن الحربي لا يد له صحيحة، ولأنها زالت بنفس الظهور، لأنه صار فيئا بنفسه، فصارت الدار دار الإسلام، ولا يد لأحد في هذا المال، فصار فيئا.
*وأما أولاده الصغار: فأحرار مسلمون؛ لأنهم صاروا مسلمين بإسلام أبيهم هناك، ثم خروج أبيهم إلى دار الإسلام لا ينقلهم إلى حكم الكفر، فبقوا على حكم الإسلام إلى أن ظهرنا على الدار، فلا يجوز استرقاقهم بعد الإسلام.
وليس هؤلاء بمنزلة ما في بطن امرأته من ولد، فيكون فيئا، وإن كان مسلما؛ لأن الإسلام يمنع سبي من هو مسلم، ولا يمنع جريان الرق في الولد من قبل الأم، ألا ترى أن الحر إذا تزوج أمة كان ولده رقيقا برق الأم.
стр. 3044
مسألة: [دخول الحربي دار الإسلام بأمان وحكم أمواله ونحوها]
قال أبو جعفر: (ولو أن حربيا دخل إلينا بأمان، فأودع رجلا مالا، وأقرض آخر، ثم اسر، أو ظهر على الدار، وقتل: فإن وديعته فيء للمسلمين، وبطل قرضه عن الذي كان عليه).
قال أبو بكر: إذا ظهر على الدار، فقتل، أو اسر: فقد صار فيئا، وزال ملكه عن ماله، وصار ماله الذي له في دار الإسلام أيضا فيئا، كسائر أمواله التي في دار الحرب إذا ظهرنا على الدار، وإذا صار فيئا: أخذت الوديعة، فجعلت في بيت المال.
وأما القرض، فإنما بطل عن الذي هو عليه، ولم يصر فيئا لجماعة المسلمين، من قبل أن حكم الغنيمة أن تملك بالغلبة والحيازة، وقد زال ملك الحربي عنه بالأسر، فبقي لا مطالب له، وإذا حصل الدين بلا مطالب: سقط.
[مسألة:]
قال: (وإن قتل ولم يظهر على الدار: كان القرض والوديعة لورثته).
وذلك لأن قتله لم يوجب أن يكون فيئا إذا لم يظهر على الدار، ولم يؤسر، فصار قتله في هذا الوجه بمنزلة موته سواء، فأوجب انتقال ملكه
стр. 3045
إلى ورثته، فقاموا فيه مقامه؛ لأن لحاقه بدار الحرب لم يزل حكم الأمان عن ماله.
ألا ترى أنه لو عاد: أخذه؛ لأن الأمان ينتظم ماله ودمه، ألا ترى أنه لا يجوز لنا أخذ ماله في حال كونه في دارنا، فلا يرتفع حكم ذلك الأمان من ماله ما لم يخرجه من دار الإسلام، ويرده إلى دار الحرب، أو يصر هو فيئا، كما لا يرتفع حكم الأمان عن نفسه إلا برجوعه إلى دار الحرب.
مسألة: [مداينة المسلم للحربي في دار الحرب وخروجهما إلينا، والحربي مستأمن]
قال أبو جعفر: (وإذا دخل المسلم دار الحرب، فادان حربيا دينا، أو أدانه الحربي، ثم خرجا إلينا، والحربي مستأمن: لم يقض لأحدهما على صاحبه بشيء).
وكذلك هذا في الحربيين إذا تداينا في دار الحرب، ثم خرجا إلينا مستأمنين؛ للعلة التي وصفنا
*قال: (ولو خرجا مسلمين: قضي لأحدهما على الآخر).
стр. 3046
لأن الدين كان ثابتا في ذمة المدين، وإنما منع القضاء عليه به، بقاؤه على حكم الحرب، فإذا أسلما: فقد التزما حكم الإسلام، وخرجا عن أحكام أهل الحرب، فصارا كمسلمين تداينا، فيقضى لأحدهما على صاحبه.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإن غصب أحدهما صاحبه شيئا في دار الحرب، ثم خرجا مسلمين: لم يقض للمغصوب منه على الغاصب في ذلك بشيء).
وذلك لأن دار الحرب يملك فيها بالغلبة، فلما أخذه على وجه الغلبة: ملكه، والإسلام لا يزيل ملكه، ودخوله إليهم بأمان: لا يمنع صحة ملكه فيما يغصب منهم.
والأصل فيه: قصة المغيرة بن شعبة، حين صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وهاجر إلى المدينة، فقال النبي ﵊: "أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فهو مال غدر، لا حاجة لنا فيه".
فأخبر أنه مال غدر، ولم يرده مع ذلك على ورثة المقتولين.
ولأن كونه محظورا بالأمان، لا يمنع صحة الملك لمن أخذه على وجه الغلبة؛ لأن أموالنا محظورة عليهم، ويملكونها بالغلبة، ويفتى
стр. 3047
المسلم فيما بينه وبين الله تعالى أن يرد عليه ما غصبه منهم؛ لأن النبي ﵊ لم يأخذه من المغيرة، لأنه مال غدر، فكذلك الآخذ لا ينبغي له أن ينتفع به، ولكن يرده على صاحبه.
ووجه آخر: وهو أنه لما حصل له ذلك من وجه محظور، لم يسعه الانتفاع به، كما منع النبي ﷺ الانتفاع بالشاة المشوية التي قدمت إليه، وأخبروه أنهم غصبوها، فقال النبي ﵊: "أطعموها الأسرى"، فمنعهم الانتفاع بها، إذ حصلت لهم من وجه محظور.
مسألة: [من أسلم من عبيد المشركين قبل الظهور على دراهم]
قال أبو جعفر: (ومن أسلم من عبيد أهل الحرب في دار الحرب، ثم ظهرنا على الدار، أو خرج إلينا: فهو حر).
وذلك لما روي أن أبا بكرة- وكان من عبيد أهل الطائف- خرج في جماعة من عبيدهم إلى النبي ﵊ مسلمين، فقال النبي ﷺ : "هؤلاء عتقاء الله".
стр. 3048
وأيضا: فلما خرج إلى دار الإسلام، زال ملك مولاه عنه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت لهم يد فيما حصل في دارنا على جهة المباينة والغلبة؛ لأنه لو جاز ذلك، لما صح أن تملك عليهم أموالهم، لبقاء أيديهم عليها بعد إحرازها في دار الإسلام.
فلما بطل ذلك: صح وثبت أن حصول العبد المسلم في دارنا يزيل ملكهم عنه، كما زالت أيديهم عنه؛ لأن أملاكهم إنما هي ثابتة من طريق اليد، ففي زوال أيديهم بالغلبة والمراغمة: زوال ملكهم، وإذا زال ملكه عن العبد: عتق؛ لأنه لا يجوز لنا أن نسترقه وهو مسلم، وكذلك إذا ظهرنا على الدار، زال ملك المولى عن عبده، فلم يجز استرقاقه وهو مسلم.
مسألة: [إذا اشترى المستأمن عبدا مسلما]
قال أبو جعفر: (وإذا دخل الحربي إلينا بأمان، فاشترى عبدا مسلما: جاز شراؤه، وبعناه عليه من مسلم، فإن لم نعلم به حتى أدخله دار الحرب: فإنه يعتق عليه في قول أبي حنيفة، ولا يعتق في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: يجبر على بيعه ما دام في دار الإسلام، كما يجبر الذمي عليه، لما فيه من استذلال المسلم بالاستخدام على وجه الرق، ولا خلاف في ذلك نعلمه.
وأما وجه قول أبي حنيفة في إيجاب عتقه بدخوله معه دار الحرب: فهو أن ملك الحربي المستأمن ملك صحيح في دار الإسلام، ولحاقه بدار
стр. 3049
الحرب مع ملكه: يزيل صحة ملكه؛ لأن ملكه هناك ملك مباح، ولا جائز أن يكون الملك المباح موجبا بالعقد الذي كان في دار الإسلام، فلما زال ملكه بدخوله دار الحرب لا إلى مالك: عتق.
فإن قيل: ورود الإباحة على الملك الصحيح، لا ينفي صحته، ولا يزيله، كمن أباح طعامه لغيره، لا يزول عنه ملكه بنفس الإباحة.
قيل له: لأن لمبيح الطعام حظره بعد إباحته، ولا يمكن للحربي أن يحظر ملكه وهو في دار الحرب؛ لأن الإباحة ليست من جهته فيكون الحظر إليه.
فإن قيل: فهلا بقيت ملكه عليه بالغلبة، وثبوت يده عليه بعد دخوله دار الحرب كسائر أمواله، وكعبيده الذين أدخلهم إلينا من دار الحرب، ثم ردهم إليها.
قيل له: قد بينا أن الملك المباح لا يجوز أن يكون مستحقا بالعقد الذي عقده في دار الإسلام؛ لأن العقد في دار الإسلام إنما يوجب ملكا صحيحا غير مباح، وبدخوله دار الحرب يزول ذلك الملك، وزوال الملك إلى غير مالك: يوجب العتق، وثبوت يده عليه بالغلبة بعد اللحاق بدار الحرب: لا يمنع العتق؛ لأن ثبوت اليد بالغلبة معنى يجوز أن يلحقه الفسخ، والعتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، ومتى اجتمع ما يلحقه الفسخ، مع ما لا يلحقه الفسخ: كان الذي يلحقه الفسخ أولى بالبطلان، وما لا يلحقه الفسخ أولى بالثبوت.
وقد بينا هذا المعنى في مواضع، فلذلك وجب أن يكون العتق المستحق به زوال ملكه لا إلى مالك: أولى من الملك المباح الذي يستحقه باليد والغلبة.
стр. 3050
ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة في الحربي في دار الحرب إذا أسلم عبده، ثم باعه وسلمه: أنه يعتق بالتسليم، ولا يعتق بنفس العقد؛ لأن الحربي يملك بالغلبة، فإذا زالت يده عن العبد، وقد أسلم: لم يملكه المشتري، لأن المسلم لا يملك بالغلبة، ويبيعه إياه لا يوجب للمشتري ملكا صحيحا، فلذلك اعتبرنا التسليم الذي به حصلت اليد التي هي سبب إيجاب الملك في دار الحرب.
*وأما سائر أمواله، والعبد الحربي الذي أدخله معه: فإنما جاز ثبوت ملكه عليه بعد زوال ملكه الذي كان له في دار الإسلام، من جهة بقاء يده عليه بالغلبة، وذلك معنى يوجب الملك في إحراز أهل الحرب وأموالهم، فكيف به في عبيدهم؟
ألا ترى أنا لو غلبناهم: ملكناهم وأموالهم، ولو كان لهم هناك عبد مسلم، فغلبنا على الدار: صار حرا، ولم يجز لنا أن نسترقه.
فإن قيل: ولم قلت: إن خروج العبد من ملك مالكه لا إلى مالك يوجب العتق، ونحن قد وجدنا من يخرج من ملك مالكه لا إلى مالك لا يعتق، وهو العبد يشتريه الإمام لخدمة الكعبة، والميت إذا كان عليه دين وله عبد.
قيل له: لأنه خرج من ملك مالكه في هذه الوجوه، فحصل موقوفا، والعبد المسلم إذا أدخله الحربي دار الحرب، زال ملكه عنه، ولم يصر موقوفا؛ لأن الناس فيه على قولين:
فمن قال يقول: هو ملكه على ما كان عليه، وآخر يقول: قد عتق.
следующие страницы →