← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

لأن الدين كان ثابتا في ذمة المدين، وإنما منع القضاء عليه به، بقاؤه على حكم الحرب، فإذا أسلما: فقد التزما حكم الإسلام، وخرجا عن أحكام أهل الحرب، فصارا كمسلمين تداينا، فيقضى لأحدهما على صاحبه. مسألة: قال أبو جعفر: (وإن غصب أحدهما صاحبه شيئا في دار الحرب، ثم خرجا مسلمين: لم يقض للمغصوب منه على الغاصب في ذلك بشيء). وذلك لأن دار الحرب يملك فيها بالغلبة، فلما أخذه على وجه الغلبة: ملكه، والإسلام لا يزيل ملكه، ودخوله إليهم بأمان: لا يمنع صحة ملكه فيما يغصب منهم. والأصل فيه: قصة المغيرة بن شعبة، حين صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وهاجر إلى المدينة، فقال النبي ﵊: "أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فهو مال غدر، لا حاجة لنا فيه". فأخبر أنه مال غدر، ولم يرده مع ذلك على ورثة المقتولين. ولأن كونه محظورا بالأمان، لا يمنع صحة الملك لمن أخذه على وجه الغلبة؛ لأن أموالنا محظورة عليهم، ويملكونها بالغلبة، ويفتى

стр. 3047

المسلم فيما بينه وبين الله تعالى أن يرد عليه ما غصبه منهم؛ لأن النبي ﵊ لم يأخذه من المغيرة، لأنه مال غدر، فكذلك الآخذ لا ينبغي له أن ينتفع به، ولكن يرده على صاحبه. ووجه آخر: وهو أنه لما حصل له ذلك من وجه محظور، لم يسعه الانتفاع به، كما منع النبي ﷺ الانتفاع بالشاة المشوية التي قدمت إليه، وأخبروه أنهم غصبوها، فقال النبي ﵊: "أطعموها الأسرى"، فمنعهم الانتفاع بها، إذ حصلت لهم من وجه محظور. مسألة: [من أسلم من عبيد المشركين قبل الظهور على دراهم] قال أبو جعفر: (ومن أسلم من عبيد أهل الحرب في دار الحرب، ثم ظهرنا على الدار، أو خرج إلينا: فهو حر). وذلك لما روي أن أبا بكرة- وكان من عبيد أهل الطائف- خرج في جماعة من عبيدهم إلى النبي ﵊ مسلمين، فقال النبي ﷺ : "هؤلاء عتقاء الله".

стр. 3048

وأيضا: فلما خرج إلى دار الإسلام، زال ملك مولاه عنه؛ لأنه لا يجوز أن يثبت لهم يد فيما حصل في دارنا على جهة المباينة والغلبة؛ لأنه لو جاز ذلك، لما صح أن تملك عليهم أموالهم، لبقاء أيديهم عليها بعد إحرازها في دار الإسلام. فلما بطل ذلك: صح وثبت أن حصول العبد المسلم في دارنا يزيل ملكهم عنه، كما زالت أيديهم عنه؛ لأن أملاكهم إنما هي ثابتة من طريق اليد، ففي زوال أيديهم بالغلبة والمراغمة: زوال ملكهم، وإذا زال ملكه عن العبد: عتق؛ لأنه لا يجوز لنا أن نسترقه وهو مسلم، وكذلك إذا ظهرنا على الدار، زال ملك المولى عن عبده، فلم يجز استرقاقه وهو مسلم. مسألة: [إذا اشترى المستأمن عبدا مسلما] قال أبو جعفر: (وإذا دخل الحربي إلينا بأمان، فاشترى عبدا مسلما: جاز شراؤه، وبعناه عليه من مسلم، فإن لم نعلم به حتى أدخله دار الحرب: فإنه يعتق عليه في قول أبي حنيفة، ولا يعتق في قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد: يجبر على بيعه ما دام في دار الإسلام، كما يجبر الذمي عليه، لما فيه من استذلال المسلم بالاستخدام على وجه الرق، ولا خلاف في ذلك نعلمه. وأما وجه قول أبي حنيفة في إيجاب عتقه بدخوله معه دار الحرب: فهو أن ملك الحربي المستأمن ملك صحيح في دار الإسلام، ولحاقه بدار

стр. 3049

الحرب مع ملكه: يزيل صحة ملكه؛ لأن ملكه هناك ملك مباح، ولا جائز أن يكون الملك المباح موجبا بالعقد الذي كان في دار الإسلام، فلما زال ملكه بدخوله دار الحرب لا إلى مالك: عتق. فإن قيل: ورود الإباحة على الملك الصحيح، لا ينفي صحته، ولا يزيله، كمن أباح طعامه لغيره، لا يزول عنه ملكه بنفس الإباحة. قيل له: لأن لمبيح الطعام حظره بعد إباحته، ولا يمكن للحربي أن يحظر ملكه وهو في دار الحرب؛ لأن الإباحة ليست من جهته فيكون الحظر إليه. فإن قيل: فهلا بقيت ملكه عليه بالغلبة، وثبوت يده عليه بعد دخوله دار الحرب كسائر أمواله، وكعبيده الذين أدخلهم إلينا من دار الحرب، ثم ردهم إليها. قيل له: قد بينا أن الملك المباح لا يجوز أن يكون مستحقا بالعقد الذي عقده في دار الإسلام؛ لأن العقد في دار الإسلام إنما يوجب ملكا صحيحا غير مباح، وبدخوله دار الحرب يزول ذلك الملك، وزوال الملك إلى غير مالك: يوجب العتق، وثبوت يده عليه بالغلبة بعد اللحاق بدار الحرب: لا يمنع العتق؛ لأن ثبوت اليد بالغلبة معنى يجوز أن يلحقه الفسخ، والعتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه، ومتى اجتمع ما يلحقه الفسخ، مع ما لا يلحقه الفسخ: كان الذي يلحقه الفسخ أولى بالبطلان، وما لا يلحقه الفسخ أولى بالثبوت. وقد بينا هذا المعنى في مواضع، فلذلك وجب أن يكون العتق المستحق به زوال ملكه لا إلى مالك: أولى من الملك المباح الذي يستحقه باليد والغلبة.

стр. 3050

ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة في الحربي في دار الحرب إذا أسلم عبده، ثم باعه وسلمه: أنه يعتق بالتسليم، ولا يعتق بنفس العقد؛ لأن الحربي يملك بالغلبة، فإذا زالت يده عن العبد، وقد أسلم: لم يملكه المشتري، لأن المسلم لا يملك بالغلبة، ويبيعه إياه لا يوجب للمشتري ملكا صحيحا، فلذلك اعتبرنا التسليم الذي به حصلت اليد التي هي سبب إيجاب الملك في دار الحرب. *وأما سائر أمواله، والعبد الحربي الذي أدخله معه: فإنما جاز ثبوت ملكه عليه بعد زوال ملكه الذي كان له في دار الإسلام، من جهة بقاء يده عليه بالغلبة، وذلك معنى يوجب الملك في إحراز أهل الحرب وأموالهم، فكيف به في عبيدهم؟ ألا ترى أنا لو غلبناهم: ملكناهم وأموالهم، ولو كان لهم هناك عبد مسلم، فغلبنا على الدار: صار حرا، ولم يجز لنا أن نسترقه. فإن قيل: ولم قلت: إن خروج العبد من ملك مالكه لا إلى مالك يوجب العتق، ونحن قد وجدنا من يخرج من ملك مالكه لا إلى مالك لا يعتق، وهو العبد يشتريه الإمام لخدمة الكعبة، والميت إذا كان عليه دين وله عبد. قيل له: لأنه خرج من ملك مالكه في هذه الوجوه، فحصل موقوفا، والعبد المسلم إذا أدخله الحربي دار الحرب، زال ملكه عنه، ولم يصر موقوفا؛ لأن الناس فيه على قولين: فمن قال يقول: هو ملكه على ما كان عليه، وآخر يقول: قد عتق.

стр. 3051

فأما أن يكون موقوفا: فليس هو قول أحد، وخروج العبد من ملك مالكه لا إلى مالك، ولا إلى حال الوقوف: يوجب عتقه؛ لأن ذلك حقيقة العتق. فإن قيل: لو أن مسلما دخل دار الحرب بأمان، ثم ارتد هناك، وله عبد مسلم: لم يعتق عليه، مع زوال الحظر عن ملكه بردته، وحصول الإباحة فيه، فدل ذلك على انتقاض اعتلالك. قيل له: الفرق بينهما: أن ملك المرتد يثبت فيه حق الورثة، وهم مسلمون، وثبوت حق المسلم في رقبته، يمنع زوال ملكه لا إلى مالك، كالمسلم إذا دخل دار الحرب مستأمنا بعبد له مسلم: فلا يعتق عليه، لثبوت حقه وصحة ملكه، كذلك حق الورثة في ملك المرتد، لما كان ثابتا بعد الردة، منع ثبوت ذلك من عتقه بزوال ملك المرتد. فإن قيل: لو كان حق الورثة ثابتا في المال الذي معه في دار الحرب، لمنع ذلك من أن يكون فيئا إذا غلبت على الدار. قيل له: هذا لا يمنع ثبوت حق الورثة فيه بدءا بنفس الردة، إلا أن ذلك الحق لا يتأكد إلا بالموت، أو ما يقوم مقامه، ألا ترى أن من ارتد في دار الإسلام: ثبت الحق للورثة في ماله بنفس الردة، ومن أجل ذلك لم يجز عند أبي حنيفة تصرفه فيه إذا لم يسلم. ومع ذلك، فلو كان لحق بما له معه إلى دار الحرب، ثم ظهرنا

стр. 3052

عليه: كان فيئا. ووجه آخر في الفرق بينهما: وهو أن ملك الحربي لما زال بحصوله في دار الحرب من الوجه الذي ذكرنا، ثبت للعبد الحق أيضا في استرقاق المولى، لأنه لو غلبه، ملكه، ولا جائز أن يثبت هذا الحق إلا لحر، وأما عبد المرتد، فإنه لم يثبت له حق استرقاق المولى، فلم يحصل له معنى يوجب العتق. فإن قيل: فيجب على هذا أن يكون عبد الحربي إذا أسلم في دار الحرب، أن يعتق بنفس الإسلام لوجود العلة. قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن إسلامه لم يوجب زوال ملك المولى، ولم يتعلق ثبوت هذا الحق للعبد بزوال الملك، فمن أجله لم يعتق، وأما رجوع الحربي إلى دار الحرب، فإنه يوجب زوال الملك الذي كان له في دار الإسلام، وأوجب ذلك العبد حق استرقاقه لو قهره، فلذلك افترقا. فإن قيل: فما الفرق بينه وبين العبد المسلم إذا أسره المشركون، فملكوه، فلم يكن زوال ملك مولاه الأول موجبا لعتقه، ولم يمنع وقوع الملك المباح لأهل الحرب فيه بعد زوال ملك المسلم، كذلك عبد الحربي؟ قيل له: لأنه لو امتنع وقوع ملك أهل الحرب عليه، لو يوجب ذلك عتقه؛ لأنه يبقى على ملك مولاه المسلم حينئذ، وكان يكون بمنزلة العبد الآبق، وعبد الحربي إذا رجع به إلى دار الحرب، فزوال ملكه لم يمنع حصول عتقه من الوجه الذي وصفنا. وأيضا: لأن حق المولى المسلم، لم ينقطع بأسر المشركين إياه، ألا ترى أنه إذا غنمه المسلمون: كان له أن يأخذه قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة، وكان ثبوت حق المولى فيه من هذا الوجه مانعا من

стр. 3053

عتقه، وأما الحربي فإن ملكه الأول قد زال بدخوله دار الحرب، ولم يبق هنا حق في رقبة العبد يمنع عتقه. ووجه آخر لأصل المسألة: وهو أن الحربي لما لحق بعبده المسلم إلى دار الحرب، وزال الحظر عن رقبته وماله: جاز للمسلمين أن يتملكوه، فكذلك العبد ملك رقبة نفسه بإحرازه لها، ومصيره في يد نفسه وهو مسلم، فملك من رقبته ما كان المولى مالكا منه، كما ملك المسلمون ما غلبوا عليه من ماله بعد لحاقه، وكما لو قهر العبد مولاه: ملكه، وليس كذلك عبد الحربي إذا أسلم في دار الحرب، لأن إسلامه هناك لا يوجب له إحراز رقبته، ولا يصير به في حكم أهل دارنا. ألا ترى أن من قتله، أو أخذ ماله قبل هجرته إلينا: لم نغرمه، كما لا نضمن نفس الحربي وماله، فهو باق مع الإسلام على ما كان عليه، وأما من كان مسلما في دارنا، فقد أحرز رقبته بدارنا، وصار في منعتنا، كالحربي المسلم بعد خروجه إلينا، فلذلك اختلفا. *ووجه قول أبي يوسف ومحمد: أن الحربي له ضرب من الملك، فلا يمتنع بقاء ملكه على العبد المسلم إذا أدخله دار الحرب، كما لو أسلم عبده هناك: لم يعتق. مسألة: [حكم بقاء الحربي بأرض الإسلام بعد انتهاء مدة أمانه] قال أبو جعفر: (ومن دخل إلينا من دار الحرب بأمان، فتجاوز المدة التي يقيمها مثله: تقدم إليه الإمام في الخروج أو الإقامة، فإن خرج بعد ذلك قبل أن يمضي عليه حول: رجع إلى حربيته، وإن أقام حتى يمضي عليه حول: جعله الإمام ذمة، وجعل عليه الخراج، ومنعه من الرجوع إلى دار الحرب إن حاول ذلك).

стр. 3054

قال أحمد: الأصل في ذلك أن الكافر لا يجوز إقراره في دار الإسلام أبدا بغير جزية ولا رق، لقول الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾. وقال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، إلى قوله: ﴿فخلوا سبيلهم﴾. إلا أنه مع ذلك قد يجوز إقراره بأمان في دار الإسلام وقتا يسيرا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾، فأباح لنا إقراره في دارنا هذه المدة. وقال: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا﴾، إلى قوله: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾.

стр. 3055

وقد كانت رسل المشركين ووفودهم ترد على النبي ﵊ المدينة فيتركهم والمقام فيها إلى وقت رجوعهم، فثبت بذلك جواز إقرارهم في دارنا مدة. فإذا دخل إلينا حربي بأمان، وأقام في دارنا مدة لم تجر العادة بمثله أن يقيم فيها: تقدم إليه الإمام بالرجوع إلى داره، أو اختيار الذمة؛ لأنه لا يجوز تركه أبدا في دارنا. *فإن بقي بعد التقدم إليه سنة: صار ذميا من قبل أن حكم لزوم الجزية متعلق بمرور الحول، فصار مختارا لها، كما أن المشتري إذا اشترى على أنه بالخيار ثلاثا، يكون بسكوته في الثلاث مختارا لإتمام البيع، وبوطئه للجارية في الثلاث، وكما يصير المتصرف في السلعة بعد روية العيب، راضيا بالعيب، ونظائر هذا كثيرة في الأصول. *وأما إقامته بعد التقدم أقل من سنة: فإنه لا يجعله مختارا للذمة، ولزوم الجزية؛ لأنه لا يتعلق به حكم فيما وصفنا، فصار كسكوت المشتري على أنه بالخيار ثلاثا بعض الثلاث: فلا يدل على اختياره لإجازة البيع. مسألة: [ما يترتب على شراء الحربي لأرض الخراج] قال: (ومن دخل إلينا من الحربيين، فابتاع أرض خراج، فإنه إذا وضع عليه الخراج: صار ذميا). قال أحمد: وذلك لأن الخراج لا يلزم أهل الحرب، كما لا تلزمهم

стр. 3056

جزية الرؤوس، فلما لزمه الخراج: صار من أهل الذمة، إذ كان لزوم ذلك في الأصل من أحكام الذمة. وأيضا: فقد جرى عليه حكم أهل الدار بوضع الخراج عليه، فصار من أهلها؛ لأن حكم الدار لا يتعلق إلا بأهلها، وإذا كان من أهلها صار ذميا. وأيضا: فلا يجوز تسليم منافع هذه الأرضين إلى أهل الحرب، إذ لا حق لهم في دارنا، بدلالة أنهم لا يعطون من الغنيمة شيئا؛ لأنهم لو أخذوها، لكان فيه إبطال الغنيمة، وإخراج لها من أن تكون غنيمة، لعودها إلى ما كان عليه حاله قبل أن يغنمه. وإذا ثبت أنهم لا يجوز لهم ثبوت الحق في دارنا، ثم سلمنا إليه منافع الأرض، وجب أن يكون في ذلك إلحاقه بحكم أهل الدار، وإذا صار من أهل الدار وهو كافر، لزمته الجزية، وصار ذميا. ويجوز أن يرد حكم الخراج إلى حكم الجزية في إلزامه إياه به حكم الذمة، لأن الخراج والجزية جميعا مأخوذان من أهل الذمة بحصول حمايتنا لهم، فلما كان وضع الجزية عليه مكسبة حكم الذمة، كان كذلك حكم الخراج. وأيضا: فليس في الأصول ثبوت الخراج على أرض كافر، مع خلو رقبته من الجزية، فلما امتنع وجود ذلك في الأصول، لم يصح إثباته، ووجب إلزام رقبته الجزية، كما ألزم أرضه الخراج.

стр. 3057

مسألة: [ما يترتب على زواج المستأمن بذمية أو العكس] (وإذا تزوج الحربي مستأمن ذمية: لم يصر ذميا، وإن كانت حربية فتزوجت ذميا: صارت ذمية). وذلك لأن الزوج لا يلزمه المقام في دارها، فلم يتعلق بتزويجه حكم الذمة، وأما المرأة فإنه يلزمها المقام في دار الزوج بعقد النكاح، فلما فعلت ما يلزمها الكون في دارنا: صارت ذمية. مسألة: [أثر اختلاف الدارين في الميراث] قال: (ولا يتوارث أهل الذمة وأهل الحرب). قال أحمد: وذلك لأن اختلاف الدارين يوجب قطع الحقوق فيما بينهما، لدلائل قد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب. ألا ترى أن اختلاف الدارين يوجب قطع العصمة في النكاح، ويمنع ثبوت النكاح فيما بينهما. مسألة: [حكم ابتداء المسلم أباه الكافر بالقتال] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للمسلم أن يبتدئ أباه الحربي بالقتل، وإن أراده الأب: امتنع عليه، وكان له قتله على ذلك). وذلك لقول الله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به

стр. 3058

علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾. وليس من الصحبة بالمعروف قتله. ونهى النبي ﷺ حنظلة بن أبي عامر عن قتل أبيه، وكان مشركا. *فإذا أراده الأب: جاز له قتله على جهة الدفع عن نفسه، كما يجوز له قتل أبيه المسلم على وجه الدفع عن نفسه إذا قصده بالقتل. مسألة: [حكم الخروج إلى أرض العدو بالمصحف والنساء] قال: (ولا بأس على المسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، وقال محمد في السير: إذا كان في عسكر عظيم مأمون عليه، فإن كان على ما سوى ذلك: لم ينبغ له أن يسافر به إلى دار الحرب. قال: وكذلك حكم النساء في السفر بهن إلى دار الحرب). قال أحمد: لا خلاف أنه يجوز إمساك المصحف في الثغور العظام التي يؤمن فيها عليه العدو في غالب الحال، فكذلك العساكر العظام هي بمنزلة الأمصار؛ لأن غالب حالها السلامة. *وأما إذا كانت سرية أو نحوها: فإنه يكره أن يسافر به.

стр. 3059

لما روي عن النبي ﵊ أنه "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العرب، مخافة أن يناله العدو". وذلك في السرايا والعدة القليلة، وقد بين المعنى المانع من ذلك بقوله: "مخافة أن يناله العدو". ويدل على اعتبار غلبة الرأي فيما وصفنا: أن السرية إذا لقيت عدوا، فإن كان في غالب ظنها مقاومته: لم يجز لهم أن ينصرفوا عنه، وإن كان في غالب ظنها أنها لا تقاومه: جاز لها أن تنحاز عنه. وكذلك لو أن رجلا رأى رجلا قد شهر عليه سيفا حمل عليه، فإنه يستعمل غالب ظنه، فإن غلب فيه أنه مازح غير جاد، أو أنه لا يقصد ضربه: لم يجز له قتله، وإن غلب في ظنه أنه قاصد لقلته: حل له قتله، فكذلك ما وصفنا من اعتبار غالب الظن في حفظ المصحف، وصيانته عن العدو. *والنساء بهذه المنزلة؛ لأنهن ليس فيهن دفع عن أنفسهن، فيجوز إخراجهن في الجيوش العظام؛ لأن غالب أمرها السلامة، وقد كان النبي

стр. 3060

عليه الصلاة والسلام يخرج بعض نسائه في كثير من الغزوات. مسألة: [استعانة المسلمين بالمشركين في الحرب] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للمسلمين الاستعانة بالكفار على قتال الكفار، إلا أن يكون حكم الإسلام هو الغالب، فإن كان كذلك واحتيج إليهم: فلا بأس بذلك). وذلك لأن حكم الكفر إذا كان هو الغالب، فالقهر والغلبة إذا حصلا، كان حكم الكفر هو الظاهر، فصار ذلك قتالا لإظهار حكم الكفر، ولا يجوز للمسلم القتال على إظهار حكم الكفر، وإنما يجوز للمسلمين القتال لإظهار دين الإسلام، ولتكون كلمة الله العليا، فلذلك لم يجز للمسلمين أن يقاتلوا مع الكفار. وأما إذا كان حكم الإسلام هو الظاهر، فإنما جازت الاستعانة بالكفار، لما روي أن النبي ﷺ لما بلغه مجيء أبي سفيان مع الأحزاب، خرج إلى يهود بني قريظة، وقال لهم: "إما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحكم".

стр. 3061

وقد "كان عيينة بن حصن في آخرين من مشركي العرب يقاتلون مع النبي ﵊، ويعطيهم النبي عطايا جزيلة، تأليفا لهم على الإسلام". ويدل على أن عيينة قد كان يقاتل مع النبي ﷺ وهو كافر، أنه قال يوم الطائف: "ما جئت لأنصر محمدا، وإنما جئت لأصيب جارية من ثقيف، فأستولدها، فإنهم قوم نكر". وقد كان المنافقون يخرجون مع النبي ﷺ في غزواته، منهم عبد الله بن أبي وأصحابه، وهم كفار، وعلم النبي ﵊ نفاقهم وكفرهم، ولم يمنعهم من القتال معه، إذ كانت غلبتهم حينئذ توجب إظهار حكم الإسلام. وقد حدثنا عن أبي مسلم الكجي حدثنا حجاج حدثنا حماد عن محمد ابن إسحاق عن الزهري أن ناسا من اليهود غزوا مع النبي ﷺ ، فقسم لهم كما قسم للمسلمين.

стр. 3062

وأما ما روي عن عبد الله بن دينار عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا تستعينوا بمشرك": فإنه يحتمل أن يكون في حال قلة المسلمين، بحيث لم يأمن غدرهم وكيدهم. مسألة: [حكم إعطاء الأمان للعدو، ومن يصح منه ذلك] قال أبو جعفر: (وأمان الرجال والنساء من المسلمين لأهل الحرب جائز، غير العبد المسلم، فإن أبا حنيفة قال: إن كان يقاتل: فأمانه جائز، وإن كان لا يقاتل: فأمانه باطل). وأما أمان الرجل الحر: فالأصل فيه قول النبي ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم": يعني أقلهم عددا، وهو واحد. ويقتضي أيضا جواز أمان المرأة؛ لأنها من أدناهم.

стр. 3063

والأصل أيضا في جواز أمان المرأة: "أن زينب بنت النبي ﵊ أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع، فأجاز النبي ﷺ أمانها". "وأجارت أم هانئ حموين لها يوم فتح مكة، وقد كان علي ﵁ أراد أن يقتلهما، فقال النبي ﷺ : "قد أمنا من أمنت، وأجرنا من أجرت". *وأما وجه قول أبي حنيفة في إبطاله أمان العبد، إلا أن يكون مأذونا له في القتال، فالذي يدل عليه من جهة العموم: قول الله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾. ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة؛ لأن الرق لا تأثير له في حقيقة القدرة، فثبت أنه أراد نفي الملك، فوجب بحق العموم أن لا يملك الأمان. وأيضا: فإن الأمان تصرف على المسلمين بالولاية، والعبد لا ولاية له، فلا يملك الأمان. والدليل على صحة ذلك: أن المجنون والصبي والكافر لا يجوز

стр. 3064

أمانهم، لعدم الولاية، فكذلك العبد لما لم يملك الولاية على الغير، لم يجز أمانه. وأما المرأة فلها ولاية على الغير، ألا ترى أنها يجوز تزويجها للصغير بحق الولاية، ويجوز تصرفها في سائر العقود، كما يجوز تصرف الرجل، والعبد لا يملك شيئا من ذلك، كالصغير والمجنون. وأيضا: فالأمان يمنع القتال، والعبد لا يملك القتال بنفسه، فلا يملك المنع منه، ألا ترى أن العبد لما لم يملك الشراء بنفسه، لم يملك البيع، وأما إن أذن له في القتال: جاز أمانه، لأن الإذن في القتال: إذن في الأمان، كما أن الإذن للعبد في الشراء: إذن له في البيع. ولأن من يملك القتال، يملك تركه، وفي الأمان ترك القتال. فإن قيل: لو كان حكم الأمان متعلقا بالقتال، لوجب أن لا يجوز أمان المرأة، لأنها لا تملك القتال. قيل له: ليس كذلك، هي تملك القتال، ولها أن تقاتل إذا قدرت عليه، والعبد لا يملك القتال؛ لأن المولى أولى باستخدامه، والزوج لا يملك استخدام المرأة، فيمنعها بذلك أن تكون ممن

стр. 3065

يملك القتال، فلذلك اختلفا. وأيضا: فإن المرأة ممن يملك في الأصل العقود والتصرف، فتملك القتال، وإن كانت ممنوعة منه في بعض الأحوال، فملكت الأمان، والعبد ليس ممن يملك شيئا، وعقوده وتصرفه موقوفة على إذن غيره، فكذلك الأمان. مسألة: [حكم الأمان من الأسير] قال أبو جعفر: (ولا يجوز أمان الأسير المسلم، ولا التاجر المسلم اللذين في دار الحرب). وذلك لأنهما مقهوران في دار الحرب في أيدي أهلها، وأحكام أهل الحرب جارية عليهما، فلم يجز عقدهما على المسلمين، ألا ترى أنهما لا يملكان القتال في هذه الحال، لكونهما مغلوبين هناك. مسألة: [دخول حربي إلى دار الإسلام بغير أمان، وأخذ مسلم له] قال أبو جعفر: (ومن دخل من أهل الحرب دار الإسلام، فأخذه رجل من المسلمين، فإن أبا حنيفة كان يقول: هو فيء لجميع المسلمين. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيء لمن أخذه خاصة، ولا خمس عليه فيه، وروي عنهما: أن فيه الخمس). قال أحمد: روي عن أبي حنيفة أيضا روايتان في وجوب الخمس

стр. 3066

فيه، فأوجبه في إحداهما، ولم يوجبه في الأخرى. وكان أبو الحسن الكرخي ﵁ يقول: إن الصحيح من مذهب أبي حنيفة: أن لا خمس فيه، والصحيح من مذهب أبي يوسف ومحمد: أن فيه الخمس. فأما وجه قول أبي حنيفة أنه فيء لكافة المسلمين: فهو أنه قد صار مظهورا عليه بدخوله دارنا، كما يصر مظهورا عليه لو غلبنا على دار الحرب، فكما يكون فيئا إذا ظهرنا على دار الحرب، كذلك بدخوله دارنا. وليس يقتضي صحة الظهور عليه أن يكون في يد إنسان بعينه، ألا ترى أن الظهور على دار الحري يوجب أن يكون جميع ما فيها فيئا وإن لم تحصل عليه يد، فكذلك هذا الحربي ينبغي أن يصير فيئا، بكونه مظهورا عليه بدخوله دارنا وإن لم يحصل في يد. وعن أبي يوسف ومحمد: لا يصير مظهور عليه بحصوله في دارنا حتى تحصل عليه يد، فيكون صاحب اليد أولى به، كالركاز غير مظهور عليه بكونه في دارنا، حتى إذا حصلت عليه يد لإنسان بعينه: كان أولى به، وفيه الخمس، كذلك حكم هذا الحربي. *وأما وجه قول أبي حنيفة في إسقاطه الخمس عنه: فهو أن الخمس إنما يجب فيما تثبت فيه سهام المقاتلة، فيكون لهم فيه أربعة أخماس، فإذا لم يجب فيه ذلك: لم يجب فيه الخمس. يدل على ذلك: الجزية وخراج الأرضين، أنه فيء ولا خمس فيه؛ لأن الأربعة الأخماس لم يستحقها المقاتلة.

стр. 3067

*ووجه الرواية الأخرى في إيجابه: أنه مظهور عليه، كما أنا إذا ظهرنا على دارهم: وجب فيه الخمس. مسألة: [ما غنمه فرد مسلم خرج إلى دار الحرب بغير إذن الإمام] قال أبو جعفر: (ومن دخل دار الحرب وحده بغير إذن الإمام، فغنم غنيمة: فهي له، ولا خمس فيه). قال أحمد: الأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. فلم يجعل للجيش حقا فيما لم يغنم بظهورهم وقوتهم، وجعل الحكم فيه إلى النبي ﷺ ، فما غنمه الرجل الداخل دار الحرب، مغيرا بغير إذن الإمام: فلا حق لسائر الناس فيه، ولا خمس فيه أيضا، لأنه غنمه بغير قوة الإمام والمسلمين، فلا يستحقون منه شيئا، ويكون هو أولى به، وذلك لأن الحق في الغنيمة إنما يجب بأحد وجهين: أحدهما: مباشرة القتال. والآخر: بأن يكون ردءا للمقاتلة، وكذلك حكم حق الخمس إنما يتعلق بذلك. *والواحد والاثنان إذا دخلا دار الحرب بغير إذن الإمام: فإنهما خارجان عن نصرة الإمام، فلم يستحق الخمس فيما غنماه.

стр. 3068

فإن قيل: يجب بعموم قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾. قيل له: ما يؤخذ على وجه التلصص ليس بغنيمة، إنما الغنيمة من أوجف عليه بالمنعة، وما أخذ على غير هذا الوجه، فهو بمنزلة أخذ المباحات من الصيد وغيره. *وليس كذلك إذا دخلها بإذن الإمام: فإنه يخمس ما غنمه، والباقي فهو له، لأن الإمام في هذه الحالة ردء له، فهو بمنزلة السرية، لأنه إذا أمره بذلك فعليه نصرته، وإذا خرج بغير إذنه فهو عاص، خارج عن نصرة الإمام له، ومعونته إياه. وقد روى محمد بن الحسن في السير عن سفيان الثوري عن عمال الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: "أتى النبي ﷺ رجل، فشكا إليه الحاجة فقال: اصبر، فرجع إلى قومه، فقال: قال: اصبر. قال: فذهب، فأصاب من العدو غنيمة، فأتى بها النبي ﵊ فأخبره، فطيبها له، فأنزل الله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا*

стр. 3069

ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴿. فلم يخمسه النبي ﷺ حين غنمه وحده بغير إذن النبي ﷺ . وأيضًا: فإنه إذا دخلها بغير إذن الإمام ولا منعة له، صار ما يأخذه من دار الحرب بمنزلة سائر المباحات المأخوذة من دار الحرب، أو دار الإسلام، كالصيد والحطب، فيكون له خاصة، ولذلك قال أصحابنا: إن كانوا جماعة لا منعة لهم: اشتركوا فيما أخذوا بالسواء، لا يفضل الفارس منهم على الراجل، كما يشتركون بالسواء في صيد لو صادوه. مسألة: قال أبو جعفر: (وكذلك الاثنان والثلاثة حتى يكون الداخلون لهم منعة، فيكونون بذلك في حكم السرية: فيُخمس ما أصابوا، كذلك قال محمد، ولم يحك خلافًا. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنهم كالواحد، ولا يُخمَّس ما أصابوا، حتى يكون عددهم تسعة فصاعدًا، فيكونون بذلك في حكم السرية، ويخمَّس ما أصابوا).

стр. 3070

قال أحمد: إذا صار لهم منعة: لم يعتبر فيه إذن الإمام في باب وجوب حق الخمس، وذلك أن ما أخذ على هذا الوجه فهو غنيمة؛ لأنه أوجف عليه بالمنعة، يدل عليه قوله تعالى:﴾ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴿، فصاروا بمنزلة السرية والجيش العظيم إذا دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام، فيخمَّس ما أصابوا. وأما محمد: فلم يذكر عددًا في ذلك، وإنما اعتبر أن يكون لهم منعة، وأبو يوسف اعتبر تسعة فصاعدًا، وطريق إثبات الأعداد والمقادير في مثل ذلك: الاجتهاد أو التوقيف، ولا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس، ومتى عدمنا التوقيف، وصار الأمر إلى الاجتهاد، سقط السؤال عنا في إقامة الدلالة على إثبات هذا المقدار بعينه دون غيره، لأن رجوعه حينئذ يكون إلى غالب الظن، وأكبر الرأي، كتقويم المستهلكات، وتقدير النفقات، ومهر المثل ونحوها. فإن قيل: فينبغي أن يكون لاعتبار التسعة دون غيرها جهة من الاجتهاد، لا بدَّ للقائل بها من إظهارها، والإبانة عنها. قيل له: جهة الاجتهاد فيه، أنَّ السرية التي يحصل بها امتناع في أكثر الحال، لا بد من أن تكون جماعة تدخل في حد الكثرة، والتسعة لها من المزية في ذلك ما ليس لغيرها، وهي أنَّ أقل الجمع الصحيح ثلاثة، والتسعة هي جمع الجمع، فيحصل بها معنى الكثرة التي يتعلق حكم

стр. 3071

الامتناع بها، فكانت هذه جهة يسوغ اعتبارها فيما وصفنا. مسألة: [كيفية تصرف الذين في السفينة إذا رماها العدوُّ بالنار] قال: (ومن كان من المسلمين في السفينة في البحر، فرماها العدو بالنار، فعملت فيها: فإن المسلم الذي فيها بالخيار: إن شاء صبر على النار حتى تحرقه، وإن شاء ألقى نفسه في الماء وإن كان يعلم أنه يموت فيه غرقًا. هكذا كان أبو حنيفة يقول. قال: وقال محمد: إن أيقن بالهلاك في الماء أو النار، لم يلق نفسه في الماء؛ لأنه يصير قاتلاً لنفسه بفعله، وهلاكه في السفينة ليس من فعله). قال أحمد: وذكر محمد جواب هذه المسألة في السير الكبير عن أبي حنيفة مجملاً، لم يفصل فيه وجوهها، فقال: قال أبو حنيفة: إذا أحرق المشركون سفينة من سفن المسلمين، فإن صبر المسلم على النار حتى تحرقه كان في سعة، وإن سقط في البحر فغرق كان في سعة، ولم يفصل وجوه المسألة في غلبة الظن في الرجاء، أو خوف الهلاك. وذكر محمد عن نفسه وجوه المسألة على أربعة أنحاء: إما أن يرجو النجاة في الماء، ولا يرجوها في السفينة: فيطرح نفسه إلى الماء. أو يرجوها في البقاء في السفينة، ولا يرجوها في إلقاء نفسه في الماء: فيثبت في السفينة، لا يسعه غير ذلك.

стр. 3072

أو يعتدل الرجاء والخوف في الثبات في السفينة أو إلقاء نفسه في الماء: فهو كما قال أبو حنيفة، هو بالخيار: إن شاء ثبت، وإن شاء ألقى نفسه في الماء. قال: وإن أيقن بالهلاك فيهما جميعًا، ثبت في السفينة، ولم يلق نفسه في الماء؛ لأن التغريق يكون من فعله، والإحراق من فعل غيره. قال أحمد: فحاصل موضع الخلاف بينهما: إذا حصل اليقين أو غلبة الظن في الهلاك، غرق نفسه، أو ثبت في السفينة: فقال أبو حنيفة: إن شاء ثبت، وإن شاء ألقى نفسه في الماء. وقال محمد: لا يسعه إلقاء نفسه في الماء إذا لم يرجُ به نجاة. فوجه قول أبي حنيفة: أن هلاكه بالماء أيسر عليه منه بالنار، فله أن يلقي نفسه في الماء، وقد قال أصحابنا جميعًا: لو قال له: لنعذبنَّك بالنار، أو لتلقين نفسك في الماء: أنه في سعة من إلقاء نفسه في الماء؛ لأن هلاكه على هذا الوجه، أيسر من هلاكه بالنار، وفيه دفع ضرر النار وما يلحق بها من الآلام عن نفسه. وأما إذا اعتدل الرجاء والخوف في الخلاص: فله أن يلقي نفسه في الماء عندهم جميعًا؛ لأنه يرجو الخلاص بإلقاء نفسه في الماء، فلم يكن فيه إعانة على قتل نفسه.

стр. 3073

مسألة: [حكم الإسهام لمن قاتل في البحر ومعه دابته] قال: (ومن غزا في البحر ومعه دابة: أسهم لها وإن كان لا يحتاج إلى القتال عليها فيه). وذلك لأنهم لو كانوا في البر فقاتلوا رجالة: استحق سهم الفارس من كان منهم معه فرس، لأن النزال أشد ما يكون في الحرب. قال عنترة: ودعوا نزالاً فكنت أول نازل .... وعلام أركبه إذا لم أنزل وقال آخر: لم يطيقوا أن ينزلوا منزلنا .... وأخو الحرب من أطاق النزالا فكما لم يبطل سهم الفارس بالنزول، كذلك إذا كانوا في البحر؛ لأن الحاجة إلى الفرس قائمة لو أنهم صاروا إلى الساحل. مسألة: [الذين تلزمهم الجزية] قال أبو جعفر: (ولا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرار البالغين المعتملين).

стр. 3074

قال أحمد: والأصل فيه أن الجزية واجبة على من كان منهم من أهل القتال، لقول الله تعالى:﴾ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴿الآية. فإنما أمر بأخذ الجزية ممن يقاتل، وليست المرأة ولا الصبيان والزمنى والشيوخ الضعفى من أهل القتال. وأيضًا: فلا خلاف بين الفقهاء أن الصبيان والنساء لا جزية عليهم، والمعنى فيهم: أنهم ليسوا من أهل القتال، فكل من كان بمثابتهم من الزمنى- والشيوخ منهم- حكمه حكمهم. وما روي أنَّ النبي ﵊: "أمر أن تؤخذ من كل حالم وحالمة دينار": فإنه كان على جهة الصلح.

стр. 3075

[مسألة: قدر الجزية] قال أبو جعفر: (ويؤخذ من الغني منهم ثمانية وأربعون درهمًا، ومن الوسط منهم أربعة وعشرون درهمًا، ومن الفقير اثنا عشر درهمًا). والأصل فيه: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه وضع الجزية على أهل السواد، وجعلهم ثلاث طبقات على نحو ما ذكرنا، وذلك بمحضر الصحابة، من غير نكير من أحد منهم عليه، ولا إظهار خلاف، فصار ذلك إجماعًا منهم، لا يسع خلافه. كما صالح بني تغلب على تضعيف الحق الذي يجب على المسلمين في مواشيهم. وكما وضع الخراج على أراضي السواد، وأقر أهلها عليها. ونظائر ذلك من الأمور التي عقدها لكافة الأمة على أصناف من الناس، فلم يختلف عليه فيها في عصره، ولا من بعده من الأئمة،

стр. 3076

فصار إجماعًا. وأيضًا: فكل عقد عقده إمام من أئمة العدل على كافة المسلمين، فهو لازم لأول الأمة وآخرها، لقول ﵊: "ويعقد عليهم أولهم". فإن قيل: فقد روى مسروق عن معاذ "أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا". قيل له: كان ذلك على وجه الصلح، ويدل عليه: ما روى محمد بن جعفر عن عوف عن الحسن قال: بلغني "أن رسول الله ﷺ فرض على أهل اليمن في كل عام على كل حالم: ذكرٍ أو أنثى، عبدٍ أو حرٍّ: دينارًا أو قيمته من المعافر". ومعلوم أنَّ المرأة لا يؤخذ ذلك منها إلا على وجه الصلح. مسألة: [حكم من لم يؤخذ منه الخراج حتى دخلت عليه سنة أخرى] قال: (ومن وجب عليه خراج رأسه، فلم يؤخذ منه حتى مضت السنة

стр. 3077

التي وجب فيها، ودخلت سنة أخرى: لم يؤخذ منه شيء لما مضى في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الجزية مأخوذة على وجه العقوبة؛ لقول الله تعالى:﴾ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴿، فلا يجوز أن يجتمع ذلك عليه لسنتين، كما لا يجوز أن يجتمع عليه إيجاب حدين من جنس واحد، لأن الحدود أيضًا عقوبات. وإنما اعتبر دخول السنة الثانية، لا مُضيُّها: من قبل أنَّ الخراج إنما يجب عليه في أول السنة، وفي حال ما أقررناه في دارنا بالذمة. ويدل عليه: قوله تعالى:﴾ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴿إلى قوله:﴾ حتى يعطوا الجزية عن يد ﴿. فأوجب قتالهم إلى وقت إعطاء الجزية، فصح أنَّ وجوبها متعلق بزوال القتال، والقتال لا محالة زائل عنهم بدخولهم في الذمة، فوجب أن تلزم الجزية في تلك الحال، ثم إذا مضت سنة وجبت أيضًا، فوجب الاقتصار على إحداهما على النحو الذي وصفنا في الحد. ويدل عليه: موافقة أبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة: أنَّ موته يسقطها، والمعنى فيه: أنَّ موضوعها لما كان موضوع الصغار والذلة، وكان ذلك

стр. 3078

معنى لا يتأتى بعد الموت: لم يجز أخذها؛ لأنها حينئذ تكون مأخوذة على غير وجهها، وإذا صح الاعتبار في الموت، صح أيضًا في دخول سنة أخرى، من حيث امتنع اجتماع عقوبتين عليه من جنس واحد. فإن قيل: الجزية لما كانت مأخوذة لأجل إقراره في دارنا، أشبهت الإجارة، فوجب أن لا يسقطها الموت، ولا دخول سنة في أخرى. قيل له: ليس موضوع الجزية موضوع الإجارة؛ لأن الإجارة بدل من منافع الشيء المستأجر، وليست الجزية بدلاً من شيء من المنافع، وإنما هي لأجل ترك قتاله فحسب، لقوله تعالى:﴾ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴿إلى قوله:﴾ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴿، فأخبر أن الجزية مأخوذة بزوال القتال عنهم. وأيضًا: فالذمي متصرف في دارنا في ملكه، فكيف يجب عليه أجرة ملكه؟ وأيضًا: فالأجرة ليست بصغار، والجزية صغار، فإذًا ليست بأجرة، وموضوعها موضوع الصغار، فلا يصح أخذها إلا على هذا الوجه، ومن أجل ذلك قالوا في الذمي إذا أسلم: إنه يسقط عنه خراج رأسه لما

стр. 3079

مضى إن لم يكن قد أداه، لأن أخذها في هذه الحال لا يجوز على جهة الذل والصغار، لأنه مسلم، فإذًا الجزية الواجبة على وجه الذل والصغار قد سقطت، والإسلام لا يُلزمه جزية أخرى. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جزية على مسلم"، وذلك يقتضي سقوط ما كان وجب عليه في الكفر بالإسلام. ولهذا المعنى قالوا فيمن وجبت عليه زكاة ماله ثم مات: إنها تسقط بالموت، ولا تؤخذ من ماله، إلا أن يوصي بها، فتؤخذ من جهة الوصية، لأن الزكاة عبادة، فيجب إخراجها على هذا الوجه، وذلك معنى يمنع إخراجها عنه بعد الموت، لأن الميت لا يجوز أن تبقى عليه عبادة، ولو أخذناها بعد الموت، لم تكن زكاة، إذ موضوع الزكاة أنها عبادة، فلا يصح أخذها إلا على هذا الوجه. وكذلك قال أبو حنيفة فيمن لزمته نفقة امرأته، ثم مات قبل أن يعطيها، أو ماتت هي: إنها تسقط. وكذلك لو أسلفها نفقة سنة، ثم مات أحدهما في الحال: لم يرجع في شيء مما أعطاها، وذلك لأن النفقة موضوعها موضوع الصِّلات، لأنها ليست ببدل عن شيء، لأن الاستمتاع وحبسها في بيته معنى مستحق عليها

стр. 3080

بعقد النكاح، فهو واقع في ملكه، وتصرف الإنسان في ملك نفسه لا يوجب عليه البدل، فدل أنَّ النفقة ليست ببدل عن شيء، وأن حكمها حكم الصلة والهبة، وذلك معنى يمتنع وقوعه بعد الموت، فلهذا سقط الماضي، ولم يرجع فيما أسلف، لأن الموت يقطع صحة الرجوع في الصلة، ولأنه لا يرجع فيما وهبه لامرأته. مسألة: [بيان قدر الخراج الذي فُرض على السواد] قال أبو جعفر: (وفي أرض السواد على كل جريب يصلح للزرع درهم وقفيز، وعلى كل جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم). قال أحمد: الأصل فيه: ما فعله عمر في أرض السواد، حين بعث حذيفة وعثمان بن حنيف لمساحتها، ووضع الخراج عليها، فلما رجعا أخبراه بذلك، وذكرا أنهما قد وضعا عليها الخراج على الوجه الذي ذكرنا، فقال: لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون؟

стр. 3081

فقالا: تركنا لهم فضلاً. فأقرَّ ذلك عمر بحضرة الصحابة، فثبتت حجته من جهة ما هو إجماع، ومن جهة أنَّ الخلفاء بعده لم يغيروه، وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقد مضى حكم الخلفاء الراشدين بذلك، فأوجب ذلك صحته. ومن جهة قوله ﷺ : "ويعقد عليهم أولهم". ويدل على صحة فعل عمر ذلك في السواد: ما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ ، قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم". فأخبر ﵊ عن مجيء الزمان الذي يمنع الناس فيه حقوق الله الواجبة، وأخبر أنَّ الحق الممنوع من أهل العراق الدرهم والقفيز، ألا ترى إلى قوله: "وعدتم كما بدأتم"، فثبت وجوب الدرهم والقفيز، اللذين وضعهما عمر على أرض السواد، فإنه كان حقًا وصوابًا، وإذا ثبت ذلك في الدرهم والقفيز، ثبت أيضًا في وضعه

стр. 3082

على الكرم والرطبة. [مسألة:] قال أبو جعفر: (وما كان من أرض السواد قد صنع للزعفران والفواكه، لا يصلح للزرع: وُضع عليه من الخراج بقدر ما يطيق). وذلك لما روي عن عمر حين قال لعثمان بن حنيف وحذيفة: "لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون؟ فقالا: بل تركنا لهم فضلاً"، فأخبرا أن هذا الحق موضوع على قدر الطاقة. مسألة: [وضع الجزية على العبد النصراني إذا عتق] قال: (ومن أعتق من المسلمين عبدًا نصرانيًا: وُضع عليه الخراج كما يوضع على النصراني النبطي). وذلك لقوله تعالى:﴾ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴿إلى قوله:﴾ حتى يعطوا الجزية

стр. 3083

عن يدٍ وهم صاغرون ﴿. فعم جميع أهل الكتاب بأخذ الجزية، ولم يفرق بين مولى المسلم وغيره. فإن قيل: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "مولى القوم منهم". قيل له: معلوم أنه لم يرد به أنه منهم في حكم الإسلام والكفر، لأن مولى المسلم لا يكون مسلمًا بإسلام معتقه، وكذلك مولى الكافر لا يكون كافرًا بكفر معتقه، وإذا لم يلحق به في حكم الإسلام والكفر، وكانت الجزية من أحكام الكفار: لم تسقط عنه لأجل إسلام مولاه المعتق. مسألة: [بيان المراد بدار الحرب ودار الإسلام] قال: (وإذا ارتد أهل بلد وقد جرى فيه حكمهم: فإنه يصير دار حرب، اتصلت بدار الحرب أم لم تتصل، في قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد: ولا تصير دار حرب عند أبي حنيفة حتى يجتمع فيها ثلاثة أشياء: أن تكون متاخمة لأرض الحرب، لا يكون بينها وبين دار الحرب شيء من دار الإسلام. والثاني: أن يجري حكم أهل الكفر فيها.

стр. 3084

والثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنًا. فإذا اجتمع فيها هذه الخلال الثلاث: صارت أرض حرب، ومتى قصر عن شيء منها: لم تكن دار حرب. قال أحمد: وذلك في نحو بلد القرمطي، أنه دار حرب وإن كان حواليه دار الإسلام في قولهما؛ لأن حكم الكفر قد ظهر فيه، لما أظهروا فيه من دين المجوس، وعبادة النيران، وشتم الرسول محمد ﷺ ، فلو أن إمامًا عادلاً ظهر عليهم: جاز له استغراق أهله بالقتل، وسبي النساء والذرية، بمنزلة سائر دور الحرب. ووجه هذا القول: أنَّ حكم الدار إنما يتعلق بالظهور والغلبة، وإجراء حكم الدين بها، والدليل على صحة ذلك: أنا متى غلبنا على دار الحرب،

стр. 3085

وأجرينا أحكامنا فيها: صارت دار الإسلام، سواء كانت متاخمة لدار الإسلام أو لم تكن، فكذلك البلد من دار الإسلام، إذا غلب عليه أهل الكفر، وجرى فيه حكمهم: ووجب أن يكون من دار الحرب. ولا معنى لاعتبار بقاء ذمي أو مسلم آمنًا على نفسه؛ لأن المسلم قد يأمن في دار الحرب، ولا يسلبه ذلك حكم دار الحرب، ولا يوجب أن يكون من دار الإسلام. * وأما وجه قول أبي حنيفة في اعتباره ما وصفنا من الخلال الثلاث: فهو أنها إذا لم تكن متاخمة لأرض الحرب، وحواليها دار الإسلام، فلا حكم لتلك الغلبة، لأنها بعدُ في منعة المسلمين، فهو بمنزلة سرية من أهل الحرب، لو التجؤوا إلى حصن من حصون المسلمين، وأحاط به جيش المسلمين، فلا يوجب حصولهم في الحصن، أن يصير الحصن من دار الحرب مع إحاطة جيوش الإسلام، فكذلك المدينة العظيمة إذا ارتد أهلها، أو غلب عليها أهلها، وحواليها مدن الإسلام، فمعلوم أنَّ منعة الإسلام باقية هناك، لإحاطتهم بها. * واعتبر أيضًا جريان الحكم، لأن الموضع الذي تحصل فيه السرية من بقاع دار الإسلام وإن كانت متصلة بأرض الحرب، لا تصير من دار الحرب، لأنهم غير متمكنين لإجراء الحكم، وكذلك سرية المسلمين إذا دخلت دار الحرب، لا تصير البقاع التي حصلوا فيها من دار الإسلام، ما لم يتمكنوا فيها لإجراء أحكامهم. * واعتبر أيضًا: أن لا يكون هناك مسلم أو ذمي آمنًا على نفسه، لأن
следующие страницы →