Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
فقالا: تركنا لهم فضلاً.
فأقرَّ ذلك عمر بحضرة الصحابة، فثبتت حجته من جهة ما هو إجماع، ومن جهة أنَّ الخلفاء بعده لم يغيروه، وقال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقد مضى حكم الخلفاء الراشدين بذلك، فأوجب ذلك صحته.
ومن جهة قوله ﷺ : "ويعقد عليهم أولهم".
ويدل على صحة فعل عمر ذلك في السواد: ما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ ، قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم".
فأخبر ﵊ عن مجيء الزمان الذي يمنع الناس فيه حقوق الله الواجبة، وأخبر أنَّ الحق الممنوع من أهل العراق الدرهم والقفيز، ألا ترى إلى قوله: "وعدتم كما بدأتم"، فثبت وجوب الدرهم والقفيز، اللذين وضعهما عمر على أرض السواد، فإنه كان حقًا وصوابًا، وإذا ثبت ذلك في الدرهم والقفيز، ثبت أيضًا في وضعه
стр. 3082
على الكرم والرطبة.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (وما كان من أرض السواد قد صنع للزعفران والفواكه، لا يصلح للزرع: وُضع عليه من الخراج بقدر ما يطيق).
وذلك لما روي عن عمر حين قال لعثمان بن حنيف وحذيفة: "لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون؟ فقالا: بل تركنا لهم فضلاً"، فأخبرا أن هذا الحق موضوع على قدر الطاقة.
مسألة: [وضع الجزية على العبد النصراني إذا عتق]
قال: (ومن أعتق من المسلمين عبدًا نصرانيًا: وُضع عليه الخراج كما يوضع على النصراني النبطي).
وذلك لقوله تعالى:﴾ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴿إلى قوله:﴾ حتى يعطوا الجزية
стр. 3083
عن يدٍ وهم صاغرون ﴿.
فعم جميع أهل الكتاب بأخذ الجزية، ولم يفرق بين مولى المسلم وغيره.
فإن قيل: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "مولى القوم منهم".
قيل له: معلوم أنه لم يرد به أنه منهم في حكم الإسلام والكفر، لأن مولى المسلم لا يكون مسلمًا بإسلام معتقه، وكذلك مولى الكافر لا يكون كافرًا بكفر معتقه، وإذا لم يلحق به في حكم الإسلام والكفر، وكانت الجزية من أحكام الكفار: لم تسقط عنه لأجل إسلام مولاه المعتق.
مسألة: [بيان المراد بدار الحرب ودار الإسلام]
قال: (وإذا ارتد أهل بلد وقد جرى فيه حكمهم: فإنه يصير دار حرب، اتصلت بدار الحرب أم لم تتصل، في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: ولا تصير دار حرب عند أبي حنيفة حتى يجتمع فيها ثلاثة أشياء:
أن تكون متاخمة لأرض الحرب، لا يكون بينها وبين دار الحرب شيء من دار الإسلام.
والثاني: أن يجري حكم أهل الكفر فيها.
стр. 3084
والثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنًا.
فإذا اجتمع فيها هذه الخلال الثلاث: صارت أرض حرب، ومتى قصر عن شيء منها: لم تكن دار حرب.
قال أحمد: وذلك في نحو بلد القرمطي، أنه دار حرب وإن كان حواليه دار الإسلام في قولهما؛ لأن حكم الكفر قد ظهر فيه، لما أظهروا فيه من دين المجوس، وعبادة النيران، وشتم الرسول محمد ﷺ ، فلو أن إمامًا عادلاً ظهر عليهم: جاز له استغراق أهله بالقتل، وسبي النساء والذرية، بمنزلة سائر دور الحرب.
ووجه هذا القول: أنَّ حكم الدار إنما يتعلق بالظهور والغلبة، وإجراء حكم الدين بها، والدليل على صحة ذلك: أنا متى غلبنا على دار الحرب،
стр. 3085
وأجرينا أحكامنا فيها: صارت دار الإسلام، سواء كانت متاخمة لدار الإسلام أو لم تكن، فكذلك البلد من دار الإسلام، إذا غلب عليه أهل الكفر، وجرى فيه حكمهم: ووجب أن يكون من دار الحرب. ولا معنى لاعتبار بقاء ذمي أو مسلم آمنًا على نفسه؛ لأن المسلم قد يأمن في دار الحرب، ولا يسلبه ذلك حكم دار الحرب، ولا يوجب أن يكون من دار الإسلام.
* وأما وجه قول أبي حنيفة في اعتباره ما وصفنا من الخلال الثلاث: فهو أنها إذا لم تكن متاخمة لأرض الحرب، وحواليها دار الإسلام، فلا حكم لتلك الغلبة، لأنها بعدُ في منعة المسلمين، فهو بمنزلة سرية من أهل الحرب، لو التجؤوا إلى حصن من حصون المسلمين، وأحاط به جيش المسلمين، فلا يوجب حصولهم في الحصن، أن يصير الحصن من دار الحرب مع إحاطة جيوش الإسلام، فكذلك المدينة العظيمة إذا ارتد أهلها، أو غلب عليها أهلها، وحواليها مدن الإسلام، فمعلوم أنَّ منعة الإسلام باقية هناك، لإحاطتهم بها.
* واعتبر أيضًا جريان الحكم، لأن الموضع الذي تحصل فيه السرية من بقاع دار الإسلام وإن كانت متصلة بأرض الحرب، لا تصير من دار الحرب، لأنهم غير متمكنين لإجراء الحكم، وكذلك سرية المسلمين إذا دخلت دار الحرب، لا تصير البقاع التي حصلوا فيها من دار الإسلام، ما لم يتمكنوا فيها لإجراء أحكامهم.
* واعتبر أيضًا: أن لا يكون هناك مسلم أو ذمي آمنًا على نفسه، لأن
стр. 3086
كونه آمنًا على نفسه، يبقي الموضع في حكم دار الإسلام على ما كان عليه، وذلك يمنع من انتقاله إلى حكم دار الحرب.
قال أحمد: والذي أظن أنَّ أبا حنيفة إنما قال ذلك على حسب الحال التي كانت في زمانه من جهاد المسلمين أهل الشرك، فامتنع عنده أن تكون دار حرب في وسط دار المسلمين، يرتد أهلها فيبقون ممتنعين دون إحاطة الجيوش بهم من جهة السلطان، ومطوعة الرعية.
فأما لو شاهد ما قد حدث في هذا الزمان، من تقاعد الناس عن الجهاد، وتخاذلهم، وفساد من يتولى أمورهم، وعداوته للإسلام وأهله، واستهانته بأمر الجهاد، وما يجب فيه، لقال في مثل بلد القرمطي بمثل قول أبي يوسف ومحمد، بل في كثير من البلدان التي هذه سبيلها، مما نكره ذكره في هذا الموضع.
مسألة: [حكم ديار المسلمين التي استعادها المسلمون بعد أن ارتدت وصارت دار حرب]
قال أبو جعفر: (وإن افتتح المسلمون ما قد صار من دور أهل الإسلام دار حرب، فجاء أهله قبل أن يقسم: ردَّه عليهم، وعاد على حكمه الأول من الخراج والعشر، وإن جاؤوا بعد ما قُسم: لم يأخذوه إلا بالقيمة، فإذا أخذوه بها، عاد إلى حكمه الأول أيضًا، إلا أن يكون الإمام قد جعل عليه الخراج قبل ذلك، فإنه إن كان ذلك، فإنه لا يزول عنه الخراج بعد ذلك).
قال أحمد: من أصلهم: أنَّ المالك الأول إذا أخذ ما غلب عليه أهل الحرب نحو ملكه المتقدم، أنه يعود إليه على حكم الملك الأول، ويفسخ صك الذي أخذه منه، كأنه لم يكن، وإذا عاد إليه على حكم الملك
стр. 3087
المتقدم، عادت الأرض إلى حكمها بدءًا، فإن كانت من أرض الخراج أو العشر، عادت إليه على ما كانت عليه، ويسقط حكم ما يثبت عليها في الملك الثاني.
وهو بمنزلة ذمي اشترى أرض عشر شراء فاسدًا، فجعل عليه الخراج، ثم إن البائع فسخ البيع فيها، فتعود إليه على ما كانت عليه من العشر، ويسقط حكم ملك المشتري، كأنه لم يكن.
وكذلك قالوا: لو اشتراها الذمي شراء صحيحًا، فجُعل عليه فيها الخراج، ثم أخذها مسلم بالشفعة: أنها تعود إلى العُشر، ويسقط ما كان جُعل عليه من الخراج، والمعنى في ذلك: أنَّ المالك الأول إنما يثبت له الحق في فسخ ملك المشتري، وإعادته إلى ملكه على ما كانت عليه، كما ثبت ذلك للبائع بيعًا فاسدًا، فإذا عادت إليه على الملك الأول، عادت إليه بحقوقها، وسقط الحق الذي يتعلق بها في ملك الثاني.
والشفيع أيضًا بهذه المنزلة، لأن حقه سابق لحقِّ المشتري، لأن حقه يجب بخروج الشيء من ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتري، لأن حقه يجب بخروج الشيء من ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتؤي، ألا ترى أنَّ حقه يجب مع شرط الخيار للمشتري وإن لم يدخل في ملكه بخروجه من ملك البائع.
قال أحمد: وذكر أبو جعفر أنَّ الإمام إذا كان قد جعل عليها الخراج قبل مجيء المالك الأول، ثم جاء الأول فأخذها، أنَّ الخراج لا يزول
стр. 3088
عنها، ولا أدري من أين وقعت إليه هذه الرواية؟
وقد قال محمد في الزيادات: إنها إذا كانت عشرية في الأصل، فغلب عليها العدو، ثم ظهر عليها الإمام، وأقر أهلها عليها، وجعلها أرض خراج، ثم جاء المالك الأول: أنه يأخذها بالقيمة، وتعود إلى ما كانت عليه من العشر، ويبطل الخراج الذي وضعه عليها الإمام.
مسألة: [إذا عجز شخص عن عمارة أرضه الخراجية]
قال: (ومن كانت له من المسلمين أرض خراج، فعجز عن عمارتها: أجرها الإمام عليه، وأخذ من أجرتها الواجب عليه من خراجها، ثم دفع باقي فضلها إليه).
قال أحمد: وهذا ينبغي أن يكون قول أبي يوسف ومحمد، دون قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة لا يرى جواز الحجر على الحر البالغ، ولا بيعه وإجارته عليه، ولكنه يأمره بذلك من غير أن يعقد الإمام عليه عقد إجارة بغير أمره.
وفي قولهما قد يجوز الحجر على الحر لأسباب توجيه، وحقوق المسلمين ثابتة في الأرض، إذا أمكن الإمام أن يتوصل إليها بالإجارة: فعل ذلك.
وقد روي "عن علي ﵁ في رجل أسلم من أهل السواد: أنه
стр. 3089
إن أقام على أرضه، وإلا فنحن أحق بها".
ومعناه: بإجارتها، واستيفاء حق الخراج منها.
وروي نحوه عن عمر في دهقانة نهر الملك حين أسلمت.
* ... * ... * ... *
стр. 3090
كتاب الصيد والذبائح
مسألة: [ما يجوز الذبح به]
قال أبو جعفر: (وكل ما ذبح به، فأنهر الدم، وقطع الأوداج، فإنه يؤكل المذبوح به، إلا أن يكون المذبوح به سنًّا قائمة في صاحبها، أو ظفرًا قائمًا في صاحبه: فإنه لا يؤكل ما ذبح بهما).
قال أحمد: أما جواز الذبيحة بسائر ما ذكرنا، فإن الأصل فيه: ما حدثونا به عن أبي داود عن موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن أحدنا أصاب صيدًا، وليس معه سكين، أيذبح بالمروة، وشقة العصا؟ قال: أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم
стр. 3091
الله ".
وروى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني حارثة "أنه كان يرعى لفحة بشعب من شعاب أحد، فأخذها الموت، فلم يجد شيئًا ينحرها به، فأخذ وتدًا، فوجأ به في لبتها حتى أهريق دمها، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأمره بأكلها".
فعموم هذه الأخبار يقتضي جواز الذبيحة بسائر الآلات، فلولا ما روي في استثناء الظفر والسن، لأجزنا الذبيحة بهما.
وذلك ما رواه سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: "أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنا نلقى العدو غدًا، وليس معنا مُدَى، فقال رسول الله ﷺ : ما أنهر الدم، وذكرت اسم الله: فكل، ما لم يكن سن أو ظفر،
стр. 3092
وسأحدثكم بذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة".
فخصصنا السن والظفر من جملة الآلات التي يقع بها الذبح بهذا الخبر، وجمعنا بينه وبين سائر الأخبار المتقدمة في الاستعمال.
وإنما أجزنا الذبيحة بالظفر أو السن المنزوعين: من قبل وجود دلالة اللفظ على أنَّ المراد غير المنزوعين؛ لأنه قال في الظفر: إنه مدى الحبشة، وأولئك إنما يذبحون به وهو قائم في الإصبع.
وأيضًا: فإنه قال: "أنهر الدم بما شئت غير مثرد"، والتثريد: التقطيع من غير فري، وذلك يكون في السن أو الظفر القائمين غير المنزوعين، فأما إذا كانا منزوعين، فهما بمنزلة شقة العصا، والمروة ونحوهما.
مسألة: [حكم التسمية على الذبيحة]
قال أبو جعفر: (من ترك التسمية على ذبيحته، أو على إرسال جارحة متعمدًا: لو تؤكل ذبيحته ولا صيده، وإن ترك ذلك ناسيًا: أكلت ذبيحته وصيده).
стр. 3093
أما إذا تركها متعمدًا، فإن الأصل في امتناع جواز أكلها: قول الله تعالى:﴾ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ﴿، فاقتضى عمومه تحريم جميع ما تركت التسمية عليه.
فإن قيل: إن حكم هذه الآية مقصور على السبب الذي نزلت عليه، وذلك لأن المشركين جادلوا المسلمين، فقالوا: تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلون مما قتل الله؟! فأنزل الله تعالى ذلك.
فيدل على أنها نازلة على سبب قوله تعالى في سياق التلاوة:﴾ وإن
стр. 3094
الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴿، وإنما أنزل الله ذلك ردًا لقولهم، وحظرًا لأكل ذبائح المشركين، لأنهم يهلون به لغير الله.
وهو نظير قول الله تعالى:﴾ وما أهل لغير الله به ﴿، وهو ذبائح المشركين.
قيل له: نزول الآية على سببٍ، لا يوجب الاقتصار بحكمها على ما نزلت فيه، بل الحكم عندنا للفظ إذا كان أعم من السبب.
وعلى أنه إن كان المراد بها ما ذكرت من تحريم ذبائح المشركين: فليس فيه ما يوجب تخصيص حكمه فيما وصفت، دون ما اقتضاه اللفظ؛ لأنه جعل ترك التسمية عليه علمًا لكونه ميتًا، فصار ذلك عبارة عنها، ولا فرق حينئذ بين ما تُرك عليه التسمية وبين الموت، فدلالتها قائمة مع نزولها على السبب من الجهة التي وصفنا.
فإن قيل: هذا يقتضي تحريم أكله مع ترك التسمية عليه ناسيًا.
قيل: هو كذلك، إلا أنا خصصناه بدلالة.
وأيضًا: فإن سياق الآية ما يدل على أنَّ المراد حال العمد دون النسيان، لأنه قال:﴾ وإنه لفسق ﴿، والناسي لا يلحقه حكم التفسيق فيما هو ناسٍ له.
стр. 3095
فإن قيل: قوله:﴾ وإنه لفسق ﴿: يدل على أنَّ المراد ذبيحة المشرك، لاتفاق الجميع على أن مستبيح أكله مع ترك التسمية عامدًا: لا يلحقه حكم التفسيق.
قيل له: قد يلحقه حكم التفسيق عندنا من وجه، وهو أن يعتقد تحريمه على الوجه الذي قلنا، ثم يأكله، وإنما لم يفسق من لم يعتقد تحريمه؛ لأنه ذهب عن ظاهر الآية بضربٍ من التأويل.
وأيضًا: فإن قوله:﴾ وإنه لفسقٌ ﴿: عمومه يوجب تفسيق آكله على جميع الوجوه، إلا أنَّ الدلالة قد قامت في بعض المواضع على زوال سمة الفسق عنه، فخصصناه بالدلالة، وبقي حكم العموم فيما اقتضاه اللفظ.
وأيضًا: قوله:﴾ وإنه لفسقٌ ﴿: لا يقتضي أن يكون تحريم الأكل فيما لم تذكر عليه التسمية مقصورًا فيما يلحق متناوله سمة الفسق، إذ لا يمتنع إجراء حكم على عموم لفظ، ثم عطفه عليه ببعض ما يتناوله اللفظ، ولا يقتضي ذلك الاقتصار بحكم اللفظ العام على ما تناوله حكم المعطوف.
كقوله:﴾ ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا ﴿، وذلك عام في الأبوين المسلمين والكافرين، وقوله:﴾ وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به
стр. 3096
علمٌ ﴿، حكم خاص في الكافرين، ولم يقتض ذلك خصوص حكم ابتداء الخطاب، ونظائره كثيرة.
* ومن جهة الأثر: ما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال: قال عدي بن حاتم: "سألت النبي ﷺ عن المعراض، فقال: إذا أصاب بحَدِّه فكل، وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل، فإنه وقيذ.
قلت: أرسل كلبي؟ قال: إذا سمَّيت فكل، وإلا فلا تأكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه.
وقال: أرسل كلبي فأجد كلبًا عليه آخر؟ فقال: لا تأكل؛ لأنك إنما سميت على كلبك".
وقد رُوي هذا الخبر عن عدي بن حاتم من وجوه، في جميعها: "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله تعالى عليه، فكل".
فجعل التسمية شرطًا في إباحة أكله، لأن عديًّا سأله عما يحل أكله من الصيد، فأجابه عن جميع ما يحلُّ، وجعل شرط إحلاله وجود التسمية.
* وأما خبر عبد الله بن أبي السفر الذي ذكرناه بدءًا، ففيه نص من
стр. 3097
وجهين على تحريم أكله إذا ترك التسمية:
أحدهما: قوله: "إذا سميت فكل، وإلا فلا تأكل" فنهاه عن الأكل عند ترك التسمية.
الوجه الثاني: وقال: "إذا وجدت عليه كلبًا، فلا تأكل؛ لأنك إنما سميت على كلبك"، وأخبر أنَّ ترك التسمية، هو الموجب لتحريمه.
فإن قال قائل: ذكر اسم الله تعالى على وجهين:
أحدهما: باللسان، والآخر: بالقلب والاعتقاد، وهو الدين، وتسمية المسلم في قلبه، فاستغنى بها عن التسمية بالقول.
كما روي: "إن خير الذكر: الخفي".
قيل له: إذا قيل:﴾ فاذكروا اسم الله ﴿، فإن ذكر التسمية لا يكون إلا بالقول؛ لأن الاسم هو ما يوجد مقولاً مذكورًا، فأما اعتقاد الإنسان للإيمان، فليس يسمى ذكر اسم الله.
وأيضًا: قد اتفقنا على جواز ذبيحة النصراني واليهودي عند وجود التسمية بالقول، ولو كان معنى التسمية من طريق اعتقاد الديانة، لما جازت ذبيحة الكتابي، لعدم اعتقاد الإيمان معه.
стр. 3098
وأيضًا: فإن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم: "وإن لم تسم، فلا تأكل"، وكان هو مسلمًا، وقال: "لا تأكل صيد الكلب الآخر، لأنك لم تسم عليه".
فإن قيل: لو كانت التسمية شرطًا في الذبيحة، لوجب أن لا يختلف فيها حكم العمد والسهو، كما أن فري الأوداج والحلقوم لما كان شرطًا فيها، لم يختلف حكم السهو والعمد في امتناع جوازها عند تركه.
قيل له: ليس يمتنع اختلاف حكم السهو والعمد في بعض شرائط الذبيحة دون بعض، كما قلنا جميعًا في أنَّ ترك الكلام من شرائط الصلاة، ثم اختلف فيه حكم السهو والعمد عندك، وترك الجماع أيضًا من شرائطها، ثم استوى حكم السهو والعمد في إفسادها.
وكذلك الأكل والمشي، وقلنا جميعًا إن ترك الأكل في الصوم من شرائط صحته، واختلف السهو والعمد.
ووجود النية من شرائط صحته أيضًا، واستوى حكم السهو والعمد في امتناع جوازه عند عدمها.
فليس يمنع أيضًا أن تكون التسمية من شرائط جواز الذبيحة، ويختلف حكم السهو والعمد فيه.
فإن احتجوا: بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنهم "قالوا: يا رسول الله! إن قومنا حديثو عهدٍ بالجاهلية، يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لم يذكروا، أفنأكل منها؟
стр. 3099
فقال رسول الله ﷺ : سموا وكلوا".
فأباح ﵊ أكله، وإن لم يعلموا بوجود التسمية عليه قيل له: لولا أنَّ التسمية شرط في إباحته، لأخبرهم ﵊ بأنه لا بأس بأكله مع ترك التسمية، ولأعلمهم فساد اعتقادهم في أنَّ ترك التسمية مانع من أكله، فلما لم ينكر عليهم ذلك، دل ذلك على صحة ما وصفنا.
وإنما أباح لهم أكله؛ لأنه حمل أمور المسلمين على الصحة، وعلى ما يجوز دون المحظور، وكذلك نقول في ذبائح المسلمين أنها تؤكل ما لم نعلم أنه ترك التسمية عليها عامدًا.
فصل: [حكم ترك التسمية نسيانًا]
وأما إذا ترك التسمية عليها ناسيًا: فإنه يؤكل عند أصحابنا، وهو مذهب ابن عباس ﵁، والحسن وعطاء وسعيد بن جبير.
* وروي عن ابن عمر وإبراهيم النخعي وابن سيرين: أنه لا يؤكل، ويروى نحوه عن عبد الله بن يزيد الخطمي.
والحجة لقولنا: ما روى بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي
стр. 3100
رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه".
فأسقط عنه حكم لزوم التسمية في حال النسيان، فوجب أن لا يفسد بتركها.
وأيضًا: فهو غير مكلَّف للتسمية في حال النسيان؛ لأن الناسي لا يصح تكليفه، وإذا كان كذلك، فقد حصلت الذبيحة على الوجه المباح، فيجوز أكلها.
فإن قيل: النسيان لا يسقط بقاء حكم التكليف، كما لو نسي صلاة، لزمه قضاؤها.
قيل له: هذه الصلاة التي تلزمه في حال الذكر، إنما هي فرضٌ لزم في الحال، وليست هي صلاة الوقت المنسية، وهو فلم يكن مكلفًا للصلاة في حال النسيان، وليس بعد وقوع الذبح على الوجه المباح ذبيحة أخرى يتعلق بها حكم الوجوب، فلذلك لم يلزمه شيء بعد الذكر.
مسألة: [جواز الصيد بكل ذي ناب أو مخلب]
قال أبو جعفر: (ولا بأس بالصيد بكل ذي نابٍ من السباع، وذي مخلب من الطير).
стр. 3101
والأصل في ذلك: قول الله تعالى:﴾ وما علمتم من الجوارح مكلبين ﴿، فاحتمل قوله:﴾ الجوارح ﴿: معنيين:
أحدهما: الكواسب التي تكسب على نفسها بالاصطياد، على معنى قوله تعالى:﴾ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴿، يعني ما كسبتم، وذلك إنما يكون في ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير؛ لأن ما عداهما لا يكسب على نفسه باصطياد الحيوان.
والمعنى الآخر: أن يكون الجوارح من الجارحة نفسها، وهو ما يجرح بنابٍ أو مخلب، فيكون المراد أيضًا: ذا الناب من السباع، وذا المخلب من الطير، فكان الوصفان جميعًا يرجعان إلى شيء واحد.
الوجه الثاني: يقتضي أن تكون الإباحة معقودة بشرط وجود الجراحة في المصيد.
стр. 3102
وأما قوله:﴾ مكلبين ﴿: فقد ذكر أنَّ معناه: مضرون، يعني التضرية على الصيد، ومعناه: التعليم.
فالآية أفادت ثلاثة معانٍ:
أحدها: جواز الاصطياد بكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير.
والثاني: أن يكون من شرط ذلك أن يكون معلَّمًا بقوله:﴾ وما علمتم من الجوارح مكلبين ﴿، وبقوله:﴾ تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿.
والثالث: أن يكون قتل الصيد بجارحة تحصل فيه.
ويدل على أن معنى الآية منتظم للسباع والطير: ما رواه جماعة عن عبد العزيز بن مسلم عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله! إن هذا الحي من طيء يتصيدون بهذا الكلب والطير، فما يحل لنا منها؟
стр. 3103
فقال رسول الله ﷺ :﴾ وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ﴿الآية"، فأجابه عن الطير والكلب جميعًا بالآية، فدل على أنَّ المراد بهذا الأمران جميعًا.
مسألة: [ذبيحة من قطع الأكثر من الأوداج والحلقوم والمريء]
قال: (ومن ذبح ذبيحة، فقطع الأكثر من الأوداج ومن الحلقوم والمريء قبل أن تموت، ثم ماتت: أكلها).
وذلك لقول النبي ﷺ : "أنهر الدم بما شئت".
وقوله: "إذا أنهرت الدم غير مثرد: فكل".
وقال: "إذا أنهرت الدم وفريت الأوداج: فكل"
وفي حديث عطاء بن يسار الذي قدَّمنا في أول الباب: "أنَّ رجلاً أخذ وتدًا وجأَ به في لبة شاة، حتى أهريق دمها، ثم أخبر رسول الله صلى الله
стр. 3104
عليه وسلم بذلك، فأمره بأكلها".
فأباح له أكلها وإن لم يقطع الأوداج والحلقوم كلها.
فإن قيل: فلم يفرق في هذه الأخبار بين قطع النصف أو أقل، وقد قلت: إنه إذا بقي من هذه الأشياء النصف أو أكثر: لم يؤكل.
قيل له: إنه وإن لم يذكر في الخبر، فقد قامت الدلالة من الأصول على أنَّ المراد قطع الأكثر، وأن بقاء الشيء اليسير منه لا حكم له.
وجه الدلالة على ذلك: أنا وجدنا بقاء الأكثر من الأذن والذنب بمنزلة بقاء الجميع في باب جوازه من الأضحية، وذهاب الأكثر أو النصف منه بمنزلة ذهاب الجميع، لما روي عن النبي ﵊ أنه: "نهى أن يُضحَّى بالعضباء"، وقال سعيد بن المسيب:
стр. 3105
"هي التي قد قُطع الأكثر من أذنها".
فلما تعلق الحكم في باب جوازه عن الأضحية بالأكثر، وسقط حكم الأقل، قلنا في باب جواز الذكاة: يقطع الأكثر منه، وأسقطنا حكم الأقل؛ لأن ذلك حكم يتعلق بالذبيحة في الحالين.
وأيضًا: فإنه إذا قطع الأكثر منها، لم يبق فيه من الحياة إلا بمقدار اضطراب المذبوح بعد قطع جميعها، فصار الجميع كأنه مقطوع.
ولاتفاق الفقهاء على أنه إن بقيت من واحد من هذه الأشياء شظية: لم يمنع ذلك صحة الذكاة، فعلمنا أنَّ اليسير من ذلك معفو عنه، ولا حكم لبقائه.
مسألة: [الذبح من أي موضع من الحلق]
قال: (ولا بأس بالذبح في الحلق: أسفله ووسطه وأعلاه).
وذلك لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أنهرت الدم، وفريت الأوداج: فكل"
وقال: "الذكاة في النحر واللَّبة"، ولم يخص منه موضعًا بعينه.
стр. 3106
مسألة: [حكم من ذبح فقطع رأس البهيمة]
قال: (ومن ذبح ذبيحة، فقطع رأسها: لم تحرم بذلك عليه إذا كان قد قطع الأكثر من أوداجها ومن حلقومها ومن مريئها قبل موتها).
وذلك لقول النبي ﵊: "إذا أنهرت الدم، وفريت الأوداج: فكل"، وقال: "أنهر الدم بما شئت"
مسألة: [الإبل تنحر والبقر والغنم تذبح]
قال: (والإبل تنحر ولا تذبح، والبقرة والغنم تذبح ولا تنحر، وإن ذبح الجميع، أو نحر الجميع: كان مسيئًا، ولم تحرم بذلك).
قال أحمد: الأصل في ذلك: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا".
قال غير مسلم: يقول: فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
فندب ﵊ إلى الوجه الذي هو أيسر على البهيمة،
стр. 3107
ونحر البعير أيسر من ذبحه؛ لأنه إذا ذبح احتاج إلى قطع أجزاء كثيرة من اللحم إلى أن يبلغ الحلقوم والمريء، فكان النحر أوحى لإراحته، وفي الذبح زيادة في إيلامه من غير فائدة.
وأما البقرة والشاة، فذبحهما أيسر عليهما؛ لأنه ليس على مذبحهما من اللحم ما يمنع سرعة الوصول إلى موضع الذكاة، فكانت ذكاتهما على هذا الوجه أوحى وأيسر.
فإذا ذبح ما ينحر، أو نحر ما حكمه أن يذبح: كان مذكَّى؛ لقوله ﵊: "الذكاة في النحر واللبة"، وقوله: "إذا أنهرت الدم، وفريت الأوداج، فكل".
ولأن هذا بمنزلة ما لو ذبح بسكين كالَّة، أو ذبح من القفا: فلا يمنع ذلك صحة الذكاة، ويكره لزيادة الإيلام الذي يقع فيها.
مسألة: [حكم ذبائح أهل الكتاب وصيدهم]
قال: (وذبائح أهل الكتاب وصيدهم جائزٌ حلالٌ للمسلمين).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ﴿
стр. 3108
وهو عام في سائر الأطعمة من الذبائح وغيرها.
وروي عن مجاهد وإبراهيم في تأويل هذه الآية: أنه الذبائح، وهذا لا خلاف فيه بين السلف، ولا بين فقهاء الأمصار.
فإن قيل: هذا في غير الذبائح.
قيل له: لا يجوز إخراج الذبائح منه، بدلالة أنَّ العموم يقتضيه.
وعلى أنا لو أخرجنا الذبائح منه، لخلت الآية من الفائدة؛ لأن ما عدا الذبائح لا يختلف فيه حكم جميع الناس مسلمهم وكافرهم، فالظاهر يقتضي أن يكون ذلك في الذبائح خاصة.
فإن قال: المراد أهل الكتاب الذين قد أسلموا.
قيل له: إذا أسلموا: لم يكونوا أهل الكتاب، ويكونون مسلمين من أهل القرآن.
فإن قال: هذا كقوله:﴾ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ﴿.
قيل له: المراد الذين كانوا من أهل الكتاب، فآمنوا بالنبي ﵊.
وعلى أنه لو كان هذا هو المراد: سقطت فائدة الآية؛ لأنه معلوم جواز
стр. 3109
ذبائح المسلمين بغير هذه الآية.
مسألة: [تحريم ما ذبح باسم المسيح]
قال: (ومن سمى على ذبيحته باسم المسيح: لم تؤكل ذبيحته)
وذلك لقول الله تعالى:﴾ حرمت عليكم الميتة والدم ﴿إلى قوله:﴾ وما أهل لغير الله به ﴿وهذا مما قد أهل به لغير الله.
مسألة: [حل ما غاب عنا من طريقة ذبحهم]
قال أبو جعفر: (ومن غاب عنه ما كان منهم في ذبائحهم: لم يكن عليه ترك شيء منها، وكان له أكلها).
وذلك لأنا نحمل أمرهم على الصحة، وعلى ما يجوز، حتى يظهر خلافه، كما يُحمل أمر أهل الملة في ذبائحهم على الصحة والجواز، حتى يظهر خلافه من تركه التسمية عامدًا، وترك قطع الأوداج والحلقوم.
وجائز أن يكون الذابح معتقدًا في الباطن للإلحاد، وللمعاني التي تمنع جواز ذبيحته، ثم حملنا أمرهم مع ذلك على الجواز، كذلك ما وصفنا، وعموم الآية أيضًا يدل على ذلك.
стр. 3110
مسألة: [ذبائح نصارى العرب]
قال أبو جعفر: (وذبائح نصارى العرب وصيدهم كذبائح سواهم وصيدهم).
وذلك لعموم قوله تعالى:﴾ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴿.
ولأن المعنى في العرب وغيرهم: أنهم أهل كتاب، فلا يختلف حكمهم بالأنساب.
* وقد روي محمد بن سيرين عن عبيدة قال: سألت عليًا ﵁ عن ذبائح نصارى العرب، فقال لا تحل ذبائحهم، فإنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوجوا من نسائهم، فإن الله تعالى قال في كتابه العزيز:﴾ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴿.
فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية: كانوا منهم".
رواه حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس.
стр. 3111
وروي عن عمر بن الخطاب تجويز ذبائح أهل الكتاب، من غير فرق بين العرب وغيرهم.
وعموم اللفظ يقتضي دخول الجميع فيه.
وقوله تعالى:﴾ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴿: يقتضي ذلك أيضًا.
وقد روى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة بن حذيفة "عن عدي بن حاتم أنه لما جاء إلى النبي ﵊، وقال له أسلم تسلم، فقلت له: إن لي دينًا، فقال: أنا أعلم بدينك منك. قلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: نعم، ألست ركوسيًا؟ قلت: بلى، قال: ألست ترأس قومك؟ قال: قلت: بلى، قال: ألست تأخذ المرباع؟ قال: قلت: بلى، قال: ولا يحل لك في دينك"
فدل هذا الخبر من وجوه على صحة ما ذكرنا:
стр. 3112
أحدها: أنَّ عدي بن حاتم كان رجلاً عربيًا ينتحل النصرانية، وقال للنبي ﷺ : "إن لي دينًا"، فلم ينكر ذلك عليه، فدل على أنَّ كونه عربيًا، لم يمنع صحة كونه من أهل الكتاب.
وأخرى: وهو أنَّ النبي ﵊ قال له: "ألست ركوسيًا، وأنت تأخذ المرباع" يعني: ربع الغنيمة، وذلك محرم في دين النصرانية.
والركوسية: فرقة من النصارى، فأثبت له ذلك، مع إخباره بأنه غير متمسك بشريعته، لأخذه المرباع، ولم يخرجه ذلك من حكم النصرانية.
وقد روى عبد السلام بن حرب عن غطيف عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب ذهب، فقال: ألق هذا الوثن عنك، ثم قرأ:﴾ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ﴿.
قلت: يا رسول الله، ما كنا نعبدهم.
قال: أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله، فتحرمونه؟
قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم".
стр. 3113
فجعله رسول الله ﷺ من متخذي الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهم اليهود والنصارى، فدل ذلك على أنَّ كونه عربيًا لا يمنع أن يكون حكمه حكم أهل الكتاب إذا انتحل دينهم وملتهم وإن لم يتمسك بجميع شرائعهم.
ويشبه أن يكون قول علي ﵁ في ذلك على وجه الكراهة لذبائحهم، دون التحريم.
مسألة: [ذبائح المجوس]
(وذبائح المجوس وصيدهم حرامٌ لا يؤكل).
وذلك لأنهم من غير أهل الكتاب، ولا خلاف بين الفقهاء أنَّ ذبيحة غير أهل الكتاب والمسلمين لا تحل.
والدليل على أنهم ليسوا أهل الكتاب: قول الله تعالى:﴾ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ﴿، يعني اليهود والنصارى، ولو كان المجوس أهل كتاب، لصاروا ثلاث طوائف.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال في المجوس:
стр. 3114
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
قيل له: إنما ذلك في الجزية خاصة.
وقد روي "أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى سعد ﵁ في مجوس السواد: أن لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم"، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ من أحدٍ منهم عليه.
مسألة: [ذبائح الصابئين]
(وتؤكل ذبائح الصابئين في قول أبي حنيفة، ولا تؤكل في قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: لا خلاف بينهم في المعنى في هذه المسألتين، وذلك لأن الصابئين طائفتان:
طائفةٌ ينتحلون دين المسيح، ويقرُّون بالإنجيل، وهم في ناحية البطيحة من عمل واسط، فهؤلاء في قولهم جميعًا تؤكل ذبائحهم.
وفرقةٌ أخرى من الصابئين في ناحية حران وديار ربيعة، لا ينتحلون
стр. 3115
كتابًا لنبي، ويعبدون الكواكب، ويعبدون الأصنام، فهؤلاء أهل أوثان. لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم في قول أصحابنا جميعًا.
والذي ذكر أبو جعفر من قول أبي حنيفة: صحيحٌ، وكذلك قولهما، ولكن أبا حنيفة أجاب عن الصابئين الذين ينتحلون دين المسيح ﵇، وأجاب أبو يوسف ومحمد عن الصابئين عبدة الأوثان، كذا سمعت أبا الحسن الكرخي ﵀ يقول في تفصيل أقاويلهم.
مسألة: [حل ذبيحة من تهود أو تنصر من المجوس]
قال: (ومن تهود أو تنصر من المجوس: حلت ذبيحته).
وذلك لأنه في هذه الحال من أهل الكتاب، لأنه يُقر على الدين الذي انتقل إليه، وليس هو بمنزلة المسلم إذا تهود أو تنصر: فلا تحل ذبيحته؛ لأنه مرتد، ولا يُقر على الملة التي انتقل إليها، فصار كافرًا غير كتابي، فلا تؤكل ذبيحته.
стр. 3116
مسألة: [حرمة ذبيحة من تمجس من أهل الكتاب]
قال: (ومن تمجس من اليهود والنصارى: حرمت ذبيحته).
وذلك لأنه في هذه الحال مجوسي، ولا تؤكل ذبائح المجوس.
مسألة: [إذا أكل كلب الصيد من الصيد]
(وإذا أرسل كلبه على صيد، وسمى، فأكل الكلب منه: لم يؤكل صيده إلا أن يُدرك ذكاته).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، فأباح صيده بهذه الشريطة، فلا يحل أو يوجد الشرط.
فإن قيل: لم يحظر ما عداه.
قيل له: قد قال في آية أخرى:﴾ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ﴿فحرم جميع ما يأكل منه السبع إلا بشرط الذكاة، والكلب سبع.
ثم قال في آية أخرى:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، فأباحه من هذه الجملة بالشريطة المذكورة فيه، فلا يحل أو توجد.
стр. 3117
وأيضًا: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن فضيل عن بيان الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ ، قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب.
فقال لي: إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل: فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه".
وروى يزيد بن هارون أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل الكلب من صيد، فلا تأكل"
فاتفق زكريا وبيان عن الشعبي عن عدي عن النبي ﵊ أنَّ الكلب إذا أكل منه: لم يؤكل، ووافقهما على ذلك عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي، وقد قدَّمنا إسناده في أول الباب.
وروي عن أبي داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدي أنَّ النبي ﵊ قال: "كل إذا قتله ولم يأكل منه شيئًا"، فأباحه بشرط ترك الأكل.
وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا
стр. 3118
سفيان عن مجالد عن الشعبي عن عدي أنَّ النبي ﷺ قال له في صيد الكلب: "إن أكل منه: فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه"
وقد ذكر أنَّ عبد الوهاب بن عطاء الخفاف روى عن سعيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أرسلت كلبك فوجدته قد قتل، فأكل منه: فلا تأكل، لأن الله تعالى يقول:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿".
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أنه إذا أكل الصقر: فكل، وإذا أكل الكلب: فلا تأكل"
فإن قال قائل: روى بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله تعالى: فكل وإن أكل منه".
وكذلك روى مري بن قطري عن عدي بن حاتم.
وروى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ أبا ثعلبة قال: يا رسول الله: إن لي كلابًا مكلَّبة، فأفتني في صيدها.
стр. 3119
فقال رسول الله: إن كان لك كلاب مكلَّبة، فكل مما أمسكن عليك.
قال: ذكيًا أو غير ذكي؟ قال: نعم.
قال: وإن أكل منه؟
قال: وإن أكل منه".
ففي هذا الخبر إباحة أكله مع أكل الكلب منه.
قيل له: خبر التحريم أولى من وجوه:
أحدها: أنَّ ظاهر الكتاب يشهد له، وهو قوله:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، مع قوله:﴾ وما أكل السبع ﴿.
وأخرى: وهي أنَّ خبر الحظر وخبر الإباحة إذا اجتمعا، كان خبر الحظر أولى.
وأيضًا: نستعمل الخبرين جميعًا، فنقول في خبر الإباحة: إنه في حال إدراك ذكاته: أنَّ أكله بدءًا لا يمنع صحة ذكاته إذا أردكه حيًا، وخبرنا في حال أكله منه، وقتله إياه.
стр. 3120
فصل: [إذا أكل الطير المرسل من الصيد]
قال أبو جعفر: (ولو أرسل طائرًا على صيد، فصاده، وأكل منه: لم يضره ذلك، وأكله).
وذلك أنَّ تعليمه يكون بالأكل، فلا يكون إمساكه على صاحبه: ترك الأكل، وإنما تعليمه أن يدعوه: فيجيبه، ألا ترى أنه لا يمكنه أن يضربه ليترك الأكل؛ لأنه لا يترك أكله بالضرب، وأما الكلب فإنه يضرب ليترك الأكل، فيتركه، فيكون ذلك تعليمًا له.
مسألة: [إذا قتل الكلب الصيد ولم يجرحه، وكذا سائر ما يصاد به]
قال: (ومن أرسل كلبه على صيد، فصاده وقتله، ولم يجرحه: لم يأكله، كذلك الطير وسائر ما يصاد به).
والأصل فيه قول الله تعالى:﴾ وما علمتم من الجوارح ﴿.
وقد قيل في الجوارح: إنه من الجراحة، وقيل: إنه من الكسب على ما بينَّا فيما سلف، فقد اقتضت الآية في إباحة الصيد من حصول الجراحة، فلا يحل أو يوجد ذلك.
следующие страницы →