Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
مسألة: [حرمة ذبيحة من تمجس من أهل الكتاب]
قال: (ومن تمجس من اليهود والنصارى: حرمت ذبيحته).
وذلك لأنه في هذه الحال مجوسي، ولا تؤكل ذبائح المجوس.
مسألة: [إذا أكل كلب الصيد من الصيد]
(وإذا أرسل كلبه على صيد، وسمى، فأكل الكلب منه: لم يؤكل صيده إلا أن يُدرك ذكاته).
وذلك لقول الله تعالى:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، فأباح صيده بهذه الشريطة، فلا يحل أو يوجد الشرط.
فإن قيل: لم يحظر ما عداه.
قيل له: قد قال في آية أخرى:﴾ وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ﴿فحرم جميع ما يأكل منه السبع إلا بشرط الذكاة، والكلب سبع.
ثم قال في آية أخرى:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، فأباحه من هذه الجملة بالشريطة المذكورة فيه، فلا يحل أو توجد.
стр. 3117
وأيضًا: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن فضيل عن بيان الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ ، قلت: إنا نصيد بهذه الكلاب.
فقال لي: إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما أمسكن عليك وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل: فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه".
وروى يزيد بن هارون أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل الكلب من صيد، فلا تأكل"
فاتفق زكريا وبيان عن الشعبي عن عدي عن النبي ﵊ أنَّ الكلب إذا أكل منه: لم يؤكل، ووافقهما على ذلك عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي، وقد قدَّمنا إسناده في أول الباب.
وروي عن أبي داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدي أنَّ النبي ﵊ قال: "كل إذا قتله ولم يأكل منه شيئًا"، فأباحه بشرط ترك الأكل.
وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا
стр. 3118
سفيان عن مجالد عن الشعبي عن عدي أنَّ النبي ﷺ قال له في صيد الكلب: "إن أكل منه: فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه"
وقد ذكر أنَّ عبد الوهاب بن عطاء الخفاف روى عن سعيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أرسلت كلبك فوجدته قد قتل، فأكل منه: فلا تأكل، لأن الله تعالى يقول:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿".
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أنه إذا أكل الصقر: فكل، وإذا أكل الكلب: فلا تأكل"
فإن قال قائل: روى بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله تعالى: فكل وإن أكل منه".
وكذلك روى مري بن قطري عن عدي بن حاتم.
وروى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ أبا ثعلبة قال: يا رسول الله: إن لي كلابًا مكلَّبة، فأفتني في صيدها.
стр. 3119
فقال رسول الله: إن كان لك كلاب مكلَّبة، فكل مما أمسكن عليك.
قال: ذكيًا أو غير ذكي؟ قال: نعم.
قال: وإن أكل منه؟
قال: وإن أكل منه".
ففي هذا الخبر إباحة أكله مع أكل الكلب منه.
قيل له: خبر التحريم أولى من وجوه:
أحدها: أنَّ ظاهر الكتاب يشهد له، وهو قوله:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿، مع قوله:﴾ وما أكل السبع ﴿.
وأخرى: وهي أنَّ خبر الحظر وخبر الإباحة إذا اجتمعا، كان خبر الحظر أولى.
وأيضًا: نستعمل الخبرين جميعًا، فنقول في خبر الإباحة: إنه في حال إدراك ذكاته: أنَّ أكله بدءًا لا يمنع صحة ذكاته إذا أردكه حيًا، وخبرنا في حال أكله منه، وقتله إياه.
стр. 3120
فصل: [إذا أكل الطير المرسل من الصيد]
قال أبو جعفر: (ولو أرسل طائرًا على صيد، فصاده، وأكل منه: لم يضره ذلك، وأكله).
وذلك أنَّ تعليمه يكون بالأكل، فلا يكون إمساكه على صاحبه: ترك الأكل، وإنما تعليمه أن يدعوه: فيجيبه، ألا ترى أنه لا يمكنه أن يضربه ليترك الأكل؛ لأنه لا يترك أكله بالضرب، وأما الكلب فإنه يضرب ليترك الأكل، فيتركه، فيكون ذلك تعليمًا له.
مسألة: [إذا قتل الكلب الصيد ولم يجرحه، وكذا سائر ما يصاد به]
قال: (ومن أرسل كلبه على صيد، فصاده وقتله، ولم يجرحه: لم يأكله، كذلك الطير وسائر ما يصاد به).
والأصل فيه قول الله تعالى:﴾ وما علمتم من الجوارح ﴿.
وقد قيل في الجوارح: إنه من الجراحة، وقيل: إنه من الكسب على ما بينَّا فيما سلف، فقد اقتضت الآية في إباحة الصيد من حصول الجراحة، فلا يحل أو يوجد ذلك.
стр. 3121
ومن جهة السنة: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا محمد بن عيسى حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ قلت: أرمي بالمعراض فأصيب، أفآكل؟
قال: إذا رميت بالمعراض، وذكرت اسم الله، فأصاب فخرق: فكل، وإن أصاب بعرضه: فلا تأكل"
وكذلك هو في حديث عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن عدي زاد فيه: "فإنه وقيذ".
فمنع صيد المعراض إذا لم يجرح، كذلك صيد الكلب وسائر الجوارح.
مسألة: [إذا أصاب الإنسان الصيد في يده حيًا]
قال: (وإذا أصاب الصيد في يده حيًا، فذكاته لا تكون إلا بالذبح، سواء أمكنه أن يذكيه، أو لم يمكنه حتى مات).
وذلك لأنه لما حصل في يده حيًا، فقد خرج من أن يكون صيدًا، فلا تكون ذكاته إلا بالذبح، كالشاة لا تكون ذكاتها إلا بالذبح وإن صارت بحال لا يمكنه التذكية حتى تموت.
ويدل عليه قول النبي ﵊ لأبي ثعلبة الخشني: "وما
стр. 3122
صدت بكلبك الذي ليس بمعلم، فأدركت ذكاته، فكله".
فإنما أباحه بالذكاة إذا حصل في يده حيًا.
وقال الله تعالى:﴾ إلا ما ذكيتم ﴿، وكل ما حصل حيًا في يده، فلا ذكاة له إلا بالذبح.
مسألة: [إذا مات الصيد على أرض أو جبل قبل أن يدركه]
قال: (ومن رمى صيدًا، فوقع على الأرض، فمات، أو وقع على جبل، فاستقر عليه، فمات قبل أن يدركه: فإنه يأكله).
وذلك لقول النبي ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا رميت بالمعراض، فأصاب، فخرق، فكل".
ومعلوم أنه لا بد من وقوعه على الأرض بعد الإصابة، وقد أباح النبي ﷺ أكله.
مسألة: [إذا تردى الصيد من الجبل فمات، أو وقع في الماء]
قال أبو جعفر: (وإن تردَّى من الجبل إلى الأرض ثم مات، أو وقع في ماء: لم يؤكل).
стр. 3123
لقول الله تعالى:﴾ والمتردية ﴿
ومن جهة السنة: ما حدثنا عن أبي داود قال: حدثنا محمد بن يحي بن فارس قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحي بن زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرني عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: "إذا وقعت رميتك في ماء، فغرقت، فماتت: فلا تأكل".
ورواه حماد عن عاصم بإسناده مثله، وزاد:
"وإذا اختلط بكلابك كلبٌ من غيرها: فلا تأكل، لا تدري لعله قتله الذي ليس منها".
فصار ذلك أصلاً في تحريم الصيد بمشاركة ما لا تقع به الذكاة.
مسألة: [أرسل كلبه على صيد فصاد غيره]
قال: (ولو أرسل كلبه على صيد، فصاد غيره: أكله).
وذلك لما روي في حديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت
стр. 3124
كلبك المعلَّم، فكل ما أمسك عليك".
ولم يشترط عليه تعيين صيدٍ دون غيره، فهو على الجميع.
ويدل عليه: أنه لو أرسله على جماعة صيد، ولم ينو واحدًا بعينه: جاز، ولو كان شرطه التعيين، لما جاز حتى يُعين.
ويدل على أنه لا اعتبار بتعيين المأخوذ: أنَّ التسمية إنما تقع على الإرسال، لا على الأخذ، وإذا صحت التسمية، سقط حال الأخذ، فهو مأخوذ من الصيد، فهو داخل في التسمية.
مسألة: [لو زجر المجوسي كلب الصيد]
قال: (ومن أرسل كلبه على صيد، فزجره مجوسي، فانزجر لزجره: لم يضره ذلك).
لأنه قد تقدمه إرسالٌ، فتعلق الحكم به، وسقط حكم الزجر الواقع بعد الإرسال.
ألا ترى أنَّ رجلاً لو وضع حجرًا في طريق المسلمين، وحفر إنسان بئرًا إلى جنبه، فعثر رجل بالحجر، ووقع في البئر: أنَّ حكم البئر ساقط؛ لأن الحكم قد تعلق بسبب غيره، فسقط حكم ما بعده.
كذلك الإرسال لما تعلق به الحكم من جواز الاصطياد به، وصحة التسمية عليه، سقط حكم الزجر.
стр. 3125
* ولو كان أفلت كلبه، ثم زجره، وسمى عليه: جاز أكله، ونعلق الحكم بالزجر؛ لأنه لم يتقدمه إرسال، فتعلق الحكم به.
ألا تري أنَّ رجلاً لو حفر بئرًا في الطريق، فعثر إنسان بنكبة في الطريق، أو حجر رمت به الريح في الطريق، فوقع في البئر، ومات أن الضمان على حافر البئر؛ لأن ما تقدمه من السبب لم يتعلق به حكم، فتعلق الحكم بالوقوع في البئر.
وكذلك المجوسي إذا أرسل كلبه، ثم زجره مسلم: لم يكن لزجره حكم، ولم يؤكل، لما وصفنا.
* ومن أفلت كلبه على صيد، فقتل: لم يؤكل، لقول النبي ﷺ في حديث عدي: "إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وسميت: فكل، وإن لم تسم: فلا تأكل".
وقال: "إذا أكل منه: فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه".
فدلَّ ذلك على أنَّ اصطياد الكلب من غير إرسال: لا يبيح أكله؛ لأن النبي ﵊ جعل شرط الإباحة وجود الإرسال مع التسمية.
وقال: "إذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه"
والكلب إذا صاد من غير إرسال، فهو مصطادٌ لنفسه.
стр. 3126
وقال تعالى:﴾ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴿.
وأيضًا: قال النبي عليه والصلاة والسلام في حديث عاصم عن الشعبي عن عدي: "وإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها: فلا تأكل، لا تدري لعله قتله الذي ليس منها".
فأخبر أنَّ مشاركة الكلب الذي لم يتقدَّمه إرسالٌ، يُحرِّم صيد هذه الكلاب المرسلة.
مسألة: [المتردية التي ذُبحت عند سقوطها]
قال أبو جعفر: (ومن تردَّت له شاةٌ من جبل أو ما أشبهه، فصارت إلى الأرض في حال يُعلم أنها ميتة منه، فذبحها وهي كذلك: فإن أبا حنيفة كان يقول: لا بأس بأكلها).
وذلك لقوله تعالى:﴾ إلا ما ذكيتم ﴿.
قال: (وقال أبو يوسف: إن كانت قد صارت إلى حالٍ هي ميتة منها لا محالة: لم تؤكل، وإن كانت تعيش من مثلها: أكلت).
وذلك لأنها إذا صارت إلى حال هي ميتة منها لا محالة، فقد صارت بمنزلة الميتة، كما أنَّ المذبوح قبل خروج روحه، لو قتله مجوسي: لم يحرم أكله، ولو ذبحه مجوسي، فلم تخرج روحه، حتى قطع رأسه مسلم: لم يؤكل.
стр. 3127
(وقال محمد: إن كانت قد صارت في حال لم يبق من الحياة معها فيها إلا مقدار الاضطراب للموت، فذبحها وهي كذلك: لم يأكلها، وإن كانت مما يعيش المدة كاليوم، أو كبعضه: أكلها، ولم يضره علمه بموتها من ذلك لو تركها).
وذلك لأنها اعتبر حال المذبوح، ومعلوم أنه لا يعيش اليوم ونحوه. فما عاش يومًا، فقد خرج أن يكون في معنى المقتول والمذبوح، وإن كان وقتًا يسيرًا مثله قد يبقى فيه المذبوح، فهذا قد صار ميتة، ولا ينفع بعد ذلك ذبحها.
مسألة: [موت الصيد برمية بغير محدَّد]
قال: (ومن رمى صيدًا بمعراض، فقتله به فإن أصابه بحدِّه: أكله، وإن أصابه بعرضه: لم يأكله، وكذلك البندقة)
لما روي عن النبي ﵊ في حديث عدي بن حاتم:
стр. 3128
"لأنه إذا أصاب بعرضه: فلا تأكله، وإن أصابه بحده، فخرق فكل"، وقد تقدم ذكر سنده.
مسألة: [ذبيحة من كان أحد أبويه مجوسيًا]
قال أبو جعفر: (ومن كان أحد أبويه مجوسيًا، والآخر كتابيًا: فحكمه حكم الكتابي في ذبائحه وصيده).
وذلك لأن جواز أكل الذبيحة من أحكام الإسلام، قال النبي ﵊: "كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه".
فأثبت له حكم الفطرة بنفسه، ونقله عنها بالأبوين، فلما كان جواز الذبيحة من أحكام الإسلام، وجب أن لا ينتقل عنه إلا باجتماع الأبوين على نقله عن هذا الحكم، وإلا فهو باق على ذلك، ولهذا المعنى بعينه قلنا إن أحد الأبوين إذا كان مسلمًا: فالولد مسلم.
مسألة: [حكم الجنين الميت في بطن الشاة المذكاة]
قال: (ومن ذبح بقرة، أو نحر ناقة، فأصاب في بطنها جنينًا ميتًا، فإن أبا حنيفة كان يقول: لا يؤكل، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤكل، أشعر أو لم يشعر).
стр. 3129
الحجة لأبي حنيفة: قول الله تعالى:﴾ حرمت عليكم الميتة ﴿، وهو عام في الجنين وغيره.
فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴿، فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أراد الجنين، وعمومه يقتضي إباحته بغير ذكاة، لأنه لم يشرطها.
قيل له: الاسم لا يختص بالجنين دون سائر بهائم الأنعام المنفصلة عن أمهاتها.
ثم قد علمنا أنَّ إباحتها موقوفة على وجود الذكاة المذكورة في قوله ﴿إلا ما ذكيتم﴾، فوجب أن يكون حكم الجنين محمولاً على الذكاة المذكورة فيه.
وعلى أنَّ قوله:﴾ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴿، لا يصح الاحتجاج به بحال، لأنه قد استثني منه قوله:﴾ إلا ما يتلى عليكم ﴿، فحصل الباقي مجملاً موقوفًا على البيان، فلا يصح اعتبار عمومه.
فإن قيل: الجنين مذكى بذكاة الأم؛ لأنه عضو من أعضائها، فحكمه
стр. 3130
حكم سائر الأعضاء، في وقوع الذكاة فيه بذكاة الأصل.
قيل له: ليس كذلك، لأنه جائز خروج الجنين حيًا بعد موت الأم، ويستحيل بقاء أعضائها على حكم الحياة بعد موت الأم، فعلمنا أنه مفارق لأعضائها.
ألا ترى أنه لو خرج حيًا: احتيج في استباحة أكله إلى استئناف الذكاة فيه، ولا يجوز أن تكون الأعضاء بهذه المنزلة في تعلق حكم الذكاة بها دون ذكاة الأصل.
ويدل على أنَّ الجنين منفردٌ عن حكم أعضائها: أنَّ المرأة تنقضي عدتها بخروج الجنين وإن كان ميتًا، ولو باينها بعض أعضائها: لم تنقض عدتها.
وأيضًا: فلو ضُربت امرأة، فألقت جنينًا ميتًا، وماتت: كان فيه الدية، وفيه الغُرَّة، ولو ضربها، فأبان يدها، وماتت: كان عليه دية واحدة، ودخلت اليد في النفس.
فإن قيل: فلو أعتق جارية حبلى، عتق ما في بطنها، كسائر أعضائها.
قيل له: لأنه لا ينفرد عن الأم بحكم العتق إذا كان متصلاً بها في حال
стр. 3131
العتق، وقد ينفرد الجنين عن الأم في حكم الذكاة على حسب ما قدمنا.
فإن قيل: هلا كان الجنين بمنزلة البعير الناد، حين لم يقدر على منحره، كانت ذكاته على الوجه المقدور عليه من رميه أو طعنه.
قيل له: لو جعلنا البعير النادَّ أصلاً لذلك، ساغ رده إليه؛ لأن البعير لو رُمي فلم يُجرح، ولم يُخزق: لم يجز أكله، والجنين بهذه المنزلة، لأنه لم تقع به جراحة، فتكون ذكاة له، فيصير بمنزلة صيد المعراض إذا لم يخزق.
* ومن جهة النظر: إن الجنين جائز أن يكون موته حادثًا عن ذكاة الأم، وجائز أن يكون حادثًا من غير جهة ذكاة الأم، لكنه مات غمًّا، لأن الجنين قد يموت في بطن الأم من غير جهة ذكاة الأم، فلما احتمل ذلك: لم يجز أن يكون مذكى بذكاتها مع احتمال أن يكون موته حادثًا من غير ذلك.
* وقد روي عن النبي ﷺ في ذكاة الجنين آثار بألفاظ مختلفة، احتج بها من أوجب ذكاته بذكاة الأم، فمنها:
ما روي عن أبي الدرداء وأبي أمامة، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأبي أيوب، وأبي هريرة، أنَّ النبي ﵊ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، كرهت ذكر أسانيدها خوف
стр. 3132
الإطالة، ولأنها مشهورة عند أهل العلم، وإن كان قد تكلم في أسانيدها، وطعن في رواتها، فهذا أحد الألفاظ المروية في ذلك، فاحتج القاتلون بإباحته بذلك، وزعموا أنه موجبٌ لما قالوا، لأنه جعل ذكاة الأم ذكاة له.
قال أحمد: وليس في هذا اللفظ دليلٌ على ما قالوا؛ لأنه محتمل أن يكون معناه: أنه يذكى كما تذكى الأم، وأنه في حكم الأم في باب تعلق إباحته بالذكاة، وأسقط بذلك وهم من يتوهم أن ذكاته تتعلق بذكاة الأم.
وهو كقول الله تعالى:﴾ وجنة عرضها السموات والأرض ﴿، معناه: كعرض السموات والأرض.
وكما قال الشاعر:
النشر مسك، والوجوه دنا .... نير، وأطراف الأكف عنم
ومعناه: أن النشر كالمسك، والوجوه كالدنانير.
وإذا كان احتماله لما وصفنا، كاحتماله لما ادعاه مخالفنا، سقط الاحتجاج به، ولم يجز تخصيص آية محكمة، وهو قوله:﴾ حرمت عليكم الميتة ﴿إلا بمثله، فهذا وجه ما ذكرنا من الألفاظ المروية فيه.
* وقد روي على وجه آخر، وهو ما رواه وهب بن بقية حدثنا محمد
стр. 3133
بن الحسن عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر".
وقد قيل: إن رفع هذا الحديث إلى النبي ﵊ خطأ، وأصله موقوف على ابن عمر؛ لأن أيوب ومالكًا روياه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه.
ورواه أيضًا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الصمد بن النعمان حدثنا معاذ عن سليمان بن أبي عمران عن ابن البراء عن أبيه أنَّ النبي ﵊ قضى في أجنة الأنعام أنَّ ذكاتها ذكاة أمهاتها إذا أشعرت.
وهذا الإسناد أيضًا غير مرضيٍّ عند أهل النقل، إلا أنه خصه بحال الإشعار، فقال سعيد بن المسيب ومالك بن أنس: إنه إذا أشعر: كانت ذكاته ذكاة أمه، وإذا لم يشعر: لم يؤكل.
стр. 3134
والكلام في هذا اللفظ كهو فيما تقدم.
فإن قيل: فما فائدة ذكر الإشعار؟
قيل له: يحتمل أن يكون النبي ﵊ سئل عن جنين قد أشعر، فقال: يذكى كما تذكى أمه، فنقل الراوي ما سمع، ولم ينقل سؤال السائل، فلا يدل على أنَّ حكمه إذا لم يشعر بخلافه، كما قال ﵊: "إنما الربا في النسيئة"، وهو كلام خارج على السبب، وسؤال سائل عند سائر الفقهاء، كأنه سئل عن الجنسين إذا بيع أحدهما بالآخر، فقال: "إنما الربا في النسيئة": يعني في مثل هذا، فنقل الراوي كلام النبي ﵊ دون الحال التي خرج عليها الكلام، فكذلك ما وصفنا.
وأيضًا: فليس في ذكره الإشعار دلالة على أنَّ ما عداه فحكمه بخلافه، بل حكم ما عداه موقوف على دليله.
وقد روى الحجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ أنه قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر".
وهذا إسناده واهٍ؛ لأن الحجاج فيما لم يذكره سماعًا مطعون فيه، وأبو إسحاق عن الحارث: لا يعد سماعًا، إنما هو عن صحيفة دفعتها امرأة الحارث إلى أبي إسحاق بعد موت الحارث، فرواها.
стр. 3135
كذلك ذكر عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أنَّ شعبة قال له ذلك في جده أبي إسحاق.
ولو ثبت ذلك عن علي ﵁، وصح سنده: كان تأويله ما وصفنا.
* وعلى أنه إذا أشعر، وتمَّ خلقه: فهو أبعد شبهًا من أمه، وإذا لم يشعر: فهو أقرب شبهًا بها، فكيف يدخل في حكم الأم إذا أشعر، ولا يدخل في ذكاتها إذا لم يشعر، وهو أشبه بأعضائها.
ولما وافقنا مالكٌ على أنه إذا لم يشعر: لم يدخل في ذكاة الأم، وجب أن يكون كذلك حكمه إذا أشعر.
* ولفظ ثالث: قد رُوي عن النبي ﵊ في ذلك، وهو ما حدثنا ابن قانع حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة؟ فقال: "إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه".
стр. 3136
وقد رواه عن مجالد جماعة، منهم: هشيم، وأبو أسامة، وأبو خالد الأحمر، فهو يدور على مجالد، لا نعلم رواه على هذا السياق إلا مجالد، وقد تكلم في مجالد.
وقد روي من غير طريق مجالد، وأبي الوداك عن أبي سعيد فقال فيه: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، ولم يذكر فيه قوله: "إن شئتم فكلوا". رواه عطية عن أبي سعيد.
وكذلك الجماعة الذين ذكرناهم ممن رواه عن النبي ﵊ لم يذكروا هذه الزيادة.
ولو ثبتت الزيادة، لم يكن فيها دلالة على قول المخالف؛ لأنه ليس فيه أنه خرج ميتًا، وقال لهم: كلوا، وإنما فيه: "أنه سئل عن الجنين يكون في بطن الجزور أو البقرة، فقال: "إن شئتم فكلوا، فإن ذكاته ذكاة أمه"، ومعناه عندنا: أنه يذكى كما تذكى الأم.
وفائدته: أنه قد كان يجوز أن تشتبه إباحة أكله وإن خرج حيًا وذبح؛ لأنه مما يعلم أنه كان لا يعيش لو ترك ولم يذبح وإن خرج حيًا، فأخبر النبي صلى الله وسلم أنَّ حكمه حكم أمه في الذكاة، وأن الذكاة تحله كما تحل الأم لا فرق بينهما وإن كان لو ترك لم يبق حيًا.
فإن قيل: في حديث أبي خالد الأحمر عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد أنَّ النبي ﷺ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته
стр. 3137
في ذكاة أمه".
وهذا اللفظ لا يحتمل ما تأولتموه، لأن قوله: "ذكاته في ذكاة أمه"، يمنع أن يكون المراد كذكاة أمه.
قيل له: لم يثبت هذا اللفظ في الحديث، لاتفاق الرواة على إسقاطه، سوى أبي خالد الأحمر، ويحتمل أن يكون أبو خالد حمله على المعنى عنده، لأنه لما كان المعنى عنده أنَّ معنى: "ذكاته ذكاة أمه": أن ذكاته في ذكاة أمه، نقل ذلك.
مسألة: [كيفية تذكية الحيوان الناد]
قال: (ومن ندَّ له بعيرٌ أو بقرةٌ: صار بمنزلة الصيد، فيذكيه كما يذكي الصيد الممتنع).
قال أحمد: ويروى نحو قولنا هذا عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، ومسروق بن الأجدع.
стр. 3138
وقال سعيد بن المسيب، ومالك بن أنس: لا يجزئ إلا في منحر إبراهيم ﵇.
والحجة للقول الأول: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا حجاج حدثنا حماد عن ليث عن عباية بن رفاعة بن رافع عن جده رافع بن خديج أنَّ رسول الله ﷺ قسم مغنمًا بذي الحليفة، فندَّ بعير، فتبعه رجل من المسلمين، فضربه بسيف أو طعنه برمح، فقتله، فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما ند منها، فاصنعوا به هكذا"
قال ابن قانع: وحدثنا محمد بن عبدوس بن كامل حدثنا داود بن عمرو حدثنا المبارك بن سعيد حدثنا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج عن النبي ﷺ نحوه،
стр. 3139
وقال: عن أبيه عن جده، وهذا حديث مشهور من حديث سعيد بن مسروق، وقد رواه عند أئمة، منهم: شعبة وأبو الأحوص وعمر بن سعيد وغيرهم.
وفيه الدلالة من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أنه أخبر أنهم قتلوه بسيف أو رمح، ولم يذكر موضع المنحر، فأباح النبي ﵊ أكله.
والثاني: قوله: "إن لها أوابد كأوابد الوحش، فما ند منها، فاصنعوا به هكذا"، فشبهه بالصيد، وألحقه بحكمة في ذكاته.
ويدل على ذلك أيضًا: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا من اللبة أو الحلق؟
قال: فقال رسول الله ﷺ : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك".
стр. 3140
فاقتضى عمومه جواز الذكاة على هذا الوصف، إلا أنهم قد اتفقوا أن هذا لا يكون ذكاة مع القدرة على الذبح، فخصصناه، وبقي حكم العموم في حال الشرود والامتناع.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ مثل ذلك يكون ذكاة للصيد، ولا يخلو جواز ذلك من أن يكون متعلقًا بجنس الصيد وعينه، أو بالامتناع، وتعذر إصابة منحره، فلما اتفق الجميع على أنَّ الصيد متى قدر على ذبحه، لم تكن ذكاته إلا بالذبح، ولم يكن لكونه من جنس الصيد تأثير في ترك ذلك، دل هذا على أنَّ الحكم إنما تعلق في جواز ذكاته بالرمي والطعن، بكونه ممتنعًا غير مقدور على ذبحه، وهذا المعنى موجود في البعير الشارد، فوجب أن يكون حكمه حكمه.
مسألة: [حكم أكل الجراد]
قال أبو جعفر: (والجراد ذكي على أي حال وجد).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أحلت لي ميتتان ودمان: السمك والجراد".
стр. 3141
وقد روى عبيدة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها كانت تأكل الجراد، وتقول: "كان رسول الله ﷺ يأكله".
وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الجراد فقال: أكثر جنود الله، لا آكله، ولا أحرِّمه"
وروي فيه أخبار كثيرة كرهنا الإطالة بذكرها، كلها يقتضي إباحة أكل الجراد، ولم يفرق في شيء منها بين شيء من أحوالها.
مسألة: [حكم أكل السمك الطافي]
قال أبو جعفر: (والسمك ذكي على أي حال وجد، وبأي حال مات، غير ما طفا منه على الماء: فإنه لا يؤكل).
قال أحمد: وروي نحو هذا القول عن علي ﵁، وجابر
стр. 3142
بن عبد الله.
وروي عن أبي بكر الصديق وأبي طلحة إباحة أكل الطافي.
وقد روي عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة في آخرين، أن ما ألقاه البحر من السمك فهو حلال.
وليس في ذلك دلالة على موافقتنا على مسألة الطافي ولا مخالفة؛ لأنا نقول: إن ما ألقاه البحر من السمك: فهو حلال إذا لم يكن قد مات في الماء قبل ذلك من غير سبب حادث عليه.
* فأما الحجة في كراهة الطافي: فهو ما رواه يحيى بن أبي أنيسة وإسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ألقى البحر، أو جزر عنه: فكله، فلا بأس به، وما وجدته طافيًا: فلا تأكله".
стр. 3143
وروى أيضًا وهب بن كسبان ونعيم بن عبد الله المجمر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ مثله.
فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾، وعمومه يقتضي جواز أكل الطافي.
وقال النبي ﵊: "أحلت لي ميتتان ودمان"، ولم يفرق بين الطافي وغيره.
قيل له: أما عموم الآية، فلا دلالة فيه على حكم الطافي؛ لأن الطافي ليس بصيد، وقوله: "وطعامه": يحتمل أن يكون راجعًا إلى الصيد، كأنه قال: "وأكله"، فأباح الاصطياد، والأكل لما يصطاد.
وأما قوله: "أحلت لي ميتتان": فإنا نجمع بينه وبين خبر الطافي، لنستعملهما جميعًا، ولا نسقط أحدهما بالآخر، وهذا لمخالفنا ألزم، لأنه يرتب العام على الخاص.
وقوله: "أحلت لي ميتتان": عام، وتحريم الطافي أخص منه، فينبغي أن يكون قاضيًا عليه.
* فإن احتجوا بما حدثنا ابن قانع حدثنا عبيد بن شريك البزار حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك
стр. 3144
عن النبي ﷺ قال: "كل ما طفا على البحر"
قيل له: هذا حديث لا يحتج به، قال لنا ابن قانع: هذا حديث منكر، وأبان ابن أبي عياش: عندهم ضعيف جدًا، كثير الخطأ، يحكى عن شعبة أنه قال: لأن أزني سبعين زنية أحب أليَّ من أن أروي عن أبان بن أبي عياش، لكثرة غلطه في الرواية.
وأيضًا: لو صح: احتمل أن يكون الطافي الذي قد مات في الماء بسبب حادث عليه، ثم طفا بعد ذلك، فلا يُحرمه ذلك، لأن الطافي المحرِّم الأكل عندنا، هو الذي يموت حتف أنفه من غير سببٍ حادث عليه من خارج.
* واحتج من أباح أكل الطافي بحديث جابر في قصة جيش الخبط: "وأن البحر ألقى لهم حوتًا، فأكلوا منه أيامًا، وذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: إن كان بقي معكم منه شيء فابعثوا به إلينا".
وهذا ليس فيه دلالة على موضع الخلاف في أكل الطافي، ولأنا نأكل ما قذفه البحر.
стр. 3145
مسألة: [حكم أكل ذي الناب وذي المخلب]
قال أبو جعفر: (ولا يؤكل ذو الناب من السباع، وذو المخلب من الطير).
* ويحكى عن مالك بن أنس أنه كره ذا الناب من السباع، ولا يكره ذا المخلب من الطير.
* ويروى عن ابن عباس وعائشة أنهما كانا يبيحان من سائر الحيوان ما لم يذكر في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾ الآية.
* وذلك لما روى علي ﵁ وابن عباس وأبو الدرداء وأبو ثعلبة الخشني وأبو هريرة وجابر بن عبد الله "أنَّ النبي ﷺ : نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير".
стр. 3146
وقال أبو هريرة: قال النبي ﵊: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام".
فهذه الأخبار ثابتة عن النبي ﷺ في تحريم هذين الصنفين، وربما اقتصر بعض الرواة على ذكر ذي الناب من السباع، ويُمسك عن ذي المخلب من الطير، وبعضهم يسوقه على وجهه، فيذكر الأمرين جميعًا، كرهت ذكر أسانيدها وطرقها خوف الإطالة، لأنها مشهورة عند أهل العلم.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرمًا على طاعم يطعمه﴾ الآية، وهو عام في ذي المخلب من الطير وغيره، إلا أن تقوم الدلالة على تخصيص شيء منه.
قيل له: ليس في هذه الآية دلالة على إباحة ما ذكرت، من قبل أنه جائز أن لا يكون قد حرم ما وصفنا في وقت نزول هذه الآية، ثم ورد التحريم من بعد، ولا تكون الآية نافية للتحريم المذكور في الأخبار الواردة في تحريمه.
وأيضًا: قد قيل إن هذه الآية نزلت جوابًا لقوم من المشركين، كانوا يحرمون أشياء مما لم يحرمها الله تعالى من السائبة،
стр. 3147
والوصيلة، والحامي، فأنزل الله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرمًا﴾، يعني: مما يحرمون محرمًا إلا كيت وكيت.
وأيضًا: فإنا نجمع بين الآية وبين هذه الآثار، فنجعل ما ذكر فيها مستثنى من الآية، كما وافقنا مالكٌ على أنَّ تحريم السباع مستثنى من الآية بالأخبار الواردة فيه، وما ورد من ذلك في تحريم ذي المخلب من الطير هو وزن ما ورد في تحريم السباع، ولا فصل بينهما من طريق النقل.
وكما اتفق الفقهاء على أنَّ قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، مبني على ما ورد من سنة رسول الله ﷺ من تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ونحوهن من ذوات المحارم.
стр. 3148
وكما أنَّ قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾، مرتب على ما ورد من النهي عن بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عنده.
ونظائره أكثر من أن تحصى.
فإن قيل: فقد روى "جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ في الضبع أنه يؤكل"، وهو من ذي الناب من السباع، فهلا استثنيته من الأخبار الواردة في تحريم السباع عامًا، كما استثنيت مما ذكر في الآية تحريم السباع.
قيل له: لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في حال إباحة الجميع، ثم لما ورد الحظر، ولم يخص شيئًا منه: عم الكل، من قبل أن الأصل كان الإباحة.
وجهة أخرى: وهي أنَّ النهي عن ذي الناب من السباع قد ورد من
стр. 3149
طريق التواتر، وتلقاه الفقهاء بالقبول، فجاز أن يجمع بينه وبين حكم الآية، وإباحة الضبع إنما ورد فيه خبر شاذ، ليس في وزن ورود التحريم في الاستفاضة والشيوع، وتلقي الناس إياه بالقبول، فصار خبر التحريم قاضيًا عليه وإن كان خبر الحظر أعم من خبر الإباحة؛ لأن من أصلنا أنه متى روي خبران متضادان، اتفق الفقهاء على استعمال أحدهما، واختلفوا في استعمال الآخر، فالذي استعمله الفقهاء عندنا قاضٍ على ما اختلفوا في استعماله وإن كان الخبر المختلف فيه أخص من الآخر.
مسألة: [حكم أكل لحوم الحمر الأهلية والوحشية]
قال: (ولا تؤكل لحوم الحمر الأهلية، ولا بأس بأكل الحمر الوحشية).
قال أحمد: وهو قول عامة فقهاء الأمصار: أصحابنا ومالكٍ والثوري وغيرهم.
وذكر ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أنَّ النبي ﷺ نهى عن الحمر الأهلية؟
فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا عن النبي
стр. 3150
عليه الصلاة والسلام، ولكن أبي ذلك البحر، يعني ابن عباس ﵁، وقرأ: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعمٍ يطعمه﴾. الآية.
قال أحمد: روى الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد عن أبيهما محمد بن علي ابن الحنفية "أنَّ عليًا ﵁ قال لابن عباس: إنك امرؤ تائه، فانظر ماذا تفتي به!
فأشهد أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء عام خيبر، وعن أكل الحمر الإنسية".
وقد روى النهي عن لحوم الحمر الأهلية عن النبي ﵊ ابن عمر وجابر والبراء وأنس بن مالك وأبو سليط وأبو هريرة وسلمة بن الأكوع، كل هؤلاء رووا أنَّ النبي ﷺ نهى عنها يوم خيبر، ثم تنازع أهل العلم في معنى نهيه.
стр. 3151
فقال قائلون: إنما نهى عنها لشدة الحاجة إليها في الحمولة، لأنه روي في الخبر: "أنه قيل له: يا رسول الله فنيت الحمر".
وقال بعضهم: لأنها كانت نهبة، لما روي في بعض الأخبار.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن النبي ﷺ إنما نهى عنها، لأنها كانت حُمرًا تأكل العذرة.
وقال عامة أهل العلم: إنما حرَّمها تحريمًا مبهمًا.
والدليل عليه: أنَّ في حديث أنس أنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس".
وفي بعض ألفاظه: "فإنها نجس، فأكفئوا القدور".
فقد نص في هذا الخبر أن تحريمها تناول عينها، لا لأجل خوف فنائها مع الحاجة إلى الظهر، ولا لأنها نهبة.
وأيضًا: فإنه أمرهم بأن يكفئوا القدور، ولو كان من أجل ما ذكروا، لما أمرهم بإتلافها، لأنه كان سبيلها حينئذ أن يُتصدق بها على الفقراء، كما أمر بأن يتصدق بالشاة المصلية التي قُدمت إليه، فقال: إنها تخبرني أنها أُخذت بغير حقها، قالوا: لم نجد في السوق شاة، وكانت هذه عندنا وديعة، فذبحناها بغير أمر صاحبها، لنعوضه منها، فقال النبي عليه الصلاة
стр. 3152
والسلام: "أطعموها الأسرى".
فأمر بأن يُتصدق بها لما كانت مغصوبة، ولم يأمر بإتلافها.
فلما أمرهم بإتلافها، ومنعهم أكلها مع ما روي في الخبر: "أنهم أكفؤوا القدور وهم جياعٌ": دلَّ ذلك على أنَّ التحريم أكلها ورد مبهمًا مطلقًا، لما ذكرنا.
وأيضًا: في حديث سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله ﷺ لما رأى يوم خيبر نيرانًا تُوقد، فقال: ما هذه النيران؟
قالوا: على لحوم الحمر الإنسية.
فقال النبي ﵊: أهريقوا ما فيها، واكسروها، يعني القدور.
فقال رجل من القوم: أو نغسلها يا رسول الله؟ فقال: أو ذاك".
فأمرهم بكسر القدور تغليظًا لحكم تحريمها، كما أمرهم بشق الروايا التي فيها الخمر حين نزل تحريمها تغليظًا لأمرها، وأمرهم
стр. 3153
بغسلها حين استعفوه من كسرها، ومعلوم أن غسل الأواني لا يجب في الأصول إلا من طريق النجاسات.
فقد دل خبر سلمة بن الأكوع على إطلاق تحريم لحوم الحمر الأهلية من وجهين:
أحدهما: أمره بكسر القدور، ودل بذلك أيضًا على تغليظ حكم التحريم.
والثاني: أمره بغسلها.
* وأما قول من قال: إن علة النهي عن أكلها أنها كانت تأكل العذرة: فإنه دعوى لا دلالة عليها، لأنه ليس في شيء من الأخبار ذكر ذلك، ولا أنه ذكر للنبي ﷺ أنها كانت تأكل العذرة، ولا فيها أن النبي ﵊ سأل عن هذا المعنى، بل أطلق نقل النهي حين قيل: إنها حُمر أهلية، ولم يقيده بمعنى، فهو على ما ورد من الإطلاق.
وأيضًا: فإن كونها مما يأكل ذلك، لا يوجب غسل الأواني منها لو لم تكن نجسة في نفسها، فدل ذلك على سقوط هذا التأويل.
وعلى أنه قد ورد تحريم الحمر الأهلية في حديث المقدام بن معدي كرب مطلقًا، بابتداء التحريم من النبي ﵊ إياها، غير معلَّق بسبب.
وروي عن ابي ثعلبة الخشني أنه قال: "أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! حدثني ما يحلُّ لي، مما يحرم علي؟
стр. 3154
قال: لا تأكل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع".
فأجابه بالتحريم جوابًا مطلقًا غير مقيَّد بمعنى، فدل ذلك على إطلاق تحريم أكلها، وسقوط تأويل من تأوله على غير ذلك.
* وأما احتجاج من احتج في إباحتها بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرمًا على طاعمٍ يطعمه﴾: فإن الجواب فيه ما قدمناه في مسألة تحريم ذي الناب من السباع.
وقد احتج مبيحوه بحديث غالب بن الأبجر أنه قال: يا رسول الله! إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أُطعم منه أهلي غير حُمراتٍ لي.
قال: "فأطعم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهت لكم جوال القرى".
قالوا: فهذا الخبر يقتضي الإباحة، ويدل على أنَّ النهي عن تحريم الحمر الأهلية كان متقدمًا لذلك، وأن ذلك النهي تعلق بجوال القرى، وهي التي تأكل العذرة.
فالجواب وبالله التوفيق: أنَّ هذا الخبر لو اكتفينا به في تحريم الحمر الأهلية، لكان فيه غناء عن الاحتجاج بغيره، وذلك لأنه قد أخبر أنه
стр. 3155
كره لهم جوال القرى، والحمر الأهلية كلها جوال القرى، فوجب تحريمها بهذا الخبر، وتكون إباحته لما سئل عنه، مقصورة على الحمر الوحشية.
وأما قوله: إن جوال القرى إنما أراد بها الحمر الجلالة، فليس في اللفظ دليل عليه، وليس يمتنع أن يكون منه جوال القرى، ولا تأكل العذرة، فلا يكون قوله: جوال القرى، عبارة عن ذلك.
وجهة أخرى: وهي أنه لو ثبت أنه أباح له الحمر الأهلية في هذا الخبر، كان خبر النهي أولى، لأن الخبرين المتضادين في الحظر والإباحة، إذا وردا، فخبر الحظر عندنا أولى.
وأيضًا: فإنه يحتمل أن يكون المراد حال الضرورة، ويدل عليه ما ذكر في بعض الأخبار أنه قال: "أصابتنا سنة، فلم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعمه أهلي"، وإذا كانت الإباحة مقصورة على حال الضرورة، لم يجز لنا استعمال حكمها في حال الرفاهية مع ما ورد من الآثار في الحظر.
مسألة: [حكم لحوم الخيل]
قال: (وكان أبو حنيفة يكره لحوم الخيل).
следующие страницы →