Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
فقال قائلون: إنما نهى عنها لشدة الحاجة إليها في الحمولة، لأنه روي في الخبر: "أنه قيل له: يا رسول الله فنيت الحمر".
وقال بعضهم: لأنها كانت نهبة، لما روي في بعض الأخبار.
وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن النبي ﷺ إنما نهى عنها، لأنها كانت حُمرًا تأكل العذرة.
وقال عامة أهل العلم: إنما حرَّمها تحريمًا مبهمًا.
والدليل عليه: أنَّ في حديث أنس أنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فإنها رجس".
وفي بعض ألفاظه: "فإنها نجس، فأكفئوا القدور".
فقد نص في هذا الخبر أن تحريمها تناول عينها، لا لأجل خوف فنائها مع الحاجة إلى الظهر، ولا لأنها نهبة.
وأيضًا: فإنه أمرهم بأن يكفئوا القدور، ولو كان من أجل ما ذكروا، لما أمرهم بإتلافها، لأنه كان سبيلها حينئذ أن يُتصدق بها على الفقراء، كما أمر بأن يتصدق بالشاة المصلية التي قُدمت إليه، فقال: إنها تخبرني أنها أُخذت بغير حقها، قالوا: لم نجد في السوق شاة، وكانت هذه عندنا وديعة، فذبحناها بغير أمر صاحبها، لنعوضه منها، فقال النبي عليه الصلاة
стр. 3152
والسلام: "أطعموها الأسرى".
فأمر بأن يُتصدق بها لما كانت مغصوبة، ولم يأمر بإتلافها.
فلما أمرهم بإتلافها، ومنعهم أكلها مع ما روي في الخبر: "أنهم أكفؤوا القدور وهم جياعٌ": دلَّ ذلك على أنَّ التحريم أكلها ورد مبهمًا مطلقًا، لما ذكرنا.
وأيضًا: في حديث سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله ﷺ لما رأى يوم خيبر نيرانًا تُوقد، فقال: ما هذه النيران؟
قالوا: على لحوم الحمر الإنسية.
فقال النبي ﵊: أهريقوا ما فيها، واكسروها، يعني القدور.
فقال رجل من القوم: أو نغسلها يا رسول الله؟ فقال: أو ذاك".
فأمرهم بكسر القدور تغليظًا لحكم تحريمها، كما أمرهم بشق الروايا التي فيها الخمر حين نزل تحريمها تغليظًا لأمرها، وأمرهم
стр. 3153
بغسلها حين استعفوه من كسرها، ومعلوم أن غسل الأواني لا يجب في الأصول إلا من طريق النجاسات.
فقد دل خبر سلمة بن الأكوع على إطلاق تحريم لحوم الحمر الأهلية من وجهين:
أحدهما: أمره بكسر القدور، ودل بذلك أيضًا على تغليظ حكم التحريم.
والثاني: أمره بغسلها.
* وأما قول من قال: إن علة النهي عن أكلها أنها كانت تأكل العذرة: فإنه دعوى لا دلالة عليها، لأنه ليس في شيء من الأخبار ذكر ذلك، ولا أنه ذكر للنبي ﷺ أنها كانت تأكل العذرة، ولا فيها أن النبي ﵊ سأل عن هذا المعنى، بل أطلق نقل النهي حين قيل: إنها حُمر أهلية، ولم يقيده بمعنى، فهو على ما ورد من الإطلاق.
وأيضًا: فإن كونها مما يأكل ذلك، لا يوجب غسل الأواني منها لو لم تكن نجسة في نفسها، فدل ذلك على سقوط هذا التأويل.
وعلى أنه قد ورد تحريم الحمر الأهلية في حديث المقدام بن معدي كرب مطلقًا، بابتداء التحريم من النبي ﵊ إياها، غير معلَّق بسبب.
وروي عن ابي ثعلبة الخشني أنه قال: "أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! حدثني ما يحلُّ لي، مما يحرم علي؟
стр. 3154
قال: لا تأكل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع".
فأجابه بالتحريم جوابًا مطلقًا غير مقيَّد بمعنى، فدل ذلك على إطلاق تحريم أكلها، وسقوط تأويل من تأوله على غير ذلك.
* وأما احتجاج من احتج في إباحتها بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرمًا على طاعمٍ يطعمه﴾: فإن الجواب فيه ما قدمناه في مسألة تحريم ذي الناب من السباع.
وقد احتج مبيحوه بحديث غالب بن الأبجر أنه قال: يا رسول الله! إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أُطعم منه أهلي غير حُمراتٍ لي.
قال: "فأطعم أهلك من سمين مالك، فإنما كرهت لكم جوال القرى".
قالوا: فهذا الخبر يقتضي الإباحة، ويدل على أنَّ النهي عن تحريم الحمر الأهلية كان متقدمًا لذلك، وأن ذلك النهي تعلق بجوال القرى، وهي التي تأكل العذرة.
فالجواب وبالله التوفيق: أنَّ هذا الخبر لو اكتفينا به في تحريم الحمر الأهلية، لكان فيه غناء عن الاحتجاج بغيره، وذلك لأنه قد أخبر أنه
стр. 3155
كره لهم جوال القرى، والحمر الأهلية كلها جوال القرى، فوجب تحريمها بهذا الخبر، وتكون إباحته لما سئل عنه، مقصورة على الحمر الوحشية.
وأما قوله: إن جوال القرى إنما أراد بها الحمر الجلالة، فليس في اللفظ دليل عليه، وليس يمتنع أن يكون منه جوال القرى، ولا تأكل العذرة، فلا يكون قوله: جوال القرى، عبارة عن ذلك.
وجهة أخرى: وهي أنه لو ثبت أنه أباح له الحمر الأهلية في هذا الخبر، كان خبر النهي أولى، لأن الخبرين المتضادين في الحظر والإباحة، إذا وردا، فخبر الحظر عندنا أولى.
وأيضًا: فإنه يحتمل أن يكون المراد حال الضرورة، ويدل عليه ما ذكر في بعض الأخبار أنه قال: "أصابتنا سنة، فلم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعمه أهلي"، وإذا كانت الإباحة مقصورة على حال الضرورة، لم يجز لنا استعمال حكمها في حال الرفاهية مع ما ورد من الآثار في الحظر.
مسألة: [حكم لحوم الخيل]
قال: (وكان أبو حنيفة يكره لحوم الخيل).
стр. 3156
قال الشيخ: وهو قول مالك بن أنس.
(وقال أبو يوسف ومحمد: تؤكل).
والدليل على كراهتها: قول الله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ﴾ إلى قوله: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾.
فقد ذكر من منافع الأنعام: الأكل والزينة، وما ذكر معهما من منافع الخيل الركوب والزينة، فلو كانت مما يجوز أكله، لذكر ذلك؛ لأنه من معظم منافعه، كما ذكر في الأنعام، فلما اقتصر على ما ذكر دون الأكل، دل ذلك على أن عظم منافعها هو ما ذكر، وأنها غير مأكولة.
وأيضًا: ما روي لنا عن أبي داود حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد "أنَّ رسول الله صلى الله عليه
стр. 3157
وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع".
فإن قيل: فقد روى جابر بن عبد الله "أنَّ رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأذن لنا في لحوم الخيل".
قيل له: أصل الحديث ما رواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن الحمر والبغال، ولم ينهنا عن الخيل".
وما رواه عطاء عن جابر قال: "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﷺ ، ونهانا رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية".
فلم يذكر في هذا الحديث قولاً من النبي ﷺ في الإباحة، وأكثر ما فيه أنهم أكلوه على عهد النبي صلى الله عليه
стр. 3158
وسلم، وأن النبي ﷺ لم ينه عنه، ومثل هذا لا تثبت به حجة حتى يأكلوه، ويعلم النبي ﷺ بذلك منهم، فلا ينكره.
وعلى أنه لو ثبت على الوجه الذي ذكروه، لكان خبرنا أولى من وجهين:
أحدهما: أنه يوجب الحظر، وخبرهم يوجب الإباحة، والحظر والإباحة إذا اجتمعا كان الحظر أولى.
والثاني: أنَّ خبر جابر مذكورٌ فيه وقت الإباحة، وهو عام خيبر، وفصَّل فيه بين الحمر والخيل، وذلك أول ما حُرِّم؛ لأنهم أرادوا أكله بالإباحة المتقدمة، وخبر خالد بن الوليد ينبغي أن يكون بعده، إذا لم يكن قبل خيبر تحريم شيء من ذلك، ولا يجوز أن يكون في عام خيبر، لأن في خبر جابر الفصل بين الخيل والحمر، فينبغي أن يكون خبر خالد الذي جمع فيه بين الخيل والحمر: بعد ذلك، فيوجب ذلك نسخ ما في خبر جابر من الإباحة.
ومن جهة النظر: أنه أهليٌّ من ذوات الحافر، كالحمير والبغال.
стр. 3159
مسألة:] العقيقة تطوعٌ وليست واجبة [
قال: (والعقيقة تطوع، من شاء فعلها، ومن شاء تركها).
قال أحمد: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل غلاء رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه، ويدمى".
رواه الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ .
وليس في هذا الحديث دلالة على وجوبها؛ لأن قوله: "كل غلام رهينة بعقيقته": لا يجوز أن يكون مراده وجوبها؛ لأنه لا يخلو حينئذ من أن تكون واجبة على الغلام أو على غيره.
ولا يجوز أن يكون ذلك على الغلام، ويكون مرتهنًا بها؛ لأن الطفل ليس من أهل التكليف، وإن كانت العقيقة عنه على غيره، وهو والده، فلا يجوز أن يكون الصبى مرتهنًا بها على غيره، فكيف تصرفت الحال فلا دلالة في هذا اللفظ على وجوبها.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "سئل النبي صلى الله
стр. 3160
عليه وسلم عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق"، كأنه كره الاسم.
وقال: "من ولد له فأحب أن ينسك عنه، فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة".
وظاهر هذا اللفظ يدل على أنها غير واجبة، لأنه قال: "من أحب أن ينسك عن ولده، فليفعل"، فعلق فعله بمحبته، فإذا لم يحبه، لم يكن عليه.
مسألة:] حكم الانتفاع بالسمن الذي ماتت فيه فأرة [
قال: (ومن كان له سمنٌ، فماتت فيه فأرةٌ: فإنها تُلقى وما حولها، ويؤكل ما سواه إن كان جامدًا.
وإن كان ذائبًا: فإنه يستصبح به، وهو نجس، ولا بأس ببيعه بعد أن يبين عيبه، ولا يحل أكله ولا شربه).
وذلك لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه "سئل عن سمن ماتت فيه فأرة، فقال: إن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه".
فهذا في السمن الجامد.
* وأما جواز الانتفاع به: فوجهه: ما رواه أحمد بن منصور الرمادي
стр. 3161
قال: حدثنا سعيد بن الحكم بن أبى مريم قال: حدثنا عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر أنه أخبره أنه كان عند رسول الله ﷺ ، حيث "سأله رجل عن فأرة وقعت في ودك جامد.
فقال: اطرحوها وما حولها، وكلوا ودككم.
قالوا: يا رسول الله! إنه مائع؟ قال: انتفعوا به، ولا تأكلوه".
فأباح الانتفاع به، ومنع أكله.
وروي نحو ذلك عن علي ﵁، وعن أبي سعيد، وابن عمر، وأبي موسي، وعن جماعة من التابعين، ولم يرو عن أحد
стр. 3162
من الصحابة خلافه، فصار إجماعًا لا يسع خلافه.
فإن قيل: قوله: "فأهريقوه" في الحديث الأول: أمرٌ بالاستهلاك، فيدل على حظر الانتفاع به، لأنه لو جاز ذلك: كان مالاً، وقد "نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال".
قيل له: ليس في قوله: "فأهريقوه": أمرٌ بالاستهلاك، وإنما فيه منع الأكل، لأنه يجوز أن يهريقه في السراج، فيستصبح به، أو يهريقه على جلد يدبغه به.
فإن قيل: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود، حُرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها".
وهذا يدل على أنَّ ما كان محرَّم الأكل، لا يجوز بيعه.
قيل له: هذا فاسد بإجماع، لأن العبد محرم الأكل، ويجوز بيعه والانتفاع به، وكذلك الكلب والحمار، وإنما هذا عندنا على وجهين:
ما تناوله التحريم بالإطلاق، فسائر وجوه الانتفاع به محرم عندنا، مثل الخمر والخنزير، وهذه كانت سبيل الشحوم، حين حرمت على اليهود.
وأما ما لم يتناوله التحريم على الإطلاق، فليس يمتنع إباحة بعض منافعه دون بعض، على نحو ما ذكرنا من العبد والكلب والحمار،
стр. 3163
وليس عين السمن محرمًا، ولا البيع ولا الانتفاع واقع بالميتة، بل هذه المنافع إنما تناولت السمن الذي ليس هو محرمًا، وإنما منع أكله لمجاورته الميتة، وسائر وجوه الانتفاع به باق على ما كان عليه حاله في الأصل.
فإن قيل: لما كان تحريم الخمر أو الميتة ونحوها من طريق الحكم، لأجل مخالطته لغيره، وكان ذلك حكم السمن إذا جاورته الميتة، لأنه لم يخالطه شيء من أجزاء النجاسة، وجب أن يكون ممنوعًا من سائر وجوه منافعه، كما منع سائر وجوه منافع الخمر.
قيل له: ليست علة تحريم الخمر ما ذكرته، بل المعنى فيها أنَّ التحريم تناولها على الإطلاق، وأما السمن فلم يتناوله لفظ التحريم، فالواجب أن يحظر منه ما قامت عليه دلالته من الأكل، وأن تكون باقي منافعه على ما كانت عليه.
وعلى أنه إذا ثبت أنَّ مخالطته النجاسة إياه لا تمنع بيعه، فمجاورتها أحرى أن لا تمنعه، فلا فرق إذًا بين ما نجس بالمجاورة، وبين ما نجس باختلاط أجزاء النجاسة.
مسألة:] حكم البيضة الخارجة من الدجاجة بعد موتها [
قال: (ومن ماتت له دجاجة، فخرجت منها بيضة: فلا بأس بأكلها).
والأصل في ذلك: أنَّ كل ما يستباح من الحيوان في حال حياته بغير ذكاة، فحاله بعد الموت كهي قبله، وذلك لأنه لا يلحقه حكم الموت،
стр. 3164
لأنه لو كان يلحقه حكم الموت، لما حل له إلا بذكاة الأصل، كاللحم وسائر أعضاء الحيوان، لما لحقه حكم الموت بموت الحيوان، لم يحله إلا الذكاة.
ويدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بان من البهيمة وهي حية: فهو ميتة".
فلما كانت البيضة تبين منها في حال الحياة، وليست بميتة، علمنا أنها مما لا يلحقه حكم الموت.
ولهذه العلة نفسها قلنا في الشعر والصوف والريش والقرن ونحوها، أنها لا تكون ميتة بعد موت الحيوان، لأنها تؤخذ منه في حال حياته، ولا يحتاج في استباحته إلى ذكاة الأصل، فلا يلحقه حكم الموت إذًا، ولا فرق بينه قبل الموت وبعده.
وأيضًا: فما ليس بحي، لا يلحقه حكم الموت، والبيضة ليست بحية، لأن الحيوان لا يألم بمفارقتها إياه، كالشعر والصوف.
مسألة:] حكم تناول لبن الشاة الميتة [
قال أبو جعفر: (ومن ماتت له شاة أو ما أشبهها، وفي ضرعها لبن: فإن أبا حنيفة قال: لا بأس عليه بأكله).
стр. 3165
قال أحمد: قد بيَّنَّا أنَّ كل ما جاز أخذه من الحيوان في حال حياته، ولا يحتاج إلى استباحته إلى ذكاة الأصل، وهو مما لا يحله الموت، فلا فرق بين أخذه في حال حياته وبعد موته، واللبن من ذلك؛ لأنه لا يجوز أخذه من الحيوان في حال حياته، ولا يمنع ذلك شربه، والانتفاع به.
وكون الحيوان نجسًا بالموت، لا يوجب تنجيس اللبن في قول أبي حنيفة، ولا يكون بمنزلة لبن جعل في وعاء نجس، فينجسه، وذلك لأن موضع الخلقة وإن كان نجسًا، فإنه لا ينجس بالمجاورة.
والدليل على ذلك: قول الله تعالى:﴾ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين ﴿.
فأخبر أن اللبن خارج من بين شيئين نجسين، ولم يوجب ذلك تنجيسه.
ويدل على ذلك: اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم مع ما فيه من العروق التي قد كان فيها الدم، ومعلوم أنَّ الدم مائع نجس، ثم لم ينجس داخل العروق، لأن ذلك موضع خلقته، كذلك اللبن في ضرع الميتة.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان جامدًا كالبيضة: أكله، وإن كان مائعًا: لم يأكله، لأنه لبن في وعاء ميت).
стр. 3166
مسألة:] حكم أكل صيد انقسم نصفين إثر رميه [
قال: (ومن رمى صيدًا بسيف وسمى، فقطعه نصفين: كان مسيئًا، وكان له أكل النصفين جميعًا).
وذلك لأنه قطع العروق التي هي شرط الذكاة في قطعها، وذلك لأن الضربة حينئذ تقع فوق القلب، فتقطع تلك العروق التى يحتاج إلى قطعها في حال الذبح.
وإن قطع الثلث منه مما يلي الرأس: فهو كذلك، للعلة التى وصفنا.
وإن كانت مما يلى العجز: لم يأكل ذلك الثلث، وأكل ما سواه من الصيد، وذلك لأن الضربة لم تصادف قطع أعضاء الذكاة، فكانت القطعة البائنة غير مذكاة، لقول النبي ﷺ : "ما بان من البهيمة وهي حية، فهو ميتة".
فإن قيل: فيما ذكرنا من النصفين أنَّ الضربة التى تقع فوق الفؤاد، فتصادف العروق التى يحتاج إلى قطعها في الذبح، أنَّ هذا إذا كان هكذا لا يكون نصفين.
قيل له: إنما عنى أنه نصفان بالرأس أيضًا، فإذا ضممت الرأس إلى النصف الأعلى كان نصفين.
وأيضًا: فإن في وجه المسألة: أنَّ الضربة إذا صادفت النصف، سواء لم يبق فيه من الحياة إلا بمقدار بقائه للمذبوح، وإذا كانت في دون
стр. 3167
النصف مما يلى العجز، فقد يجوز أن يبقى فيه الحياة بأكثر من بقاء حياة المذبوح، فصار كقطع الرجل.
مسألة:] حكم أكل الصيد إذا أصاب السهم قرنه ونحوه ومات بذلك [
قال: (ومن رمى ظبيًا بسهم، فأصاب قرنه أو ظلفه، فمات من ذلك، فإن أدماه: أكله، وإن لم يدمه: لم يأكله).
قال أحمد: وذلك لما بينا فيما تقدم، واعتباره بالمعراض إذا خزق، أو لم يخزق، على حسب ما روي في الخبر.
مسألة:] حكم أكل صيد غاب عنه الصياد ثم وجده [
(ومن أرسل كلبه على صيد، فاتبعه حتى غاب عنه، فلم يزل في طلبه حتى أدركه وقد صاد الصيد: فإنه يأكله، وإن كان قد تركه، أو كان في طلبه إلا أنه قد بات عنه، ثم أصابه من غده كذلك: لم يأكله".
وذلك لما رواه شعبة عن أبي بشر وعبد الملك بن ميسرة عن سعيد بن جبير كلاهما عن عدي بن حاتم قال: "قلت: يا رسول الله! أرمي الصيد، فأصيبه من الغد، وفيه سهمي؟
قال: إن علمت أنَّ سهمك قتله، ولم تر فيه أثرًا غير سهمك: فكل".
فأباح له الأكل بشريطة حصول اليقين أنَّ سهمه قتله، ولم يشاركه فيه
стр. 3168
غيره، فدل ذلك على أنه إذا لم يوقن أنَّ سهمه قتله: لم يجز أكله، وحصول اليقين في ذلك: أن يعلم أنَّ سهمه قد أصاب المقتل، فصار بحيث لا يبقى إلا مثل بقاء المذبوح.
فإن قيل: إنما أباح له الأكل بالشرط المذكور، ولم يقل إنه إن كان على غير ذلك لم يأكل.
قيل له: ليس كما ظننت، لأن كلامه خرج جوابًا عن المباح من الصيد والمحظور، فانتظم الإباحة وجود الشرط المذكور، وما عداه في حيز المحظور.
فإن قيل: قد روى هذا الحديث سماك بن حرب عن عدي بن حاتم، ولم يذكر فيه قوله: "إن علمت أنَّ سهمك قتله"، بل أطلق فيه إباحة الأكل من غير تقييد.
ورواه أيضًا عبد الملك بن ميسرة من غير هذه الطريق عن سعيد بن جبير عن عدي مطلقًا من غير تقييد.
وهذا يقتضى إباحة الأكل سواء علم أنَّ سهمه قتله، أو لم يعلم، بعد أن لا يعلم مشاركة غيره فيه.
قيل له: هذه الزيادة قد ذكرها أبو بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، وذكرها أيضًا عبد الملك بن ميسرة في رواية شعبة من هذه الطريق فهي ثابتة، لا يجوز إسقاطها لإغفال من ترك ذكرها.
وقد روى شعبة عن الحكم عن عبد الله بن أبى الهذيل "عن ابن عباس
стр. 3169
رضى الله عنهما، وسأله رجل فقال: إنى رجل أنمي وأصمي؟
قال: ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل".
قال الحكم: الإصماء: أن تقتله في الحال، والإنماء أن يتوارى عنك.
* وأما إذا توارى عنه وكان في طلبه: فإنه يجوز أن يأكله، لما روى يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري عن رجل من بهز "أنَّ رسول الله ﷺ مر بالروحاء، فإذا هو بحمار وحش عقير فيه سهم، قد مات، فقال رسول الله ﷺ :
دعوه حتى يجيء صاحبه، فجاء البهزيُّ، فقال: يا رسول الله! هي رميتى فكلوا، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر رضى الله عنه أن
стр. 3170
يقسمه بين الرفاق، وهم محرمون".
فهذا يدل على أن غيبته عنه لا تمنع أكله إذا كان في طلبه.
ومن جهة النظر: أنه ما دام في طلبه، فقد علم أنه ممن لم يكن يلحق ذكاته، فكانت الرمية ذكاته، وأما إذا فرط، فجائز أن يكون قد كان يمكنه أن يدرك ذكاته، فلم يجز ترك ذكاته بالشك.
فإن قيل: لما كان سبب الموت موجودًا في الرمية، فهلا جعلته حادثًا عنه إذا لم يُعلم سببٌ غيره حدث عنه الموت، كما نقول فيمن جرح رجلاً، فلم يزل صاحب فراش حتى مات، أنا نحكم بحدوث الموت عن الجراحة، وهي سبب حدوثه، فيتعلق الحكم به.
قيل له: لم نحرِّمه من حيث لم نحكم بحدوث الموت عن الرمية، لكن من جهة أنَّ وجود الرمية لا يكون سببًا للذكاة إذا أمكن الوصول إلى ذبحه، فإنما منعنا الذكاة من هذه الجهة.
مسألة:] حكم أكل صيد النساء [
قال: (وصيدُ النساء في جميع ما ذكرنا كصيد الرجال، وذبائحهم كذبائح الرجال).
стр. 3171
وذلك لقول الله تعالى:﴾ إلا ما ذكيتم ﴿، وعمومه يتناول الرجال والنساء.
وقد روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: "أنَّ النبي ﷺ أكل ذبيحة امرأة".
مسألة:] حكم ذبيحة وصيد الصبيان [
قال: (وذبح وصيد الصبيان الذين يعقلون الذبيحة كذبائح الرجال، وكذلك صيدهم).
وذلك لأنهم مسلمون، وتسميتهم تسميةٌ صحيحة، فلا فرق بينهم وبين الرجال.
* ... * ... * ... *
стр. 3172
كتاب الضحايا
مسألة:] حكم الأضحية [
قال أبو جعفر ﵀: (والأضحية واجبة في قول أبي حنيفة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار وغيرهم، ولا تجب على المسافرين.
ويجب على الرجل من الأضحية عن ولده الصغار مثل الذي يجب عليه من الأضحية عن نفسه.
وخالف أبو يوسف ومحمد أبا حنيفة في ذلك، فقالا: ليست بواجبة، ولكنها سنة، غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها).
قال أحمد: المشهور من قول أصحابنا جميعًا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد أنَّ الأضحية واجبةٌ على أهل اليسار.
وحدُّ اليسار الذي يتعلق به وجوب الأضحية، هو ما يتعلق به وجوب صدقة الفطر.
стр. 3173
وروي وجوب الأضحية عن جماعة من السلف، منهم: سالم بن أبي الجعد ومكحول في آخرين منهم.
وروي أنها غير واجبة عن أبي بكر وعمر وابن عباس وأبي مسعود الأنصارى.
وروى عن أبي يوسف في الجوامع: أنها سنة، وليست واجبة.
وما حكاه أبو جعفر عن أبي يوسف ومحمد من أنها ليست بواجبة، ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها، فإنه قول خلاف المشهور عنهما.
وعلى أنَّ قوله: غير مرخص له في تركها: يقتضي أن تكون في حد الوجوب، لأن ما ليس بواجب، فهو مرخصٌ له في تركه.
وقوله عنهما: غير مرخَّص لمن وجد السبيل إليها في تركها: إطلاقه ليس بسديد.
وكذلك قوله: على الواجدين: لأنه ليس كل من وجد السبيل إلى الأضحية مأمورًا بها، إنما يؤمر بها من كان من أهل اليسار، وهو أن يكون في ملكه فضلٌ عما يحتاج إليه من مسكن وأثاث وخادم، ومائتي درهم، أو ما يساويها، فأما من يملك أقل من ذلك، فليس عليه أضحية، وهذا
стр. 3174
مرويٌّ عنهم على هذا الوجه.
] الأدلة على وجوب الأضحية [
فأما الحجة في وجوبها: فمن جهة دلالة الكتاب والسنة والنظر.
* فأما دلالة الكتاب: فقول الله تعالى:﴾ فصل لربك وانحر ﴿، وظاهره يقتضي وجوب النحر على النبي ﵊، وما لزم النبي ﵊، فهو لازم لنا حتى تقوم الدلالة على تخصيصه ﵊ به دوننا.
فإن قيل: روي أنَّ المراد وضع اليد عند النحر في الصلاة.
قيل له: روي أنه أراد الأضحية، وهو حقيقة اللفظ، فحمله عليه أولى منه على المجاز.
وعلى أن ما في الظاهر خلافه، لأن قول القائل: قد نحر فلان، لا يعقل منه وضع اليد في الصلاة عند النحر.
ودلالة أخري: وهي ما روى يزيد بن أرقم قال: "يا رسول الله! ما هذه
стр. 3175
الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم ﵇".
فإذا ثبت أنها من سنة إبراهيم، وقد قال الله تعالى:﴾ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴿، لزم اتباعه في سنته بظاهر الآية بعد ثبوتها من سنة إبراهيم.
وكذا نقول في شرائع من كان قبلنا من الأنبياء، إنها لازمة لنا حتى تقوم الدلالة على نسخها بشريعة غيرها.
* وأيضًا: قال الله تعالى:﴾ لكل أمة جعلنا منسكًا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر ﴿.
وقال:﴾ ولكل أمة جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴿.
فأخبر أنَّ المنسك المأمور به هو ما يفعل من الذبائح، وهي الأضاحى
стр. 3176
المفعولة في أيام النحر، والأمر يقتضي الوجوب إلا أن تقوم الدلالة على غيره؛ لأن قوله:﴾ فلا ينازعنك في الأمر ﴿يقتضي أن يكون هناك أمر بالمنسك.
فإن قيل: إنما المعنى في قوله:﴾ فلا ينازعنك في الأمر ﴿: في الشأن، وفي الحال التي وقعت المنازعة فيها، كقوله:﴾ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴿، وكقوله:﴾ وما أمر فرعون برشيد ﴿: يعني شأنه ودأبه، وقوله:﴾ ألا إلى الله تصير الأمور ﴿.
قيل له: حقيقة اللفظ تتناول قول القائل: افعل هذا، هو المعقول من لفظ الأمر، ولا يصرف إلى غيره إلا بدلالة.
* ويدل عليه أيضًا: قوله تعالى:﴾ قل إن صلاتى ونسكي ومحياىَ ومماتي لله رب العالمين ﴿، إلى قوله:﴾ وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴿.
فصحَّ أنَّ النبي صلي الله عليه وسلم كان مأمورًا بالنسك، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا ثبت وجوبها على النبي ﵊،
стр. 3177
لزمنا مثله بقوله تعالى:﴾ فاتبعوه ﴿، وقال:﴾ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ﴿.
* ومن جهة السنة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا عباس بن الوليد بن المبارك حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قدر على سعةٍ فلم يضح، فلا يقربن مصلانَّا".
وحدثنا أبو بكر بن الجعابي قال: حدثنا محمد بن سليمان الباغندي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عبد الله بن عياش المصري عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: "من كان عنده سعة فليضح، فمن لم يضح فلا يقربن مسجدنا".
قال أبو بكر بن الجعابي: عبد الله بن عياش هذا: جليل القدر، وهذا الحديث سديد الطريقة.
стр. 3178
قال أبو بكر الجعابي: وحدثني محمد بن عبد الله بن يوسف قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخى ابن وهب قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش عن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قدر على أن يضحي، أو قال: من وجد سعة: فليضح، فمن لم يضح فلا يقربن مصلانَّا".
وهذا الحديث يدل على وجوب الأضحية من وجهين:
أحدهما: قوله: "فليضحِّ"، وهذا أمر يقتضي الإيجاب.
والثاني: قوله: "فمن لم يضحِّ، فلا يقربن مصلانا"، والمعقول من ظاهر هذا اللفظ الوجوب، لأنه معلوم أنه لم يرد به نهيه عن الصلاة، وحضور المسجد، وإنما المراد والله أعلم: على غير سبيلنا، وبمنزلة من خالف سنتنا، أو ما جرى مجرى ذلك.
* وأيضًا: روى الشعبي وسليمان التيمي وغيرهما عن أبي رملة الحنفي، واسمه عامر – بصري - عن مخنف بن سليم عن النبي ﵊ أنه قال: "يا أيها الناس إن على كل رجل منكم في كل سنة أضحية وعتيرة".
стр. 3179
فاقتضى هذا اللفظ وجوب الأضحية.
والعتيرة: ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، وهي منسوخة بدلالة الاتفاق، ولم تقم الدلالة على نسخ الأضحية، فهي واجبة على ما اقتضاه الخبر.
* ويدل على وجوبها أيضًا: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا يحيى بن سعد عن محمد بن أبي يحيى عن أمه عن أم بلال أنَّ النبي ﷺ قال: "ضحوا بالجذع من الضأن".
وهذا أمر بها يقتضي ظاهره الإيجاب.
* ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا ابن قانع حدثنا الحسن بن المثنى بن معاذ قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس عن جندب قال: "خرجنا مع رسول الله يوم أضحى، فرأى قومًا قد ذبحوا ونحروا، ورأى قومًا لم يذبحوا ولم ينحروا، فقال ﵊: من ذبح قبل الصلاة: فليعد الذبح، ومن لم يذبح: فليذبح باسم الله".
وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: أمره من ذبح قبل الصلاة بالإعادة، ومعلومٌ أنَّ المذبوح قبل
стр. 3180
الصلاة كما لم يذبح، لأنه لم يقع موقع الإجزاء، ثم أمره بالإعادة، وذلك كأمر مبتدأ بالذبح.
والثاني: قوله: "ومن لم يذبح فليذبح": وهذا أيضًا أمر يقتضي الإيجاب.
* ويدل عليه أيضًا من جهة السنة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا حجاج بن منهال حدثنا يزيد بن زريع عن داود عن الشعبي عن البراء بن عازب قال: "قام رسول الله ﵊ يوم أضحى فقال: "لا يذبحن أحدٌ قبل أن يصلي، فقام خالي، فقال: يا رسول الله! إنى عجلت بنسكي لأن أطعمه أهلي وجيراني، قال: قد فعلت، فأعد ذبحًا آخر. قال: يا رسول الله! عندى عناق خير من شاتي لحم أذبحها؟ قال: نعم، وهي خير نسكيك، ولم تقض جذعة عن أحدٍ بعدك".
وهذا الحديث يدل من وجهين على صحة قولنا:
أحدهما: قوله: "أعد ذبحًا آخر"، والأمر على الوجوب.
والثانى: قوله: "لا تقضي جذعة عن أحدٍ بعدك"، لأن القضاء عنه إنما يكون عن واجب في ذمته، كقولك: قضيت الدين، وقضيت صلاة الظهر، والنذر، وما جرى مجراه.
стр. 3181
وقد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث: "إنها تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحدٍ بعدك".
ومعناهما واحد، لأنهم يقولون: جزى عني كذا وكذا أي: قضى عني
فإن قيل: روى أبو جناب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الأضحى علي فريضة، وهو عليكم سنة".
قيل له: هذا مما يدل على الوجوب، لقوله: "هو عليكم سنة".
وقوله: "سنة": لا ينفي الوجوب؛ لأن السنة منها الواجب وغير الواجب.
فإن قيل: لولا أنه أراد نفي الإيجاب، لم يكن لتفرقته بين نفسه وبين الأمة معنى، وفي وجوب حمل كلامه ﷺ على الفائدة، ما يوجب أن يكون المراد الفرق بينه وبيننا في الوجوب.
قيل له: ليس كذلك، لأنه يحتمل أنه يريد: هو علي فريضة بوحي من الله إليه فيه بعينه، وهو عليكم سنة، أي وجوبه من جهتي لا بوحي.
وأيضًا: فليس كل واجب فرضًا، لأن الفرض ما كان على أعلى منازل الوجوب، وقد يكون الشيء عندنا واجبًا، لا يطلق عليه اسم الفرض، كصلاة العيد هي واجبة، ولا يطلق عليها اسم الفرض، وصلاة الظهر واجبة فرض، ونظائر ذلك كثيرة، فليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله
стр. 3182
عليه وسلم قد كان مخصوصًا بلزوم فرض الأضحية، وأنها ليست علينا في تأكيد الوجوب، كما كانت عليه.
* فإن احتجوا بما رواه أبان بن أبي عياش وجابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث هن علي فريضة، وعليكم تطوع: الأضحى، والوتر، والضحى".
قيل له: أبان بن عياش سيء الحفظ، ضعيف جدًا، وجابر الجعفى مطعون فيه، قد قيل فيه العظائم.
وأيضًا: فإن أصل الحديث: ما رواه أبو جناب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﵊ أنه قال: "الأضحى علي فريضة، وعليكم سنة".
فيشبه أن يكون الراوي لما ظن أنَّ معنى قوله: "عليكم سنة": أنه تطوع، حمله على المعنى عنده، فنقله.
وأيضًا: لو ثبت هذا الحديث من جهة يوثق بها، لم يجز أن تعارض به أخبارنا المقتضية لإيجابها، لأن الخبرين متى وردا، وفي أحدهما الإيجاب، وفي الآخر نفيه: كان خبر الإيجاب أولى، لأن الأصل كان فيه نفي الوجوب، فخبر النفي وارد على الأصل، وخبر الوجوب متأخر عنه لا محالة، ولم يتيقن ورود ما يرفع الوجوب بعد استقراره، فكان خبر الإيجاب أولى.
* فإن قيل: روت أم سلمة عن النبي ﵊ أنه قال:
стр. 3183
"إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي".
وهذا يدل على أنها غير واجبة، لأنه علَّق فعلها بإرادته، فإذا لم يردها لم تجب عليه.
قيل له: شرط الإرادة في فعلها، لا ينفي وجوبها، لأن شرط جميع الفرائض الإرادة، ولا تصح إلا بها، وليس فيه: أنه إذا لم يرده كيف يكون حكمه؟
وأيضًا: روى ابن عباس عن النبي ﵊ أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل".
ولم يدل على نفي إيجاب الحج، لذكره الإرادة فيه.
وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أراد منكم الجمعة، فليغتسل"، ولم يدل ذلك على نفي وجوب الجمعة.
* ويدل على وجوب الأضحية: ما روي عن أبي جعفر محمد عن علي ﵁ قال: "نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله – يعني من العقيقة وغيرها-، ونسخت الزكاة كلَّ زكاة كانت قبلها، ونسخ صوم شهر
стр. 3184
رمضان كل صوم كان قبله، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبله".
ومعلوم أنه أراد به نسخ الوجوب، لأن الجواز باق الآن، ولم ينسخ الواجب من ذلك بالأضحى، إلا والأضحى واجب، لأنه إن لم يكن واجبًا، لم يكن الأول منسوخًا به، ولقال: إن وجوب الذبائح كلها قد نسخ، ولم يقل: نسخ بالأضحى.
وروى الحجاج أيضًا عن أبي جعفر، قال: "نسخت الأضحية كل ذبيحة".
ويدل على أنَّ مراده: نسخ وجوب الذبائح بوجوب الأضحية: أنَّ جميع ما ذكره أنه ناسخ لما قبله، فهو فرض أو واجب.
* فقد ثبت وجوب الأضحية بما قدمنا من دلائل الكتاب والسنة، إلا أنَّ الفقهاء متفقون على أنها غير واجبة على المسافرين، فخصصناهم من
стр. 3185
جملة ظواهر الآي والسنن، وبقي حكم الوجوب فيمن عداهم.
قال إبراهيم النخعي: "كانوا إذا شهدوا ضحوا، وإذا سافروا لم يضحوا".
وليس في سقوطها عن المسافرين ما يدل على سقوطها عن المقيمين، لوجودنا كثيرًا من الفروض يتعلق وجوبه بالمقيم دون المسافر، منها الجمعة، والركعتان الأخريان من الظهر، وتعيين فرض شهر رمضان، وصلاة العيدين، هذه كلها أمور تلزم المقيمين دون المسافرين.
فإن قيل: لما كان مضي أيام النحر يُسقطها، دلَّ على أنها ليست بواجبة.
قيل له: سقوطها بمضي الوقت، لا ينفي وجوبها، ألا ترى أنَّ فرض الجمعة يسقط بمضي الوقت، ولم ينف ذلك وجوبها، وقد يتعلق سقوط الفرض بفعل الإنسان، وهو أن يرتد، ثم يسلم بعد مضي وقت الصلاة، أو الصوم، فلا يجب عليه قضاء ما كان لزمه في حال الإسلام قبل الردة، فإذًا ليس في سقوط الفرض بمضي وقت، أو إحداث فعل دلالة على نفي وجوبه في الأصل، وصلاة العيدين واجبة، ومضيُّ الوقت يسقطها.
ولو أنَّ رجلاً نذر أضحية في أيام النحر بعينها، فلم يذبحها حتى مضت أيام النحر: سقط عنه ذبحها.
стр. 3186
ولو أنَّ رجلاً أحرم بحج، تعين عليه وجوب فعل الحج في تلك السنة، فإن فاته الحج: سقط عنه حكم الوجوب في تلك السنة، وكان عليه أن يتحلل بعمرة، وصار الحج في ذمته.
* وأما دليلنا من طريق النظر، فهو اتفاق الجميع على لزوم الأضحية بالنذر، ولو لم يكن لها أصل في الوجوب، لما صح إيجابها بالنذر، لأن كل ما ليس له أصل في الوجوب، لا يصح إيجابه بالنذر.
ألا ترى أنه لو قال: "لله علي المشي إلى السوق، أو إلى المسجد"، لم يلزمه شيء، لأنه ليس له أصل في الوجوب.
فإن قيل: للأضحية أصل في الوجوب، وهو هدي القران والتمتع.
قيل له: ليس هدي القران هو الأضحية، والدليل عليه: أن مضي أيام النحر يمنع صحة الأضحية، ولا يمنع صحة ذبح هدي التمتع، ولو كانت هي الأضحية، لتعلقت بالوقت، لأن الأضحية مخصوصة بوقت لا يصح فعلها في غيره.
ودليل آخر: وهو أنَّ يوم الفطر، لما تعلق به وجوب صلاة العيد، تعلق به حق في المال لله تعالى، وهو صدقة الفطر، فلما تعلق بيوم النحر وجوب صلاة العيد، وجب أن يتعلق به حق المال لله تعالى، واتفق الجميع على سقوط ما عدا الأضحية، فوجب أن يكون الحق الذي تعلق وجوبه في المال بهذا اليوم هو الأضحية.
فإن قيل: فقد يجوز عندكم فعل صلاة العيد في اليوم الثاني من الفطر
стр. 3187
إذا فاتت في اليوم الأول لعذر، ولا يتعلق باليوم الثاني وجوب صدقة الفطر.
قيل له: لم تكن العلة جواز الفعل، وإنما كانت وجوب الفعل، وصلاة العيد لا تجب في اليوم الثاني من الفطر، وإنما تجب في اليوم الأول، وتفعل في اليوم الثاني على وجه القضاء إذا فاتت لعذر.
ألا ترى أنا نقول إنه لو تركها الإمام عمدًا من غير عذر: لم يجب قضاؤها في اليوم الثاني، فعلمت أنَّ اليوم الثاني من الفطر ليس يتعلق به وجوب صلاة العيد وإن تعلق به جواز الفعل على جهة القضاء في بعض الوجوه.
فإن قيل: فأنتم توجبون الأضحية على من بلغ أو أسلم في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، ولا يتعلق بهذين اليومين وجوب صلاة العيد.
قيل له: هذا سؤال ساقط، لأنه إلزام على غير العلة، وإنما ألزمت على عكس العلة، وعلى أنه غلط في المذهب، لأن اليوم الثاني والثالث من أيام النحر عندنا وقت للزوم صلاة العيد، لأنا نقول: إن الإمام لو تركها في اليوم الأول لعذر أو لغير عذر، فعلها في اليوم الثاني والثالث، لا على وجه القضاء، بل على أنه وقت الوجوب، فمن أجل ذلك قلنا إن من بلغ من الأطفال، أو أسلم من الكفار في هذه الأيام، لزمته الأضحية.
* وإنما قالوا إن الأضحية على الأغنياء الذين تجب عليهم صدقة الفطر لأجل غناهم، للعلة التي وصفنا، وهي أنَّ وجوبها تعلق بوقت وجوب صلاة، كما تعلق وجوب صدقة الفطر باليوم الذي تجب فيه صلاة العيد، ثم كانت صدقة الفطر على الأغنياء لدلائل أوجبت ذلك، وجب أن يكون كذلك حكم الأضحية فيمن تجب عليه.
стр. 3188
ويدل عليه حديث أبي هريرة الذي قدَّمنا عن النبي ﵊ أنه قال: "من وجد سعة"، فلا تجب على الفقير.
ووجه آخر: وهو أنَّ الأضحية حق وجب لله تعالى مبتدأ، لا بسبب من جهة العبد، فوجب أن يتعلق وجوبها بوجود الغنى، كالزكاة لما كانت حقًا في المال، أوجبها الله على جهة الابتداء، لا بسبب من جهة العبد، نعلق وجوبها بوجود الغنى، ولهذه العلة أيضًا وجوب صدقة الفطر بوجود الغنى، وليست كالكفارات ونحوها، لأن وجوب الكفارة متعلق بسببٍ من جهته، فتعلقت بوجود الإمكان، لا بالغنى.
فإن قيل: فالحج فرض مبتدأ، لم يتعلق بسبب من جهته، وليس هو متعلقًا بوجود الغنى، وإنما تعلق بوجود الاستطاعة.
قيل له: ليس الحج حقًا متعلقًا في المال، وإنما هو على البدن، والمال به يتوصل إليه، لأن الحق واجب فيه، فلم يلزم على ما نصبنا من العلة في تعلق الحق في المال.
فصل:] في الأضحية عن الصغار [
وأما وجه قولهم في وجوب الأضحية على الرجل عن ولده الصغار: فهو ما قدَّمنا في دلالة وجوب الأضحية من فعل إبراهيم ﷺ ، وأمر الله إيانا باتباعه، والذي وجب على إبراهيم من الأضحية، إنما وجب عليه عن ولده، قال الله تعالى:﴾ وفديناه بذبح عظيم ﴿،
стр. 3189
يعني الذبيح من ولد إبراهيم ﷺ ، والفداء ما أقيم مقام الشيء، فثبت أنها وجبت عليه عن ولده، ثم لما كان هو الأصل في وجوب الأضحية، وجب أن يكون وجوبها علينا محتذى به وجوبها على إبراهيم ﵇.
ووجه آخر: وهو ما روي في حديث مخنف بن سليم عن النبي ﵊: "إن على أهل كل بيت منكم في كل عام أضحية". وفي لفظ آخر: "على كل رجل"، فاستعملنا اللفظين، فقلنا: إنها تجب على كل رجل على حياله، وعلى من كان من أهل البيت أيضًا على حياله، والابن من أهل البيت، فوجب أن يكون ذلك عليه في ماله، وإذا لزمته في ماله وهو غير مكلف، وجب أن يكون على أبيه عنه، إذا لم يكن له مال، كصدقة الفطر.
فإن قيل: فأوجبها عليه عن عبده، كما أوجبت عليه صدقة الفطر عن عبده.
قيل له: لم نجعل وجوب صدقة الفطر عليه عن ولده أصلاً لوجوب الأضحية عنه، وإنما دلالة وجوبها ما قدمنا من سنة إبراهيم ﵇،
стр. 3190
وما في لفظ حديث مخنف بن سليم، ثم إذ ثبت وجوبها عليه إذا كان له مال، أو على الأب إذا لم يكن للابن مال، جرت في هذه الوجوه مجرى صدقة الفطر في تعلقها تارة بالصغير، وتارة بالأب.
فأما دلالة الوجوب على الصغير في الأصل: فهو ما ذكرنا، وليس تقتضي دلالة وجوبها في الأصل عن الابن وجوبها عن العبد، لأن الذي لزم إبراهيم ﵇ من ذلك، إنما لزمه عن ابنه، لا عن عبده.
وقول النبي ﵊: "على كل أهل بيت منكم في كل عام أضحية"، يقتضي دخول الابن فيه، ولا يقتضي دخول العبد فيه، لأن العبد ليس هو من أهل بيته.
فإن قال قائل: فهلا قست العبد على الابن في وجوب الأضحية عنه.
قيل له: قد اتفق فقهاء الأمصار على أن لا أضحية على المولى عن عبده، ولا حَظَّ للنظر مع الاتفاق.
مسألة: [ما يجزئ في الأضحية من أسنان الأنعام]
قال أبو جعفر: (ولا يجزئ في الهدي والضحايا إلا الجذع من الضأن، أو الثنيُّ من المعز والبقر والإبل، فصاعدًا).
следующие страницы →