← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

ولو أنَّ رجلاً أحرم بحج، تعين عليه وجوب فعل الحج في تلك السنة، فإن فاته الحج: سقط عنه حكم الوجوب في تلك السنة، وكان عليه أن يتحلل بعمرة، وصار الحج في ذمته. * وأما دليلنا من طريق النظر، فهو اتفاق الجميع على لزوم الأضحية بالنذر، ولو لم يكن لها أصل في الوجوب، لما صح إيجابها بالنذر، لأن كل ما ليس له أصل في الوجوب، لا يصح إيجابه بالنذر. ألا ترى أنه لو قال: "لله علي المشي إلى السوق، أو إلى المسجد"، لم يلزمه شيء، لأنه ليس له أصل في الوجوب. فإن قيل: للأضحية أصل في الوجوب، وهو هدي القران والتمتع. قيل له: ليس هدي القران هو الأضحية، والدليل عليه: أن مضي أيام النحر يمنع صحة الأضحية، ولا يمنع صحة ذبح هدي التمتع، ولو كانت هي الأضحية، لتعلقت بالوقت، لأن الأضحية مخصوصة بوقت لا يصح فعلها في غيره. ودليل آخر: وهو أنَّ يوم الفطر، لما تعلق به وجوب صلاة العيد، تعلق به حق في المال لله تعالى، وهو صدقة الفطر، فلما تعلق بيوم النحر وجوب صلاة العيد، وجب أن يتعلق به حق المال لله تعالى، واتفق الجميع على سقوط ما عدا الأضحية، فوجب أن يكون الحق الذي تعلق وجوبه في المال بهذا اليوم هو الأضحية. فإن قيل: فقد يجوز عندكم فعل صلاة العيد في اليوم الثاني من الفطر

стр. 3187

إذا فاتت في اليوم الأول لعذر، ولا يتعلق باليوم الثاني وجوب صدقة الفطر. قيل له: لم تكن العلة جواز الفعل، وإنما كانت وجوب الفعل، وصلاة العيد لا تجب في اليوم الثاني من الفطر، وإنما تجب في اليوم الأول، وتفعل في اليوم الثاني على وجه القضاء إذا فاتت لعذر. ألا ترى أنا نقول إنه لو تركها الإمام عمدًا من غير عذر: لم يجب قضاؤها في اليوم الثاني، فعلمت أنَّ اليوم الثاني من الفطر ليس يتعلق به وجوب صلاة العيد وإن تعلق به جواز الفعل على جهة القضاء في بعض الوجوه. فإن قيل: فأنتم توجبون الأضحية على من بلغ أو أسلم في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر، ولا يتعلق بهذين اليومين وجوب صلاة العيد. قيل له: هذا سؤال ساقط، لأنه إلزام على غير العلة، وإنما ألزمت على عكس العلة، وعلى أنه غلط في المذهب، لأن اليوم الثاني والثالث من أيام النحر عندنا وقت للزوم صلاة العيد، لأنا نقول: إن الإمام لو تركها في اليوم الأول لعذر أو لغير عذر، فعلها في اليوم الثاني والثالث، لا على وجه القضاء، بل على أنه وقت الوجوب، فمن أجل ذلك قلنا إن من بلغ من الأطفال، أو أسلم من الكفار في هذه الأيام، لزمته الأضحية. * وإنما قالوا إن الأضحية على الأغنياء الذين تجب عليهم صدقة الفطر لأجل غناهم، للعلة التي وصفنا، وهي أنَّ وجوبها تعلق بوقت وجوب صلاة، كما تعلق وجوب صدقة الفطر باليوم الذي تجب فيه صلاة العيد، ثم كانت صدقة الفطر على الأغنياء لدلائل أوجبت ذلك، وجب أن يكون كذلك حكم الأضحية فيمن تجب عليه.

стр. 3188

ويدل عليه حديث أبي هريرة الذي قدَّمنا عن النبي ﵊ أنه قال: "من وجد سعة"، فلا تجب على الفقير. ووجه آخر: وهو أنَّ الأضحية حق وجب لله تعالى مبتدأ، لا بسبب من جهة العبد، فوجب أن يتعلق وجوبها بوجود الغنى، كالزكاة لما كانت حقًا في المال، أوجبها الله على جهة الابتداء، لا بسبب من جهة العبد، نعلق وجوبها بوجود الغنى، ولهذه العلة أيضًا وجوب صدقة الفطر بوجود الغنى، وليست كالكفارات ونحوها، لأن وجوب الكفارة متعلق بسببٍ من جهته، فتعلقت بوجود الإمكان، لا بالغنى. فإن قيل: فالحج فرض مبتدأ، لم يتعلق بسبب من جهته، وليس هو متعلقًا بوجود الغنى، وإنما تعلق بوجود الاستطاعة. قيل له: ليس الحج حقًا متعلقًا في المال، وإنما هو على البدن، والمال به يتوصل إليه، لأن الحق واجب فيه، فلم يلزم على ما نصبنا من العلة في تعلق الحق في المال. فصل:] في الأضحية عن الصغار [ وأما وجه قولهم في وجوب الأضحية على الرجل عن ولده الصغار: فهو ما قدَّمنا في دلالة وجوب الأضحية من فعل إبراهيم ﷺ ، وأمر الله إيانا باتباعه، والذي وجب على إبراهيم من الأضحية، إنما وجب عليه عن ولده، قال الله تعالى:﴾ وفديناه بذبح عظيم ﴿،

стр. 3189

يعني الذبيح من ولد إبراهيم ﷺ ، والفداء ما أقيم مقام الشيء، فثبت أنها وجبت عليه عن ولده، ثم لما كان هو الأصل في وجوب الأضحية، وجب أن يكون وجوبها علينا محتذى به وجوبها على إبراهيم ﵇. ووجه آخر: وهو ما روي في حديث مخنف بن سليم عن النبي ﵊: "إن على أهل كل بيت منكم في كل عام أضحية". وفي لفظ آخر: "على كل رجل"، فاستعملنا اللفظين، فقلنا: إنها تجب على كل رجل على حياله، وعلى من كان من أهل البيت أيضًا على حياله، والابن من أهل البيت، فوجب أن يكون ذلك عليه في ماله، وإذا لزمته في ماله وهو غير مكلف، وجب أن يكون على أبيه عنه، إذا لم يكن له مال، كصدقة الفطر. فإن قيل: فأوجبها عليه عن عبده، كما أوجبت عليه صدقة الفطر عن عبده. قيل له: لم نجعل وجوب صدقة الفطر عليه عن ولده أصلاً لوجوب الأضحية عنه، وإنما دلالة وجوبها ما قدمنا من سنة إبراهيم ﵇،

стр. 3190

وما في لفظ حديث مخنف بن سليم، ثم إذ ثبت وجوبها عليه إذا كان له مال، أو على الأب إذا لم يكن للابن مال، جرت في هذه الوجوه مجرى صدقة الفطر في تعلقها تارة بالصغير، وتارة بالأب. فأما دلالة الوجوب على الصغير في الأصل: فهو ما ذكرنا، وليس تقتضي دلالة وجوبها في الأصل عن الابن وجوبها عن العبد، لأن الذي لزم إبراهيم ﵇ من ذلك، إنما لزمه عن ابنه، لا عن عبده. وقول النبي ﵊: "على كل أهل بيت منكم في كل عام أضحية"، يقتضي دخول الابن فيه، ولا يقتضي دخول العبد فيه، لأن العبد ليس هو من أهل بيته. فإن قال قائل: فهلا قست العبد على الابن في وجوب الأضحية عنه. قيل له: قد اتفق فقهاء الأمصار على أن لا أضحية على المولى عن عبده، ولا حَظَّ للنظر مع الاتفاق. مسألة: [ما يجزئ في الأضحية من أسنان الأنعام] قال أبو جعفر: (ولا يجزئ في الهدي والضحايا إلا الجذع من الضأن، أو الثنيُّ من المعز والبقر والإبل، فصاعدًا).

стр. 3191

فأما جواز الجذع من الضأن، فالأصل فيه: ما روي أنَّ عقبة بن عامر قال للنبي ﵊: "أضحي بالجذع من الضأن؟ فقال: نعم". وحديث أم بلال امرأة من أسلم، أنَّ النبي ﷺ قال: "ضحُّوا بالجذع من الضأن". وروى بقية بن الوليد عن أبي عبد الرحمن التيمي عن يونس بن يزيد الأيلي أنَّ رجلاً حدثه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ضحُّوا بالجذع من الضأن"، إذا فرط له ستة أشهر. فإن قيل: يحتمل أن يكون جوازها مقصورًا على حال العدم والإعسار، لما روى أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن". قيل له: لا يجوز ذلك، لأن في حديث عقبة بن عامر أنه سأل النبي ﷺ سؤالاً مطلقًا، فأجازه، ولم يفصل فيه بين حال الإعسار واليسار، فيحمل حينئذ خبر جابر على الاستحباب، دون الإيجاب.

стр. 3192

وقد روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: "يجزئ الجذع من الضأن، والثني من المعز". وقد روي عن ابن عمر أنه قال: "لا يجزئ شيء من الجذاع من البقر والإبل والضأن في الأضاحي". وعسى أن لا يكون بلغه خبر النبي ﵊ في جوازه. * وأما الجذع من غير الضأن، فإن الأصل في امتناع جوازه في الأضاحي: ما روى البراء في قصة أبي بردة بن نيار حين قال: "يا رسول الله! إني عجَّلت نسكي لأهلي قبل الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : أعد أضحيتك. فقال: يا رسول الله! عندي جذعة من المعز، وهي خير من مسنة. فقال: إنها تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك". وإذا ثبت ذلك في الجذع من المعز، فالجذع من الإبل والبقر بمثابته، لأن أحدًا لم يفرق بينهما. فإن قيل: فقد روي عن زيد بن خالد الجهني "أنَّ رسول الله ﵊ قسم أضاحي بين أصحابه، وأعطاني عتودًا جذعًا، قال: فرجعت به إليه، فقلت: إنه جذع؟ قال: ضحِّ به، فضحَّيت به".

стр. 3193

قيل له: يحتمل أن يكون من الضأن، ويحتمل أيضًا أن يكون تطوعي غير واجب. وأيضًا: لو ساوى خبر النهي في الاحتمال، لكان خبر الحظر أولى، لما بيَّنَّا في مواضع. مسألة: [الجزور أفضل الأنعام في الأضحية] قال: (والجذور في الأضحية أفضل ما ضحي به، ثم البقرة، ثم الشاة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. روي في التفسير: استسمانها واستعظامها. وروي عن ابن عمر "أنَّ النبي ﷺ كان يضحي بالجزور، وبالكبش إذا لم يكن جزورًا". وقال النبي ﷺ : "المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة".

стр. 3194

فأفاد أنَّ البدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة. مسألة: قال أبو جعفر: (ولا تجزئ الأضحية بما سوى هذه الثلاثة الأصناف)، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. مسألة: [حكم الاشتراك في الشاة في الأضحية] قال: (ولا تجزئ الشاة إلا عن واحد). وذلك لأن الصحابة اتفقت على أنَّ البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، وإذا لم تجز البدنة عن أكثر من سبعة، فالشاة أولى بأن لا تجزئ عن أكثر من ذلك، والناس في الشاة على أقاويل ثلاثة: فقال قائلون: تجزئ عن أهل بيت واحدٍ وإن كثروا، ولا تجزئ عن أهل بيتين. وقال آخرون: تجزئ عن أهل أبيات شتى وإن كثروا. وقال آخرون: وهو مذهب الجماعة، لا تجزئ عن أكثر من واحد. فلما ثبت أنَّ البدنة التي هي أفضل من الشاة، لا تجزئ عن أكثر من سبعة، وجب أن تكون الشاة مثلها، وإذا ثبت ذلك في الشاة، بطل

стр. 3195

القولان الأولان، فلم يبق إلا قول من يقول إنها لا تجزئ إلا عن واحد فإن قيل: روت عائشة "أنَّ رسول الله ﵊ أمر بكبش أقرن، فأخذه وأضجعه، ثم ذبحه، وقال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به". وقال جابر بن عبد الله: "ضحى رسول الله ﵊ بكبشين: أحدهما عن محمد، وأمته". وقال أبو سعيد الخدري ﵁: "ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين ثم قال: هذا عني، وعمن لم يضحِّ من أمتي". قيل له: هذا منسوخ أو مخصوص بدلالة الاتفاق الذي قدمنا. وأيضًا: فإنه تطوع، وقد يجوز أن يتطوع الإنسان عن الغير بما شاء من ذلك. مسألة: [تجزئ البقرة والجزور في الأضحية عن سبعة] قال أبو جعفر: (والجزور والبقرة يجزئ كل واحد منهما عن سبعة،

стр. 3196

ويستوي فيه أهل البيت الواحد، وأهل القبائل المتفرقين). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قيس عن عطاء عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة". وروى قتادة عن أنس "أنَّ أصحاب رسول الله ﵊ كانوا يشتركون في البدنة من الإبل عن سبعة، ويشتركون في البدنة من البقرة عن سبعة". فثبت بذلك جواز البدنة والبقرة عن سبعة. ودل على أنه لا فرق بين اشتراك أهل البيت الواحد فيها، وبين أهل الأبيات المتفرقين لعموم اللفظ، ولأن النبي ﵊ لم يفرق بينهما. فإن قيل: روى عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نختار السليم من الضحايا، وأن نذبح الجذع من الغنم، والجذع من الضأن، ونجتمع العشرة منا في الجزور، والسبعة في البقرة". وروى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة

стр. 3197

ومروان بن الحكم قالا: "خرج رسول الله ﷺ عن الحديبية يريد زيارة البيت، وساق معه الهدي، وكان الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، وكان كل بدنة عن عشرة". قيل له: أما حديث عبادة بن نسي فإنه ضعيف السند، لأنه يرويه ابن لهيعة عن ابن أنعم عن عبيد بن حميد عن عبادة بن نسي، وابن لهيعة يُضعف، وقد تكلم أيضًا في ابن أنعم. وحديث المسور ومروان، قد عارضه حديث جابر وأنس، وقد كان جابر شهد الحديبية، وأخبر أنَّ البدنة كانت عن سبعة، فهو أولى من حديث المسور ومروان. وأيضًا: فإن أنسًا قال: "كان أصحاب رسول الله ﵊ يشتركون السبعة في البدنة". وقال علي وعبد الله: "البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة". فهؤلاء كانوا أعلم بقصة الحديبية، فكان قولهم أولى. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: عليَّ ناقة وقد عزَّت عليَّ؟ فقال: اشتر سبعًا من الغنم".

стр. 3198

فعدلها بسبعة من الغنم، ولم يعدلها بعشرة، فدلَّ على صحة ما ذكرنا. وأيضًا: فلو كانت الأخبار متعارضة متساوية في النقل والعمل، كان خبر السبعة أولى، لأن القياس يمنع جواز الاشتراك في البدنة، لأن النفس لا تتبعض في الذبح، فمتى تعارضت الأخبار، كان اعتبار الأقل أولى إذا لم تثبت الزيادة، والقياس يمنع منها. وأيضًا: قد اتفق الجميع على أنَّ البقرة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، فكذلك البدنة. مسألة: [تحديد أيا النحر] قال أبو جعفر: (وأيام النحر ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده، وأفضلها أولها). قال أحمد: وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس ﵃. وقد روي عن بعضهم أنَّ أيام التشريق كلها من أيام الذبح، وهو عندنا شاذٌّ، لاتفاق أئمة السلف على خلافه.

стр. 3199

ويدل عليه أيضًا: ما روى ابن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن أنه سمع عليًا ﵁ يقول يوم الأضحى وعثمان محصور: "أيها الناس إن النبي ﵊ نهاكم أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث، فلا تأكلوها بعدها". ورواه الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﵊ قال: "كلوا منها ثلاثًا، يعني لحوم الأضاحي". ورواه الليث عن نافع عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم من أضحيته فوق ثلاثة أيام". وروى علي وابن مسعود وبريدة أنَّ النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدَّخروها فوق ثلاثة أيام، فادَّخروها ما بدا لكم". فدلت هذه الأخبار على أنَّ جواز الأضحية مقصور على هذه الأيام؛ لأنه إذا كان منهيًا عن تبقية اللحم أكثر من ثلاث، والذبح لا محالة قبل ذلك، علمنا أنَّ الذبح مقصور على الثلاث. وقد روي في بعض ألفاظ حديث علي ﵁: "أنَّ رسول الله

стр. 3200

صلى الله عليه وسلم نهى أن يبقى عندكم من نسككم شيء بعد ثلاث". فهو على الحي والمذبوح جميعًا؛ لأن اللفظ يتناولهما. وأيضًا: فإن مقادير الأوقات التي تتعلق بها صحة الفروض، لا تعلم من طريق المقاييس، وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق والسنة في الثلاث، فأثبتناها، ولم نثبت ما فوقها؛ لعدم الدلالة عليه. فإن قيل: روى سليمان بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "في كل أيام التشريق ذبح". قيل له: لم يقل: أضحية، ونحن نجيز ذبح هدي القران والتطوع والمتعة وغيرها في هذه الأيام كلها، وإنما قلنا: إن الأضحية مقصورة على أيام النحر. مسألة: [ذبح الأضحية ليالي أيام النحر] قال: (والذبح في لياليها كهو في أيامها). وذلك لأن اسم الأيام إذا أطلقت يتناولها بلياليها، وذلك معقول من اللفظ، وقد بيَّنَّا ذلك في مواضع. فإذا قيل: أيام النحر ثلاثة: فقد دخلت فيها الليالي.

стр. 3201

مسألة: [ابتداء وقت الذبح في المصر] قال أبو جعفر: (ولا يجوز لأهل الأمصار أن يذبحوا قبل أن يصلي الإمام صلاة العيد، وإن ذبحوا: لم تجزهم). والأصل في ذلك: حديث البراء: "أنَّ أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يصلي النبي ﷺ صلاة العيد، فقال النبي ﵊: تلك شاة لحم، أعد أضحيتك". وقال النبي ﷺ : "من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه". وفي حديث البراء أنَّ النبي ﷺ قال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا، أن نبتدئ بالصلاة، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك، فإنما هو لحمٌ عجَّله لأهله، ليس من النسك في شيء". ودلالة هذا الحديث على صحة قولنا ظاهرة من وجوهٍ كثيرة لا تخفى على متأملها. * وقد ذهب قوم إلى أنه لا تجزئ الأضحية قبل ذبح الإمام وإن كانت

стр. 3202

بعد الصلاة. لما روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "أنَّ النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، فظنوا أنَّ النبي ﵊ قد نحر، فأمر من كان نحر قبله أن يعيد بذبح آخر، ولا ينحر حتى ينحر النبي ﵊". واحتجوا لذلك أيضًا بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. فأما هذا الحديث: فلا دلالة فيه على ما ذكروا؛ لأنه يحتمل أن يكونوا ذبحوا قبل صلاة النبي ﵊، إذ ليس فيه: أنهم ذبحوا بعدها، والأحاديث التي قدمناها تعارضه؛ لأن النبي ﷺ أباح فيها الذبح بعد الصلاة، ولم يشترط فيه ذبح الإمام. وأيضًا من طريق النظر: اتفاق الجميع أنَّ الإمام لو لم يضح، لما سقطت الأضحية عن سائر الناس، فدل ذلك على أنها ليست متعلقة بنحر الإمام. فإن قيل: ولو كانت متعلقة بصلاة الإمام، كان ينبغي أن تسقط إذا لم يصل الإمام، فلما لم تسقط بترك الصلاة، ولم يدل ذلك على أنَّ جوازها

стр. 3203

غير متعلق بالصلاة، كذلك لم يتعلق بذبح الإمام، ولا تسقط بترك الإمام الذبح. قيل له: فهذا يؤكد قولنا، ويدل على أنَّ جوازها متعلق بالصلاة، لا بنحر الإمام، إذ كان فوات وقت الصلاة أجاز له فعل الأضحية، فصار ذلك متعلقًا بالصلاة، لا بنحر الإمام. ويدل عليه: أنَّ الإمام لو نحر قبل أن يصلي: لم يجزه، فكذلك سائر الناس. مسألة: [وقت ذبح الأضحية في غير المصر] قال أبو جعفر: (ولأهل السواد أن يذبحوا بعد طلوع الفجر من يوم النحر). وذلك لأنهم لا صلاة عليهم، فكانوا بمنزلة أهل المصر بعد الصلاة، لسقوط الصلاة عنهم. مسألة: قال: (وإن أمر أهله وهم في السواد، وهو في المصر أن يضحوا عنه: فإنه يجوز لهم أن يضحوا عنه بعد طلوع الفجر من يوم النحر. ولو كانت الأضحية في المصر، وهو في السواد: لم يجز لهم أن يضحوا عنه إلا بعد الصلاة). وإنما اعتبر موضع الأضحية، لا موضع المضحي، كما اعتبر موضع

стр. 3204

المال في أداء الزكاة، وصرفها إلى مساكين موضع المال، دون مساكين موضعه، وكما يعتبر في هدي القران والمتعة موضع الذبح وهو الحرم، دون موضع الرجل، والمعنى في جميع ذلك: أنَّ الحق متعلق بالعين، فاعتبر موضع العين، دون غيره. مسألة: [وقت الذبح لمن كان في مصره أكثر من مسجدٍ للعيد] قال أبو جعفر: (وكلُّ مصر فيه مسجدان يصلى في كل واحد منهما العيد: أجزأ أهل ذلك المصر أن يذبحوا بعد ما صلى أحد المسجدين). وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من ذبح قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه". فأجاز الأضحية بعد الصلاة، وهو على أول الصلاتين. وأيضًا: فلو اقتصر على صلاة أحد المسجدين: جاز، وتعلق حكم جواز الأضحية بها، فلا يمنع من ذلك صلاة المسجد الآخر. مسألة: [توزيع لحم الأضحية] قال: (ولا بأس بأن يأكل الرجل ويدخر من أضحيته، وينبغي له أن يتصدق منها، ولا يقصر عن الثلث). قال أحمد: الصدقة عندهم بالثلث استحبابًا. والأصل في جواز الأكل والادخار منها: ما روي عن النبي عليه

стр. 3205

الصلاة والسلام أنه قال: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا". وروى ابن عباس عن النبي ﵊ أنه قال: "ليأكل كل رجل من أضحيته". وأما جهة الاستحباب في الصدقة بالثلث: فهو قول الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير﴾. فهذا عام في سائر البدن من الأضاحي وغيرها، ثم قال: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾. وقال النبي ﵊: "فكلوا وادخروا".

стр. 3206

فجعل للصدقة الثلث، لأن الثلثين للأكل والادخار، وقد روي الصدقة بالثلث عن ابن مسعود. مسألة: [حكم بيع لحم الأضحية] قال: (ولا ينبغي له أن يبيع من لحمها شيئًا). وذلك لما روي في حديث قتادة بن النعمان عن النبي ﵊ قال: "كنت أمرتكم أن لا تأكلوا من لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا ما شئتم، ولا تبيعوا لحم الهدي والأضاحي، وكلوا، وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها". وروى عبد الله بن عياش القتباني عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع جلد أضحيته: فلا أضحية له". وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا عليه.

стр. 3207

وقال النبي ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁ حين أمر بنحر البدن: "وتصدق بحلالها وخطامها، ولا تعط الجازر منها شيئًا، فإنا نعطيه من عندنا". فمنعه أن يعطي الجازر منها شيئًا على وجه الأجرة، فدلَّ على أنه ممنوع من بيعه. مسألة: [ما يلزم من باع شيئًا من أضحيته] قال أبو جعفر: (فإن باعه: جاز بيعه، وتصدَّق بثمن ما باعه). وإنما جاز بيعه؛ لأنه في ملكه، جائزُ التصرف فيه، ألا ترى أنه يجوز هبته وصدقته، ولأن النهي لم يتناول معنى في نفس العقد، فصار كالبيع عند أذان الجمعة، وكالنهي عن تلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، والنهي عن بيع الطعام في دار الحرب، كل ذلك قد ورد فيه نهي، ولم يمنع جواز العقد، إذ لم يتناول النهي معنى في العقد. وإنما أمر بأن يتصدق بثمن ما باع؛ لأنه لما كان منهيًا عن بيعه، وأخذ

стр. 3208

ثمنه، حصل ذلك له من وجه محظور، فأمر بالصدقة به، كما أمر النبي ﵊ بالصدقة بالشاة المشوية التي أخذت بغير إذن مالكها، فقال ﵊: "أطعموها الأسرى"، لأنها حصلت لهم من وجه محظور. وأيضًا: لما أخرجه من باب الأضحية، وما يجوز فيها، صار كالأضحية إذا أوجبها بعينها، ثم لم يذبحها حتى مضت أيام النحر، فيجب عليه أن يتصدق بها، لخروجها عن معنى الأضاحي بعد ثبوت ذلك الحق فيها، وكما لو حلب الأضحية، أو أخذ صوفها قبل الذبح، كان عليه أن يتصدق به. مسألة: [الإهداء من الأضحية للأغنياء] قال أبو جعفر: (ولا بأس أن يهدي منها إلى الأغنياء). وذلك لأن كل ما يجوز له أن يأكل منه: جاز أن يهديه لغني، وما لا يجوز أن يأكل منه: فشأنه الصدقة، ولا يهدي منه لغني. وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يهدي الثلث منها إلى أولاد أخيه، ويأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، وكذا قال أصحابنا في ذلك، وفي هدي القران والمتعة والتطوع إذا بلغ محله، أنه يجوز له أن يهدي منه لغني، كما جاز أن يأكل. وأما ما لا يجوز أن يأكل منه، نحو جزاء الصيد، وهدي الإحصار، وما يجب عن الجنايات الواقعة في الإحرام: فإنه لا يهدي منه لغني؛ لأنه

стр. 3209

لا يجوز أن يأكل منه، وسبيله أن يتصدق به. مسألة: [جعل جلد الأضحية ثمنًا لشيء من متاع البيت] قال أبو جعفر: (ولا بأس بأن يبتاع بجلدها شيئًا من متاع البيت، ولا ينبغي أن يبيعه بما سوى ذلك). وذلك لأنه مباح له الاستمتاع به، وهذا ضرب من الاستمتاع به، ألا ترى أنه يجوز له أن يدبغ الجلد، وينتفع به في البيت، كذلك إذا باعه بما ينتفع به في البيت، فلا بأس، لأن البدل قائمٌ مقام المبدل عنه. وليس كذلك بيعه بالدراهم ونحوها؛ لأن الاستمتاع بعين الدراهم غير ممكن، وهو منهي عن صرفه إلا في جهة الاستمتاع به. مسألة: [إذا لم يذبح أضحيته حتى فات وقتها] قال أبو جعفر: (ومن أوجب أضحية، فلم يضح بها حتى مضت أيام النحر: تصدَّق بها حية، ولم يذبحها). وذلك لأن القربة المتعلقة بعينها في إراقة الدم فاتته بمضي أيام النحر، فصارت كهدي التطوع إذا عطب دون بلوغ محله، فسبيله أن يتصدق به، لعدم بلوغ محله. والأصل فيه: ما روي "أنَّ النبي ﵊ بعث بالبدن مع

стр. 3210

ناجية من جندب الأسلمي فقال: ما أصنع يا رسول الله بما أبدع علي منها؟ فقال: "انحرها، واصبغ نعلها في دمها، واضرب به صفحتها، وخل بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا أحدٌ من أهل رفقتك منها شيئًا". والمعنى عندنا في نهيه وأهل رفقته عن الأكل منها: أنه علم أنهم ليسوا من أهل الصدقة، وأمرهم بالصدقة حين تعذر استيفاء القربة التي تعلقت بذبحها، ولو كانت بلغت محلها لم تجب صدقتها، فصار ذلك أصلاً في نظائره، مما لم يبلغ محله من الهدي الذي يجوز أن يأكل منه مما تعلقت القربة فيه بعينه، وصار عند فوت ذبحه بمنزلة من قال: لله علي أن أتصدق بهذه الشاة: فعليه أن يتصدق بها. مسألة: [إذا ذبح الأضحية بعد فوات وقتها] قال أبو جعفر: (ولو ذبحها بعد مضي أيام النحر: تصدق بها وبنقصان الذبح). وذلك لأنه بمنزلة من قال: لله عليَّ أن أتصدق بهذه الشاة: فالقربة فيها هي الصدقة لا الذبح، فإن ذبحها وتصدق بها، كان عليه أن يتصدق أيضًا بما حدث فيها من النقصان بالذبح.

стр. 3211

فإن قيل: فقد أمر النبي ﵊ ناجية بن جندب الأسلمي بنحر ما أبدع عليه من البدن. قيل له: إنما أمره بنحر ما عطب منها، لأنه لو لم ينحرها لتلفت، ولم ينتفع بها، وكذلك نقول في الأضحية، لو فاتت أيام النحر، ثم عطبت جاز له أن يذبحها، ثم يتصدق بها من غير غرامة النقصان؛ لأن الذبح حينئذ لا يوجب نقصًا، لأنه لا يصلح حينئذ إلا للذبح. مسألة: [الأضحية بما تولَّد من وحشي وأهلي] قال أبو جعفر: (ومن كانت عنده بقرة وحشية، فحملت من ثور أهلي: لم يجز أن يضحي بولدها، ولو كانت أمه أهلية، وحملته من ثور وحشي: جاز أن يضحي به). وإنما اعتبر الأم؛ لأن الولد بمنزلة جزء من أجزائها، فتبعها في حكمها، ألا ترى أنَّ بقرة أهلية لو حملت من ثور وحشي ليس في ملك أحد: أنَّ الولد ملكٌ لمالك الأم، ولو أنَّ بقرة وحشية حملت من ثور أهلي: لم يكن الولد لمالك الثور، بل كان صيدًا في غير ملك أحد، فدل ذلك على أنه تابعٌ للأم، داخلٌ في حكمها. وهذا أيضًا يشبه الرق؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، ولا يعتبر به الأب. فإن قيل: قد يلحق الولد بحكم أحد أبويه في الإسلام أيهما كان، ولا يلحق بالأم دون الأب، فكذلك فيما وصفت.

стр. 3212

قيل له: ليس كذلك الولد، إنما يثبت له حكم الإسلام بنفسه، وإنما انتقل عنه باجتماع الأبوين على الكفر، فما لم يجتمعا على الكفر، فله حكم الإسلام بنفسه، لا بأحد أبويه؛ لقول النبي ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه"، فأثبت له حكم الإسلام بنفسه، ونقله عنه بالأبوين جميعًا. فإن قيل: فهلا اعتبرت ذلك في البغل، أنه إن كانت أمه حمارة: كان في حكم الحمار في باب تحريم سؤره ولعابه، وإن كانت أمه رمكة لحق بحكمها. قيل له: لأن البغل سواء كانت أمه حمارة أو رمكة، فشبه الحمار قائم في خلقه، فثبت له حكمه من هذا الوجه، وأما البقرة إذا كانت أمها أهلية أو وحشية، فإنه لا يغير خلقتها وشبهها، فلذلك اعتبرت الأم، وألحق بحكمها. يدلك على لحاقه بحكم الحمار في سائر أحواله: أنه لا يسهم له بحال، كما يسهم للفرس. مسألة: [استحباب ذبح الرجل أضحيته بيده] قال أبو جعفر: (ويستحب للرجل أن يذبح أضحيته بيده). لما روى أنس بن مالك "أنَّ النبي ﵊ ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده".

стр. 3213

ولأنه يحصل له بذبحه مع النية فعل هو قربة، وكما أن حج التطوع إذ فعله بنفسه، هو أفضل من أن يحج عنه غيره. مسألة: قال: (وإن أمر غيره حتى ذبح عنه: أجزأه). لما روي "أنَّ النبي ﵊ ساق مائة بدنة، ونحر ببده منها نيفًا وستين، ثم أمر عليًا ﵁ أن ينحر الباقي". مسألة: [ذكر اسم آخر مع اسم الله عند الذبح] قال أبو جعفر: (ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره عند الذبح، يقول: اللهم تقبل من فلان). وذلك لأن عليه إخلاص الذكر لله، كما عليه إخلاص النية لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾. وكما أنه إذا أراد الدخول في الصلاة أو الحج لم يخلط ذكره بذكر غيره. فإن قيل: قد روى أبو هريرة "أنَّ النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين مسمنين، ثم يذبح أحدهما فيقول: اللهم هذا عن محمد، وعن آل محمد، ويذبح الآخر، فيقول: بسم الله، هذا عمن شهد

стр. 3214

لي بالبلاغ ولك بالتوحيد". وروى عروة عن عائشة "أنَّ رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، فأخذه وأضجعه، ثم ذبحه وقال: بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به". ففي هذين الحديثين ذكر المذبوح عنه والدعاء بالقبول في حال الذبح. قيل له: قد روى عن جابر "أنَّ النبي ﵊ ضحى بكبشين وجههما إلى القبلة حين ذبح، ثم قال: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾، ﴿قل إنَّ صلاتي ونسكى ومحياي﴾ إلى قوله: ﴿وأنا أول المسلمين﴾، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، قال: بسم الله والله أكبر حين ذبح". فأخبر أن التسمية على الذبح كانت بعد الدعاء، ولم يكن الدعاء في حال الذبح، فينبغي أن يكون خبر أبي هريرة وعائشة محمولاً على ذلك،

стр. 3215

وأن ما ذكر فيه من قوله: "بسم الله، اللهم تقبل من محمد": إنما كان عند إضجاع الذبيحة قبل حال الذبح، ثم أعاد التسمية على الذبيحة عند الذبح، لما في خبر جابر. وقد روي عن علي ﵁ قوله مثل ما رواه أبو هريرة وعائشة عن النبي ﵊، وهو محمولٌ على ما بيَّنَّا. وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵀ قال: يجعل أحدكم ذبيحته بينه وبين القبلة، ثم يقول: بسم الله، الله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبل من فلان. وهذا أيضًا عندنا محمول على أنه يقول ذلك في حال إضجاعها قبل حال الذبح. * قال أبو جعفر: (ولا بأس بأن يقول ذلك بعد الذبح). وذلك لأن التسمية على الذبيحة قد حصلت خالصة لله تعالى، ولا بأس عليه أن يدعو بما شاء بعد ذلك. مسألة: [حكم من أوجب أضحية، ثم مات قبل ذبحها] قال أبو جعفر: (ومن أوجب أضحية، ثم مات عنها قبل أن يذبحها، فإن أبا حنيفة قال: هي ميراثٌ عنه، وقال أبو يوسف: تذبح عنه بعد موته، وهي كالوقف لا تكون ميراثًا).

стр. 3216

وذلك لأنها لم تخرج عن ملكه بالإيجاب، ولم يمنع ذلك تصرفه فيها، والدليل على ذلك: "أنَّ النبي ﷺ ساق بدنًا، وقلدها عام الحديبية، فأوجبها بذلك، ثم جعلها عن الإحصار، وأبدلها في العام القابل". فدل ذلك على أنَّ تعلق الإيجاب بها، لا يمنع جواز تصرفه فيها، ولم يخرجها عن ملكه؛ لأنها لو كانت ممنوعة التصرف، لما جاز أن ينحرها عن الإحصار بعد ما أوجبها تطوعًا. ويدل عليه أيضًا: ما في حديث البراء أنَّ النبي ﵊ قال: "من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله". وقد تناول هذا اللفظ الذبيحة الموجبة بعينها، وما ابتدأ ذبحها من غير إيجاب، وإذا كانت لحمًا قدَّمه لأهله، فهي في ملكه يجوز له أكلها، وإذا كان كذلك، وجب أن ينتقل إلى ورثته؛ لأن الإيجاب تعلق بها على وجه العبادة، والعبادات يُسقطها الموت، كما نقول جميعًا فيمن وجبت عليه زكاة ماله، فلم يؤدها حتى مات، أنها تسقط بالموت؛ لأن إخراجها وجب على جهة العبادة، ولا يجوز بقاء الحكم عليه بعد الموت. فإن قيل: لما تعلَّق هذا الحق برقبتها، حتى صار يسري في الولد، كانت بمنزلة التدبير والاستيلاد في الجارية، فيمنع انتقال الملك فيها إلى

стр. 3217

الوارث، ويمنع جواز التصرف فيها بضروب التمليكات. قيل له: ليس المعنى المانع من بيع المدبَّرة وأم الولد تعلق الحق برقابهما فحسب، حتى يقاس عليه الهدايا، لأنه لو كان كذلك، لوجب أن لا يجوز تصرف الإنسان فيما أوجب صدقته بعينه من ثوب أو غيره. ولم يختلفوا أن رجلاً لو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الشاة، أو هذا الثوب: لم يمنع ما تعلق به من وجوب الصدقة، جواز تصرفه فيه، وإنما المعنى المانع من جواز بيع أم الولد والمدبر ما تعلق بهما من حق العتق المستحق بالموت على الإطلاق، وذلك غير موجود في الأضحية إذا أوجبها. ومن الدليل على أنها لم تخرج عن ملكه بتعيين جهة الإيجاب فيها: اتفاق المسلمين على أنَّ له أن يأكل بعد الذبح منها، ويهدي منها إلى غني، ولو كان ملكه عنه زائلاً: لما جاز له التصرف فيه بعد ذبحه بالهبة وغيرها. * وأما أبو يوسف: فمنع التصرف فيها بعد تعيين الإيجاب فيها، لما تعلق برقبتها من الحق الذي يسري في ولدها، كالمدبرة وأم الولد. مسألة: [إذا أراد أحد المشتركين في الأضحية اللحم لا الأضحية] قال أبو جعفر: (وإذا كان في السبعة المشتركين في البدنة من يريد نصيبه منها للحم: لم يجز واحدًا منهم).

стр. 3218

وذلك لأن ما جعل للحم، غير جوازها عن الأضحية، ومتى اجتمع في الشيء جهة الحظر وجهة الإباحة، فجهة الحظر أولى بالإثبات. والدليل عليه: أنَّ الإنسان يجوز له وطء ملك يمينه، فإذا كانت الجارية بينه وبين غيره: لم يحل له وطؤها، لأجل ما يملكه منها، وكانت جهة الحظر أولى. وكذلك لو أنَّ مسلمًا ومجوسيًا ذبحا شاة: لم تكن مذكاة، لما شاركه فيها ما يوجب الحظر. ويدل عليه: ما روي في حديث عدي بن حاتم عن النبي ﵊ أنه قال في الصيد: "إن شاركه كلب آخر: فلا تأكله، فإنك إنما سميت على كلبك". وأيضًا: فإن ما تعلق بها من إراقة الدم، لما لم يكن معنى يتبعض، جعل الكل كأنه واقع لكل واحد منهم على الوجه الذي ذبح عليه، فإذا أراد واحد منهم اللحم، صار الجميع كأنه أريد به اللحم، وإذا حصل الجميع للحم: لم يجز واحدًا منهم؛ لأن النبي ﵊ لما قال لأبي بردة بن نيار حين ذبح قبل الصلاة: "تلك شاة لحم": أفاد بذلك أنَّ كل مذبوح حصل للحم، لا يجزئ عن القربة. وأيضًا: فإن ما كان سبيله أن يخرج لله تعالى، فغير جائز إخراجه مشاعًا غير مميز عن حق آدمي، ألا ترى أنه لو جعل نصف داره مشاعًا مسجدًا لله تعالى: لم يصح، ولم تخرج بذلك عن ملكه.

стр. 3219

وكذلك لو قال: قد أوجبت نصف بقرتي هذه أضحية، أو هديًا لم يصح، ألا ترى أنَّ سبعة لو اشتروا بقرة للهدي والأضحية: أجزأهم؛ لأنها خرجت كلها لله تعالى على وجه القربة. ولو أوجب هو سبع بقرة له كاملة هديًا أو أضحية، وأراد بالباقي اللحم له: لم يجزه ذلك أضحية ولا هديًا، لما حصل فيه من حق الآدمي على وجه الشياع. مسألة: [اشتراك جماعة في بدنة مع اختلافهم في وجوه ذبحها كهدي وقران وأضحية] قال أبو جعفر: (وإذا كانت كلها لله تعالى، وأرادوها من وجوه مختلفة من هدي وقران وأضحية وغيرها: أجزأهم جميعًا، وذلك لأنها قد خرجت مخرج القربة إلى الله، لا حقَّ فيها لآدمي). قال أحمد: وقال زفر: لا تُجزئ واحدًا منهم، إلا أن يريد كلهم جهة واحدة: أضحية أو قرانًا أو نحو ذلك. والقول الأول أصح؛ لأنها إذا خرجت في جهة قربة، لم يختلف حكمها باختلاف أسبابها ووجوهها؛ لأن الحق فيها لواحد. ولو كان اعتباره هذا صحيحًا، لوجب أن لا يجوز وإن أرادوا جهةً واحدة؛ لأن ما أجزأ عن واحد، لا يجوز أن يكون هو المجزئ عن آخر على أصله، فلما جاز عن الجميع إذا أرادوا جهةً واحدةً؛ لأن الجميع كأنه مذبوح عن كل واحد منهم على حياله، كذلك إذا كانت الجهات مختلفة بعد أن يريدوا كلهم به القربة، صار كأن الجميع

стр. 3220

مذبوح عن كل واحد على حياله. مسألة: [إجزاء الأضحية العرجاء] قال أبو جعفر: (تجزئ العرجاء في الأضحية إذا مشت على قوائمها إلى المنسك). وذلك لما روى سلمة بن كهيل عن حجية بن عدى عن على ﵁ أنه سئل عن المكسورة القرن، فقال: لا بأس، وسئل عن العرجاء، فقال: إذا بلغت المنسك، "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن". ولأن النقص اليسير لا يمنع جوازها، وإذا بلغت المنسك مع عرجها، فذلك نقصان يسير؛ لأنه لم يمنع منافع المشي. فإن قيل: رُوي في حديث عبيد بن فيروز عن البراء أنَّ النبي ﷺ قال: "أربع لا تجزئ في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة

стр. 3221

التي لا تنقي". فمنع جواز العرجاء البين ظلعها في الأضحية، ولم يعتبر فيها بلوغها إلى المنسك. قيل له: العرجاء البين ظلعها معناه: غير ظاهر في لفظه في تحديد ما يجوز منها، وما لا يجوز. وقد روي في بعض ألفاظ حديث عبيد بن فيروز: "العرجاء التي لا تلحق"، وهو موافق لما روي عن علي ﵁ اعتبار بلوغها المنسك، فهو أولى بالاستعمال. مسألة: [الأضحية بالثولاء أي المجنونة] قال أبو جعفر: (وتجزئ الثولاء في الأضحية، وهي المجنونة). وذلك لأن المبتغى من الأضحية صحة البدن وسلامته، وليس المبتغى منها المعرفة، فيعتبر وجودها فيها.

стр. 3222

مسألة: [الأضحية بالهتماء أي ذاهبة الأسنان] قال: (وتجزئ الهتماء في الأضحية، إذا كانت تعتلف) لأنها إذا لم تمنع الاعتلاف فهو نقص يسير، فلا يمنع جوازها. * وقد روي عن أبي يوسف أنه اعتبر في ذلك بقاء أكثر الأسنان، ولم يعتبر أن تعتلف أو لا تعتلف. وجملة الأمر في ذلك: أنَّ النقص اليسير لا يمنع جوازها في الأضحية، والكثير يمنعه، والفصل بين القليل والكثير طريقه الاجتهاد. والهتماء هي: الذاهبة الأسنان. مسألة: [الأضحية بمقطوعة الأذن والذنب] قال أبو جعفر: (وإذا كانت مقطوعة الذنب أو الأذن أو الألية، فإن أبا حنيفة كان يقول: إن كان الذي ذهب من ذلك الثلث فصاعدًا: لم يجز أن يضحي بها، وإن كان أقل: يجزئ، ثم رجع فقال: إذا بقي الأكثر أجزأ، وهو قول أبي يوسف ومحمد). قال أحمد: هذا الذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة في أنَّ ذهاب الثلث من الأذن والذنب يمنع جوازها، هي رواية أبي يوسف، وقال في الجامع الصغير، وفي الأصل: إنَّ الثلث يجزئ في قوله الأول: ولا يجزئ إذا ذهب أكثر من الثلث. قال أحمد: الأصل في ذلك: ما روى حجية بن عدي عن علي

стр. 3223

رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "استشرفوا العين والأذن". ولم يبين فيه المقدار الذي يجب اعتباره في ذلك، وقد بين ذلك فيما حدثنا عن أبي داود حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن جري بن كليب عن علي ﵁ "أنَّ النبي ﷺ نهى أن يضحَّى بعضباء الأذن والقرن". قال أبو داود: وحدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا هشام عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه". فبين في هذا الخبر اعتبار النصف فما فوقه في الامتناع جوازه عن الأضحية. فإن قيل: روى أبو عوانة وشريك عن جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري قال: "اشتريت كبشًا لأضحي به، فعدا الذئب عليه، فقطع أليته، فسألت النبي ﵊ فقال: ضحِّ به". قيل له: هذا حديث فاسد السند والمتن جميعًا؛ لأن شعبة رواه عن

стр. 3224

جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد قال ولم يسمعه منه: إنه اشترى كبشًا ليضحي به، فأكل الذئب ذنبه، أو بعض ذنبه، فسأل النبي ﵊. فقال: ضح به. فذكر أنَّ بين ابن قرظة وبين أبي سعيد رجل آخر، لم يسمه. قال: أو بعض ذنبه، وجائز أن يكون ذلك البعض أقل من النصف. وعلى أنَّ جابرًا هذا هو جابر الجعفي، وهو ساقط الحديث، لما يحكى عنه من فساد مذهبه، وقبح طريقته. * وأما وجه قول أبي حنيفة الأول في اعتبار الثلث: فهو أنَّ الثلث قد ثبت له حكم الكثرة في بعض الأصول، وهو قول النبي ﵊ في الوصية: "الثلث، والثلث كثير". * ووجه رواية الجامع الصغير، والأصل، في أنَّ ذهاب الثلث لا يمنع الجواز: أنَّ النبي ﵊ وإن جعل الثلث في حد الكثرة، بقوله: "الثلث كثير"، فقد جعله في الحكم بمنزلة ما دونه، وفرَّق بينه وبين ما هو أكثر منه. مسألة: [الأضحية بالعوراء] قال: (ولا تجزئ في الأضحية عوراء). وذلك لما في حديث عبيد بن فيروز عن البراء أن النبي صلى الله عليه

стр. 3225

وسلم قال: "لا تجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها". وليس القرن في ذلك كالأذن والذنب والألية؛ لأنها لو كانت جماء لأجزأت، ولو كانت سكاء لا أذن لها رأسًا: لم تجزه. ولأن النبي ﷺ قال: "استشرفوا العين والأذن". وأيضًا روى شريك والحسن بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجية قال: أتى رجل عليًا، فسأله عن المكسورة القرن؟ قال: لا يضرك، وقال: عرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك، "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن". فدل ذلك على أن ذهاب القرن لا يمنع صحة الأضحية، وأن ما في حديث جري بن كليب عن علي ﵁: أنَّ النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، قد علم منه علي ﵁ أنه لا يجب اعتبار القرن فيه؛ لأنه لا يخلو من أن يكون علم نسخ ما في حديث جري بن كليب، أو عرف من دلالة لفظ النبي عليه الصلاة
следующие страницы →