Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
التي لا تنقي".
فمنع جواز العرجاء البين ظلعها في الأضحية، ولم يعتبر فيها بلوغها إلى المنسك.
قيل له: العرجاء البين ظلعها معناه: غير ظاهر في لفظه في تحديد ما يجوز منها، وما لا يجوز.
وقد روي في بعض ألفاظ حديث عبيد بن فيروز: "العرجاء التي لا تلحق"، وهو موافق لما روي عن علي ﵁ اعتبار بلوغها المنسك، فهو أولى بالاستعمال.
مسألة: [الأضحية بالثولاء أي المجنونة]
قال أبو جعفر: (وتجزئ الثولاء في الأضحية، وهي المجنونة).
وذلك لأن المبتغى من الأضحية صحة البدن وسلامته، وليس المبتغى منها المعرفة، فيعتبر وجودها فيها.
стр. 3222
مسألة: [الأضحية بالهتماء أي ذاهبة الأسنان]
قال: (وتجزئ الهتماء في الأضحية، إذا كانت تعتلف)
لأنها إذا لم تمنع الاعتلاف فهو نقص يسير، فلا يمنع جوازها.
* وقد روي عن أبي يوسف أنه اعتبر في ذلك بقاء أكثر الأسنان، ولم يعتبر أن تعتلف أو لا تعتلف.
وجملة الأمر في ذلك: أنَّ النقص اليسير لا يمنع جوازها في الأضحية، والكثير يمنعه، والفصل بين القليل والكثير طريقه الاجتهاد.
والهتماء هي: الذاهبة الأسنان.
مسألة: [الأضحية بمقطوعة الأذن والذنب]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت مقطوعة الذنب أو الأذن أو الألية، فإن أبا حنيفة كان يقول: إن كان الذي ذهب من ذلك الثلث فصاعدًا: لم يجز أن يضحي بها، وإن كان أقل: يجزئ، ثم رجع فقال: إذا بقي الأكثر أجزأ، وهو قول أبي يوسف ومحمد).
قال أحمد: هذا الذي ذكره أبو جعفر عن أبي حنيفة في أنَّ ذهاب الثلث من الأذن والذنب يمنع جوازها، هي رواية أبي يوسف، وقال في الجامع الصغير، وفي الأصل: إنَّ الثلث يجزئ في قوله الأول: ولا يجزئ إذا ذهب أكثر من الثلث.
قال أحمد: الأصل في ذلك: ما روى حجية بن عدي عن علي
стр. 3223
رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "استشرفوا العين والأذن".
ولم يبين فيه المقدار الذي يجب اعتباره في ذلك، وقد بين ذلك فيما حدثنا عن أبي داود حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن جري بن كليب عن علي ﵁ "أنَّ النبي ﷺ نهى أن يضحَّى بعضباء الأذن والقرن".
قال أبو داود: وحدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا هشام عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه".
فبين في هذا الخبر اعتبار النصف فما فوقه في الامتناع جوازه عن الأضحية.
فإن قيل: روى أبو عوانة وشريك عن جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري قال: "اشتريت كبشًا لأضحي به، فعدا الذئب عليه، فقطع أليته، فسألت النبي ﵊ فقال: ضحِّ به".
قيل له: هذا حديث فاسد السند والمتن جميعًا؛ لأن شعبة رواه عن
стр. 3224
جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد قال ولم يسمعه منه: إنه اشترى كبشًا ليضحي به، فأكل الذئب ذنبه، أو بعض ذنبه، فسأل النبي ﵊. فقال: ضح به.
فذكر أنَّ بين ابن قرظة وبين أبي سعيد رجل آخر، لم يسمه. قال: أو بعض ذنبه، وجائز أن يكون ذلك البعض أقل من النصف.
وعلى أنَّ جابرًا هذا هو جابر الجعفي، وهو ساقط الحديث، لما يحكى عنه من فساد مذهبه، وقبح طريقته.
* وأما وجه قول أبي حنيفة الأول في اعتبار الثلث: فهو أنَّ الثلث قد ثبت له حكم الكثرة في بعض الأصول، وهو قول النبي ﵊ في الوصية: "الثلث، والثلث كثير".
* ووجه رواية الجامع الصغير، والأصل، في أنَّ ذهاب الثلث لا يمنع الجواز: أنَّ النبي ﵊ وإن جعل الثلث في حد الكثرة، بقوله: "الثلث كثير"، فقد جعله في الحكم بمنزلة ما دونه، وفرَّق بينه وبين ما هو أكثر منه.
مسألة: [الأضحية بالعوراء]
قال: (ولا تجزئ في الأضحية عوراء).
وذلك لما في حديث عبيد بن فيروز عن البراء أن النبي صلى الله عليه
стр. 3225
وسلم قال: "لا تجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها".
وليس القرن في ذلك كالأذن والذنب والألية؛ لأنها لو كانت جماء لأجزأت، ولو كانت سكاء لا أذن لها رأسًا: لم تجزه.
ولأن النبي ﷺ قال: "استشرفوا العين والأذن".
وأيضًا روى شريك والحسن بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجية قال: أتى رجل عليًا، فسأله عن المكسورة القرن؟ قال: لا يضرك، وقال: عرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك، "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن".
فدل ذلك على أن ذهاب القرن لا يمنع صحة الأضحية، وأن ما في حديث جري بن كليب عن علي ﵁: أنَّ النبي ﷺ نهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، قد علم منه علي ﵁ أنه لا يجب اعتبار القرن فيه؛ لأنه لا يخلو من أن يكون علم نسخ ما في حديث جري بن كليب، أو عرف من دلالة لفظ النبي عليه الصلاة
стр. 3226
والسلام أو دلالة الحال، على أن ذكره للقرن لا يوجب اعتبار صحته.
مسألة: [بيع الأضحية بعد إيجابها]
قال أبو جعفر: (ومن باع أضحيته بعد ما أوجبها: جاز بيعه إياها، وكان عليه مثلها).
وذلك لما بيَّنَّا فيما سلف من أن تعلق الإيجاب بها لا يوجب زوال ملكه، ولا يمنع تصرفه، وقد كان النبي ﵊ ساق البدن، وأوجبها بالتقليد، والسوق عام الحديبية، ثم أبدلها في العام القابل.
فدل ذلك على معانٍ ثلاثة:
أحدها: أن سوق البدنة أو تقليدها يتعلق به الإيجاب إذا أريد به.
والثاني: أن تعلق الإيجاب به لا يزيل ملكه، ولا يمنع تصرفه فيه.
والثالث: أنه متى صرفه بعد الوجوب إلى غيره، وجب عليه البدل.
مسألة: [صور إيجاب الأضحية]
قال أبو جعفر: (وإيجاب الأضحية على وجهين:
فإيجابها في حال ابتياعها بالنية وإن كان لا قول معها.
стр. 3227
وإيجابيها بعد ابتياعها لا يكون إلا بالقول).
قال أحمد: وقد يكون إيجاب البدنة في غير هذين الوجهين، وهو سوقها إذا أراد به الإيجاب، وكذلك إذا قلدها.
والأصل فيه: ما روي عن النبي ﵊ "أنه ساق البدن عام الحديبية، ثم أبدلها في العام القابل"، لما صرفها عن الوجه الذي أوجبها له، فدل ذلك على أنَّ الوجوب فيها كان متعلقًا بالسوق أو التقليد.
وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵊ أنهم كانوا يقولون فيمن ساق بدنة، وقلدها، ونوى الإحرام، أنه يكون محرمًا، فلولا أنَّ الإيجاب قد تعلق بها بنفس السوق والتقليد، لم يكن يحصل به الإحرام، كما لا يكون محرمًا قبل التقليد والسوق.
فصار ما وصفنا أصلاً في تعلق حكم إيجاب الهدي والضحايا بحصول الفعل والنية، فوجب من أجل ذلك أن تكون أضحية بالشراء إذا انضافت إليه نية الإيجاب.
مسألة: [حكم شرب لبن الأضحية]
قال أبو جعفر: (ومن أوجب أضحية، فكان لها لبن، لم ينبغ له أن يشرب منه، ولكنه يتصدق به إن حلبه).
وذلك لأن اللبن جزء من أجزاء ما تعلق به الوجوب، ولم تحصل في الأصل القربة التي تعلقت به من إراقة الدم، فصار كهدي التطوع إذا عطب
стр. 3228
قبل بلوغ محله، فيكون سبيله الصدقة.
مسألة: [إذا وضعت الأضحية قبل يوم النحر ولدًا]
قال: (وإن وضعت قبل يوم النحر: ذبح ولدها معها يوم النحر).
لأن الحق قد كان متعلقًا بالرقبة، فيسري في الولد، كسائر الحقوق المتعلقة في الرقاب، فيسري في الأولاد، كالرهن والكتابة والتدبير والاستيلاد، فيتعلق حكم الذبح الذي كان ثبت في الأم بالولد؛ لأن استيفاء ذلك ممكن فيه.
فإن قيل: ينبغي أن لا يتعلق بالولد حكم الذبح؛ لأنه لا يجوز مثله في الأضحية، ولا يثبت فيه هذا الحق لو ابتدأه.
قيل له: قد يجوز أن يثبت فيه هذا الحق من جهة السراية وإن لم يجز إثباته فيه ابتداء.
ألا ترى أنَّ ابن أم الولد إذا لم يلحق نسبه بالمولى، كان بمنزلة أمه في استحقاق العتق بالموت من جميع المال، فثبت هذا الحق فيه من جهة السراية، ولا يجوز ثبوته فيه ابتداء بحال.
مسألة [حكم من ضلت أضحيته]
قال أبو جعفر: (ومن ضلت أضحيته: فإنه ينبغي له أن يبدل مكانها أخرى).
وذلك لأن الأضحية في ذمته، وإيجابه إياها لم يسقط ما في ذمته
стр. 3229
حتى يذبحها في أيام النحر، فإذا ضلَّت، بقي الحق الذي كان في ذمته.
* قال: (فإن فعل، ثم وجد الأولى: فإنه ينبغي له أن يذبحهما).
وذلك لأنه قد علق الإيجاب بالثاني على شرط فقد الأول، فكان بمنزلة رجل دخل في الظهر على أنها عليه، ثم تبيَّن أنه قد صلاها، فالأحسن أن يمضي في صلاته، وكذلك لو دخل في صوم على أنه عليه، ثم تبيَّن أنه ليس عليه، يُستحب له المضيُّ فيه، فإن لم يتمَّه وقطعه: لم يكن عليه شيء، كذلك هذا في أمر الأضحية.
* قال: (فإن لم يفعل، ولكنه ذبح الثانية: أجزأته من الأولى إن كانت مثلها أو أفضل منها، وإلا تصدق بالفضل فيما بينهما).
وإنما جازت الثانية إذا ذبحها مع وجود الأولى، من قبل أنَّ الحق الذي كان في ذمته من إراقة الدم، لم يتعين في الأولى؛ لأنه لو تعين فيها، كان هلاكها يُسقطه، فلذلك جاز ذبح الثانية، إلا أنَّ الأولى إن كانت أفضل، فقد حبس لنفسه الزيادة التي أوجبها في الأولى، فيتصدق بها؛ لأنها جزء من الأضحية تناوله قبل بلوغ محلِّها، كما لو حلبها، أو أخذ صوفها قبل الذبح: تصدق بما تناوله من أجزائها.
مسألة: [التضحية بذاهبة القرون]
قال: (لا تضر الأضحية أن تكون ذاهبة القرون).
وذلك لأنا لا نعلم خلافًا أن الجَمَّاء التي لا قرن لها في الأصل جائزة
стр. 3230
في الأضحية، فالذاهبة القرون بالكسر أحرى أن تجوز، ألا ترى أن العمياء لا يختلف حكمها أن يكون عمياء في الأصل، أو عميت بعد أن ضُحِّيت، والمراد بعد أن عُيِّنت أضحية.
وليس القرن كالأذن، لأن النبي ﵊ قال: "استشرفوا العين والأذن".
فإن قيل: في حديث جري بن كليب عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه "نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن"، فجمع بين القرن والأذن.
قيل له: قد قامت الدلالة على أنَّ صحة القرن ليست شرطًا في جوازها، لأن نقصانه ليس بأكثر من عدمه رأسًا.
* قال: (وما ذهب من عين الأضحية، فهو كما ذهب من أذنها في جميع ما وصفنا).
لقوله ﵊ "استشرفوا العين والأذن".
مسألة: [حكم من أوجب أضحية سمينة ثم عَجِفَت عنده]
قال: (ومن أوجب أضحية وهي سمينة، ثم عَجِفَت، حتى صارت في
стр. 3231
حالٍ لو أوجبها وهي كذلك لم تُجزِ: يضحي بها، وأجزأته استحسانًا، وليس بقياس).
قال أحمد: المشهور عنهم أنها لا تجزئه إذا صارت من العجف بحال لو ابتدأها لم تُجز إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا: أجزأته؛ لأنه لا أضحية عليه، كما لو هلكت قبل الذبح: لم يكن عليه شيء.
فأما ما حكاه أبو جعفر من أنه تجزئه مع اليسار، وهو إن ابتدأها لم تُجزه: فإن هذا لا أعرفه من مذهبهم، وعسى أن يكون الذي ذكره أبو جعفر من رواية وقعت إليه لم تبلغنا.
والعلة في امتناع جوازها إذا صارت بحال لو ابتدأها لم تُجْز: أنَّ الحق الذي يجب استيفاؤه منها هو الذبح، فإذا لم تكن مما يجزئ في حال الذبح لو ابتدأها، كذلك إذا صارت كذلك قبله؛ لأن ما في ذمته من الواجب لا يسقطه إلا الذبح، وكذلك قالوا: لو أنها عُوِرَت قبل الذبح: لم تُجْز، كما لو ابتدأها عوراء لم تُجْز.
* قال أبو جعفر: (فإن ذهبت عينُها في علاجه لذبحها: أجزأه أن يضحِّي بها).
وذلك لأن هذه الحال حال الإتلاف، فما تلف منها بمعالجة الذبح: لم يمنع جوازها كالذبح نفسه.
стр. 3232
مسألة: [ما يسن له عند الذبح]
قال: (وينبغي له أن يستقبل بذبيحته القبلة، فإن لم يفعل: لم يحرمها ذلك).
أما وجه الاستحباب في توجيهها إلى القبلة: فهو ما رواه جابر "أن النبي ﷺ ضحى بكبشين، وقال حين وجههما: ﴿وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا﴾. الآية.
فقوله: "وجههما": يدل على أنه وجههما إلى القبلة، إذ ليست جهة أخرى تُقصد بالتوجيه إليها غيرها.
وقد روي في بعض ألفاظ حديث جابر، أنه قال ذلك حين وجههما إلى القبلة.
وقد رُوي استحباب ذلك عن علي ﵁، وابن عباس، وابن عمر ﵃.
قال الشعبي: "كانوا يستحبون أن يستقبلوا بالذبيحة القبلة".
* وإن لم يستقبل بها القبلة: لم يُحرمها ذلك؛ لأن التوجيه إلى القبلة ليس من شرائط الذكاة، ألا ترى أنَّ في غير الضحية من الذبائح ليس من شرائطه، فكذلك في الأضحية.
стр. 3233
مسألة: [إذا غلط المضحيان، فذبح كل منهما أضحية صاحبه]
قال: (وإذا غلط الرجلان، فضحَّى كل واحد منهما بأضحية صاحبه أجزأهما، وأخذ كل واحد منهما أضحيته، ولا ضمان له على صاحبه استحسانًا).
قال أبو بكر: القياس أن يكون لكل واحد منهما الخيار في تضمين صاحبه قيمة شاته، أو نقصانها الحادث فيها بالذبح، وأن لا يجزئ واحدًا منهما عن أضحيته.
وجه القياس: أنَّ الأضحية قُربة لا تصح عن صاحبها إلا بالنية، ولم يوجد في هذا نية من صاحبها.
وجهة الاستحسان: أنه متعارفٌ معتادٌ من أكثر الناس أنهم لا يكون ذبح أضاحيهم بأيديهم، وإنما يليها لهم غيرُهم، فصار إيجابه إياها بمنزلة الإذن في ذبحها، فأجزأت عنهما.
* ... * ... * ... *
стр. 3234
كتاب السَّبَق
قال أبو جعفر: (قال محمد بن الحسن: مما لم يُحكَ فيه خلاف: لا سَبَقَ إلا في خف أو حافر أو نصل، وكان يجيز السبق على الأقدام).
قال أحمد: روى أبو هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نَصْلٍ".
стр. 3235
وروى ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يضمر الخيل، يسابق بها".
وقال الله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.
وفي المسابقة على هذه الوجوه ضرب من الرياضة، والدربة في القوة على القتال وإرهاب العدو.
وروي "أن العضباء ناقة رسول الله ﵊ كانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسابقه بها، فسبقها، فساء ذلك أصحاب رسول الله ﵊، فقال النبي ﷺ : حقٌّ على الله أن لا يرفع من الدنيا شيئًا إلا وضعه".
* وأما وجه جواز السبق على الأقدام: فما رُوي عن عائشة "أنها كانت مع رسول الله ﵊ في سفر، قالت: فسابقتُه، فسبقتُه على رِجليَّ، فلما حملت اللحم سابقتُه، فسبقني، فقال: هذه
стр. 3236
بتلك السبقة".
ورُوي "أنَّ سلمة بن الأكوع سابق رجلاً بحضرة النبي ﵊ على قدمه".
قال محمد: إذا جعل السبق واحدًا، وقال: إن سبقتني فلك كذا، ولم يقل: إن سبقتُك فعليك كذا: فلا بأس.
فالمكروه من ذلك أن يقول: إن سبقتُك فعليك كذا، وإن سبقتني فعلي كذا.
* قال محمد: وإن كان الذي يجعل السبق رجل سوى المتسابقين، فيقول: أيكما يسبق فله كذا، كنحو ما يصنع الأمراء، فلا بأس به.
* وإن كان بينهما محلِّلٌ يسبق، ويُسبق: فلا بأس.
قال محمد: والمحلِّل أن يُدخلا معهما ثالثًا، إن سبق أخذ، وإن لم يسبق لم يغرم شيئًا.
قال محمد: ومعنى قولنا: يَسبِق، ويُسبَق: أن تكون دابته مما يُسابق عليها، لا تكون دابة لا تتحرك، إنما جاء بها للتحليل، ولكن تكون دابة
стр. 3237
تسبق، وتُسبق، فإذا كان كذلك، فلا بأس به.
قال أحمد: الأصل في ذلك أنه متى كان شرط المتسابقين: أنه إن سبق أخذ، وإن سبق أعطى، وليس معهما غيرهما: فهذا قمارٌ لا يجوز.
وإن كان فيما بينهما: من إن سبق أخذ، وإن سُبق لم يُعط: فهذا جائز، ليس بقمار.
ووجه ثالث: وهو أن يكون المسبق غيرهما، ويكون الغرم عليه خاصة دون المتسابقين، فهذا جائز.
والدليل على صحة هذا الأصل: ما روى سفيان بن حسين وسعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين، وهو لا يؤمن أن يُسبق: فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين، وقد أَمِنَ أن يُسبق: فهو قمار".
فاستفدنا من هذا الحديث أنَّ المتسابقين متى شرطا الغُرْمَ على كل
стр. 3238
واحد منهما، ولم يكن فيما بينهما من لا غرُم عليه: فهو قمار.
وأنه متى كان بينهما من لا يَغرم شيئَا إذا سُبِق، ويأخذ إذا سَبَق: جاز السبق بينهم جميعًا على الشرط، ولم يكن بقمار؛ لأنه قال ﵊: "إن دخل بينهما من قد أمن أن يُسبق: فهو قمار".
ولأن من لا يسبق بحال، فوجوده وعدمه سواء، فسقط حكمه، كأنه لم يدخل، فيحصل حينئذ السبق على الآخرين، وكل واحد منهما مشروط عليه الغرم، فهو قمار، كما قال ﵊.
وأما إذا كان المسبق غيرهما فهو جائز؛ لأنه لا غرم على واحد من المتسابقين.
* ... * ... * ... *
стр. 3239
كتاب الأيمان والكفارات والنذور
قال أبو جعفر: (الأيمان ثلاثة: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها).
قال أحمد: كان أبو الحسن الكرخي ﵀ يُحصل هذه الجملة بأن يقول: الأيمان على ضربين: ماضٍ ومستقبل، والماضي على ضربين: لغو وغموس.
والمستقبل: ضرب واحد، وهي اليمين المعقودة، والكفارة لا تجب إلا بالحنث في اليمين على المستقبل، ولا كفارة في اليمين على الماضي بحال.
والغموس: هو أن يحلف على شيء أنه قد كان وهو يعلم أنه كاذب فيه، فهو آثم فيه، ولا كفارة عليه.
واللغو: هو أن يحلف عليه، وهو يظن أنه كما قال، ولا كفارة فيه، ولا مأثم.
وهذه الأيمان الثلاثة تنتظمها ظواهر آيٍ نذكرها.
стр. 3240
فأما اليمين الغموس التي لا كفارة فيها، فالأصل فيها: قول الله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾.
والمؤاخذة التي تتعلق بكسب القلب هي: ما يلحق من المأثم باليمين الغموس؛ لأن اليمين المعقودة التي تقع على المستقبل، لا تتعلق المؤاخذة فيها بكسب القلب؛ لأن المؤاخذة المذكورة فيها هي الكفارة بقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعامُ ...﴾، والكفارة لا يتعلق وجوبها بكسب القلب، لأنه سواء كان آثمًا فيها، أو مأجورًا في الحنث فيها، لزمته الكفارة بالحنث، لا بكسب القلب.
فعلمنا أن المراد بقوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾: هي المؤاخذة التي تلحقه بالمأثم الذي استحقه بالقصد إلى الكذب، والحلف عليه.
وأما اللغو: فالأصل فيه: قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، فروى إبراهيم بن الصائغ عن عطاء عن عائشة في لغو اليمين قالت: قال رسول الله ﷺ : "هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله".
стр. 3241
وقد رواه جماعة عن عطاء عن عائشة موقوفًا، لأن فتواها بذلك لا تمنع صحة روايتها عن النبي ﵊، بل تؤكدها، فثبت بذلك أنَّ لغو اليمين هو: حلفه على شيء ماضٍ يرى أنه كما قال، وليس كما قال.
وقد روي في معنى اللغو على النحو الذي قال أصحابنا عن ابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبي مالك الغفاري، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، وإحدى الروايات عن سعيد بن جبير.
وقال آخرون: اللغو: الحلف على المعصية، فلا ينبغي أن يأتيه، ولا يفي به، ولا كفارة عليه.
وقال آخرون: هو أن لا يأتي المعصية، ويكفر إذا حنث.
وقال آخرون: اللغو هو اليمين المكفرة.
وروي عن ابن عباس: أنَّ اللغو: الحلف في الغضب، وعنه مثل قولنا.
وأصح هذه الأقاويل ما قاله أصحابنا، لما دل عليه ظاهر الكتاب من قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، فنفى المؤاخذة بها رأسًا، والحلف على المعصية أن يفعلها، لا ينفك فيه من المؤاخذة بالإثم الذي اكتسبه به.
стр. 3242
ولا يجوز أن يكون المراد به اليمين المعقودة التي تجب الكفارة فيها بالحنث من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى فرق بين اللغو، وبين اليمين المعقودة بقوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، فلا جائز أن يكون الذي أخبر أنه لا يؤاخذ به، هو ما أخبر عنه في سياق الآية أنه يؤاخذ به.
والوجه الآخر: أنَّ اليمين المعقودة هو مؤاخذ بكفارتها إذا حنث فيها، وقد نفى الله تعالى المؤاخذة بلغو اليمين نفيًا عامًا.
فانتفى بما ذكرنا سائر الأقاويل التي حكينا في معنى اللغو، إلا قول أصحابنا مع ما عاضده من السنة، وقول السلف.
[الأدلة على عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس]
وإنما لم تجب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾، فإنما أوجب الكفارة في اليمين المعقودة، واليمين على الماضي ليست بعقد، لأنها واقعة على أحد وجهين: إما أن يكون صادقًا فيه أو كاذبًا، وليس هناك معنى منتظر يجوز فيه الحنث والبرُّ، وإنما عقد اليمين: ما تناول معنى يجوز وقوع الحنث فيه تارة، والبرِّ أخرى.
стр. 3243
ألا ترى أنَّ من قال: امرأته طالق، أو قال: عبده حر: لم يكن حالفًا؛ لأنه أوقع طلاقًا، أو عتقًا باتًا، ولو قال: امرأته طالق إن دخل الدار، أو قال: عبدي حر إن كلَّمتُ زيدًا: كان حالفًا؛ لأنه عقد العتق والطلاق بمعنى قد يجوز أن يبرَّ فيه، ويجوز أن يحنث، فثبت بذلك أنَّ اليمين على الماضي ليست بمعقودة، فانتفى وجوب الكفارة فيها حينئذ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى إنما أوجب الكفارة في اليمين المعقودة، فلا يجوز إيجابها في غيرها، إذ لا سبيل إلى إثبات الكفارات من طريق المقاييس.
والثاني: قول النبي ﷺ : "من أدخل في أمرنا ما ليس فيه فهو رد"؛ فمن أوجب الكفارة في غير اليمين المعقودة، فقد أدخل في أمر النبي ﵊ ما ليس منه، فقوله مردود.
ويدل على أن الكفارة لا تجب في غير اليمين المعقودة: قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم﴾، وحفظ اليمين: مراعاتها لوقت وجوب الكفارة فيها عند الحنث، وليس يمكن حفظ اليمين الغموس، لأنها واقعة على ماض غير منتظر بها الحنث والبرُّ.
ويدل عليه أيضًا: أنَّ اللغو لا كفارة فيها، لأنها على الماضي، والدليل على ذلك أنَّ سقوط الكفارة فيها لا يخلو من أن يكون لأجل أنها على الماضي، أو لأنه لم يستحق بها مأثمًا، فلما لم يختلف حكم اليمين المعقودة فيما يتعلق بها من وجوب الكفارة أن يكون آثما في الحنث فيها،
стр. 3244
أو غير آثم، لأن النبي عليه الصلاة واسلام قد أمر بالحنث إذا كان خير من البر بقوله: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت بالذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
فلم يسقط عنه الكفارة لأجل عدم المأثم، فسقط اعتبار جهة المأثم في إيجاب الكفارة، وصح أن اللغو من اليمين إنما لم تجب فيها الكفارة، لأنها يمين على الماضي، غير معقودة على أمر مستقبل، وقد شاركتها يمين الغموس في هذا المعنى، فوجب أن يكون حكمُها حكمها في سقوط الكفارة فيها.
فإن قيل: وجوب كفارة اليمين متعلق بحرمة اللفظ، واللفظ موجود في اليمين الغموس، فتجب فيها الكفارة.
قيل له: لو كان كذلك لوجبت في اللغو أيضًا، لوجود لفظ اليمين، ولوجبت أيضًا لو قال: والله: وسكت، ولم يعلِّقه بشيء، فلما لم يجب في ذلك شيء مع وجود اللفظ، لأجل عدم الحنث بيمين معقودة، كان كذلك الغموس.
فإن قيل: قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾: يقتضي إيجاب الكفارة في اليمين الغموس؛ لأن المؤاخذة التي تتعلق بكسب القلب، إنما تكون بالقصد إلى ما لا يجوز له الحلف عليه من الكذب.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد بهذه المؤاخذة الكفارة من وجهين:
стр. 3245
أحدهما: أن وجوب الكفارة يتعلق باللفظ، لا بكسب القلب.
والثاني: أن الكفارة لا يختلف حكمها أن يكون الحالف آثمًا في حلفه، أو غير آثم، ولا أن يكون آثمًا في الحنث، أو غير آثم.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾: يوجب الكفارة في كل يمين، سواء كانت معقودة أو غير معقودة.
قيل له: لا يصح الاحتجاج بعمومه؛ لأن فيه ضميرًا باتفاق من أهل العلم، وهو الحنث، كأنه قال: إذا حلفتم وجنثتم؛ لأن المسلمين متفقون على أنَّ من حلف على يمين على فعل مستقبل: أنَّ الكفارة لا تجب عليه بنفس اليمين.
وإذا كان الحنث مشروطًا فيها – ومعلوم أنَّ الحنث إنما يكون في اليمين المعقودة، لأنه حلٌّ لليمين، وإسقاط لها – ثبت أنَّ اليمين الغموس لم تدخل فيها قط، إذ لا يلحقها الحنث؛ لأن الحنث إنما يلحق فيما كان معقودًا لا يستحيل وقوع البرِّ فيها.
وأيضًا: فإن المراد به اليمين المعقودة، لما في سياق الآية من الدلالة عليه، وهو قوله: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾، فإنما علَّق وجوب الكفارة باليمين التي أمر بحفظها ومراعاتها لأداء الكفارة بالحنث فيها.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾: معناه: أقِلُّوا من
стр. 3246
الأيمان، وليس المعنى ما ذهبتم إليه من مراعاتها لأداء كفاراتها، والدليل عليه قول الشاعر:
قليل الألايا حافظٌ ليمينه .... إذا بدرت منه الألية برت
أراد بقوله: حافظٌ ليمينه: الإقلال منها.
قيل له: هذا خطأ لا يجوز أن يقال: فلان حافظٌ ليمينه: إذا لم يحلف، كما لا يقال: فلان حافظٌ لماله: إن لم يكتسب، وإنما يصح أن يقال: فلان حافظٌ ليمينه بعد الحلف بها، فيراعيها لأداء كفارتها، وهو معنى قول الشاعر: "حافظٌ ليمينه".
ولا يجوز أن يكون المراد ما ذكرت؛ لأنه قال بدءًا: "قليل الألايا"، ولو أراد بقوله: حافظ ليمينه: ما ذكرت، كان تكرارًا لا معنى له.
وأيضًا: فإن تقدير الآية: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾، التي تقدم ذكرها، وهي اليمين المعقودة، واكتفى بتقديم ذكرها عن تكرار لفظها، كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾، المعنى: والذاكرات
стр. 3247
الله تعالى، فحذف اسم الله تعالى؛ اكتفاء بتقديم ذكره، ودلالة الحال عليه، فكذلك ما وصفنا.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾: قرئ على وجهين: بالتشديد والتخفيف، فمن قرأه بالتخفيف، فمعناه: عقد القلب، ومن قرأه بالتشديد: كان معناه: عقد القول، فإذا تناول عقد القلب، دخل فيه الغموس.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد في شيء من القراءتين عقد القلب؛ لاتفاق المسلمين على أنَّ حكم الكفارة لا يتعلق بعقد القلب دون القول، ألا ترى أنَّ من نوى اليمين وقصدها: لم تلزمه كفارة، ولو حلف على فعل مستقبل، وهو قاصد فيه للحنث أو البر: لم يختلف حكمه فيما يتعلق به من وجوب الكفارة.
[أدلة من السنة على أنه لا كفارة في اليمين الغموس]
ومما يدل من جهة السنة على أنَّ اليمين الغموس لا كفارة فيها: ما روى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس ﵄ "أنَّ رجلين اختصما إلى النبي ﷺ ، فسأل ﵊ الطالب البينة، فلم يكن له بينة، فاستحلف المطلوب، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله ﷺ : بلى قد فعلت، ولكن قد غفر الله لك إخلاص قول: لا إله إلا الله".
стр. 3248
والدلالة من هذا الخبر على ما قلنا من وجهين:
أحدهما: أنه أخبره أنه كاذبٌ في يمينه، ولم يأمره بالكفارة.
والثاني قوله: "ولكن قد غفر الله لك": وظاهره يقتضي أن لا يؤاخذ بشيء منها.
ورُوي عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا نعدُّ من الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس، قيل له: وما اليمين الغموس؟
قال: أن يقتطع الرجل مال الرجل بيمينه".
مسألة: [ألفاظ اليمين التي تجب فيها الكفارة]
قال: (واليمين هي اليمين بالله تعالى).
قال أحمد: يعني أنَّ اليمين التي تجب فيها الكفارة هي اليمين بالله تعالى؛ لأن اليمين بغير الله تعالى قد تُسمى يمينًا، ولكنه منهيٌّ عنها، ولا تجب فيها كفارة.
قال: (وأيَّ اسمٍ من أسماء الله تعالى ذكر فيها: فهي حلف به تعالى).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. وبأيِّ أسماء الله حلف، فإن عموم اللفظ يتناوله، فتجب فيه الكفارة.
стр. 3249
مسألة: [قال: أقسم]
قال أبو جعفر: (وإذا قال: أقسم بالله، أو أقسم وإن لم يقل: بالله: فهما يمينان).
وذلك لأن القسم في لغة العرب يمين، وهما عبارتان عن معنى واحد، فالمقسم حالفٌ، فينتظمه عموم قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وقال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾.
ولا فرق بين قوله: أقسم، أو: أقسم بالله، وذلك لأنه قد يحذف اسم الله من القسم اكتفاء بدلالة اللفظ عليه.
وقال الله تعالى: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾، فأثبت في أحدهما، وحذف في الآخر.
وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم البراء بن مالك".
ثم "لما التقى جيش المسلمين والمشركين في بعض مغازيهم، فسأل
стр. 3250
الناس البراء أن يقسم على الله، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب إلا منحتنا أكتافهم"، ولم يقل: أقسمت عليك يا الله.
وفي حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس ﵁ قال كان أبو هريرة يحدِّث "أنَّ رجلاً أتى رسول الله ﵊، فقال: إني أرى الليلة رؤيا، فذكرها، فعبَّرها أبو بكر، فقال النبي ﷺ : أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا.
فقال: أقسمتُ يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، لتحدثني ما أخطأت، فقال النبي ﷺ : لا تُقسم".
فجعل القسم نفسه يمينًا مع حذف اسم الله منه.
مسألة: [قال: أشهد]
قال: (وكذلك قوله: أشهد بالله، أو: أشهد).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾، ثم قال: ﴿اتخذوا أيمانهم جنةً﴾، فجعل الشهادة نفسها يمينًا، وقال تعالى:
стр. 3251
﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾، وهي أيمان.
مسألة: [قال: أحلف]
وكذلك قوله: (أحلف بالله لأفعلن كذا، أو قال: أحلف).
وذلك لما قدمنا من أنه لفظ اليمين، وقد يُطلق مع حذف اسم الله تعالى ويراد به اليمين، وقال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾، وقال في موضع آخر: ﴿ويحلفون على الكذب﴾، فاكتفى بذكر الحلف عن الاسم.
مسألة: [قال: عليَّ عهد الله]
قال: (وكذلك قوله: عليَّ عهد الله، أو: عليَّ ذمة الله).
أما العهد: فلقول الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾، فأثبت العهد يمينًا.
وأما الذمة، فإن معناها معنى العهد، فلم يختلفا في الحكم.
مسألة: [قال: عليَّ يمين]
قال: (وكذلك لو قال: عليَّ يمين الله، أو: عليَّ يمين).
стр. 3252
لأن قوله: عليَّ يمين الله: إلزام نفسه إياها، فصار حالفًا؛ لأن الحالف إنما تعلق عليه حكم اليمين من حيث ألزمها نفسه بقوله.
ولا فرق بين قوله: يمين الله، وبين قوله: يمين، لما بيَّنا من استواء حكم ذكر اسم الله في هذه الأيمان، وحذفها.
[مسألة: الحلف بصفات الله]
قال: (وكذلك كل ما حلف به من صفات الله).
وذلك لأن لفظ الآية يشتمل عليه وينتظمه، وهو قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.
وقد روى موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال: "كثيرًا ما كان رسول الله ﷺ يحلف بهذه اليمين: لا ومقلب القلوب".
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: "وكان رسول الله ﵊ إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده".
стр. 3253
وروي عن النبي ﷺ : "أن الله تعالى لما خلق النار أمر جبريل أن ينظر إليها، فنظر إليها، وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد، فيدخلها، ولما خلق الجنة، قال لجبريل: انظر إليها، فنظر إليها، وقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
فكانت يمين جبريل ﵇ قوله: "وعزتك"، فهذا يدل على أنَّ قوله: وعزة الله: يمين، وأنه يجوز أن يُحلف بها.
وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "لا تحلفوا بحلف الشيطان: أن يقول أحدكم: وعزة الله، ولكن قولوا كما قال الله: ورب العزة".
ويحتمل أن تكون جهة كراهته لذلك: أنه خشي من إطلاق ذلك أن يعتقد معتقدٌ أنَّ الله عزيزٌ بعزة، كما يعتقد أهل التشبيه والحشوية.
стр. 3254
مسألة: [قال: وعظمة الله]
قال: (وكذلك قوله: وعظمة الله، وجلال الله، وما أشبه ذلك، وكل هذه أيمان، وعلى الحالف بها إذا حنث فيها الكفارة).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ كل ما كان من صفات الله تعالى التي استحقها لذاته، فإنه يكون حالفًا به إذا أقسم به، نحو قوله: وقدرة الله، وكبرياء الله، وجلال الله، وسائر الصفات الذاتية.
والمعنى في ذلك أنَّ قوله: وقدرة الله، بمنزلة قوله: والله القادر، وقوله: وعظمة الله، معناه: والله العظيم، إذ ليس هناك قدرة بها كان قادرًا، ولا عظمة بها كان عظيمًا، فكان ذلك حلفًا بالله تعالى، إذ ليس هناك معنى يقع الحلف به غير الله تعالى.
وهذا المعنى جارٍ في نظائر هذه الصفات، إلا في حرف واحد، وهو قوله: وعلمُ الله لأفعلن كذا، فلم يجعلوه يمينًا، وذلك لأن هذا في الاستعمال يُراد به: "معلوم الله" عند الإطلاق، كما تقول: اللهم اغفر لنا علمك فينا، وشهادتك علينا، ومعناه: معلومك فينا.
وقد يطلق اسم المصدر، ويراد به المفعول، وهو ظاهر في اللغة وعادات الناس، قال الله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾.
стр. 3255
يعني الموقن به.
وقول القائل: اللهم أنت أملنا ورجاؤنا، يعني: مرجوُّنا.
وقال الشاعر:
وأخبر من لاقيت أن قد وفيتم .... ولو شئت قال المنبتون أساؤوا
وإني لراجيكم على بطء سعيكم .... كما في بطون الحاملات رجاء
يعني مرجوٌّ، أنشدناهما شيخنا أبو الحسن الكرخي ﵀.
وإذا كان قوله: وعلم الله، بمعنى: ومعلوم الله، وكان اسم المعلوم يدخل تحته غير الله تعالى، لم يصح الحلف به، ولم يلزم به شيء، كمن حلف بغير الله.
فإن قال قائل: فقد يقول القائل: وقدرة الله، ويريد به المقدور، كما يقول: وعلم الله، ويريد به المعلوم.
قيل له: لو حملنا قوله: وقدرة الله، على معنى: ومقدور الله، لم يكن له في العرف وجه، فلا يجوز صرف القول عن حقيقته وموضوعه إلى المجاز بلا دلالة، وذلك لأن مقدور الله تعالى لا يكون إلا معدومًا، لأن الموجود لا يكون مقدورًا، وليس في العادة الحلف بالمعدوم، فلم يصح إزالة الكلام عن وجهه إلى معنى لا مجاز له في العادة.
وأما المعلوم فإنه يتناول الموجود والمعدوم، فلم يمتنع في العادة الحلف به، فلذلك جاز صرفه عن حقيقته إليه، وبهذا كان يفصل أبو الحسن ﵀ بينهما، فهذا هو وجه القول فيما كان من صفات الذات
стр. 3256
إذا حلف بها.
وأما إذا حلف بشيء من صفات الفعل، فإنه لا يكون حالفًا، ولا يلزمه شيء، مثل قوله: ورحمة الله، وغضب الله، وعذاب الله، ونحو ذلك من أفعال الله تعالى، لأن الحلف الذي يتعلق به حكم، هو الحلف بالله، ولا يصح الحلف بغير الله، وهذه أفعال الله تعالى، مثل قوله: وسماء الله، وأرض الله، فلا يلزمه به شيء.
مسألة: [حكم الحلف بكل ما عظم الله ألا يفعله]
قال أبو جعفر: (وكذلك كل ما عَظَّم الله به أن لا يفعله، كقوله: هو كافر إن فعل كذا، وهو يهودي إن فعل كذا، أو نصراني أو مجوسي أو بريء من افسلام إن فعل كذا وكذا، فهذه كلها أيمان، ويجب بالحنث فيها الكفارة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وهذا حالف.
والدليل على ذلك: ما روى يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك أنَّ النبي ﵊ قال: "من حلف بملَّةٍ غير ملة الإسلام كاذبًا، فهو كما قال".
стр. 3257
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﵊: "من حلف فقال: إني بريءٌ من الإسلام، فإن كان كاذبًا: فهو كما قال، وإن كان صادقًا: فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا".
فجعله النبي ﵊ حالفًا بقوله: هو كافر، وهو بريء من الإسلام إن فعل كذا، فانتظمه قوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾.
وجه آخر: وهو أنَّ المعنى الذي من أجله كان الحلف بالله تعالى يمينًا يتعلق به وجوب الكفارة، موجود في قوله: هو بريء من الإسلام إن فعل كذا، وذلك لأن المعنى فيه: أنَّ القسم تعظيمٌ للمقسم به، وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه إلا من استحق العبادة وهو الله تعالى، ولذلك نهى عن الحلف بغير الله؛ لأن أحدًا غير الله تعالى لا يستحق هذا الضرب من التعظيم.
وقوله: هو بريء من الإسلام إن فعل كذا: يمينٌ معقودة على تعظيم الله تعالى أن يكفِّر بالحنث فيها، كما أنَّ قوله: والله لا أفعل: هو تعظيم الله أن يحنث بالحلف باسمه، وهما جميعًا لا يجوز استباحتهما بحال، فلما كان ذلك في معنى الحلف بالله من الوجه الذي وصفنا، وجب أن يتعلق به وجوب الكفارة.
وليس ذلك كقوله: هو يأكل الميتة إن فعل كذا: وذلك لأن هذا عقد
стр. 3258
اليمين على أن يفعل بعد الحنث، ونفس الحنث لا يوجب وقوعه بمضمون اللفظ، وأما قوله: هو كافر إن فعل كذا: فإن مضمون اللفظ حصوله كافرًا إن فعل كذا، كقوله: عبدي حرٌّ إن فعلت كذا، وكذلك قوله: والله لا أفعل كذا، ومعناه ومضمونه: أنه إن فعل فهو غير معظم لاسم الله الذي حلف به حق تعظيمه، ويكون حصول هذا المعنى معلقًا بوجود الحنث على ما تضمنه لفظه.
وأيضًا: فإن أكل الميتة مما لا يجوز استباحته بحال، وقد شرطنا فيما ذكرنا أنه ضرب من التعظيم لله، لا تجوز استباحة ضده بحال.
فإن قيل: فينبغي أن يكون لو حلف بالنبي ﵊ كان حالفًا، تلزمه الكفارة بالحنث فيها؛ لأنه لا يجوز استباحة ترك تعظيم النبي ﷺ .
قيل له: لم تكن علتنا فيما وصفنا أنه لا يجوز استباحة ترك تعظيم الله تعالى، دون ما وصفنا من أنَّ الحلف ضرب من تعظيم الله، لا يستحقه غيره تعالى، فمن أجل ذلك تعلق به وجوب الكفارة، والحلف على الكفر هو كذلك، وليس هذا المعنى موجودًا في الحلف بالنبي ﵊.
ولأن النبي ﷺ وإن كان معظمًا مشرفًا، فليس يستحق هذا الضرب من التعظيم، كما لا يستحق العبادة.
فإن قيل: من أصلكم أنه لا يجوز إثبات الكفارة بالقياس، وهذا الذي ذكرت استعمالُ قياس في إثبات الكفارة.
стр. 3259
قيل له: ليس كذلك؛ لأن وجوب الكفارة تابعٌ لليمين، وهذه اليمين مما ينتظمه قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، فإنما أثبتناها بالعموم، هذا على الوجه الأول الذي قدمناه للمسألة.
وعلى الوجه الثاني أيضًا لا يلزم؛ لأن ما وصفنا إنما هو استدلالٌ على موضع الكفارة من الأيمان، ليس هو إثبات كفارة بقياس؛ لأن كفارة اليمين قد ثبتت بالآية، واتفاق الأمة، ثم حينئذ لا يمتنع الاستدلال بالقياس على موضع الكفارة، كما نقول في إيجاب كفارة الأكل في شهر رمضان، فيستعمل الاستدلال بالقياس على موضع الكفارة، لا أنا ابتدأنا إثبات كفارة بالقياس.
والقياس الممتنع عندنا: أن نبتدئ إثبات كفارةٍ بقياس في غير الأصل الذي وردت فيه، نحو أن نوجب كفارة اليمين في غير اليمين، أو كفارة شهر رمضان في غير الإفطار في شهر رمضان، وكذلك هذا في الحدود، لا يجوز عندنا إثبات حدٍّ بقياس، بأن نوجب حد الزاني على غير الزاني.
ويجوز استعمال القياس في الاستدلال على موضع الكفارة، وسائر المسائل المختلف فيها من الحدود والكفارات، فإنما يستعمل القياس فيها على هذا الوجه.
مسألة: [حكم الكفارة على من قال: وحق الله]
قال أبو جعفر: (وإذا قال: وحق الله لأفعلن كذا، فإن أبا يوسف قال:
стр. 3260
هذه يمين، وعليه الكفارة إذا حنث فيها، وقال محمد: ليست بيمين، ولا كفارة فيها).
قال أحمد: وقول أبي حنيفة في ذلك مثل قول محمد.
وجه قول أبي يوسف: أنَّ قوله: وحق الله: لا يجوز استباحة الاستخفاف به، ولا تركه بحال، فهو كقوله: هو بريء من الإسلام، على ما قدَّمناه من معناه.
فإن قيل: فإن حق الله عباداته وفرائضه، وقد يجوز استباحة ذلك بحال.
قيل له: فلا يكون تركه إذًا في حال الاستباحة حقًا لله؛ لأنه هو المبيح له.
وأما ما ثبت حقًا لله فلا تجوز استباحته، كما لا تجوز استباحة الكفر، وقد قالوا جميعًا إن قوله: وأمانة الله: يمينٌ؛ لأنه لا يجوز خفرها بحال، كذلك حقه.
ولمحمدٍ: أنَّ حق الله تعالى هو ما افترضه الله على عباده من الشرائع والعبادات.
ويدل عليه: ما روي عن النبي ﵊ "أنه سئل، فقيل: ما حق الله على عباده؟ فقال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا".
следующие страницы →