← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأمرنا إياه بالصلاة قبل البلوغ: تأديب وتعليم، لا على جهة التكليف. * وأما الكافر، فلقول الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿. وقال النبي ﷺ : "إن الإسلام يجب ما قبله". وهو مع ذلك اتفاق من الفقهاء. [مسألة:] قال: (ومن أدرك من هؤلاء من الوقت مقدار ما يمكنه فيه افتتاح الصلاة: لزمته). لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن

стр. 352

تطلع الشمس: فقد أدرك". فألزمه حكم الفرض بإدراك بعضه، والمعنى فيه، أن الجزء الذي لزمه بإدراك الوقت لا يصح ولا يثبت حكمه إلا بفعل باقي أجزائها. فإن قيل: النبي ﷺ إنما رخص ركعة بالإدراك، فلم جعلت ما دونها بمنزلتها؟ قيل له: ذكر مدرك الركعة، وسكت عن حكم ما دونها، فكان حكمه حكمها في المعنى من الوجه الذي ذكرنا. مسألة: [الجمع الصوري بين الصلاتين في يوم الغيم]. قال أبو جعفر: (ويصلي في يوم الغيم بأن يؤخر الفجر، ويؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء). قال أبو بكر أحمد: أما الفجر، فإنه يسفر بها في الأوقات كلها؛ لما بينا فيما تقدم، وأما باقي الصلوات، فإنه يفعلها على حسب ما فعل من الجمع في السفر والمرض؛ لأن الغيم عذر في اشتباه الوقت، فصار كالعذر بالسفر والمرض في الجمع. * * * * *

стр. 353

باب الأذان والإقامة مسألة: [صفة الآذان] قال أبو جعفر: (والآذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخره). قال أبو بكر أحمد: الكلام في ذلك من وجهين: أحدهما: عدد التكبيرات، فإن من الناس من يقول يكبر في أوله مرتين، وحكى الطحاوي أن هذا القول قد روي عن أبي يوسف. والثاني: في الترجيع. فروى عثمان بن السائب عن أبيه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه الآذان، فذكر في أوله: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.

стр. 354

وروى عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة ﵁ مثله. فذكر في هذين الحديثين التكبير في أوله مرتين. وروى مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة ﵁: الله أكبر أربع مرات. وكذلك الآذان هو في حديث عبد الله بن زيد ﵁، الذي أري في المنام، فأمره النبي ﷺ أن يلقنه بلالا، فأذن به. فكان هذا أولى؛ لما فيه من الزيادة، ولأن التكبير مرتين شاذ في الأمة غير مشهور، وقد استفاض نقل الأربع قولا وعملا.

стр. 355

* وأما الترجيع، فليس هو عندنا من صلب الآذان، وذلك لأنه ليس في آذان عبد الله بن زيد ﵁، الذي يرويه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب النبي ﷺ في قصة الآذان ترجيع. ورأى عمر بن الخطاب مثل ذلك إلا أن عبد الله بن زيد سبقه. وكذلك في رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه بغير ترجيع. وأما ما روي في آذان أبي محذورة ﵁ من الترجيع، وأن النبي ﷺ علمه إياه: فإنه قد ذكر فيه السبب الذي من أجله أمر بالترجيع. وهو أن النبي ﷺ مر في صبيان من المشركين، يتحاكون أصحاب النبي ﷺ في الآذان، كالمستهترين، قال: فسمع رسول الله ﷺ آذاننا فقال: "إن فيهم رجلا حسن الصوت"، فأرسل إلينا فآذنا، وكنت في آخرهم، فحبسني ولا شيء أكره مما يأمرني به رسول الله ﷺ ، قال: فعلمني الآذان,

стр. 356

ثم قال لي بعد الشهادتين: "ارجع فمد بها صوتك". فهذا له وجهان: أحدهما: أنه لما لم يمد بها صوته بدءًا على ما أراده النبي ﷺ – لكراهيته بذلك، على حسب ما روي في الخبر – أمره النبي ﷺ أن يرجع، فيمد بها صوته، فلا دلالة في ذلك على أنه من صلب الأذان. والثاني: أنه لما رأى كراهيته لذلك؛ لأن المشركين كانوا ينكرون الشهادتين، أمره بالإعادة ليمرن عليها ويعتادها. وإذا احتمل الترجيع ما وصفنا: لم يجز لنا إتيانه من صلب الأذان إلا بدلالة. ولأن الأخبار الأخر قد عارضته، فاستدللنا بها على أن أمره إياه بالترجيع كان على الوجه الذي قلنا. وأيضًا: اختلاف الأخبار يوجب الاستشهاد بالأصول، فما شهد له الأصول منها: فهو أولى، وقد اتفقوا على أن سائر ألفاظ الأذان لا ترجيع فيها، فكذلك الشهادتان. وأيضًا: الإقامة لا ترجيع فيها، كذلك الأذان؛ لأن كل واحد منهما دعاء إلى الصلاة.

стр. 357

مسألة: [صفة الإقامة] قال أبو جعفر: (والإقامة كالأذان سواء، إلا أنه يزيد في آخرها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة). وذلك لما في حديث عبد الله بن زيد الذر أرى الأذان، وحديث سويد بن غفلة، قال: "سمعت بلالًا يؤذن حتى مثنى مثنى، ويقيم مثنى". وروى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان يثني الأذان، ويثني الإقامة. وحدثنا دعلج قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: حدثنا محمد بن بكر قال: أخبرنا بن جريج قال: أخبرني عثمان بن السائب عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه الإقامة فقال:

стр. 358

"الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". وحكى لنا دعلج عن بعض شيوخ الحديث من كبارهم أنه قال: "أصح ما روي في ذلك حديث أبي محذورة ﵁". وكذلك رواه مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة ﵁ بهذا اللفظ. فإن قيل: فإن ثبت حديث أبي محذورة ﵁: ثبت الترجيع؛ لأنه كما ذكر التثنية في الإقامة، ذكر الترجيع في الأذان. قيل له: ويلزمك مثله؛ لأنا نقول لك: إن ثبت الترجيع عندك في الأذان، فينبغي أن تثبت التثنية في الإقامة، لأن الحديث الذي فيه الترجيع، هو الذي فيه تثنية الإقامة. ثم ننفصل نحن منك، بأن في الترجيع احتمالًا على الوجه الذي قدمنا، وليس في تثنية الإقامة احتمال مثله، فتثبت الزيادة. فإن قيل: يحتمل حديث بلال ﵁ أنه أقام مثنى مثنى، يعني به قوله: "قد قامت الصلاة".

стр. 359

قيل له: فهذا بعض الإقامة، وقد أخبر أنه يقيم مثنى، وقوله:"الإقامة": تقتضي حملها كالأذان. فإن قيل: قد روى شعبة وسفيان وحماد بن زيد وهشيم وإسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". قيل له: هذا ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أمره، إذ جائز أن يكون غيره أمره؛ لأن قد أذن بعد النبي ﷺ بالشام، فجائز أن يكون من أمر بعض الأمراء. ورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان،

стр. 360

ويوتر الإقامة. قل يحيى بن معين: "لم يرفعه غير عبد الوهاب". قال: "وكان عبد الوهاب اختلط بآخره". وقد رواه جماعة عن أيوب فلم يرفعوه. وقد عارضه أيضًا ما رواه سويد بن غفلة والأسود عن بلال ﵁ من تثنية الإقامة. فإن ذكروا ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدثنا الحسن بن كسيب الحضرمي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ أن نشفع الأذان، ونوتر الإقامة". قيل له: قد رواه جماعة عن إسماعيل ولم يرفعوه، والحسن بن

стр. 361

كسيب الحضرمي: مجهول لا يدري من هو؟! وقد روى شعبه عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى عن ابن عمر ﵄ قال: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه كان يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"، فإذا سمعنا الإقامة توضينا، ثم خرجنا إلى الصلاة". قيل له: أبو جعفر وأبو المثنى جميعًا مجهولان، لا يعارض بهما ما تقدم ذكره من الأخبار. وعلى أنه لو ثبت، كان معناه، أنه يؤذن مرتين مرتين، كما روي في

стр. 362

أذان الفجر، والإقامة مرة. ويدل عليه ما روي فيه: "فإذا قال: "قد قامت الصلاة": قالها مرتين، فعرفنا أنها الإقامة، فيتوضأ أحدنا، ثم يخرج". وروي عن علي ﵁ أنه كان يقول: "الأذان مثنى، والإقامة مثنى". وأتى علي على مؤذن يقيم مرة مرة، فقال: "ألا جعلتها مثنى، لا أم لك". وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يثني الإقامة. وقال أبو إسحاق: "كان أصحاب علي وعبد الله ﵃ يشفعون الأذان والإقامة". وقال مجاهد في الإقامة واحدة: "إنه شيء استخفه الأمراء".

стр. 363

وروى أبو معشر عن إبراهيم قال: "كان أذان بلال ﵁ وإقامته مثنى مثنى". فلما كان هؤلاء: جعلوا الإقامة واحدة من أجل السرعة. * ومن وجهة النظر: جعلوا الإقامة واحدة من أجل السرعة. * ومن وجهة النظر: أن الأذان لما كان شفعًا، وهو دعاء إلى الصلاة كانت الإقامة مثله؛ قياسًا عليه بما ذكرنا من المعنى. [مسألة:] قال أبو جعفر: (ويترسل في الأذان، ويحدر الإقامة). مسألة: [لا يؤذن قبل دخول الوقت]. قال أبو جعفر: (ولا يؤذن لشيء من الصلوات إلا بعد دخول وقتها في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا بأس أن يؤذن لصلاة الصبح بالليل قبل دخول وقتها). الحجة لأبي حنيفة: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب بن نافع عن ابن عمر أن بلالًا ﵃ أذن قبل طلوع

стр. 364

الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام". زاد موسى في حديثه: فرجع فنادى: "ألا إن العبد نام". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا جعفر بن برقان عن شدد مولى عياض بن عامر عن بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا، ومد يديه عرضًا". فإن قيل: قد روي أن بلالًا ﵁ كان يؤذن بليل. قيل له: كان يؤذن حين لم يقتصر عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". قال: "وكان ابن أم مكتوم ﵁ أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: "أصبحت أصبحت". فدل أن الأذان لم يعتد به للصلاة، ولو اعتد به للصلاة، لم يأمر بإعادته. فإن قيل: وجه ما روي في الأخبار الأخر، أنه أمره بالإعادة، وأنه

стр. 365

قال: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر". قيل له: المعنى فيه: أن كان يقتصر حينئذ على أذان بلال وحده، فلما أقام ﷺ ابن أم مكتوم ﵁ مؤذنًا، وأمره بأن يؤذن بعد طلوع الفجر للصلاة، أمر بلالًا ﵁ بالأذان قبل طلوع الفجر، للعلة التي ذكرها، وهي أن يرجع قائمهم، ويوقظ نائمهم. وقد روى محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئًا". وروى أشعت بن سوار عن يحيى بن عباد عن جده شيبان ﵁ أنه دخل على النبي ﷺ وهو يتغدى، فقال له: "هلم إلى الغداء"، فقال يا رسول الله! إني أريد الصوم، فقال: "وأنا أريد الصوم، إن مؤذننا في بصره سوء، أذن قبل طلوع الفجر". وروي عن عمر ﵁ أن مؤذنًا له – يقال له: مسروح – أذن

стр. 366

قبل طلوع الفجر، فغضب عمر ﵁، وأمره "أن ينادي: ألا إن مسروحًا وهم". * ومن جهة النظر: إن الأذان دعاء إلى الصلاة، فلا يصح قبل الوقت، كما لا يجوز في سائر الصلوات بالاتفاق. * وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يحكي أن أبا يوسف كان يقول في ذلك بقول أبي حنيفة، حتى دخل المدينة، فرآهم يؤذنون قبل الفجر، فاستدل بذلك على أنه نقل من لدن النبي ﷺ ، فرجع في قوله. ورجع أيضًا: عن مقدار الصاع إلى قول أهل المدينة، لم شاهد من مقدار صاعهم

стр. 367

مسألة: [الأذان والإقامة للمنفرد]. قال أبو جعفر: (ومن صلى في بيته أذن وأقام، وإن لم يؤذن وأقام أجزأه، وإن لم يؤذن ولم يقم: أجزأه). وذلك لأن من سنة صلاة الفرض الأذان، فلا يختلف فيه المنفرد والجماعة. [الأذان والإقامة للمقيم والمسافر]. إلا أنه لا يجوز للمقيم تركه؛ لأن أذان المساجد دعاء له إلى الصلاة فيجوز له الاقتصاد عليه. وأما المسافر فلم يقع لصلاته أذان: فينبغي أن يؤذن ويقيم. وقال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث، ولابن عم له ﵄: "إذا سافرتما فأذنا، وأقيما". فإن اقتصر المسافر على الإقامة: أجزأه؛ لأن حال السفر حال التخفيف. مسألة: [إجابة المؤذن]. قال: (من سمع المؤذن، وليس في صلاة قال كما قال المؤذن إلا

стр. 368

قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح: فإنه يقول مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله). روى حفص عن عاصم بن عمر عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب ﵃ أن النبي ﷺ قال: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر: قال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، وذكر نحو ما قال أبو جعفر في حي على الصلاة، والفلاح. مسألة: [الاستدارة في الأذان]. قال: (ولا بأس أن يستدير في أذانه). وذلك لما روى عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "أتيت النبي ﷺ بمكة، فخرج بلال فأذن، فكنت أتتبع فمه ها هنا وها هنا، ولما بلغ حي على الصلاة، حي على الفلاح، لوى عنقه يمينًا وشمالًا". وروى الحجاج بن أرطاة عن عون عن أبيه قال: "كان بلال ﵁ إذا أذن وضع يديه في أذنيه، واستدار في أذانه". مسألة: [كراهة أذان المرأة]. ويكره أذان المرأة؛ لما "أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 369

بالتصفيق، وأمر الرجال بالتسبيح"، فدل على أنها منهية عن رفع الصوت. * * * * *

стр. 370

باب استقبال القبلة مسألة: [استقبال القبلة في حق الخائف]. قال أبو جعفر: (وإذا اشتد الخوف صلى الخائف حيث توجعه). وذلك لقول الله تعالى:﴾ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿ وظاهرة يقتضي جواز التوجه إلى حيث شاء المصلي، إلا أن لما قال:﴾ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴿: علمنا أن ذلك في حال الإمكان، وأما في حال تعذر التوجه إليه: فهو غير مكلف لما لا سبيل له إليه من ذلك، فجاز أن يتوجه إلى الجهة التي هو سائر فيها؛ لقوله تعالى:﴾ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿: يعني - والله أعلم - هو الوجه الذي أمركم بالتوجه إليه.

стр. 371

مسألة: [التنفل على الدابة في غير المصر] قال أبو جعفر: (ومن كان في غير مصر: فلا بأس بأن يصلي النافلة على دابته حيثما توجهت به، ولا يضره أن يكون افتتاحه إلى غير القبلة). وذلك لما روى ابن عمر وجابر وعامر بن ربيعة وأنس ﵃ "أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به دابته". قال أنس ﵁: في التطوع، ورواه من قول النبي ﷺ . فإن قيل: روى عمرو بن أبي الحجاج عن الجارود بم أبي سبرة عن أنس ﵁ "أن النبي صلى لله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع بالصلاة، استقبل بناقته القبلة، فكبر وصلى حيث توجهت الناقة". فهلا جعلت التحريمة إلى القبلة، كما روي في هذا الحديث. قيل له: عمرو بن أبي الحجاج: ضعيف، كذا سمعت بعض أهل

стр. 372

الإتقان والمعرفة بالرجال يقوله. وقد رواه جماعة – وأنس ﵁ معهم – من غير رواية عمرو بن أبي الحجاج، فلم يذكروا فيه هذه الزيادة. وقد رواه أنس ﵁ من قول النبي ﷺ ، ولم يذكر ذلك فيه. * ولو ثبتت الزيادة: لم يقتض الوجوب؛ لأن فعل النبي ﷺ عندنا ليس على الوجوب، فنحن بخير الأمرين على ما ورد به الخبران جميعًا، ولا يجوز لأحد أن يقتصر به على أحد ما روي فيه، دون الآخر. وأيضًا: فمن حيث جاز البناء إلى غير القبلة، جاز الابتداء؛ لأن الافتتاح إلى القبلة لو كان شرطًا في صحة الصلاة: لكان كذلك حكم البناء؛ لأن حكم الابتداء والبناء لا يختلف في شرائط صحة الصلاة. مسألة: [التنفل على الدابة في المصر]. قال أبو جعفر: (ولا يصلي في المصر على دابة، وروي أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه يصليها في المصر، كما يصلي خارج المصر).

стр. 373

ولأبي حنيفة: أن القياس يمنع جواز التطوع على هذا الوجه، إذ لا ضرورة به إلى ذلك، أنه جائز له ترك النفل رأسًا، إلا أنه لما تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في فعل النفل على الراحمة حيثما توجهت به: تركنا القياس لها، ولم يرد في المصر ما يترك له القياس: فيقي على الأصل. ولقول الله تعالى:﴾ وحيث ما كنت فولوا وجوهكم شطره ﴿. ولأنه لا خلاف بينهم أن النافلة غير جائزة للماشي، والجالس بالإيماء، فكذلك حكمها في الراكب، إلا أن يرد من الأثر ما يجب التسليم له. مسألة: [قبلة من يشاهد الكعبة عينها]. قال أبو جعفر: (ومن كان معاينًا للكعبة، أو مجتهدًا في طلبها: فلا يجوز له أن يصلي إلا إليها بالمعاينة، أو الجهة التي يؤديه إليها اجتهاده). وذلك لقول الله تعالى:﴾ فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴿، والغائب عن الكعبة لا سبيل له إلى التوجه

стр. 374

إليها إلا من طريق الاجتهاد، فعلمنا أنه مأمور به على حسب الإمكان، وعلى ما عنده أنه هو الجهة. مسألة: [حكم من صلى إلى غير الكعبة اجتهادًا]. قال: (ومن صلى بالاجتهاد إلى جهة يرى أنها جهة الكعبة، ثم علم أنه صلى إلى غير الكعبة: لم يعد). وذلك لقول الله تعالى:﴾ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿ فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴿، وقد تبين أنه صلى إلى غيره. قيل له: نستعمل اللفظين، فنقول: إنه مأمور بالتوجه إلى الكعبة في حال المعاينة، والإمكان، ولا يجزئه غيره، وفي حال الاشتباه مأمور بالتوجه إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها، فيجزئه، لقوله:﴾ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿. وأيضًا: لا يخلو قوله تعالى:﴾ فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴿، من أن يكون المراد به شطره عندنا إذا غبنا عن عين الكعبة، أو شطره عند الله، ومحال أن يكون المراد شطره

стр. 375

عند الله؛ لأنه لا سبيل لنا إلى علم ذلك، ولا إدراكه. فصح أن المراد شطره عندنا، فإذا صليناها على الوجه المأمور به فقد أدينا الفرض، ومن ادعى وجوب الإعادة، فإنما يلزمه فرضًا مبتدأ لم يقم لدلالة على لزومه. * ومن جهة السنة ما روى وكيع عن أشعب السمان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى:﴾ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿ فدل هذا الحديث على جوازها من وجهين: أحدهما: أنهم لم يؤمروا بالإعادة مع اختلاف جهاتهم. والثاني: أن الآية فيه نزلت. وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال: حدثنا محمد بن سليمان الحارث الواسطي قال: حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي عبيد الله بن الحسن قال: حدثنا عبد الله

стр. 376

بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة قد عرفنا القبلة هاهنا قبل الشمال، وخطوا خطوطا، وقال بعضهم: القبلة هاهنا قبل الجنوب وخطوا، فلما أصبحنا، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فسألنا النبي ﷺ بما فعلنا، فأنزل الله تعالى:﴾ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴿. فإن قيل: لم يذكر أنهم كانوا استدبروا القبلة، وجائز أن يكونوا انحرفوا عنها يمنة أو يسرة، والمخالف يخير مثل ذلك. قيل له: لو اختلف حكمه، لسألهم النبي ﷺ ، فلما لم يسألهم عن الجهة دل على أن الحكم لا يختلف باختلاف الجهات التي تقع الصلاة إليها. وأيضًا: فمن حيث ثبت جوازها إذا انحرف عنها مشرقًا أو مغربًا، جازت أيضًا إذا استدبرها، إذ الأحوال كلها متساوية في أنه غير متوجه إلى القبلة فيها. وأيضًا: فإنه لما جازت صلاة الخائف إلى غير جهة القبلة مع العلم بها، لتعذر التوجه إليها: كان كذلك حكمها في حال الاجتهاد، لوجود

стр. 377

المعنى الذي من أجله جازت صلاة الخائف إلى غيرها، وهو تعذر التوجه إليها، إذ لا سبيل إلى التوجه إلى الكعبة لمن غاب عن عينها إلا من جهة الاجتهاد. وليس هذا بمنزلة من اجتهد في أحد ثوبيه، وأحدهما نجس، فصلى فيه، ثم تبين أنه صلى بالنجس منهما: فيعيد صلاته. ومع ذلك في حال عدم ثوب غيره، تجزيه صلاته مع العلم بنجاسته والفرق بينهما أن نجاسة الثوب قد تعلم ويوصل إليها من جهة اليقين، ولا سبيل إلى الوصول إلى عين القبلة لمن غاب عنها إلا من جهة الاجتهاد، فلذلك اختلفا. ألا ترى أن أحدًا لا يمكنه أن يقول: إني محاذ للكعبة، غير زائل عن جهتها بحال بعد غيبته عنها، وكذلك حكم سائر الجهات التي يتوجه إليها أهل البلدان، فإنما هي اجتهاد. والنجاسات قد يعلم وجودها في الثوب من جهة اليقين، فلما كان كذلك، فالمجتهد إلى الكعبة إنما رجع من اجتهاد إلى اجتهاد، والمجتهد في الثوب رجع من اجتهاد إلى يقين، فأشبه المجتهد في القبلة بالمجتهد في حكم الحادثة إذا صار من اجتهاده إلى اجتهاد مثله: فلا ينقض الأول، ولو قد صار إلى نص أو إجماع: نقض اجتهاده الأول.

стр. 378

مسألة: [حكم من صلى بتحر، ولم يسأل عن جهة القبلة] قال أبو جعفر: (ومن صلى في ظلمة على تحر، ولم يسأل من بحضرته، ثم علم أنه صلى إلى غير الكعبة: أعاد). وذلك لأن الجهة التي اتفق الناس إلى التوجه إليها وإن كان أصلها اجتهادًا، فإن اجتهاد الواحد والاثنين ساقط معها، ألا ترى أنه ليس له أن يجتهد في مخالفة تلك الجهة مع العلم بها، وإذا كان كذلك، ثم قد كان، يمكنه الوصول إليها بالمسألة عنها لحضور من يعلم بها: لم يصح له الاجتهاد، كما لا يصح الاجتهاد مع النص والاتفاق، فصار كمن صلى بغير اجتهاد: فيعيد صلاته إذا تبين خلافها. * * * * *

стр. 379

باب صفة الصلاة مسألة: [تكبيرة الافتتاح] قال أبو جعفر: (وإذا قام الرجل إلى الصلاة المكتوبة كبر لها تكبيرًا مخالطًا لنيته إياها). قال أبو بكر أحمد: ليست مخالطة النية للتكبير شرطًا في صحة الدخول عند أصحابنا؛ لأنه إن نواها قبل التكبير، ثم لم تعرض حال قاطعة له عند الافتتاح: صح دخوله فيها وإن لم يكن بنية مخالطة للتكبير؛ لأنه إذا نواها فحكم نيته باق ما لم يقاطعه عنها قاطع قبل الافتتاح، فيصير به تاركًا للنية، معرضًا عنها. [مسألة:] قال أبو جعفر: (ويرفع يديه حذو أذنيه، ناشرًا لأصابعه). قال أبو بكر أحمد: قد روي عن النبي ﷺ أخبار مختلفة في صفة الرفع عند الافتتاح. فروى أبو هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا

стр. 380

قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا". وروى عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه". وكذلك رواه ابن عمر وجابر وأبو حميد الساعدي ﵃ حين وصف صلاة النبي ﷺ ، أحدهم أبو قتادة ﵁، فصدقوه. وروى وائل بن حجر ومالك بن الحويرث ﵄ أن النبي ﷺ ، رفعهما حذاء أذنيه. وفي بعض أخبار مالك بن الحويرث ﵁ "أنه حاذى بهما

стр. 381

فوق أذنيه". وفي بعض ألفاظ حديث أبي حميد ﵁: "رفع يديه حذاء وجهه". فأما حديث أبي هريرة ﵁، فليس فيه بيان صفة الرفع في حال التحريمة؛ لاحتمال أن يكون مراده أنه رفعهما مدًا للدعاء قبل الدخول في الصلاة. وأيضًا: فلو صح أن المعنى رفعهما عند الافتتاح، لم يدل على خلاف ما روي في سائر الأخبار التي ذكرناها، لأن رفعهم حذاء الأذنين، وحذاء المنكبين ضرب من المد، فيحتمل أن يكون خبر أبي هريرة موافقًا لبعض ما ذكرنا. وبقي الكلام في الوجهين الآخرين، فاختار أصحابنا رفعهما حذاء الأذنين، وذلك لأن فيه زيادة أفعال هي طاعة، إذ لم يرد بإزائه نهي، ولأن الأخبار إذا اختلفت كان خبر الزائد أولى. وأيضًا: فيحتمل أن يكون الأصل في رفعهما حذاء الأذنين، وأن رفعهما حذاء المنكبين كان لعذر. ويدل عليه ما بين في حديث وائل بن حجر ﵁، وهو أنه قال: "أتيت النبي ﷺ ، فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كبر". قال: "ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا

стр. 382

يرفعون أيديهم فيها". فجائز أن تكون رواية من روى رفعهما إلى المنكبين على هذا الوجه للعذر المذكور فيه. فإن قيل: يلزمك على الفصل الأول رفع اليدين في الركوع للزيادة التي أثبتها راويها. قيل له: إنما قلنا إن الزيادة التي في خبرنا هي طاعة؛ لأنه لم يرد بإزائها نهي، وليس كذلك رفعها عند الركوع، لما عارضها من النهي لقوله ﷺ : "كفوا أيديكم في الصلاة، واسكنوا في الصلاة". وقول النبي ﷺ : "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن": لم يذكر فيها حال الركوع.

стр. 383

مسألة: [وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة] قال أبو جعفر: (ثم يأخذ يده اليسرى بيده اليمنى، ويجعلهما تحت السرة). قال أبو بكر أحمد: وقد روى عن النبي ﷺ وضع اليمين على الشمال في الصلاة عشرة من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وشداد بن شرحبيل ووائل بن حجر والحارث بن غضيف ووابصة بن معبد وهلب الطائي رضي

стр. 384

الله عنهم أجمعين، وغيرهم. قال ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الإفطار، ونؤخر السحور، ونمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة" وقال أبو هريرة ﵁: "أمر رسول الله ﷺ بأخذ الكف على الكف تحت السرة". وروى عقبة عن ظهير عن علي ﵁ في قوله تعالى:﴾ فصل لربك وانحر ﴿: قال: "وضع اليمين على الشمال في الصلاة".

стр. 385

وروى أبو جحيفة أن عليًا ﵁ قال: "السنة وضع اليد في الصلاة تحت السرة". وعن عائشة ﵂ قالت: "من أخلاق النبيين: وضع اليد على اليد في الصلاة". وقال: سهل بن سعد ﵁: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة". تركت ذكر أسانيد هذه الآثار كراهة الإطالة؛ ولأنها أخبار مشهورة عند أهل العلم. مسألة: [دعاء الثناء في الافتتاح] قال أبو جعفر: (ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعلى جدك ولا إله غيرك"). قال أبو بكر أحمد: روى أبو سعيد وعائشة ﵄ عن

стр. 386

النبي ﷺ أنه كان إذا كبر للصلاة يقول "سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره. وروى عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم قال:﴾ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ﴿إلى آخر الآية، وذكر معه دعاءا طويلًا. * وكان أبو يوسف يقول: إذا كبر يقول: وجهت وجهي للذي ... إلى آخر الآية، يقدمها إن شاء على: "سبحانك اللهم وبحمدك"، وإن شاء أخرها، ويقولها قبل التعوذ. والأول عند أبي حنيفة ومحمد أولى؛ لقول الله تعالى:﴾ وسبح بحمد

стр. 387

ربك حين تقوم ﴿. فأمر بالتسبيح عند القيام، و:﴾ حين ﴿: للوقت، فكأنه قال: وقت القيام، فمنع تقديم غيره عليه، فكان التسبيح في تلك الحال أولى، لموافقة الآية. * ويدل عليه أيضًا: ما روي في حديث تعليم الأعرابي الصلاة، أن النبي ﷺ قال له: "كبر، ثم احمد الله، ومجده". وأيضًا: في حديث علي ﵁ دعاء كثير بعد الافتتاح، قد اتفق الجميع على تركه، فدل على أن ما في حديث علي ﵁ متقدم، وأنه منسوخ بالتسبيح. * ويدل عليه أيضًا: أن في حديث علي ﵁ أنه كان إذا ركع قال: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت"، وقال في السجود: "اللهم لك سجدت"، ثم كان ذلك منسوخًا بالتسبيح، فدل أن هذا

стр. 388

الحديث متقدم لخبر التسبيح، وأن التسبيح متأخر عنه. وروي أنهم كانوا يقولون ذلك في الركوع والسجود، ثم نزل قوله تعالى:﴾ فسبح باسم ربك العظيم ﴿، فقال النبي ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل قوله:﴾ سبح اسم ربك الأعلى ﴿، قال النبي ﷺ : "اجعلوها في سجودكم". فكان أمر التسبيح متأخرًا عما في الأخبار الأخر من الذكر الذي فيه إخبار عن الحال التي هو فيها، فدل على أن قوله:﴾ وجهت وجهي ﴿: لما كان إخبارًا عن الحال، كان منسوخًا بالتسبيح. وأيضًا: كان عمر بن الخطاب ﵁ يجهر بذكر الاستفتاح، تعليمًا للقوم، كذا ذكر الأسود، وعلقمة، وهذا يدل على ظهوره واستفاضته بينهم من غير نكير من أحد منهم. وجاز أن يكون علي ﵁ إنما أخبر عما كان فعله النبي ﷺ بدءًا، لا أنه اعتقد بقاء حكمه.

стр. 389

مسألة: [التعوذ والإسرار به] قال أبو جعفر: (ويتعوذ بعد الاستفتاح ويسره، فإن كان إمامًا وكان في صلاة الجهر: أسر ذلك كله، ثم جهر بالقراءة). قال أبو بكر: فأما وجه تقديم الاستعاذة على القراءة: فقول الله تعالى﴾ فإذا قرأت فاستعذ بالله ﴿، والمراد إذا أردت القراءة. ويسر ذلك كله، وذلك لأنه ذكر مسنون في سائر الصلوات، ليس بقرآن، كتسبيح الركوع والسجود والتشهد ونحوه من الأذكار. وأما وجه جهر عمر ﵁ بها؛ فلأنه فعله على جهة التعليم. مسألة: [لا يتعوذ المأموم، ولا يبسمل] قال أبو جعفر: (ويقول الإمام ما ذكرنا، إلا أنه لا يتعوذ، ولا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم). وذلك لأنهما مسنونان للقراءة، ولا قراءة على المأموم، وأما ذكر الاستفتاح فليس مختصًا بالقراءة، بل بالصلاة.

стр. 390

[الدليل على عدم الجهر بالبسملة:] * وأما وجه قوله: يسر بسم الله الرحمن الرحيم: فالأصل فيه ما حدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا جعفر بن هاشم البزار قال: حدثنا عمران القصير عن الحسن عن أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يسر بسم الله الرحمن الرحيم، وأبو بكر، وعمر ﵄". وفي حديث شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكانوا لا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم". وروى قيس بن عبابة قال: حدثني ابن عبد الله بن المغفل أن أباه سمعه يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فقال: "إياك والحدث في الإسلام، فإني صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها".
следующие страницы →