Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
إذا حلف بها.
وأما إذا حلف بشيء من صفات الفعل، فإنه لا يكون حالفًا، ولا يلزمه شيء، مثل قوله: ورحمة الله، وغضب الله، وعذاب الله، ونحو ذلك من أفعال الله تعالى، لأن الحلف الذي يتعلق به حكم، هو الحلف بالله، ولا يصح الحلف بغير الله، وهذه أفعال الله تعالى، مثل قوله: وسماء الله، وأرض الله، فلا يلزمه به شيء.
مسألة: [حكم الحلف بكل ما عظم الله ألا يفعله]
قال أبو جعفر: (وكذلك كل ما عَظَّم الله به أن لا يفعله، كقوله: هو كافر إن فعل كذا، وهو يهودي إن فعل كذا، أو نصراني أو مجوسي أو بريء من افسلام إن فعل كذا وكذا، فهذه كلها أيمان، ويجب بالحنث فيها الكفارة).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، وهذا حالف.
والدليل على ذلك: ما روى يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك أنَّ النبي ﵊ قال: "من حلف بملَّةٍ غير ملة الإسلام كاذبًا، فهو كما قال".
стр. 3257
وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﵊: "من حلف فقال: إني بريءٌ من الإسلام، فإن كان كاذبًا: فهو كما قال، وإن كان صادقًا: فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا".
فجعله النبي ﵊ حالفًا بقوله: هو كافر، وهو بريء من الإسلام إن فعل كذا، فانتظمه قوله تعالى: ﴿بما عقدتم الأيمان﴾.
وجه آخر: وهو أنَّ المعنى الذي من أجله كان الحلف بالله تعالى يمينًا يتعلق به وجوب الكفارة، موجود في قوله: هو بريء من الإسلام إن فعل كذا، وذلك لأن المعنى فيه: أنَّ القسم تعظيمٌ للمقسم به، وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه إلا من استحق العبادة وهو الله تعالى، ولذلك نهى عن الحلف بغير الله؛ لأن أحدًا غير الله تعالى لا يستحق هذا الضرب من التعظيم.
وقوله: هو بريء من الإسلام إن فعل كذا: يمينٌ معقودة على تعظيم الله تعالى أن يكفِّر بالحنث فيها، كما أنَّ قوله: والله لا أفعل: هو تعظيم الله أن يحنث بالحلف باسمه، وهما جميعًا لا يجوز استباحتهما بحال، فلما كان ذلك في معنى الحلف بالله من الوجه الذي وصفنا، وجب أن يتعلق به وجوب الكفارة.
وليس ذلك كقوله: هو يأكل الميتة إن فعل كذا: وذلك لأن هذا عقد
стр. 3258
اليمين على أن يفعل بعد الحنث، ونفس الحنث لا يوجب وقوعه بمضمون اللفظ، وأما قوله: هو كافر إن فعل كذا: فإن مضمون اللفظ حصوله كافرًا إن فعل كذا، كقوله: عبدي حرٌّ إن فعلت كذا، وكذلك قوله: والله لا أفعل كذا، ومعناه ومضمونه: أنه إن فعل فهو غير معظم لاسم الله الذي حلف به حق تعظيمه، ويكون حصول هذا المعنى معلقًا بوجود الحنث على ما تضمنه لفظه.
وأيضًا: فإن أكل الميتة مما لا يجوز استباحته بحال، وقد شرطنا فيما ذكرنا أنه ضرب من التعظيم لله، لا تجوز استباحة ضده بحال.
فإن قيل: فينبغي أن يكون لو حلف بالنبي ﵊ كان حالفًا، تلزمه الكفارة بالحنث فيها؛ لأنه لا يجوز استباحة ترك تعظيم النبي ﷺ .
قيل له: لم تكن علتنا فيما وصفنا أنه لا يجوز استباحة ترك تعظيم الله تعالى، دون ما وصفنا من أنَّ الحلف ضرب من تعظيم الله، لا يستحقه غيره تعالى، فمن أجل ذلك تعلق به وجوب الكفارة، والحلف على الكفر هو كذلك، وليس هذا المعنى موجودًا في الحلف بالنبي ﵊.
ولأن النبي ﷺ وإن كان معظمًا مشرفًا، فليس يستحق هذا الضرب من التعظيم، كما لا يستحق العبادة.
فإن قيل: من أصلكم أنه لا يجوز إثبات الكفارة بالقياس، وهذا الذي ذكرت استعمالُ قياس في إثبات الكفارة.
стр. 3259
قيل له: ليس كذلك؛ لأن وجوب الكفارة تابعٌ لليمين، وهذه اليمين مما ينتظمه قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾، فإنما أثبتناها بالعموم، هذا على الوجه الأول الذي قدمناه للمسألة.
وعلى الوجه الثاني أيضًا لا يلزم؛ لأن ما وصفنا إنما هو استدلالٌ على موضع الكفارة من الأيمان، ليس هو إثبات كفارة بقياس؛ لأن كفارة اليمين قد ثبتت بالآية، واتفاق الأمة، ثم حينئذ لا يمتنع الاستدلال بالقياس على موضع الكفارة، كما نقول في إيجاب كفارة الأكل في شهر رمضان، فيستعمل الاستدلال بالقياس على موضع الكفارة، لا أنا ابتدأنا إثبات كفارة بالقياس.
والقياس الممتنع عندنا: أن نبتدئ إثبات كفارةٍ بقياس في غير الأصل الذي وردت فيه، نحو أن نوجب كفارة اليمين في غير اليمين، أو كفارة شهر رمضان في غير الإفطار في شهر رمضان، وكذلك هذا في الحدود، لا يجوز عندنا إثبات حدٍّ بقياس، بأن نوجب حد الزاني على غير الزاني.
ويجوز استعمال القياس في الاستدلال على موضع الكفارة، وسائر المسائل المختلف فيها من الحدود والكفارات، فإنما يستعمل القياس فيها على هذا الوجه.
مسألة: [حكم الكفارة على من قال: وحق الله]
قال أبو جعفر: (وإذا قال: وحق الله لأفعلن كذا، فإن أبا يوسف قال:
стр. 3260
هذه يمين، وعليه الكفارة إذا حنث فيها، وقال محمد: ليست بيمين، ولا كفارة فيها).
قال أحمد: وقول أبي حنيفة في ذلك مثل قول محمد.
وجه قول أبي يوسف: أنَّ قوله: وحق الله: لا يجوز استباحة الاستخفاف به، ولا تركه بحال، فهو كقوله: هو بريء من الإسلام، على ما قدَّمناه من معناه.
فإن قيل: فإن حق الله عباداته وفرائضه، وقد يجوز استباحة ذلك بحال.
قيل له: فلا يكون تركه إذًا في حال الاستباحة حقًا لله؛ لأنه هو المبيح له.
وأما ما ثبت حقًا لله فلا تجوز استباحته، كما لا تجوز استباحة الكفر، وقد قالوا جميعًا إن قوله: وأمانة الله: يمينٌ؛ لأنه لا يجوز خفرها بحال، كذلك حقه.
ولمحمدٍ: أنَّ حق الله تعالى هو ما افترضه الله على عباده من الشرائع والعبادات.
ويدل عليه: ما روي عن النبي ﵊ "أنه سئل، فقيل: ما حق الله على عباده؟ فقال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا".
стр. 3261
ولم يختلفوا أنه لو حلف بشيء من العبادات مثل الصلاة والصيام والحدود ونحوها، أنه ليس بحالف، كذلك حق الله، إذ كانت حقوق الله شرائعه، والحلف بها حلفٌ بغير الله.
مسألة: [من حلف: لعمر الله]
قال أبو جعفر: (ومن قال: لعمر الله، أو: وايم الله لأفعلن كذا: كان بذلك حالفًا، ويجب عليه الكفارة إذا حنث).
قال أحمد: قوله: لعمر الله، و: وايم الله، و: تالله، و: بالله، و: والله، كلها قسمٌ، قال الله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، وقال: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾.
وقال النبي ﷺ حين طعن بعض الناس في إمرة أسامة بن زيد: "وايم الله، إن كان لخليقًا للإمارة".
مسألة: [حكم الحلف بغير الله، والكفارة فيه]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي لأحدٍ أن يحلف إلا بالله، ولا يكون في الحلف بغير الله كفارة).
وذلك لما روي عن عمر بن الخطاب عن النبي عليه الصلاة والسلام
стр. 3262
أنه قال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليسكت".
وروى أبو هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله".
وسمع ابنُ عمر رجلاً يحلف: لا والكعبة، فقال له ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك".
ففي هذه الأخبار كلها النهي عن الحلف بغير الله.
فإن قيل: رُوي عن طلحة بن عبيد الله في قصة الأعرابي الذي سأل النبي ﵊ عن الفرائض، فأجابه فقال: "لا أزيد عليها شيئًا، ولا أنقص منها"، فقال النبي ﵊: "أفلح وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق".
قيل له: ليس مخرج هذا الكلام مخرج الأيمان؛ لأنه معلومٌ منه أنه لم يُرد تعظيم أبي الأعرابي، وأبوه كان مشركًا، وإنما هذا على حسب ما يجري عليه الكلام في عادات الناس، لا يراد به اليمين.
وعلى أنه لو صح أنه أراد القسم، كانت الأخبار التي ذكرناها في
стр. 3263
النهي قاضية عليه؛ لأن الخطر وافباحة متى وردا في شيء، كان الخطر أولى.
وعلى أنه لا خلاف بين أهل العلم في النهي عن الحلف بغير الله.
مسألة: [الكفارة الواجبة باليمين، وما يجزئ فيها]
قال أبو جعفر: (وكفارة اليمين ما قال الله تعالى في كتابه: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، فهو مخيَّرٌ في ذلك).
وذلك لأن: "أو": بابها التخيير في لغة العرب، ويُطعم كلَّ مسكين نصف صاع بُرًّا، أو صاع تمر أو شعير على ما ذكرنا من كفارة الظهار.
وذلك لأن الناس لما اختلفوا في مقدارها، فقال قائلون مُدًّا، وقال آخرون: نصف صاع، وكان إثبات المقادير طريقه التوقيف أو الاتفاق، إذ لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس، كان الواجب هو نصف صاع؛ لأنه متفق عليه، وما دونه مختلف فيه، وليس فيه توقيف، وما قدمناه في كفارة الظهار من الدلالة على إثبات المقدار هو دليل في ذلك، لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
стр. 3264
وهذا المقدار إذا أراد تمليك الطعام، فإن أراد أن يُطعمهم: أطعم كل مسكين غداء وعشاء، لأنه من أوسط ما نطعمه أهلينا؛ لأن الأكثر في العادة ثلاث أكلات في اليوم والليلة، والأقل أكلة واحدة، والأكلتان واسطة بينهما، فكان أشبه بظاهر الآية.
وقد رُوي مثل قولنا في مقدار ما يعطي كل مسكين عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة ﵃.
وفي الغداء والعشاء أيضًا عن علي ﵁، وعن ابن عباس ﵄.
وقد روى ليث عن ابن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان خبزًا يابسًا فهو غداؤه وعشاؤه".
ويروى عن الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول أنه يطعمهم أكلة واحدة.
ويُروى عن ابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر: مُدٌّ من بُرٍّ في كفارة اليمين.
стр. 3265
مسألة: [حكم إطعام أهل الذمة من كفارة اليمين]
قال أبو جعفر: (ويجزيه في ذلك إطعام أهل الذمة، وإطعام المسلمين أفضل).
قال أحمد: وروي عن أبي يوسف: أن كل صدقة واجبة لا يجوز أن يُعطى منها أهل الذمة، إلا أنه أجاز أن يُعطى أهل الذمة إذا قال: لله علي صدقة: استحسانًا.
فأما وجه قول أبي حنيفة: فظاهر قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، وهو عام في كل مسكين إلا ما قام دليله.
وأيضًا: رُوي أنَّ الناس تجنَّبوا الصدقة إلا على أهل دينهم، فأنزل الله تعالى ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خيرٍ فلأنفسكم﴾، فقال النبي ﷺ : "تصدقوا على أهل الأديان".
فعموم هذه الآية يبيح جواز دفع جميع الصدقات إليهم، وكذلك قوله ﵊: "تصدقوا على أهل الأديان".
ويدل عليه أيضًا: قول الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في
стр. 3266
الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾.
ورُوي أنها نزلت في شأن أسماء بنت أبي بكر، جاءت أمها وهي مشركة تستميحها، فسألت النبيَّ ﵊ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية.
وظاهرها أيضًا يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إليهم؛ لأنها من البر والقسط.
ويدل على ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾.
والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا كافرًا، واستحقوا المدح بإطعامه، فدل على أنَّ في الصدقة عليهم قربة.
وقد روي "أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يجمعون صدقات الفطر، فيجيئهم الرهبان، فيعطونهم".
وإذا ثبت أنَّ الصدقة عليهم قُربة، وجب أن يجزئ إعطاؤهم كفارة
стр. 3267
اليمين، إذ ليس أخذها إلى الإمام قياسًا على التطوع، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ كل واحد منهما ليس للإمام المطالبة بها، مع كون الصدقة قُربة، وعدم ما يمنع الدفع من القربة.
وإن شئت قستها على جواز الصدقة على المسلم، والمعنى فيه ما وصفنا.
فإن قيل: أفلا تجيز دفعها إلى الحربي، والمعنى فيه أنه كافر، كذلك الذمي.
قيل له: إن الصدقة على الحربي لا قربة فيها؛ لأن علينا قتله، وهو مباح الدم وإن كان مستأمنًا، إلا أنَّ إباحته مؤجلة بالأمان، كالدين المؤجل لا يمنع تأجيله من ثبوته، وكان شرط اعتلالنا في أهل الذمة: أنَّ الصدقة عليهم قُربة، وليست الكفارة مما يطالب بها الإمام.
فإن قيل: هذا الذي ذكرت إنما هو دفعٌ لإلزام من ألزمك الحربي على اعتلالك، فانفصلت منه بما ذكرت، فما الدليل على امتناع جواز قياسه على الحربي لعلة الكفر؟ وتكون هذه العلة معارضة لعلتك، مسقطة لها.
قيل له: أول ما في هذا، أنَّ هذه العلة التي انتزعتها، لم تقم عليها دلالة، ونحن فلا نقبل على إلا بقيام الدلالة عليها، وليس هذا موضع ذكر وصف الدلائل الموجبة لتصحيح العلل.
وأيضًا: فلو ساوت اعتلالنا، كان اعتلالنا أولى، لما عاضده من عموم الآية، وعلةٌ يعاضدها العموم أولى مما ينافيه العموم.
وأيضًا: فإن أقل أحوالهما إن تساوتا، أن يتعارضا وتسقطا، ويبقى لنا عموم الآية.
стр. 3268
فإن اعترضوا على اعتلالنا بأن زكوات الأموال ليس أخذها إلى الإمام، ولا يجوز مع ذلك إعطاؤها أهل الذمة.
قيل له: ليس كذلك عندنا؛ لأنا نقول: إن زكوات الأموال أخذها إلى الإمام، وقد كان النبي ﵊، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يأخذونها، ثم خطب عثمان الناس فقال: "هذا شهر زكواتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، ثم ليزك بقية ماله".
فجعل أرباب الأموال وكلاء في الأداء، فلم يسقط حقُّ الإمام عندنا في المطالبة بها.
زإنما اختلف عندنا في حكم صدقات الأموال وحكم الكفارات، لقول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾.
وقال النبي ﵊: "أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها إلى فقرائكم".
فأخبر أنَّ ما كانت المطالبة بأخذها إليه من الصدقات، فهو مصروف في فقراء المسلمين، وإطعام فقراء المسلمين أفضل، كما أنَّ صدقة التطوع على فقراء المسلمين أفضل منها على فقراء أهل الذمة، وكما أنَّ دفعها إلى أقاربه ممن يجوز أن يُعطى منها أفضل منها على الأجانب، والمسلم أقرب
стр. 3269
إليه من الكافر، لأن الله تعالى جعل عصمة الدين نسبًا بينهم بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.
مسألة: [ما يجزئ من الكسوة في كفارة اليمين]
قال أبو جعفر: (وإن اختار الكسوة، كسا كل مسكين ثوبًا: إزارًا، أو رداءً، أو قميصًا، أو قباء، أيَّ ذلك فعل: أجزأه).
قال أحمد: الكسوة ما يكتسي به، ويستر عامة بدنه، ومن كان عليه شيء مما ذكر من قباء أو كساء، أو إزار كبير، يقال إنه مكتسٍ على الإطلاق.
* قال أبو جعفر: (وإن كسا نساءً لم يجزه لكل واحدة منهن إلا أقل ما يجزيها فيه الصلاة، وهو واحد مما ذكرنا وخمار).
قال أحمد: لا أعرف من مذهب أصحابنا الفرق بين الرجال والنساء فيما يُعطون من الكسوة في الكفارة، وعسى أن يكون وجد ذلك في رواية وقعت إليه؛ لأنه ثقة مأمون فيما يحكيه، غير متهم فيه، أو أن يكون قاسه على مذهبهم، وقد يُصيب القياس ويخطئ.
مسألة: [حكم لو كساه سراويل]
قال أبو جعفر: (وقال محمد: إن كسا رجلاً سراويل في ذلك: أجزأه، ولم يحك خلافًا، وقال أبو يوسف فيما روى عنه غير محمد:
стр. 3270
إنه لا يجزيه).
قال أحمد: الصحيح من قولهم جميعًا: أنَّ السراويل لا تجزئ، قد رواه عن محمد جماعة من أصحابه.
ووجه ذلك: أنَّ السراويل بمنزلة الخفين، والقلنسوة، والعمامة، ولم يختلف أصحابنا أنَّ شيئًا من ذلك لا يجزئ، فكذلك السراويل؛ لأن لابس السراويل وحده لا يسمى مكتسبًا، بل يسمى عريانًا، كلابس الخف والعمامة.
ووجه قول من أجازه منهم في بعض الروايات: أنه مما يجزئ فيه الصلاة للابسه.
فإن قيل: فالعمامة مما تجزئ فيها الصلاة إذا اتزر بها، وستر بها ما بين السرة إلى الركبة.
قيل له: ليس اللبس المعتاد في العمامة هذا، بل إنما تُراد للرأس فحسب.
مسألة: [المجزئ من عتق الرقبة في كفارة اليمين]
قال: (ويجزئ من الرقبة في ذلك ما يجزئ في الظهار، وقد تقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب في الظهار).
стр. 3271
فصل: [اشتراط التتابع في صيام كفارة اليمين]
قال الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، ولا يجزيه أن يصومها إلا متتابعات.
قال أحمد: وذلك لأنهم قد صح عندهم من حرف عبد الله بن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وقد كان حرف عبد الله مستفيضًا بالكوفة.
قال إبراهيم: كنا نُعلم ونحن في الكتاتيب ونحن صبيان حرف عبد الله، كما نُعلم حرف زيد.
وروي عن إبراهيم أيضًا أنه قال: هي في قراءتنا: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
فدل على أن استفاضتها كانت عندهم.
وكان سعيد بن جبير يصلي بهم بالكوفة في ليالي شهر رمضان، فيقرأ
стр. 3272
ليلة بحرف زيد، وليلة بحرف عبد الله، وقد كان حرف عبد الله مشهورًا عندهم مستفيضًا، تجوز الزيادة بمثله في نص القرآن.
وليس هو كما يُروى عن أبي في قوله: "فعدة من أيام أخر متتابعات"؛ لأن حكم ذلك لم يثبت عندهم من طريق الاستفاضة والتواتر، وإنما طريقه روايات الآحاد، فلم تجز الزيادة له في نص القرآن، وقد تقدم بيان ذلك فيما سلف.
مسألة: [من صام لإعسار ثم أيسر]
قال أبو جعفر: (ومن دخل في صوم عن كفارة يمينه لإعسار، ثم أيسر قبل خروجه من الصوم: انتفض صومه، وعاد إلى حكم اليسار).
قال أحمد: إنما يعني انتقاض الفرض، لإفساد الصوم، لأن صومه صحيح عن التطوع، فهو يستحب له المضيُّ في صوم يومه ذلك تطوعًا.
وإنما لم يجزه من الفرض؛ لقول الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾، فإنما نقله عما ذكر بدءًا إلى الصوم إذا لم يجد، وهذا واجدٌ، فلزمه حكم قوله: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ إلى آخرها.
стр. 3273
ولأنه لا يجوز له البناء على صوم لم يجز ابتداؤه عليه، كما لا يجوز له المضيُّ على الصلاة بعد خروج وقت المسح، إذ لا يصح ابتداؤه عليه، كما لا يجوز له المضيُّ على الصلاة بعد خروج وقت المسح، إذ لا يصح ابتداؤها، كما لا يجوز للمستحاضة المضيُّ على الصلاة بعد زوال الاستحاضة، وكما لا يجوز للمعتدة إذا ابتدأت عِدَّتها بالشهور، ثم حاضت، أن تبني عليها بالشهور، كما لا يصح ابتداؤها بالشهور مع وجود الحيض.
والمعنى في جميع ذلك: أنَّ الذي دخل فيه مفعول على وجه البدل عن غيره للعذر، فإذا زال العذر: عاد إلى الأصل، فلا يبقى للبدل حكم.
ولا فرق في ذلك بين حال البناء وحال الابتداء، للدلائل التي ذكرناها في الأصول، وقد ثبت عندنا في المتيمم إذا رأى الماء أنه لا يجوز له البناء، بدلائل صحيحة، فوجب أن يكون هذا مثله، لأن أحدًا لم يفرق بينهما.
مسألة:
قال: (والنساء في الأيمان كالرجال).
وذلك لأن عموم الخطاب ينتظم الصنفين، وهو قوله: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾.
стр. 3274
مسألة: [حكم التكفير قبل الحنث]
قال أبو جعفر: (ومن كفر عن يمينه قبل حنثه فيها: لم يجزه ذلك، وكان عليه أن يكفر عنها إذا حنث فيها).
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم﴾، وحفظها مراعاتها لأداء كفاراتها عند الحنث، لا معنى لحفظ اليمين غير ذلك، وفي جواز أداء الكفارة قبل الحنث إسقاط حفظ اليمين مع بقائها، لأن الحفظ إنما هو لأداء الكفارة وقت الحنث.
فإن قيل: معنى قوله: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾: أقلُّوا من الأيمان.
قيل له: ليس في اللغة، ولا في الشرع دليلٌ على ما ادعيت، فهو ساقط، وقد بينا ذلك فيما تقدم.
وأيضًا: فإن الفرض لا يقع موقعه إلا بحضور وقته، أو وجود سببه.
والدليل عليه: امتناع جواز أداء الظهر قبل الوقت، وأداء الكفارة قبل اليمين، وكفارة القتل قبل الجراحة، كل ذلك لعدم حضور وقت الفرض، أو وجود سببه، وذلك معدومٌ في الكفارة قبل الحنث، فلم يجز.
فإن قيل: اليمين سبب لجواز أدائها، كالنصاب سبب لجواز أداء الزكاة قبل الحول، وجراحة الصيد سبب لجواز أداء جزائه، وجراحة الرجل خطأ سبب لجواز أداء كفارة قتله، والمعنى في جميع ذلك: أنه لا تلزم هذه الحقوق مع وجوب ما وجب عنده إلا بتقدم السبب الآخر.
стр. 3275
قيل له: ليست اليمين سببًا للكفارة وإن لم تجب الكفارة عند وجود الفعل إلا بتقدم اليمين.
ألا ترى أنَّ جزاء الصيد لا يجب مع القتل إلا بتقدم الإحرام، وليس الإحرام سببًا لجواز أدائه، وسجود السهو لا يجب إلا بمخالفة موجب التحريمة، وليست التحريمة سببًا لجواز فعله، ولا تجب كفارة الظهار مع وجود لفظه إلا بتقدم النكاح، وليس النكاح سببًا لجواز أدائها، فسقط اعتلالك بما وصفت.
ثم نقول: إن اليمين ليست سببًا للكفارة، بدلالة أنَّ وجوب الكفارة يتعلق بالحنث باتفاق المسلمين، بدلالة أنه لو بَرَّ في يمينه: لم تكن عليه كفارة مع وجود اليمين، ووجدنا الحنث ينافي بقاء اليمين، فلا جائز أن يكون ما ينافي الشيء سببًا لوجوبه.
وأيضًا: فإنه لا يصح بقاء اليمين مع الحنث، فلا يجوز أن يكون سبب الشيء ما لا يصح بقاؤه معه.
وأيضًا: فإن اليمين يضادها الحنث؛ لأن الحنث يوجب حِلَّ اليمين، وهذا الشيء لا يكون سببًا له.
فإن قيل: عند وقوع الحنث يتعلق وجوب الكفارة بحرمة اللفظ.
قيل له: لو كان كذلك، لوجبت بوجود اللفظ دون الحنث.
وأيضًا: لو قال: والله، وسكت: لم يجب عليه شيء واللفظ موجود.
* وأما الفرق بينها وبين النصاب في كونه سببًا لأداء الزكاة، فهو أنَّ
стр. 3276
النصاب لا ينافيه حلول الحول؛ لأنه موجود معه، وكذلك الجراحة لا ينافيها الموت، الذي يتعلق به وجوب الكفارة، فلذلك جاز أن يكون سببًا.
وأما الحنث فإنه ينافي اليمين ويبطلها، فلم يجز أن تكون اليمين سببًا له.
وأيضًا: فإن الرجل يحلف ليبر، لا ليحنث؛ لأنه يقصد إلى تأكيد البر فيما يحلف عليه باليمين، فكيف تكون اليمين سببًا للحنث؟
وأما النصاب، فليس حصوله مانعًا من وجود الحول، وكذلك الجراحة والقتل.
* فإن احتجوا بقول الله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، فعلَّق الكفارة بنفس الحلف، دون الحنث.
قيل له: لا خلاف أنَّ الكفارة غير واجبة بنفس اليمين، فإذًا في الآية ضمير، وهو الحنث، كأنه قال: "ذلك كفَّارة ايمانكم إذا حلفتم وحنثتم"، كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من راسه ففديةٌ من صيام أو صدقةٍ أو نسكٍ﴾: معناه: فحلق، ﴿ففدية من صيام﴾.
وكقوله: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفر فعدةٌ من أيام أخر﴾: ومعناه: فأفطر فعدةٌ من أيام أخر.
стр. 3277
وأيضًا: لم يفرق بين الصوم وغيره، وقد اتفقنا على امتناع جواز تقديم الصوم على الحنث، كذلك غيره، وإذا كان وجود الحنث مشروطًا في جواز الصوم، كذلك فيما سواه؛ لأنا قد اتفقنا على أنَّ فيها ضمير الحنث.
وأيضًا: فامتناعهم من تجويز الصوم، يسقط جميع اعتلالهم بذكر السبب، لأن ما كان سببًا لشيء، لا يختلف حكمه أن يكون مسببه صومًا أو غيره في جواز فعله لأجل وجود سببه.
فإن قيل: الصوم مخالفٌ للحق في المال، في باب جواز تقديمه، لأنه عبادة على البدن، والآخر حق في المال، والدليل على ذلك: جواز تقديم الزكاة على الحول، وامتناع جواز صوم شهر رمضان قبل مجيء وقته.
قيل له: لم يختلفا من جهة أنَّ أحدهما عبادة على البدن، والآخر حق في المال، وإنما اختلفا من جهة وجود سبب وجود الزكاة، وهو النصاب، وفقد سبب وجوب الصوم.
ألا ترى أنه لو قدَّم الزكاة قبل وجود النصاب: لم يُجزه باتفاق، لأجل عدم السبب، فلم يختلف حكم ما هو حقٌّ في المال، أو على البدن، في باب أنَّ عدم السبب فيهما جميعًا مانع من جواز أدائهما، كذلك ينبغي أن لا يختلف حكم ما هو على البدن أو في المال في جواز أدائه لوجود سببه.
فإن قيل: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها: فليكفر يمينه، وليأت الذي هو
стр. 3278
خير".
وهذا يقتضي جواز تقديم الكفارة على الحنث، لأن الفاء للتعقيب، فوجب أن يكون ما دخلت عليه عقيب الأول بلا فصل، فاقتضى أن لا يكون بين اليمين والكفارة فاصلة حنث.
قيل له: وقد روي: "فليأت الذي هو خير، وليكفر يمينه"، وهذا يوجب على قضيتك التي قدَّمت امتناع جوازها قبل الحنث، لأن الفاء للتعقيب، وإنما دخلت هاهنا على الحنث، فينبغي أن لا يكون بين اليمين والحنث واسطة كفارة، ويجب أن تكون بعد الحنث.
وأيضًا: فإن الواو لا توجب الترتيب، وليس في تقديمه الكفارة في اللفظ دلالة على جواز تقديمها، فيسقط الاحتجاج بهذا الخير.
فإن قيل: الفاء توجب الترتيب، فإذا قال: "فليكفر يمينه، وليأت الذي هو خير": فقد دل على أنَّ الكفارة بعد اليمين، ثم يكون الحنث بعدها.
قيل له: إذا كانت الواو لا توجب الترتيب، فكأنهما جميعًا مذكوران معًا بعد الفاء، فلا تكون الكفارة حينئذ أولى بالتقديم من الحنث.
وأيضًا: قد اتفق الجميع على جواز تقديم الحنث على الكفارة، وجواز تأخيرها عنه، فإذًا ليس المراد به الترتيب في تقديم الكفارة على الحنث، وخبرنا حينئذ أولى بأن يكون مستعملاً على ما اقتضاه من ترتيب الكفارة على الحنث، إذ لم نوافقكم على جواز سقوط الترتيب فيه.
وقد روي هذا الخبر على وجهين آخرين:
стр. 3279
أحدهما: "فليكفر يمينه، ثم ليأت الذي هو خير".
والآخر: "فليأت الذي هو خير، ثم ليكفر يمينه"، وهذا اللفظ أبين في إيجاب الترتيب مما في الخبر المتقدم، لأن: "ثم": شأنها الترتيب، والجواب عنه من وجوه:
أحدهما: أنَّ في أحد الخبرين ترتيب الكفارة على الحنث، وفي الآخر ترتيب الحنث على الكفارة، ولو حُملا جميعًا على الحقيقة، وعلى مقتضى اللفظ ومضمونه، تعارضا وسقطا، فيصيران كأنهما لم يَرِدا، وسقط الاحتجاج بهما.
ووجه آخر: وهو اتفاق الجميع على أنَّ قوله: "فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير": لم يُرِد به حقيقة اللفظ، لأن: "ثم": تقتضي الترتيب، ولا خلاف في جواز تأخير الكفارة عن الحنث.
وإذا ثبت ذلك بالاتفاق، سقط حكمه، إذ كان مجازًا لم يُرد به حقيقة اللفظ الذي رُمْتَ به إثبات الترتيب، واستعملنا نحن خبرنا على الترتيب حسب ما اقتضته حقيقة اللفظ، فقلنا لا يجوز إلا أن يأتي الذي هو خير، ثم يكفر عن يمينه على ما جاء به لفظ الخبر.
وجهة أخرى: وهي أنَّ: "ثم": قد تَرِدُ ولا يراد بها الترتيب، قال الله
стр. 3280
تعالى: ﴿ثم كان من الذين ءامنوا﴾، ومعناه: وكان من الذين آمنوا.
وقال: ﴿ثم ءاتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن﴾، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب.
وإذا كان كذلك، لم يمتنع أن يكون قوله: "فليكفر يمينه، ثم ليأت الذي هو خير"، بمعنى: وليأت الذي هو خير.
ويدل عليه: ما قدَّمنا من جواز تأخيرها عن الحنث، ويكون خبرنا حينئذ مستعملاً على الحقيقة، لعدم قيام الدلالة على كونه مجازًا.
فإن قال قائل: هلا استعملت الخبرين جميعًا، ولم تُسقط أحدهما بالآخر، فتجيزها قبل الحنث، بقوله: "فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير"، وتجيزها بعد الحنث أيضًا بالخبر الآخر.
قيل له: لا سبيل إلى استعمالهما على ما اقتضته حقيقة لفظهما؛ لأن أحدهما يوجب تقديم الكفارة، والآخر يوجب تأخيرها، وذلك يتنافى، فلا يصح إثباته، وقد صح أنَّ قوله: "فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير": لم يُرد به الترتيب، واستعمال حقيقته، فصارت بمعنى: "الواو"، وقد بيَّنَّا أنَّ: "الواو": لا توجب الترتيب.
فإن قيل: هلا استعملتهما في الجواز، لا في الإيجاب.
قيل له: لأن ظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب، فإن صُرِف عن الإيجاب، صار مجازًا، وإذا جعلت اللفظة مجازًا، احتاجت إلى دلالةٍ من غيرها في
стр. 3281
إثبات حكمها، وخرجت من أن تكون مكتفية بنفسها في إيجاب دلالتها.
وعلى أنك متى استعملته في الجواز على الوجه الذي قلت، أسقطت حقيقة لفظ خبرنا في إيجاب الترتيب، ولا يجوز لنا إسقاط الحقيقة مع إمكان استعمالها.
مسألة: [ما لا يجوز صرف كفارة اليمين فيه]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز صرف كفارة اليمين في كفن ميت، ولا في بناء مسجد، ولا في عتق رقبة يشركه فيها غيره).
قال أحمد: المأخوذ عليه في إخراج كفارة اليمين أحد شيئين:
إما الإطعام على الحد الذي وصفنا من الغداء والعشاء، وذلك إباحةٌ، لا تمليك فيها.
أو التمليك في المقدار الذي ذكرنا من نصف صاع بُر، أو صاع تمر أو شعير، فإذا عدل بها إلى جهة التمليك والصدقة، فقد صار مثل صدقة الفطر، وزكاة المال، لا يجوز صرفه في كفن ميت؛ لأن الميت لا يملك، ويصير حينئذ بمنزلة من كسا ثوبًا على وجه العارية، حتى أبلاه المستعير، فلا يجزئه من الكفارة.
وكذلك لا يجوز في بناء مسجد؛ لأنك إن جعلت الكفارة ما أعطي في ثمن الحص والآجر وأجرة البناء، فهؤلاء إنما أخذوا عوض ما ملكوا، فلا يجزئ من الكفارة، وإن اعتبرت ما حصل في البناء من الجص والآجر
стр. 3282
والخشب: فإن ذلك لم يملكه أحد، ومن شرط الصدقة: أن يملكها تمليكًا صحيحًا.
وأما عتق رقبة يشركه فيها غيره، فهو أن يكون بينه وبين آخر عبد، فيعتقانه جميعًا، وينوي أحدهما عن كفارة يمينه: فلا يجزئه؛ لأن عتق بعض الرقبة لا يجزئ عن الكفارة، لقول الله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾.
مسألة: [من لا يجوز صرف الكفارة إليه]
قال: (ولا يجوز أن يعطى من كفارة اليمين من لا يعطيه من زكاة المال).
وذلك لما بينا من أنَّ عليه إخراجها عن ملكه إخراجًا صحيحًا فيما سبيله أن يملكه، فهو كالزكاة فيمن يجوز إعطاؤه.
مسألة: [من حلف بعتق أو صدقة أو حج لزمه ذلك بالحنث]
قال أبو جعفر: (ومن حلف بعتق، أو صدقة، أو بحج، أو بمشي إلى بيت الله الحرام، ثم حنث: فعليه أن يفعل ما حلف به، لا يجزئه غير ذلك من كفارة ولا غيرها).
قال أحمد: كل ما كان قُربة في نفسه، فأوجبه بالنذر: لزمه الوفاء به بعينه، لا يجزئه فيه كفارة يمين.
стр. 3283
والأصل في ذلك: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود﴾، فأفاد أن كل من عقد على نفسه قُربة، لزمه الوفاء بها.
وأخرى، وهو قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.
فذم تارك الوفاء بالقول بعينه، فدلَّ على أنَّ على موجب القُربة الوفاء بها بعينها.
وقال الله تعالى: ﴿ومنهم من عهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به﴾ إلى قوله: ﴿ربما كانوا يكذبون﴾.
فذمهم الله تعالى على ترك الوفاء بالمنذور بعينه، والذم لا يُستحق إلا بترك الواجبات، فصار ذلك أصلاً في أنَّ على كل ناذر قربة الوفاء بها بعينها.
ومن جهة السنة: ما روى ابن عباس ﵁ "أنَّ أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3284
أن تركب، وتُهدي هديًا".
وحدثنا عبد الباقي حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل حدثنا صلت بن مسعود حدثنا سهل بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري عن عقبة بن عامر "أنَّ أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية حاسرة، فقال النبي ﵊: "فلتختمر، ولتركب، ولتحج".
و"قال عمر: يا رسول الله! نذرتُ أن أعتكف يومًا في الجاهلية؟ فقال النبي ﵊: أوفِ بنذرك".
وفي بعض الألفاظ قال: "اعتكف، وصُم".
فأمره ﵊ بالوفاء بنفس المنذور، إذ كان قربة في نفسه.
وقد حدثنا عبد الباقي بن نافع قال: حدثنا عبدان الأهوازي قال: حدثنا زيد بن حريش حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من نذر
стр. 3285
نذرًا فلم يسمه: فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية: فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه: فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا يطيقه: فليف به".
ففرَّق ﵊ بين نذر المعصية وبين نذر الطاعة، فأمر في المعصية وما لا يطيق بكفارة اليمين، وكذلك في النذر المطلق، وأوجب الوفاء بنفس المنذور إذا نذر طاعة.
فإن قيل: روى عقبة بن عامر عن النبي ﵊ أنه قال: "كفارة النذر: كفارة يمين".
وهو عامٌّ في النذر المطلق، ونذر قربةٍ بعينها، فالواجب فيهما جميعًا كفارة يمين بحقِّ العموم.
قيل له: قوله: "كفارة النذر: كفارة اليمين": محمولٌ على حقيقته، وحقيقته هي النذر المطلق أن يقول: لله علي نذر، فهذا فيه كفارة يمين.
وأما قوله: لله علي صوم، أو: صلاة، أو: حج: فإنه لا يتناوله الخبر؛ لأنه ليس هو لفظ النذر.
وأيضًا: نجمع بينه وبين حديث كريب عن ابن عباس، في فرقه بين النذر المطلق، وبين نذر قربةٍ بعينها، فقال: "من نذر نذرًا لم يسمه: فعليه كفارة يمين، ومن نذر نذرًا يطيقه: فليفِ به"، فبيَّن فيه أنَّ النذر الذي تجب
стр. 3286
فيه كفارة يمين هو أن يقول: لله علي نذر.
وأيضًا: فإن قوله: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن ءاتنا من فضله﴾ إلى آخر الآية، قد اقتضى لزوم الوفاء بنذر قربةٍ بعينها، فلا يجوز أن يُعترض عليه بهذا الخبر؛ لأنه نافٍ لحكمها على حسب ما استعمله مخالفونا.
ومن جهة النظر: اتفاق الجميع على أنَّ من قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بمائة درهم، أو: لله عليَّ أن أحج: أنه متى شفى الله مريضه: لزمه الوفاء به بنفس المنذور، ولم تلزمه كفارة يمين، فلزم قياسًا على هذا أن نقول: في كل نذر تناول قربة: أن يلزم الوفاء به بعينه، دون كفارة اليمين.
مسألة: [ما يلزم من حلف أن يحج ماشيًا فحج راكبًا]
قال أبو جعفر: (وإن ركب الذي حلف بالمشي إلى بيت الله في حجه لذلك، أو في عمرته: أجزأه، وكان عليه لذلك دم).
قال أحمد: وذلك لما في حديث قتادة عن كرمة عن ابن عباس "أنَّ أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبي عليه الصلاة
стр. 3287
والسلام: إن الله لغني عن تعذيبها نفسها، لتركب، ولتهد هديًا".
فأوجب عليها الهدي للركوب.
مسألة: [حكم من نذر أن يتصدق بماله إن فعل كذا]
قال أبو جعفر: (ومن نذر أن يتصدق بماله إن فعل كذا وكذا، ففعله: كان عليه أن يتصدق من ماله بما تكون فيه الزكاة، لا بغير ذلك مما يملكه).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ النذور محمولة على أصولها في الفروض، والدليل على ذلك: أنَّ من نذر صلاة، لزمته علىى شرائط صلاة الفرض، وكذلك من نذر حجًا أو صومًا، فإذا كانت الصدقة التي أوجبها الله في الأموال ابتداء هي في أموال الزكوات، وجب أن يكون النذر مصروفًا إليها.
وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، فكان مراده هذه الأموال التي فيها هذه الزكوات والصدقات، فوجب أن يُصرف لفظ النذر إليها.
وقال أصحابنا: لو أوصى لرجل بثلث ماله، كان على جميع أمواله، إذ ليس هناك دلالة تصرف اللفظ عن عمومه إلى الخصوص.
стр. 3288
مسألة: [الاستثناء في اليمين]
قال أبو جعفر: (ومن استثنى في شيء من أيمانه هذه، وفيما سواها من طلاق، أو عتاق، فقال: إن شاء الله موصولاً بها: فهو استثناء، ولا حنث عليه إن فعل ما حلف عليه أن لا يفعله).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ هذه الكلمة تدخل في الكلام لرفع حكمه، حتى يُجعل وجوده وعدمه سواء.
والدليل على صحة ذلك: قول الله تعالى حاكيًا عن نبيه موسى ﵊: ﴿ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصى لك أمرًا﴾، ثم لم يصبر، ولم يكُ كاذبًا، وإنما أخرجه من ذلك دخول الاستثناء على خبره.
ومن جهة السنة: ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي ﵊: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله: فقد استثنى".
وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵊: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، لم يحنث".
стр. 3289
وروى كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵊ فقال: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله: فقد بر في يمينه".
وأيضًا: فإن قوله: والله لأفعلن كذا إن شاء الله: يمينٌ معقودة بشرط مشيئة الله، ولا تُعلم مشيئة الله فيه، فلا يُوقع الحنث.
* وإنما شرطنا أن يكون الاستثناء موصولاً بالكلام: من قبل أنه يجري مجرى الشرط، والجواب لا يتعلق بالشرط إلا أن يكون موصولاً به.
ألا ترى أنه لو قال: عبدي حرٌّ، ثم قال بعد ساعة: إن دخل الدار: لم يعمل الشرط، وكان العتق ماضيًا.
ولو وصله بالإيقاع، فقال: عبدي حرٌّ إن دخل الدار: لم يقع أو يوجد الدخول.
ويدل على ذلك أيضًا: قول الله تعالى في قصة أيوب: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾، ولو جاز الاستثناء غير موصول بالكلام، لأمره بالاستثناء: فلا يحنث.
ويدل عليه أيضًا: قول النبي ﵊: "من حلف على
стр. 3290
يمين، فرأى غيرها خيرًا منها: فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
ولو جاز الاستثناء غير موصول باللفظ، لأمره بالاستثناء، وإتيان الذي هو خير.
وقال النبي ﷺ : "إني لأحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني".
ولو جاز الاستثناء في تلك الحال لقال: ثم استثنيت، وأتيتُ الذي هو خير.
وروي نحو قولنا عن عبد الله بن عمر.
* وكان ابن عباس ﵄ يرى الاستثناء بعد سنة، ويقرأ ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾، قال: إذا ذكرت.
مسألة: [من علق يمينه بشرط، وفعل بعضه]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يفعل شيئًا، ففعل بعضه: لم يحنث حتى يفعله كله).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ اليمين إذا كانت معقودة بشرط، لم
стр. 3291
يقع الحنث فيها إلا بوجود الشرط بكماله؛ لأنا إنما نلزمه حكم الإيقاع من حيث ألزم نفسه، وهو إنما ألزم نفسه الإيقاع بوجود الشرط بكماله، وذلك مثل أن يقول: عبدي حر إن كلَّمتُ زيدًا وعمرًا: فلا يحنث بكلام أحدهما؛ لأنه إنما أوقعه بكلامهما، ولو أوقعناه بكلام أحدهما: كنا قد ألزمناه شرطًا لم يعقده على نفسه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾، فلو أنه عمل أعمال الصلاح وليس بمؤمن: لم يستحق حكم الآية.
وأيضًا: معلوم في العادة أنَّ من قال: أعطه درهمًا إن دخل الدار وقعد فيها، أنه لا يستحقه إلا بوجود الأمرين.
مسألة: [حلف ألا يسكن دارًا معينة فخرج منها وترك متاعه وأهله]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يسكن دارًا بعينها، فخرج منها ببدنه، وترك فيها متاعه وأهله: كان حانثًا، وإن أخذ في النَّقلة ساعة حلف، حتى نقل متاعه كله منها: برَّ في يمينه).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ الأيمان محمولةٌ على المتعارف، وذلك لأن المتعارف من الأمور كالمنطوق بها في الأيمان.
والدليل على ذلك: أنَّ من حلف أن لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض: لم يحنث، وقد سمى الله الأرض بساطًا.
стр. 3292
ومن حلف أن لا يجلس في السراج، فجلس في الشمس: لم يحنث، وقد سمى الله الشمس سراجًا، ونظائر ذلك كثيرة، فلم يحنث في شيء منها عند جميع الفقهاء، من حيث كان المتعارف من لفظ اليمين غيرها.
وإذا صح هذا الأصل، قلنا في السكنى: إن إطلاق اللفظ فيها في العادة إنما يتناول كون أهله ومتاعه في البيت المسكون، ألا ترى أن من كان قاعدًا في المسجد يصح له أن يقول: أنا ساكن في هذه الدار وإن لم يكن كائنًا فيها ببدنه في حال القول.
وروي "أنَّ النبي ﵊ لما دخل المدينة، أخذ أبو أيوب الأنصاري رَحْلَه، ونَقَلَه إلى بيته، ثم سأله جماعة من الأنصار أن ينزل عليهم، فقال النبي ﵊: المرء حيث رحله".
وروي عن عمر أنه قال: "من قدَّم ثِقله قبل وقت النفر، فلا حج له".
والمعنى فيه: أنه يصير في الحكم كأنه في الموضع الذي فيه رحله، فكأنه قد نفر قبل أن يحل النفر.
وقوله: "فلا حج له": يعني به نفي الفضل، لا نفي الأصل.
* قال أبو جعفر: (وإن أخذ في النقلة ساعة حلف، حتى نقل متاعه كله منها: برَّ في يمينه): لأن يمينه تناولت النقلة على هذا الوجه، إذ لا يمكنه غيرها.
стр. 3293
* (وإن ترك شيئًا من متاعه وإن قلَّ، فلم ينقله، ونراخى عن ذلك، فإن أبا حنيفة قال: قد حنث بذلك، وهو وقول محمد وأبي يوسف فيما رواه محمد).
وذلك لأن اليمين لما تناولت نقل المتاع، صار كمن حلف لينقلن هذا المتاع كله في هذا اليوم، فإذا لم ينقل جميعه: حنث.
* قال: (وقال أبو يوسف في غير رواية محمد: إن كان الذي خلفه من متاعه شيئًا يسيرًا مما لا تصلح به السكنى: لم يحنث).
ووجه ذلك: أنَّ اليمين إنما تناولت السكنى، ولا تحصل السكنى بترك مثله في الدار، فيبرُّ.
ألا ترى أنه لو قال: والله لا أسكن هذه الدار، وليس بساكن فيها، ثم ترك فيها ثوبًا أو دراهم: أنه لا يحنث؛ لأنه لم يصر ساكنًا بذلك.
وقد قالوا جميعًا، إنه لو حلف: ليأكلن هذه الرمانة، أو هذا الرغيف، فأكل الرمانة إلا حبة واحدة، وأكل الرغيف إلا ما ينتشر من يده: أنه قد برَّ في يمينه.
مسألة: [اليمين على لبس الثوب]
قال أبو جعفر: (من حلف لا يلبس ثوبًا بعينه، فاتَّزر به، أو اعتم به: حنث في يمينه، وإن كانت يمينه على ثوبٍ بغير عينه: لم يحنث حتى يلبسه كما تُلبس الثياب).
стр. 3294
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ اليمين إذا تعلقت بالعين، تناولتها على أي صفة حصل الفعل، وإذا تعلقت بالصفة، كانت على الصفة المعتادة، فإذا قال: والله لا ألبس ثوبًا: فهذا على اللبس المعتاد، لأن الأيمان محمولة على المتعارف، وإذا قال: هذا الثوب: فعلى أي وجه حصل لبسه: حنث؛ لأن اليمين تعلقت بالعين، والعين قد حصل فيها اللبس على وجه.
وعلى هذا قالوا: فيمن حلف: لا يدخل دارًا: أنها على الدار المبنية، ولو قال: لا أدخل هذه الدار: كانت اليمين متعلقة بها ما دامت تسمى دارًا بحال، فلو انهدمت وصارت صحراء، فدخلها: حنث.
ألا ترى أنه لو قال: لا أكلم هذا الشاب، فكلَّمه بعد أن صار شيخًا: أنه يحنث، ولو قال: لا أكلم شابًا، فكلَّم شيخًا: لم يحنث وإن كنا قد علمنا أنه كان شابًا، فهذا يبين الفرق بين اليمين المعقودة على العين، وبينما إذا عقدت على غير عين.
مسألة: [الحلف بعدم فعل شيء وهو متلبس به]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، فإن أخذ في نزعه ساعة حلف، فنزعه: لم يحنث، وإن تراخى عن ذلك: حنث، وكذلك الركوب والسكنى).
وذلك لأن الدوام على الركوب يسمى ركوبًا، وكذلك الدوام على اللبس والسكنى، ألا ترى أنك تقول: ركبتُها يومًا إلى الليل، وسكنتُها يومًا إلى الليل، وكذلك اللبس.
ويدل عليه أنك تقول: دَعْني أسكنها يومًا آخر، وأركبها ساعة أخرى.
قال أحمد: وقال زفر: قد حنث في يمينه عقيبها؛ لأنه قد حصل
стр. 3295
لابسًا بعد العقد إلى أن حصل نزعه.
وأبى سائر أصحابنا هذا الاعتبار؛ لأن الأيمان محمولة على المتعارف، وفي العادة أنَّ الإنسان إنما يحلف على ما يمكنه الامتناع منه، فلا ينصرف يمينه إلى ما لا يمكنه الامتناع منه، وبقاء الثوب عليه بعد اليمين إلى أن يتفق له النزع من غير تفريط، مما لا يدخل تحت اليمين، إذ لا يمكنه الامتناع منه.
[مسألة:]
قال: (ومن حلف لا يدخل دارًا هو فيها ساعة حلف، لم يحنث حتى يخرج منها، ثم يدخلها بعد).
وذلك لأن الدخول اسمٌ للانفصال من خارج الدار إلى داخلها، كما أنَّ الخروج اسم للانفصال من داخلها إلى خارجها.
ولو أنَّ رجلاً حلف لا يخرج من هذه الدار، وهو خارج منها: لم يحنث ببقائه خارج الدار، حتى يدخلها، ثم يخرج منها، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول للخارج: أخرج من هذه الدار، ولا يصح أن يقال للداخل: أدخلها، وليس كالسكنى واللبس والركوب لما بيَّنَّا.
مسألة: [حلف على عدم فعل شيء، ثم فعله غيره بأمره]
قال أبو جعفر: (ولو حلف لا يطلق امرأته، ولا يعتق عبده، ولا يتزوج، وأمر غيره، ففعل: فإنه حانث).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ كل شيء من هذه الأقوال يتعلق
следующие страницы →