Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
يقع الحنث فيها إلا بوجود الشرط بكماله؛ لأنا إنما نلزمه حكم الإيقاع من حيث ألزم نفسه، وهو إنما ألزم نفسه الإيقاع بوجود الشرط بكماله، وذلك مثل أن يقول: عبدي حر إن كلَّمتُ زيدًا وعمرًا: فلا يحنث بكلام أحدهما؛ لأنه إنما أوقعه بكلامهما، ولو أوقعناه بكلام أحدهما: كنا قد ألزمناه شرطًا لم يعقده على نفسه.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾، فلو أنه عمل أعمال الصلاح وليس بمؤمن: لم يستحق حكم الآية.
وأيضًا: معلوم في العادة أنَّ من قال: أعطه درهمًا إن دخل الدار وقعد فيها، أنه لا يستحقه إلا بوجود الأمرين.
مسألة: [حلف ألا يسكن دارًا معينة فخرج منها وترك متاعه وأهله]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يسكن دارًا بعينها، فخرج منها ببدنه، وترك فيها متاعه وأهله: كان حانثًا، وإن أخذ في النَّقلة ساعة حلف، حتى نقل متاعه كله منها: برَّ في يمينه).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ الأيمان محمولةٌ على المتعارف، وذلك لأن المتعارف من الأمور كالمنطوق بها في الأيمان.
والدليل على ذلك: أنَّ من حلف أن لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض: لم يحنث، وقد سمى الله الأرض بساطًا.
стр. 3292
ومن حلف أن لا يجلس في السراج، فجلس في الشمس: لم يحنث، وقد سمى الله الشمس سراجًا، ونظائر ذلك كثيرة، فلم يحنث في شيء منها عند جميع الفقهاء، من حيث كان المتعارف من لفظ اليمين غيرها.
وإذا صح هذا الأصل، قلنا في السكنى: إن إطلاق اللفظ فيها في العادة إنما يتناول كون أهله ومتاعه في البيت المسكون، ألا ترى أن من كان قاعدًا في المسجد يصح له أن يقول: أنا ساكن في هذه الدار وإن لم يكن كائنًا فيها ببدنه في حال القول.
وروي "أنَّ النبي ﵊ لما دخل المدينة، أخذ أبو أيوب الأنصاري رَحْلَه، ونَقَلَه إلى بيته، ثم سأله جماعة من الأنصار أن ينزل عليهم، فقال النبي ﵊: المرء حيث رحله".
وروي عن عمر أنه قال: "من قدَّم ثِقله قبل وقت النفر، فلا حج له".
والمعنى فيه: أنه يصير في الحكم كأنه في الموضع الذي فيه رحله، فكأنه قد نفر قبل أن يحل النفر.
وقوله: "فلا حج له": يعني به نفي الفضل، لا نفي الأصل.
* قال أبو جعفر: (وإن أخذ في النقلة ساعة حلف، حتى نقل متاعه كله منها: برَّ في يمينه): لأن يمينه تناولت النقلة على هذا الوجه، إذ لا يمكنه غيرها.
стр. 3293
* (وإن ترك شيئًا من متاعه وإن قلَّ، فلم ينقله، ونراخى عن ذلك، فإن أبا حنيفة قال: قد حنث بذلك، وهو وقول محمد وأبي يوسف فيما رواه محمد).
وذلك لأن اليمين لما تناولت نقل المتاع، صار كمن حلف لينقلن هذا المتاع كله في هذا اليوم، فإذا لم ينقل جميعه: حنث.
* قال: (وقال أبو يوسف في غير رواية محمد: إن كان الذي خلفه من متاعه شيئًا يسيرًا مما لا تصلح به السكنى: لم يحنث).
ووجه ذلك: أنَّ اليمين إنما تناولت السكنى، ولا تحصل السكنى بترك مثله في الدار، فيبرُّ.
ألا ترى أنه لو قال: والله لا أسكن هذه الدار، وليس بساكن فيها، ثم ترك فيها ثوبًا أو دراهم: أنه لا يحنث؛ لأنه لم يصر ساكنًا بذلك.
وقد قالوا جميعًا، إنه لو حلف: ليأكلن هذه الرمانة، أو هذا الرغيف، فأكل الرمانة إلا حبة واحدة، وأكل الرغيف إلا ما ينتشر من يده: أنه قد برَّ في يمينه.
مسألة: [اليمين على لبس الثوب]
قال أبو جعفر: (من حلف لا يلبس ثوبًا بعينه، فاتَّزر به، أو اعتم به: حنث في يمينه، وإن كانت يمينه على ثوبٍ بغير عينه: لم يحنث حتى يلبسه كما تُلبس الثياب).
стр. 3294
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ اليمين إذا تعلقت بالعين، تناولتها على أي صفة حصل الفعل، وإذا تعلقت بالصفة، كانت على الصفة المعتادة، فإذا قال: والله لا ألبس ثوبًا: فهذا على اللبس المعتاد، لأن الأيمان محمولة على المتعارف، وإذا قال: هذا الثوب: فعلى أي وجه حصل لبسه: حنث؛ لأن اليمين تعلقت بالعين، والعين قد حصل فيها اللبس على وجه.
وعلى هذا قالوا: فيمن حلف: لا يدخل دارًا: أنها على الدار المبنية، ولو قال: لا أدخل هذه الدار: كانت اليمين متعلقة بها ما دامت تسمى دارًا بحال، فلو انهدمت وصارت صحراء، فدخلها: حنث.
ألا ترى أنه لو قال: لا أكلم هذا الشاب، فكلَّمه بعد أن صار شيخًا: أنه يحنث، ولو قال: لا أكلم شابًا، فكلَّم شيخًا: لم يحنث وإن كنا قد علمنا أنه كان شابًا، فهذا يبين الفرق بين اليمين المعقودة على العين، وبينما إذا عقدت على غير عين.
مسألة: [الحلف بعدم فعل شيء وهو متلبس به]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، فإن أخذ في نزعه ساعة حلف، فنزعه: لم يحنث، وإن تراخى عن ذلك: حنث، وكذلك الركوب والسكنى).
وذلك لأن الدوام على الركوب يسمى ركوبًا، وكذلك الدوام على اللبس والسكنى، ألا ترى أنك تقول: ركبتُها يومًا إلى الليل، وسكنتُها يومًا إلى الليل، وكذلك اللبس.
ويدل عليه أنك تقول: دَعْني أسكنها يومًا آخر، وأركبها ساعة أخرى.
قال أحمد: وقال زفر: قد حنث في يمينه عقيبها؛ لأنه قد حصل
стр. 3295
لابسًا بعد العقد إلى أن حصل نزعه.
وأبى سائر أصحابنا هذا الاعتبار؛ لأن الأيمان محمولة على المتعارف، وفي العادة أنَّ الإنسان إنما يحلف على ما يمكنه الامتناع منه، فلا ينصرف يمينه إلى ما لا يمكنه الامتناع منه، وبقاء الثوب عليه بعد اليمين إلى أن يتفق له النزع من غير تفريط، مما لا يدخل تحت اليمين، إذ لا يمكنه الامتناع منه.
[مسألة:]
قال: (ومن حلف لا يدخل دارًا هو فيها ساعة حلف، لم يحنث حتى يخرج منها، ثم يدخلها بعد).
وذلك لأن الدخول اسمٌ للانفصال من خارج الدار إلى داخلها، كما أنَّ الخروج اسم للانفصال من داخلها إلى خارجها.
ولو أنَّ رجلاً حلف لا يخرج من هذه الدار، وهو خارج منها: لم يحنث ببقائه خارج الدار، حتى يدخلها، ثم يخرج منها، ألا ترى أنه لا يصح أن يقول للخارج: أخرج من هذه الدار، ولا يصح أن يقال للداخل: أدخلها، وليس كالسكنى واللبس والركوب لما بيَّنَّا.
مسألة: [حلف على عدم فعل شيء، ثم فعله غيره بأمره]
قال أبو جعفر: (ولو حلف لا يطلق امرأته، ولا يعتق عبده، ولا يتزوج، وأمر غيره، ففعل: فإنه حانث).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ كل شيء من هذه الأقوال يتعلق
стр. 3296
حكمه بالآمر دون المأمور، فإن الآمر هو الفاعل له في الحكم، فيحنث في يمينه إذا أمر به غيره، ففعل، فمن ذلك الطلاق، والعتاق، والتزويج؛ لأن الطلاق لا يصح إيقاعه إلا من جهة الزوج؛ لأن الأجنبي لا يملك ذلك بحال، وكذلك العتق، والتزويج لا يتعلق حكمهما إلا بالمالك دون الوكيل.
ألا ترى أنَّ الوكيل إذا طلق كان نقصان العدد، ووقوع التحريم متعلقًا بالزوج، وإذا أعتق كان الولاء للآمر دون الوكيل، وإذا تزوج كان الذي يملك البضع ويلزمه المهر هو الزوج دون الوكيل.
وكذلك قالوا فيمن حلف أن لا يهب هذا العبد لفلان، فأمر غيره، فوهبه له: أنه حانث؛ لأن حكم عقد الهبة متعلق بالآمر دون الوكيل، ألا ترى أن حق الرجوع يثبت له دون الوكيل.
وليس كذلك البيع والشراء والإجارة إذا حلف أن لا يفعله، فأمر به غيره، ففعل: لم يحنث، من قِبَل أن حكم عقد البيع، يتعلق بالعاقد دون الآمر؛ لأنه هو الذي يلزمه الثمن إن كان مشتريًا، ويثبت له الثمن إن كان بائعًا دون الآمر، فلما كانت حقوقه متعلقه فيما بينهما دون الآمر، كان هو الفاعل له في حكم اليمين دون الآمر.
* قال أبو جعفر: (فإن قال: عنيت أن أليَ أنا ذلك بنفسي: دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء).
وإنما دين فيما بينه وبين الله تعالى، من قبل أنه يحتمل أن يريد بقوله: لا أطلق: أن لا ألفظ بالطلاق، ومتى ما كان للكلام وجه في الاحتمال،
стр. 3297
صدق فيما بين وبين الله تعالى.
وإنما لم يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر غير ما ادعى من النية، إذ كان حكم الطلاق متعلقًا به، لا يصح وقوعه إلا من جهته، ومتى ما ادعى صرف الكلام عن ظاهره بنيةٍ لا نعلمها: لم يصدق عليه.
* قال أبو جعفر: (وقد قال أبو يوسف ومحمد: إذا حلف لا يضرب عبده، أو لا يذبح شاته، فأمر إنسانًا ففعل ذلك، وقال: عنيت أن لا أليَ ذلك بنفسي: دين في القضاء).
قال أحمد: هذا يحنث فيه إذا أمر غيره، ولم تكن له نية، وكذلك قالوا: في خياطة الثوب، وبناء الدار ونحوهما؛ لأن هذه الأشياء ليس يتعلق بها حقوق، فتعلق حكمها بالآمر في باب سقوط الضمان عن الفاعل.
ومن جهة أخرى: إنه قد يقال: ضرب الأمير عبده، وضحَّى فلان شاته، وإنما أمر غيره ففعله.
وإذا قال: عنيت أن لا أليَه بنفسي: صُدق في القضاء؛ لأنه لم يفعل المحلوف عليه في الحقيقة، بل الفاعل غيره، وقد يصح هذا الفعل من جهة غيره بغير أمره، وإنما أحنثناه إذا لم تكن له نية، لجريان العرف بإضافة ذلك إليه، فإذا نوى حقيقة اللفظ: صُدِّق في القضاء.
وليس كذلك الطلاق، والعتق، والتزويج؛ لأنها لا تصح من جهة الفاعل دون الآمر، فلا يثبت له حكم بحال إلا بالآمر، فلذلك لم يُصدق فيه في القضاء.
стр. 3298
مسألة: [حلف بالطلاق إن أكل، ثم قال عنيت طعامًا دون آخر]
قال أبو جعفر: (ومن حلف بعتق عبده، أو بطلاق امرأته أن لا يأكل ولا يشرب، وقال: عنيتُ طعامًا دون طعام، أو شرابًا دون شراب، أو لباسًا دون لباس: لم يدين في القضاء، ولا فيما بين وبين الله تعالى).
قال أحمد: هذا الضرب من الأيمان على ثلاثة أوجه:
* أن يُطلق لفظًا عامًا في مسميات، ثم يدعي تخصيص ما ليس في لفظه، مثل قوله: لا آكل، فالذي في لفظه هو الفعل، فإذا قال: عنيت طعامًا دون طعام: فإنما ادعى تخصيص ما ليس في اللفظ؛ لأنه ليس في لفظه: طعام: فلا تعمل نيته في تخصيصه، فصارت نيته لغوًا، لأن التخصيص والعموم إنما يكون في الألفاظ، فأما ما لم يلفظ به، فلا يصح أن يقال فيه خصوص ولا عموم، فلذلك صارت نيته لغوًا في تخصيص بعض الطعام دون بعض، إذ ليس في لفظه: طعام، فيخصه بالنية، وإنما الذي في لفظه: الأكل، وهو وإن انتظم الطعام من جهة المعنى، فلم يقتضه من جهة اللفظ، وقد بيَّنَّا أنَّ اعتبار العموم والخصوص إنما يصح في الألفاظ.
* وضرب ثان: وهو أن يدعي تخصيص لفظ يقتضي ظاهره العموم من غير دلالة من العرف، والحالُ يدل على خصوصه: فلا يصدق في القضاء.
وذلك كقوله: إن أكلت طعامًا أو شربت شرابًا فعبدي حرٌّ، وقال:
стр. 3299
عنيتُ طعامًا دون طعام، أو شرابًا دون شراب: فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه ادعى تخصيص الملفوظ به وهو الطعام، ولا يصدق في القضاء.
لأن علينا الحكم بما ظهر من لفظه، والذي ادعاه من نية التخصيص لا دلالة لنا عليه، فلا جائز أن نترك دلالة اللفظ بلا دلالة أخرى، فلذلك لم يصدق في القضاء، وصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن المخاطب قد يجوز أن يُطلق لفظ العموم، ومراده الخصوص، كقول الله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾، والمراد بعضهم، وقال: ﴿وأحل الله البيع﴾، والمراد البعض، ونظائر ذلك كثيرة.
فإذا كان محتملاً: صدقناه فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الله مطلع على نيته، عالمٌ بضميره، ولم نصدقه في القضاء؛ لعدم الدلالة على نيته.
* والضرب الثالث: أن يُطلق لفظ عمومٍ، وتقارنه دلالة الحال والعرف في إيجاب تخصيصه، فلا تكون يمينه في هذا الموضع إلا خاصة إذا لم تكن له نية.
ويكون تخصيصه بدلالة العرف على وجهين:
أحدهما: أن يكون الاسم نفسه خاصًا في العرف، نحو اللحم إذا أُطلق: لم يتناول السمك، فالاسم نفسه مخصوص يتناول في العرف بعض ذلك دون بعض.
стр. 3300
وقد يكون الاسم عامًا في العرف، والمعنى خاصًا، نحو قوله: لا أكل رأسًا، فاسم الرأس عام في رأس الشاة، ورأس الجرادة والعصفور، لا يختص في العرف ببعض ذلك دون بعض.
ألا ترى أنَّ رأس الجرادة والعصفور لا يسميان بغير الرأس، ولكن المعنى خاص في العرف؛ لأن مقاصد الناس فيه رأس الشاة.
وأما تخصيصه بدلالة الحال: فكقوله لعبده وقد أراد أن يخرج: إن خرجت فأنت حرٌّ، وكقوله للقائل: تغدَّ عندي اليوم، فيقول مجيبًا له: إن تغديتُ فعبدي حرٌّ: فهذا على ذلك الغداء بعينه دون غيره، وتكون دلالة الحال عليه كشرطه في اللفظ.
مسألة: [حلف ألا يدخل بيتًا فدخل الكعبة أو مسجدًا]
قال أبو جعفر ﵀: (ومن حلف لا يدخل بيتًا، فدخل الكعبة، أو مسجدًا، أو بيعة، أو ظلة، أو دهليز دار: لم يحنث).
لأن هذه المواضع لا يتناولها اسم البيت على الإطلاق، وإنما يتناول البيوت المسكونة، كما لا يتناول اسم اللحم السمك، واسم السراج الشمس، والبساط الأرض وإن كان الله تعالى قد سمى الشمس سراجًا، والأرض بساطًا، كذلك الكعبة وإن سماها الله تعالى بيتًا، وسمى المساجد بيوتًا بقوله: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾، فإنه لا يسمى بيتًا في العرف،
стр. 3301
فلم يدخل في الأيمان؛ لأن الأيمان محمولة على المتعارف.
* قال أبو جعفر: (وإن دخل صفة: حنث).
قال أحمد: وإنما قال أصحابنا ذلك على حسب عاداتهم التي كانت بالكوفة حينئذ، وهم يسمون بيتًا في جوفه بيت آخر: صفة، وأما اسم: "الصفة": ببغداد، فلا يتناول البيت، ولا اسم البيت يتناول "الصفة".
مسألة: [من حلف لا يكلم فلانًا زمانًا]
قال: (ومن حلف لا يكلم رجلاً زمانًا، أو حينًا، فنوى وقتًا بعينه: كان كما نوى، وإن لم تكن له نية: فهو على ستة أشهر).
قال أحمد: الحين اسم للوقت، فقد يكون لأقصر الأوقات، كقوله: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾.
ويكون لأربعين سنة، نحو ما روي في قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ قيل في التفسير: أربعين سنة.
ويقع على سنة، ويقع على ستة أشهر.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن
стр. 3302
ربها﴾: أنه ستة أشهر، وروي عنه: سنة.
ومعلوم أنَّ الحالف لم يُرد بقوله: لا أكلمه حينًا: أقصر الأوقات، لعدم العرف بالحلف على مثله، ولا يراد به في العرف أيضًا: أربعون سنة، لأن من أراد الحلف على ذلك حلف على الأبد، فلا يخلو حينئذ أن يكون محمولاً على سنة، أو على ستة أشهر، والستة أشهر أولى بمعنى الآية؛ لأن من حين انقطاع الرطب إلى حدوثه يكون مثل هذه المدة، فكان حمله على ستة أشهر أولى.
والزمان مثل الحين، لأنهم لا يفرقون بينهما في العادة، بقول القائل: ما رأيتك منذ حين، ومنذ زمان، والمعقول من اللفظين معنى واحد.
* قال: (وكذلك: الزمان، والحين).
لأن اللفظ لما صار عبارة عن ستة أشهر، لم يختلف حينئذ حكمه إذا أدخل عليه الألف واللام، أو أسقطهما.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه دهرًا]
قال أبو جعفر: (وإن حلف لا يكلمه دهرًا وهو ينوي وقتًا بعينه: فهو على ما نوى؛ لأنه يجوز أن يريد به الوقت، فإن لم تكن له نية، فإن أبا حنيفة قال: لا أدري ما الدهر).
قال أحمد: معلومٌ الفرق بين الدهر والحين في العادة، قال الله تعالى حاكيًا عن المشركين: ﴿وما يُهلكنا إلا الدهر﴾، ولا يقوم مقامه الحين لو
стр. 3303
قالوا: وما يهلكنا إلا الحين، وقال الأفوه الأودي:
حتم الدهر علينا إنه .... ظلفٌ ما نال منا وجبار
ولو أقيم مقامه الحين، فقيل: حتم الحين علينا، لم يصح الكلام، وفسد المعنى، فعلمنا أنَّ الدهر مخالفٌ للحين.
وقد قال أبو يوسف ومحمد أيضًا: إنه لو قال: لا أكلمك الدهر: أنَّ ذلك على الأبد، ولو قال: لا أكلمك حينًا: كان على ستة أشهر.
فلما كان قوله: دهرًا: اسمًا لمعنى مجهول لم تقم الدلالة عنده على حقيقته، لم يُجب أبو حنيفة فيه بشيء، وليس عليه في هذا مسألة؛ لأنه يقول: لم يبن لي معنى الاسم.
وأبو يوسف ومحمد أجرياه مجرى قوله: حينًا وزمانًا؛ لأن القائل قد يقول: ما رأيتك منذ دهر، كما يقول: ما رأيتك منذ زمان.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه الدهر]
قال أبو جعفر: (وإن حلف أن لا يكلمه الدهر، فإن محمدًا روى عن أبي يوسف: أنه كالحين والزمان، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنَّ ذلك على الأبد).
قال أحمد: المشهور من قولهم: أنَّ الدهر بالألف واللام: على الأبد، قد ذكره محمد في "الجامع الكبير"، ولم يذكر فيه خلافًا.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يقول: إن قول أبي حنيفة في:
стр. 3304
الدهر، و: دهرًا واحدًا: أنه لم يُجب فيهما بشيء، والغالب كلام الناس أنَّ الدهر على الأبد، يقال: فلان يصوم الدهر: يعنون الأبد.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه بعيدًا أو قريبًا]
قال أبو جعفر: (ولو حلف أن لا يكلم رجلاً إلى بعيد: كانت يمينه على أكثر من شهر).
قال أحمد: المشهور من قولهم إذا قال: لا أكلمك مليًا أو طويلاً: أنه على شهر فصاعدًا.
وروى مُعلَّى عن أبي يوسف: الوقت في ذلك شهر ويوم، فعلى المشهور من قولهم ينبغي أن يكون: إلى بعيد: إلى شهر.
وهذا إذا لم تكن له نية، فإن كانت له نية: فهو على ما نوى.
وإنما جعلوه شهرًا اجتهادًا؛ لأن الدنيا كلها قريب عاجل، إلا أنَّ في العرف أنَّ ما دون الشهر ليس ببعيد، وجعلوا الشهر في حيِّز البعيد في العادة في آجال الديون، وفرض نفقات الزوجات والإجارات الشهر فصاعدًا، وليس يكاد يوجد أقل من شهر إلا شاذًا نادرًا.
مسألة: [إذا حلف أن لا يكلمه إلى قريب]
(وإن حلف أن لا يكلمه إلى قريب: كانت يمينه أقل من شهر، إلا أن يعني غيره)؛ لما وصفناه.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه عُمرًا]
قال: (وإن حلف أن لا يكلم رجلاً عُمُرًا، فقد روي عن أبي يوسف
стр. 3305
أنه مثل الحين).
لأن العمر اسم لوقتٍ مبهم، فأقرب الأوقات به شبهًا هو الحين، إذ كان اسمًا لوقت مبهم، قد يتناول الوقت القضير في حال، والطويل في أخرى، ألا ترى أنك تقول: كان فلان قصير العمر، إذا مات وهو صغير، وفلان طويل العمر، إذا عاش طويلاً.
قال: (وروي عن أبي يوسف أنه قال: هو على يوم واحد، إلا أن يعني غير ذلك، فيكون على ما عنى).
قال أحمد: وهو اجتهاد، وغالب ظن.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه حُقبًا]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يكلم رجلاً حُقبًا، فإن الحُقب: ثمانون سنة).
قال أحمد: روي في التفسير في قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾، أن الحقب: ثمانون سنة.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه أيامًا كثيرة]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يكلم رجلاً أيامًا كثيرة، فإن أبا حنيفة كان يقول: أكثر الأيام: عشرة أيام، وقال أبو يوسف ومحمد: أكثرها: سبعة).
قال أحمد: أكثر ما يتناوله هذا الاسم إنما هو عشرة؛ لأنك تقول:
стр. 3306
بعد العشرة: أحد عشر يومًا، فإذا قال: أيامًا كثيرة: كان على عشرة.
وفي قول أبي يوسف ومحمد على أيام الجمعة؛ لأن انقضاء الجمعة يوجب تكرار الأيام.
مسألة:
قال: (ولو حلف لا يكلمه الأيام: فهو على هذا الاختلاف).
قال أحمد: لم يختلفوا أنه لو قال: لا أكلمه أيامًا: أنَّ ذلك على ثلاثة أيام؛ لأن ذلك أقل ما يتناوله اسم الأيام، لأنك تقول: يومان وثلاثة أيام، فإذا دخلت عليها الألف واللام، كان عند أبي حنيفة: على عشرة أيام؛ لأنه يقول: ينبغي أن يكون لدخولهما فائدة، وهو تكثير العدد، واستيعاب ما يتناوله الاسم منه، وإن شئت قلت: للجنس، فيستوعبه أجمع، وأكثر ما يتناوله الاسم من هذا الجنس: عشرة.
وفي قولهما: على أيام الجمعة.
مسألة: [إذا حلف لا يكلمه الشهور]
قال: (ولو حلف لا أكلمه الشهور، فهي على عشرة أشهر في قول أبي حنيفة)؛ للعلة التي وصفنا.
(وفي قولهما: اثنا عشر شهرًا)؛ لأنها تتكرر بعد الاثنى عشر، كما قالا في الأيام، لأنها على أيام الجمعة.
وقال الله تعالى: ﴿إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا﴾.
стр. 3307
مسألة: [حلف لا يكلمه جُمعًا]
(والجمع: على عشر جُمع في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: على الأبد).
قال أحمد: يعني بقوله: الأبد: أيام الجُمعات على الأبد، ولا يدخل ما بين الجُمع من الأيام، وقد بيَّنه محمد في الجامع الكبير.
فأما أبو حنيفة: فإنه مرَّ على الأصل الذي قدَّمنا.
وأما أبو يوسف ومحمد: فإنه لم يكن للجُمع حال معهودة يرجع الكلام إليها، فتناولت جُمع الأبد.
مسألة: [حلف ألا يكلم الناس]
قال أبو جعفر: (ومن حلفك أن لا يكلم الناس، فكلَّم واحدًا منهم: حنث).
وذلك لأن الناس اسمٌ للجنس، وهو لا يمكنه استيعاب جميع الناس بالكلام، فتناول الواحد منهم؛ لأن اسم الجنس يتناول الجزء منه إذا تعذَّر استيعاب الكلَّ.
قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾: عُقِل من اللفظ تحريم الجزء منه.
والدليل على أنَّ الناس للجنس: دخول الألف واللام عليه؛ لأنهما
стр. 3308
يدخلان إما للجنس، أو للمعهود، فإذا لم يكن هناك معهود، فهما للجنس، وقد بيَّنَّا هذا المعنى في "شرح الجامع الكبير".
مسألة: [حلف لا يكلم ناسًا]
قال أبو جعفر: (وإن حلف لا يكلم ناسًا: لم يحنث حتى يكلم ثلاثة منهم).
قال أبو بكر: وذلك لأن: ناسًا: اسمٌ للجمع، وليس فيه دلالة الجنس، فهو على أدنى الجمع، وهم ثلاثة.
مسألة: [حلف أنه لا يأتدَّم]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يأتدَّم: فإن الإدام في قول أبي حنيفة وأبي يوسف: كل ما اصطُبغ به، والملح إدام، والشواء ليس بإدام.
وقال محمد: كل شيء الغالب عليه أنه يؤكل بالخبز، فهو إدام).
قال أحمد: أصل الإدام في اللغة: هو الجمع، يقال: آدم الله بينكما: أي جمع الله بينكما.
وقال النبي ﷺ : "إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة، فلينظر إليها قبل أن يتزوجها، فإنه أحرى أن يُؤدم بينهما".
стр. 3309
يعني يؤلَّف بينهما.
ومع ذلك؛ فقد اتفق الفقهاء على أنه ليس كل شيء جمع إلى شيء كان إدامًا له، ألا ترى أنه لو جمع لقمة إلى أخرى، فأكلهما لم يكن مؤندمًا، فصحَّ أنَّ اليمين تناولت جمعًا على وصف، وهو أن تُجمع إليه قبل الأكل، فيصير مستهلكًا فيه، حتى يصير مجموعًا إليه غير متميز منه، نحو الخل والملح ونحوهما.
وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "نعم الإدام الخلُّ".
فما كان بهذا الوصف فهو إدام، وما عداه فلم يثبت أنه مراد باليمين، فلا يدخل فيها بالشك.
فإن قيل: روُي عن النبي ﵊ "أنه وضع تمرة على كسرة، فقال: هذه إدام هذه".
قيل له: سماه إدامًا بالتقييد، لا على الإطلاق.
وأيضًا: لا نعلم أحدًا من الفقهاء جعل التمر إدامًا.
стр. 3310
وقد قال الله تعالى: ﴿لتأكلوا منه لحمًا طريًا﴾، يعني السمك، ومع ذلك لا يدخل في اليمين إذا حلف: أن لا يأكل لحمًا.
وسمى الله الشمس سراجًا، ولا يدخل في حلفه: أن لا يقعد في السراج.
فإن قيل: روي عن النبي ﵊ أنه قال: "سيد إدام الدنيا والآخرة: اللحم".
قيل له: وقوع اسم الإدام عليه لا يُدخله في اليمين ما لم يكن متعارفًا.
ولمحمد: أن من يبيع البيض والجبن ونحوهما يسمى إداميًا، فدل هذا على أنهما أُدُم.
стр. 3311
مسألة: [حلف أن لا يضرب رجلاً]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يضرب رجلاً: كان ذلك على ضربه إياه في الحياة).
قال أحمد: وذلك لأن المقصود من الضرب الإيلام، وذلك معدوم بعد الموت.
مسألة: [حلف لا يغسل رجلاً]
قال: (ومن حلف لا يغسل رجلاً: كان ذلك على الحياة والموت).
لأن المقصد فيه التنظيف، وهو موجود بعد الموت.
قال النبي ﵊: "من غسل ميتًا، فليغتسل".
مسألة: [حلف لا يخرج إلى مكة]
قال: (ومن حلف أن لا يخرج إلى مكة، فخرج من بلده يريدها: حنث).
لأن الخروج اسمٌ للانفصال من البلد إلى خارجه، وقد وُجد، ألا ترى أنك تقول: خرج الحاج إلى مكة في أول ذي القعدة، ويكون إطلاقه صحيحًا.
مسألة: [حلف لا يأتي مكة]
قال: (ولو حلف لا يأتي مكة: كان ذلك على دخولها).
стр. 3312
لأنك تقول: أتيتُ فلانًا، فيُعقل منه حضوره عنده.
مسألة: [حلف لا يصوم، ثم أصبح صائمًا]
قال: (ومن حلف أن لا يصوم، ثم أصبح صائمًا، فأفطر: حنث).
لأن الصوم هو الإمساك، والبقاء عليه دوام على ذلك الجزء، وحكمه حكمه، فحنث بأول جزء منه.
مسألة: [حلف: لا يصلي]
قال: (ولو حلف أن لا يصلي: لم يحنث حتى يصلي ركعة وسجدة).
وذلك لأن الصلاة أفعال متغايرة مختلفة، وأقل ما يتناوله الاسم منه: فعل ركعة وسجدة؛ لأنها تشتمل على أفعال الصلاة، وما بعدها تكرار لها، فلا اعتبار به في الحنث، كما لم يعتبر في الصوم بقاؤه على الإمساك إلى الليل، إذ كان ما بعد الجزء الأول كأنه تكرار له، ودوام عليه.
مسألة: [حلف لرجل أن يأتيه إن استطاع]
قال: (ومن حلف لرجل أن يأتيه إن استطاع: فذلك على الصحة إن لم يمرض، أو يمنعه سلطان، أو يجيء من لا يقدر أن يأتيه معه).
وذلك لأن الصحيح مستطيعٌ. قال الله تعالى: ﴿وسيحلفون بالله لو
стр. 3313
استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾.
فكذبهم الله في قولهم إنهم غير مستطيعين مع وجود الصحة، وزوال العذر، وإذا كان كذلك، كان حكم اليمين محمولاً عليه؛ لأنه حقيقة اللفظ.
* قال أبو جعفر: (فإن عنى استطاعة القضاء: دين في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى).
قال أحمد: إنما يُصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يصدق في القضاء، هذا الذي نعرفه من مذهبهم، وأما ما ذكره أبو جعفر من أنه يُدين في القضاء لا نعرفه من مذهبهم.
وإنما صدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن معناه حينئذ: إن كان في معلوم الله وقوع ذلك، هذا معنى استطاعة القضاء، وقد يطلق نفي الاستطاعة على ما ليس في المعلوم وقوعه مجازًا، وذلك لأن ما لا يستطيعه لا يقع من فعله، كما أن ما ليس في المعلوم وقوعه لم يقع، فدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال اللفظ له، ولم يُصدق في القضاء؛ لأن الحقيقة خلافه.
مسألة: [حلف لا يتكلم فقرأ القرآن]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن، فإن قرأه في الصلاة: لم يحنث، وإن قرأه في غير الصلاة: حنث).
وذلك لأن من قرأ القرآن فقد تكلم بالقرآن، كما أنه إذا قرأ حديث
стр. 3314
رسول الله ﵊ فقد تكلم به، وإذا قرأ الشعر، فقد تكلم به، فكان القياس أن يحنث في الوجهين جميعًا، قرأه في الصلاة أو في غيرها، لكنه ترك القياس إذا قرأه في الصلاة؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بهذه اليمين منع نفسه من الصلاة، فصارت حال الصلاة مستثناة من يمينه، لما وصفناه.
مسألة: [حلف لا يلبس حُليًا]
قال أبو جعفر: (من حلف أن لا يلبس حُليًا، فلبس خاتم فضة: لم يحنث، وليس ذلك بحُلي).
وذلك لأنه لا يقال للرجل إذا كان في إصبعه خاتم فضة: أنه قد لبس الحلي، وقد نُهي الرجل عن لبس الحلي، وابيح له لبس خاتم الفضة، فدل ذلك على أنه ليس بحلي.
مسألة: [حَلَفَتْ لا تلبس حُليًا]
قال: (ومن حلف من النساء: لا تلبس حليًا، فلبست لؤلؤًا: لم تحنث إلا أن يكون فيه ذهب، فتحنث، وهو قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: اللؤلؤ وحده حُلي، وقال محمد: الفضة وحدها حُلي).
لأبي حنيفة: أنه قد ثبت أنَّ الذهب حلي بقوله تعالى: ﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ﴾، ولا يجوز أن يكون المراد اللؤلؤ؛ لأنه لا يوقد عليه في النار.
стр. 3315
وقال: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حُليهم عجلاً جسدًا لد خوار﴾.
وكانوا اتخذوه من ذهب، فثبت أنَّ اسم الحلي يتناول الذهب.
وأما اللؤلؤ فإنه لا يسمى حُليًا على حدة، ألا ترى أنَّ بائعه لا يسمى بائع حُلي، ولا يُتعارف حُليًا وحده.
ولأبي يوسف ومحمد: أنَّ الله تعالى قد سماه حليًا بقوله: ﴿وتستخرجون حلية تلبسونها﴾.
ولأبي حنيفة: أنَّ شرط دخوله في اليمين مع وقوع الاسم عليه، مقارنةُ العرف له، ألا ترى أنَّ الله تعالى قد قال: ﴿تأكلون لحمًا طريًا﴾، ولو قال: لا آكل لحمًا، لم يدخل فيه السمك وإن سماه الله لحمًا، لعدم العرف في وقوع الاسم.
مسألة: [حلف لا يتغدى، فشرب سويقًا]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يتغدى، فشرب سويقًا، فإن كان من قوم غداؤهم ذلك: حنث، وإن كان ممن لا يَعُدُّ ذلك غداء: لم يحنث).
وذلك لأن الأيمان محمولة على المتعارف، وغداء كل قوم على
стр. 3316
حسب ما يتعارفونه، فيكون المتعارف كالمنطوق به في اليمين.
مسألة: [بيان وقت الغداء]
قال: (وقت الغداء: من طلوع الفجر إلى زوال الشمس).
لأن الغدوة اسم لأول النهار، وتقول: غدوت إلى فلان، تعني مضيت إليه في أول النهار، وقال النبي ﷺ لعرباض بن سارية وقد دخل عليه: "تعال إلى الغداء المبارك وهو يتسحر".
فسمى السحور غداء، لقربه من وقت الغداة، وهو إلى وقت الزوال، لقول الله تعالى: ﴿وظلالهم بالغدو والأصال﴾، فقيد الغدو إلى وقت الزوال، والآصال بعده.
مسألة: [بيان وقت العشاء]
قال: (ووقت العشاء: من زوال الشمس إلى أن يمضي أكثر الليل).
وذلك لما روى أبو هريرة "أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشيي: الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين".
فسمى صلاة الظهر صلاة العشي.
وإنما كان إلى أن يمضي أكثر الليل؛ لأن بعد مضي الأكثر يكون السحر، ومعلوم في العادة الفرق بين العشاء وبين وقت السحر.
стр. 3317
مسألة: [بيان وقت السحر]
قال: (ووقت السحر: إذا مضى الأكثر من الليل إلى طلوع الفجر).
لأنه كذلك في اللغة والعادة.
مسألة: [حلف لا يخرج من المسجد]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يخرج من المسجد، فأمر إنسانًا فحمله حتى أخرجه منه: حنث، وإن أخرجه منه مكرهًا: لم يحنث).
قال أحمد: إذا أمر إنسانًا فأخرجه: فهو الخارج، كما لو ركب دابة، فخرج كان هو الخارج، وإذا كان مكرهًا: فهو مخرجٌ، وليس بخارج.
مسألة: [حلف لا يضرب امرأته]
قال: (ومن حلف لا يضرب امرأته، فمدَّ شعرها، أو خنقها، أو عضها: حنث).
وذلك لأن الضرب عبارة عن إيلام يوصله إليها بفعل منه يتصل بها، فإذا فعل ذلك: فقد حصل معنى الضرب.
مسألة: [حلف لا يهب لرجل شيئًا]
قال: (ومن حلف أن لا يهب لرجل شيئًا، أو لا يتصدق عليه، فوهب له، أو تصدق به عليه، فلم يقبل ذلك منه: حنث).
стр. 3318
وذلك لأن عقد الهبة إنما هو إيجاب من جهة الواهب، ليس هو عقد على شيء من جهة الموهوب له، فإذا عقد، فقد فعل المحلوف عليه، فحنث، ولا يعتبر فيه قبول الموهوب له.
ألا ترى أنَّ الإباحة لما كانت من جهة المبيح، من غير أن يتناول شيئًا من جهة المباح له، كان عقد اليمين فيها على قوله: قد أبحتُ لك، دون غيره، كذلك الهبة والصدقة.
مسألة: [حلف لا يبيعه]
قال: (ولو حلف أن لا يبيعه، أو أن لا يقرضه شيئًا، فباعه إياه، أو أقرضه؛ فلم يقبل: لم يحنث).
قال أحمد: وذلك لأن عقد البيع يتناول البدلين جميعًا، فاحتيج فيه إلى قبول من جهة البدل الآخر، وكذلك القرض.
مسألة: [حلف لا يأكل لحمًا]
قال: (ومن حلف أن لا يأكل لحمًا، فأكل كبدًا أو كرشًا: حنث).
стр. 3319
وذلك لأنه لحم على الحقيقة وإن اختص باسم العضو، وهو كقولك: العضلة، والضلع، واختصاصه بهذا الاسم غير مخرجه من أن يكون لحمًا، ألا ترى أنه يُتخذ منه ما يتخذ من اللحم، ويصلح لما يصلح له اللحم.
وليس كذلك الشحم والإلية؛ لأن الشحم لا يسمى لحمًا، ولا يصلح لما يصلح له اللحم، الا ترى أنه يُصهر فُيذاب، واللحم لا يصلح لذلك، فثبت بذلك مفارقتهما لمعنى اللحم من الوجه الذي ذكرنا.
مسألة: [حلف لا يشتري رأسًا]
قال: (ومن حلف لا يشتري رأسًا، فإنه عند أبي حنيفة على رؤوس البقر والغنم خاصة، وقال أبو يوسف ومحمد: على الغنم خاصة).
قال أحمد: حمل أبو حنيفة ﵀ الأمر فيه على المعتاد والمتعارف الذي كان في زمانه من أكل الرؤوس، وقد كان عامة الناس يأكلون رؤوس البقر، كما يأكلون رؤوس الغنم، وهذه العادة جارية بعدُ في كثير من البلدان.
ووجه قولهما: أنَّ العادة كانت غير جارية في وقتهما بأكل رؤوس البقر، فانصرفت اليمين إلى رؤوس الغنم خاصة.
مسألة: [حلف لا يشتري شحمًا]
قال: (ومن حلف أن لا يشتري شحمًا: فهذا على شحم البطن خاصة
стр. 3320
في قول أبي حنيفة).
لأن شحم الظهر لا يتعارفه الناس شحمًا على الإطلاق، ألا ترى أنه يباع وشترى مع اللحم، وإنما هو لحم سمين.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما﴾، وهذا يدل على أنه شحم.
قيل له: هو كذلك، إلا أن الإطلاق لا يتناوله في العرف، وقد قال تعالى: ﴿لتأكلوا منه لحمًا طريًا﴾، يعني السمك.
ولو حلف لا يشتري لحمًا، فاشترى سمكًا: لم يحنث، لوجود العرف بخلافه.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: إن أكل من شحم الظهر: حنث أيضًا).
لأنه شحمٌ في الحقيقة، لا فرق بينه وبين شحم البطن في المعنى.
مسألة: [حلف لا يأكل هذا الدقيق]
قال: (ومن حلف أن لا يأكل هذا الدقيق، فصُنع خبزًا، فأكله: حنث).
وذلك لأنه ليس في العادة أكل الدقيق على هيئته، وفي العرف إطلاق اللفظ بأن نأكل دقيق كذا وكذا، ويراد به الخبز، فانصرفت اليمين إليه.
стр. 3321
مسألة: [حلف لا يأكل هذه الحنطة]
قال: (ولو حلف أن لا يأكل هذه الحنطة: لم يحنث في قول أبي حنيفة حتى يقضمها قضمًا، ويحنث في قول أبي يوسف ومحمد إن قضمها، أو أكلها خبزًا).
قال أحمد: الأصل في هذه المسألة ونظائرها عند أبي حنيفة: أنَّ لفظ اليمين متى انتظم حقيقة متعارفة، ومجازًا متعارفًا، كانت اليمين منصرفة إلى الحقيقة دون المجاز؛ لأنها قد حصلت على الحقيقة، فانتفى دخول المجاز فيها، لاستحالة كون لفظة واحدة حقيقة ومجازًا.
وإذ ثبت ذلك، وكانت الحنطة مأكولة في العرف على هيئتها، مقلوة ومطبوخة، انتظمت اليمين الحقيقة لا محالة، فانتفى دخول المجاز فيها وإن كان في العرف أنهم يقولون: أكلنا من حنطة موضع كذا، يريدون به الخبز.
وعندهما: دخل في اليمين الأمران جميعًا؛ لوجود التعارف فيهما.
مسألة: [حلف بالمشي إلى بيت الله]
قال: (ومن حلف بالمشي إلى بيت الله: فإنه يمشي، وعليه حجة أو عمرة، وإن شاء ركب وأراق دمًا).
قال أحمد: كان القياس عندهم: أن لا يلزمه بهذا القول شيء؛ لأن المشي إلى البيت في نفسه ليس له أصل في الوجوب، وكل ما لا أصل له في الوجوب: لا يلزم بالنذر.
стр. 3322
ألا ترى أنه لو قال: لله عليَّ أن أمشي إلى مسجد الجامع: لم يلزمه بهذا القول شيء؛ لأن المشي إلى المسجد الجامع ليس بواجب في نفسه، إلا أنهم تركوا القياس فيه، وألزموه الإحرام؛ لما روي "عن ابن عباس ﵄ في قصة أخت عُقبة بن عامر، حين نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها رسول الله ﷺ أن تركب، وتُهدي، وتحج".
ولأنه قد جرت عادة الناس في ذلك بإيجاب إحرام، فصار اللفظ عبارة عن إيجاب إحرام في العرف، فلزمه.
فصل: [في ذكر الفرق بين بعض الصيغ]
قال أحمد: ولا خلاف بين أصحابنا في قوله: عليَّ المشي إلى بيت الله، وإلى مكة، وإلى الكعبة: أنه يوجب إحرامًا.
* ولا خلاف بينهم أيضًا: أنه لو قال: عليَّ المشي إلى الصفا والمروة، أو قال: عليَّ الذهاب إلى بيت الله، أو: الخروج إلى مكة: لم يلزمه شيء.
وحملوا حكم هذه الألفاظ على القياس، إذ لم يرد في تعلق حكم الإحرام بها سنة، ولا جرت عن الناس بإطلاقها عادة في إيجاب الإحرام.
* واختلفوا في قوله: عليَّ المشي إلى الحرم، أو: إلى المسجد الحرام، فقال أبو حنيفة: ليس عليه شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه إحرام.
стр. 3323
لأبي حنيفة: أن الذي جرت به العادة، قولهم: عليَّ المشي إلى البيت، ومكة، والكعبة، وما عدا ذلك فلم تجر به عادة، فهو محمول على القياس.
فإن قيل: لما لم يصل إلى المسجد الحرام، أو إلى الحرم إلا بإحرام؛ لأنه لا يجوز له دخول الحرم بغير إحرام، صار ذلك عبارة عن إيجاب إحرام.
قيل له: فينبغي أن يلزمه لو قال: عليَّ المشي إلى دار الندوة، أو: إلى دار الخيزران؛ لأنه لا يصل إليها إلا بإحرام، فلما لم يلزمه بذلك شيء باتفاق المسلمين، دلَّ على سقوط هذا الاعتلال.
* وإنما وجب عليه دم إذا ركب في نذره المشي إلى البيت؛ لما في حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﵊ أمر أخت عقبة بن عامر أن تركب وتهدي هديًا".
وقد روي "أن النبي ﷺ أمرها بصوم ثلاثة أيام"، وهذا معناه عندنا أنها كانت أرادت اليمين بنذرها المشي، فلما لم تفِ به، لزمتها الكفارة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
مسألة: [حلف لا يدخل دارًا بعينها]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يدخل دارًا بعينها، فهُدمت حتى صارت صحراء، فدخلها: حنث).
стр. 3324
قال أحمد: قد بينا وجه هذه المسألة فيما تقدم، وقلنا إن اليمين منى تعلقت بالعين: كانت باقية ما دام الاسم باقيًا عليها على وجه، وقد بيناها أيضًا في "الجامع الكبير".
* قال: (ولو بُينت حمامًا، أو جعلت بستانًا، ثم دخلها: لم يحنث).
لأن الاسم قد زال عنها، حتى صار لا يسمى دارًا بحال، واليمين إنما تناولتها على أنها دار، ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل هذا التمر، فجعل منه ناطف، فأكله: لم يحنث؛ لزوال اسم التمر عنه.
مسألة: [حلف لا يدخل بيتًا بعينه]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يدخل بيتًا بعينه، فهُدم، فصار صحراء، ثم دخله: لم يحنث).
قال أحمد: البيت اسمٌ للبناء، وفي زوال البناء: زوال اسم البيت، وفي زوال الاسم: سقوط اليمين، وليس البيت كالدار؛ لأن زوال بناء الدار لا يزيل عنه اسم الدار، ويزيل اسم البيت.
مسألة: [حلف لا يأكل رطبة معينة]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يأكل هذه الرطبة، فأكلها بعد ما
стр. 3325
صارت تمرًا: لم يحنث).
لأن الاسم زائل، وتلك الرطوبة معنى مقصود باليمين، وفي زوالها: زوال اليمين.
وكذلك لو حلف أن لا يأكل هذا اللبن، فصُنع شيرازًا، ثم أكله: لم يحنث، للعلة التي وصفنا، وقد بينا هذه المسائل في "شرح الجامع الكبير".
مسألة: [حلف لا يكلم رجلاً يومًا بعينه أو ليلة بعينها]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يكلم رجلاً يومًا بعينه أو ليلة بعينها: فهو على بياض نهار ذلك اليوم، وسواد الليلة).
لأن اليوم عبارة عن بياض النهار، والليل عن سواد الليل، فلا يدخل فيه غيره.
مسألة: [حلف لا يكلمه يومًا]
قال: (ولو كان حلف لا يكلمه يومًا، فإن قال ذلك مع طلوع الفجر: كان ذلك على ذلك اليوم إلى غروب الشمس منه).
لما ذكرنا من أن اليوم عبارة عن بياض النهار، وقد أمكن استيفاؤه بكماله في هذا اليوم.
стр. 3326
* قال: (وإن كان ذلك في بعض النهار: كان على بقية ذلك اليوم والليلة، التي تليه إلى مثل الوقت الذي حلف فيه من اليوم الثاني).
وذلك لأن قوله: يومًا: يقتضي استيفاء يومٍ بكماله، وهو بياض النهار الكامل، وذلك لا يمكن في مسألتنا إلا بمجيء مثل الوقت الذي حلف فيه من اليوم الثاني، ودخل فيه الليل، لأنه توسط وقتين قد دخلا في اليمين، فدخل فيهما على وجه التبع، كما لو قال: لا أكلمك عشرة أيام، دخلت فيه الليالي المتوسطة للأيام.
مسألة: [حلف لا أكلمك ليلة]
قال: (وكذلك لو قال: لا أكلمك ليلة، فإن قاله عند غروب الشمس: فهو على سواد تلك الليلة، وإن قاله في بعض الليل: فإالى مثل الوقت الذي حلف فيه من الليلة الثانية).
للعلة التي وصفنا في اليوم.
مسألة: [حلف لا يكلمه يومين]
قال: (وإذا حلف لا يكلمه يومين، ولم ينوِ يومين بأعيانهما: فهو على يومين بليلتيهما، وكذلك إذا ذكر ليلتين: فهو عليهما بيوميهما).
وذلك لأن إطلاق لفظ جمعٍ من الأيام، يقتضي مثلها من الليالي، وإطلاق لفظ جمعٍ من الليالي، يقتضي مثلها من الأيام، كذلك حكمها في اللغة، وقد بينا ذلك في موضع قد تقدم ذكره في هذا الكتاب، فكرهنا الإطالة بإعادته.
стр. 3327
مسألة: [حلف بما لا يقدر على فعله]
قال أبو جعفر: (ومن حلف ليشربن الماء في هذا الكوز اليوم، فأُهراق قبل الليل: سقطت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحنث).
قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن اليمين المؤقتة، فإنما يتعلق انعقادها بآخر الوقت، لولا ذلك لسقط حكم التوقيت.
ألا ترى أنه لو قال: والل لأصعدنَّ السماء اليوم: أن يمينه تنعقد في آخر جزء من أجزاء اليوم، فيحنث عقيب انعقادها عند تعذر الفعل، وهو مضيُّ اليوم، ولو كانت منعقدة وقت القول، لحنث فيها حينئذ، لحصول العلم بتعذُّر الفعل، وفوات شرط البِرِّ.
وإذا صح ذلك رجعنا إلى مسألتنا، فقلنا هي مبنية على أصل لهم اختلفوا فيه، وهو قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز، فعبدي حرٌّ، وليس فيه ماء.
فقال أبو حنيفة ومحمد: لم تنعقد يمينه، لاستحالة شرب ماء معدوم في حال انعقاد اليمين.
ولو أحدث الله فيه ماء بعد ذلك، لم يكن هو الماء المحلوف عليه، فلما لم يكن هناك معنى تنعقد اليمين عليه: لم تنعقد، وبطلت.
* وقال أبو يوسف: يحنث؛ لأنه حلف أن يشرب ماء، فلم يشرب، ولم يعتبر أن يكون المحلوف عليه مما يستحيل فيه عقد اليمين، أو لا
стр. 3328
يستحيل، وقد بينا ذلك في "الجامع الكبير".
وليست هذه عندهم مثل قوله: إن لم أقتل فلانًا، فعبدي حرٌّ، وفلان ميت، فقال أبو حنيفة ومحمد: إن لم يعلم بموته: لم يقع العتق، وإن علم بموته: حنث، وعتق عبده.
وذلك لأن ما ليس في الكوز يستحيل شربه، فليس هناك معنى ينعقد اليمين عليه، وأما القتل، فإذا لم يعلم بموته فاليمين تناولت إتلاف الحياة التي كان عليها، ولم يعلم فوتها، وتلك الحياة قد فاتت يستحيل انعقاد اليمين عليها.
وإذا علم بموته: انصرفت يمينه إلى حياة يُحدثها الله تعالى فيه في الثاني فيتلفها بالقتل، وذلك معنى معقول يصير به الرجل مقتولاً لو وجد ذلك، فانعقدت يمينه، فلما علم تعذره، وفات شرط البرِّ فيها: حنث في يمينه.
وفي مسألة الكوز لو أحدث الله فيه ماء، لم يكن ذلك الماء المحلوف عليه، فلذلك اختلفا.
مسألة: [حلف بالتصدق بماله أو عتق ماليكه]
قال أبو جعفر: (ومن حلف بصدقة ماله أن لا يفعل شيئًا، أو بعتق مماليكه أن لا يفعل شيئًا: لم يدخل في ذلك من ماله إلا ما كان منه في ملكه يوم حلف، ولم يدخل فيه من مماليكه إلا من كان في ملكه يوم حلف).
стр. 3329
قال أحمد: وذلك لقول النبي ﵊: "لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم، ولا عتق فيما لا يملك ابن آدم".
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (ومن حلف بعتق مماليكه أن لا يفعل شيئًا، ففعله: عتق مماليكه، وأمهات أولاده، ومُدبروه، وما يملكه من الحصص مما كان من ذلك كله في ملكه يوم حلف، ولم يعتق مكاتبوه إلا أن يعنيهم).
وإنما دخل فيه أم الولد والمدبر، من قبل أن اسم المملوك يتناولهما على الإطلاق، ألا ترى أنه يطؤهما بملك اليمين، وقال الله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾.
وأيضًا: فإنهما في يد المولى وتصرفه، ولا يد لغيره عليهما، فصارتا بمنزلة غيرهما من مماليكه، وامتناع جواز بيعهما، لا يخرجهما من حكم المماليك، ألا ترى أن العبد المستأجر والمرهون لا يجوز بيعهما، ولم ينتف عنهما اسم المملوك على الإطلاق.
وأما المكاتب، فلا يتناوله اسم المملوك على الإطلاق، وأكثر أحكام المماليك زائلة عنه، ألا ترى أنها لو كانت مكاتبة، لم يملك المولى وطأها
стр. 3330
بملك اليمين، ولو وطئها لزمه عقرها، وأنها ليست في يد المولى وتصرفه، وأنها أولى بكسبها، وأرش يدها إذا قطعت من المولى، فدل ذلك على ما وصفنا.
وهذا نظير ما قالوا في الرجل يطلق امرأته طلاقًا بائنًا، ثم قال: نسائي طوالق، فلا تدخل في البائنة وإن كانت معتدة، ولها بعض أحكام الزوجات، ولو قصدها بالطلاق: طلقت، وكذلك المكاتب لا يدخل في إطلاق لفظ المماليك، وإذا قصده بالعتق عتق.
ولا يعترض على ما قلنا بما روي عن النبي ﵊: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم".
لأنا نقول هو عبد، ولا يدخل في إطلاق لفظ اليمين، كما أن السمك وإن سماه الله لحمًا، لا يدخل في إطلاق لفظ اليمين في الحلف على الامتناع من أكل اللحم.
مسألة: [حلف ألا يتسرَّى]
قال: (وإذا حلف أن لا يتسرَّى جارية).
следующие страницы →