← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

* قال: (وإن كان ذلك في بعض النهار: كان على بقية ذلك اليوم والليلة، التي تليه إلى مثل الوقت الذي حلف فيه من اليوم الثاني). وذلك لأن قوله: يومًا: يقتضي استيفاء يومٍ بكماله، وهو بياض النهار الكامل، وذلك لا يمكن في مسألتنا إلا بمجيء مثل الوقت الذي حلف فيه من اليوم الثاني، ودخل فيه الليل، لأنه توسط وقتين قد دخلا في اليمين، فدخل فيهما على وجه التبع، كما لو قال: لا أكلمك عشرة أيام، دخلت فيه الليالي المتوسطة للأيام. مسألة: [حلف لا أكلمك ليلة] قال: (وكذلك لو قال: لا أكلمك ليلة، فإن قاله عند غروب الشمس: فهو على سواد تلك الليلة، وإن قاله في بعض الليل: فإالى مثل الوقت الذي حلف فيه من الليلة الثانية). للعلة التي وصفنا في اليوم. مسألة: [حلف لا يكلمه يومين] قال: (وإذا حلف لا يكلمه يومين، ولم ينوِ يومين بأعيانهما: فهو على يومين بليلتيهما، وكذلك إذا ذكر ليلتين: فهو عليهما بيوميهما). وذلك لأن إطلاق لفظ جمعٍ من الأيام، يقتضي مثلها من الليالي، وإطلاق لفظ جمعٍ من الليالي، يقتضي مثلها من الأيام، كذلك حكمها في اللغة، وقد بينا ذلك في موضع قد تقدم ذكره في هذا الكتاب، فكرهنا الإطالة بإعادته.

стр. 3327

مسألة: [حلف بما لا يقدر على فعله] قال أبو جعفر: (ومن حلف ليشربن الماء في هذا الكوز اليوم، فأُهراق قبل الليل: سقطت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحنث). قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن اليمين المؤقتة، فإنما يتعلق انعقادها بآخر الوقت، لولا ذلك لسقط حكم التوقيت. ألا ترى أنه لو قال: والل لأصعدنَّ السماء اليوم: أن يمينه تنعقد في آخر جزء من أجزاء اليوم، فيحنث عقيب انعقادها عند تعذر الفعل، وهو مضيُّ اليوم، ولو كانت منعقدة وقت القول، لحنث فيها حينئذ، لحصول العلم بتعذُّر الفعل، وفوات شرط البِرِّ. وإذا صح ذلك رجعنا إلى مسألتنا، فقلنا هي مبنية على أصل لهم اختلفوا فيه، وهو قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز، فعبدي حرٌّ، وليس فيه ماء. فقال أبو حنيفة ومحمد: لم تنعقد يمينه، لاستحالة شرب ماء معدوم في حال انعقاد اليمين. ولو أحدث الله فيه ماء بعد ذلك، لم يكن هو الماء المحلوف عليه، فلما لم يكن هناك معنى تنعقد اليمين عليه: لم تنعقد، وبطلت. * وقال أبو يوسف: يحنث؛ لأنه حلف أن يشرب ماء، فلم يشرب، ولم يعتبر أن يكون المحلوف عليه مما يستحيل فيه عقد اليمين، أو لا

стр. 3328

يستحيل، وقد بينا ذلك في "الجامع الكبير". وليست هذه عندهم مثل قوله: إن لم أقتل فلانًا، فعبدي حرٌّ، وفلان ميت، فقال أبو حنيفة ومحمد: إن لم يعلم بموته: لم يقع العتق، وإن علم بموته: حنث، وعتق عبده. وذلك لأن ما ليس في الكوز يستحيل شربه، فليس هناك معنى ينعقد اليمين عليه، وأما القتل، فإذا لم يعلم بموته فاليمين تناولت إتلاف الحياة التي كان عليها، ولم يعلم فوتها، وتلك الحياة قد فاتت يستحيل انعقاد اليمين عليها. وإذا علم بموته: انصرفت يمينه إلى حياة يُحدثها الله تعالى فيه في الثاني فيتلفها بالقتل، وذلك معنى معقول يصير به الرجل مقتولاً لو وجد ذلك، فانعقدت يمينه، فلما علم تعذره، وفات شرط البرِّ فيها: حنث في يمينه. وفي مسألة الكوز لو أحدث الله فيه ماء، لم يكن ذلك الماء المحلوف عليه، فلذلك اختلفا. مسألة: [حلف بالتصدق بماله أو عتق ماليكه] قال أبو جعفر: (ومن حلف بصدقة ماله أن لا يفعل شيئًا، أو بعتق مماليكه أن لا يفعل شيئًا: لم يدخل في ذلك من ماله إلا ما كان منه في ملكه يوم حلف، ولم يدخل فيه من مماليكه إلا من كان في ملكه يوم حلف).

стр. 3329

قال أحمد: وذلك لقول النبي ﵊: "لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم، ولا عتق فيما لا يملك ابن آدم". [مسألة:] قال أبو جعفر: (ومن حلف بعتق مماليكه أن لا يفعل شيئًا، ففعله: عتق مماليكه، وأمهات أولاده، ومُدبروه، وما يملكه من الحصص مما كان من ذلك كله في ملكه يوم حلف، ولم يعتق مكاتبوه إلا أن يعنيهم). وإنما دخل فيه أم الولد والمدبر، من قبل أن اسم المملوك يتناولهما على الإطلاق، ألا ترى أنه يطؤهما بملك اليمين، وقال الله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾. وأيضًا: فإنهما في يد المولى وتصرفه، ولا يد لغيره عليهما، فصارتا بمنزلة غيرهما من مماليكه، وامتناع جواز بيعهما، لا يخرجهما من حكم المماليك، ألا ترى أن العبد المستأجر والمرهون لا يجوز بيعهما، ولم ينتف عنهما اسم المملوك على الإطلاق. وأما المكاتب، فلا يتناوله اسم المملوك على الإطلاق، وأكثر أحكام المماليك زائلة عنه، ألا ترى أنها لو كانت مكاتبة، لم يملك المولى وطأها

стр. 3330

بملك اليمين، ولو وطئها لزمه عقرها، وأنها ليست في يد المولى وتصرفه، وأنها أولى بكسبها، وأرش يدها إذا قطعت من المولى، فدل ذلك على ما وصفنا. وهذا نظير ما قالوا في الرجل يطلق امرأته طلاقًا بائنًا، ثم قال: نسائي طوالق، فلا تدخل في البائنة وإن كانت معتدة، ولها بعض أحكام الزوجات، ولو قصدها بالطلاق: طلقت، وكذلك المكاتب لا يدخل في إطلاق لفظ المماليك، وإذا قصده بالعتق عتق. ولا يعترض على ما قلنا بما روي عن النبي ﵊: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم". لأنا نقول هو عبد، ولا يدخل في إطلاق لفظ اليمين، كما أن السمك وإن سماه الله لحمًا، لا يدخل في إطلاق لفظ اليمين في الحلف على الامتناع من أكل اللحم. مسألة: [حلف ألا يتسرَّى] قال: (وإذا حلف أن لا يتسرَّى جارية).

стр. 3331

قال أحمد: شرط التسري عند أبي حنيفة ومحمد شيئان: التحصين، والوطء. وقال: أبو يوسف: شرطه ثلاثة أشياء: التحصين، والوطء، وطلب الولد. ولما اتفقوا جميعًا أنَّ الوطء والتحصين من شرطه، اختلفوا في طلب الولد، ولم نجد لطلب الولد حكمًا في الأصول فيما يتعلق حكمه بالوطء، فوجب أن يسقط اعتباره، ألا ترى أنَّ الإحصان، ووجوب الرجم، وسائر الأحكام المتعلقة بالوطء، لا اعتبار فيها بطلب الولد، فكذلك هذا في التسري. مسألة: [حلف بنحر ولده أو غيره من بني آدم] قال أبو جعفر: (ومن حلف بنحر ولده أو غيره من بني آدم، ثم حنث، فإن أبا حنيفة قال: عليه في حلفه لنحر ولده شاة، وليس عليه في حلفه بنحر غير ولده شيء. وقال محمد: عليه أيضًا في حلفه بنحر عبده شاة، وقال أبو يوسف: لا شيء عليه في ذلك كله). لأبي حنيفة: أنَّ نذره بنحر الولد قد صار عبارة عن ذبح شاة في شريعة إبراهيم ﵇، وذلك لأن الله تعالى أمره بذبح ابنه؛ لقول الله تعالى:

стр. 3332

﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾، فأمر بذبح ابنه، فكان موجبه شاة، فصارت هذه اللفظة في شريعته عبارة عن إيجاب ذبح شاة، فلزمه الوفاء به، وقد روي نحوه عن ابن عباس. فإن قيل: قال النبي ﷺ : "لا نذر في معصية". قيل له: إذا صار اللفظ في الشريعة عبارة عن إيجاب ذبح شاة، لم يكن معصية، بل كان طاعة وقربة، ألا ترى أنَّ من قال: عليَّ هدي: كان عليه ذبح شاة؛ لأن هذا اللفظ قد صار في الشرع عبارة عن ذبح شاة بقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾، ومراده شاة، وإن كان اسم الهدي غير موضوع في اللغة لذبح شاة. * ولا يجب في نذر ذبح العبد شيءٌ؛ لأنا لم نقل ذلك في الولد قياسًا، وإنما قلناه اتباعًا لشريعة إبراهيم ﵇، ولو حُمل على القياس: لم يجب، ولم يرد في تلك الشريعة إيجاب ذبح شاة بنذر ذبح العبد. فإن قيل: العبد مثل الولد؛ لأنه يملك من الولاية عليه أكثر مما يملكه من ولده. قيل له: قد قلنا إن القياس ممنوع في ذلك، وعلى أنَّ هذا قياس

стр. 3333

فاسد؛ لأنه يملك من الولاية على نفسه أكثر مما يملكه على ولده، ولو نذر نحر نفسه: لم يلزمه شيء. فإن قيل: إنما وجب ذلك في الولد؛ لأنه كسبه، وعبده أيضًا كسبه. قيل له: هذا لا معنى له؛ لأن العبد قد يكون كسبه، وقد لا يكون كسبه، والولد ليس بكبسه في الحقيقة بحال؛ لأنه لا يملكه، ولا فعل له فيه وما روي: "أن أولادكم من كسبكم": مجازٌ ليس بحقيقة. * وذهب أبو يوسف إلى أنَّ هذا نذرٌ في معصية، وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لا نذر في معصية". مسألة: [حلف لا يكلم رجلاً، فسلَّم على جماعة هو فيهم] قال: (ومن حلف أن لا يكلم رجلاً، فسلَّم على جماعة هو فيهم: حنث، إلا أن يكون حاشاه، فإن فعل ذلك: لم يحنث). وذلك لأن تسليمه عليهم خطابٌ لهم جميعًا، فقد كلَّم المحلوف عليه. فإن نواهم دونه: لم يحنث؛ لأنه لم يكلمهم.

стр. 3334

مسألة: [حلف لا يكلم رجلاً، فصلى بجماعة وهو فيهم] قال: (وإن صلى بقوم، وهو فيهم، وسلم كما يسلم الإمام، ونوى في سلامه كما ينوي الإمام: لم يحنث). وذلك لأنه غير مكلمٍ له وإن كان ظاهره الخطاب، والدليل عليه: أن المأمومين يقولونه أيضًا، والمنفرد يقوله، ولا يقتضي جوابًا من غيره، ولو كان خطابًا لهم: لاقتضى منهم جوابًا، كما أنَّ المار إذا سلَّم على غيره، لزمه الجواب له. فإن قيل: قولهم: السلام عليكم ورحمة الله: جوابٌ للإمام ولجميع الحاضرين الذين سلموا عليهم. قيل له: ليست هذه صورة الجواب، بل هو أيضًا ابتداءً، لأن الجواب أن يقول: وعليكم السلام، فلما لم يلزمهم ذلك، دل على أنه ليس حكمه حكم الخطاب. وأيضًا: فإن الناس لا يتعارفون ذلك كلامًا من بعضهم لبعض، ألا ترى أنه يكره له الخروج من الصلاة بالكلام، والمسنون أن يخرج منها بالسلام، فدل على أنه ليس بكلام. وأيضًا: فإن السلام الذي هو كلام، إنما العادة فيه أن يبتدئ الرجل به صاحبه في أول لقائه، فأما وهم قعودٌ، فليس يسلم بعضهم على بعض، فدل على أنَّ السلام المفعول في آخر الصلاة، ليس هو السلام المفعول في أول اللقاء.

стр. 3335

مسألة: [حلف أن يضرب رجلاً مائة سوط] قال: (ومن حلف ليضربن رجلاً مائة سوط، فجمع له مائة سوط، ثم ضربه بها ضربة واحدة، فإنه إن كان يعلم وصول كل سوط منها إليه: بر، وإن لم يعلم ذلك: لم يبر). وذلك لأنه قد ضربه، فلا فرق بين أن يضربه بها دفعة، أو في دفعات، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث﴾، روي في التفسير أنَّ أيوب ﵇ حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يجمع ذلك ويضربها دفعة، ليبر في يمينه. وقد روي "أنَّ رجلاً مريضًا زنى، وخافوا عليه التلف، فأمر به رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمروخ، فيضربوه بها ضربة واحدة". رواه الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي ﵊. وإذا لم يصبه كل سوط على حدة: لم يبر؛ لأنه فعل بعض شرط البر، فلا يبر أو يوجد كمال شرطه.

стр. 3336

مسألة: [نذر الطاعة] قال: (ومن نذر أن يطيع الله: فليطعه). لما روى مالك عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه". وروي عن النبي ﵊ من وجوه أُخر أنه قال: "لا نذر في معصية". مسألة: [نذر أن يقتل اليوم فلانًا] قال أبو جعفر: " ومن نذر فقال: لله علي أن أقتل فلانًا اليوم، كان عليه إذا مضى ذلك اليوم ولم يقتله كفارة يمين". قال أحمد: روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لا يلزمه بذلك شيء إذا لم تكن له نية، فإن نوى بقوله: عليّ نذر، يمينًا، كان عليه كفارة يمين إذا لم يَفِ بما قال، وذلك لأن هذا معصية لا تلزم بنفس النذر، فلا يلزمه به شيء، إلا أن ينوي يمينًا لقوله ﵊: "لا نذر في معصية"، فأسقط حكم نذر المعصية رأسًا. ورُوي في أخبار أُخر: "فكفارته كفارة يمين"، فقلنا إذا أراد به اليمين كان يمينًا بهذا الخبر.

стр. 3337

مسألة: [حلف بنذر ولم يسمه] قال أبو جعفر: (ومن حلف بالنذر فقال: إن فعلت كذا فلله علي نذر، ولم يسم شيئًا، ثم حنث: فعليه كفارة يمين). وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من نذر نذرًا لم يسمه، فعليه كفارة يمين"، وقد تقدم ذكر سنده. مسألة: [حلف حال كفره ثم أسلم] قال: (ومن حلف من أهل الكفر أن لا يفعل شيئًا، ثم أسلم ففعله: فلا شيء عليه، إلا أن يكون حلف بعتق أو طلاق). وذلك لأن لزوم الكفارة عبادة كالصلاة والصوم والزكاة، فلما لم يتعلق لزوم ذلك عليه باللفظ، سقط حكم يمينه، ولم يلزمه بالحنث فيها ذلك. فإن قيل: فقد تلزمه الحدود، فهلا لزمته الكفارة. قيل له: لأن الحدود عقوبات، والكافر يستحق العقاب، وأما كفارة اليمين، فهي بمنزلة الزكاة وسائر الصدقات، وسبيلها أن تكون قربة، وعبادة، وذلك لا يلزم إلا بشرط تقدم الإيمان. وأيضًا: فإن الحدود وجوبها في الأصل للردع عن هذه القبائح، قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾، والنكال هو: الردع والزجر، وإذا كان ذلك موضوعها، لما في

стр. 3338

إظهار هذه الأفعال من الفساد في الأرض، ونحن فإنما أعطيناه الذمة لئلا يسعى في أرضنا بالفساد، وأقمنا عليه الحدود، إذ كان من أهل الدار كالمسلم، وليس في سقوط الكفارة عنه ظهور فساد في الأرض. فإن قيل: فإن كانت هذه علة وجوب الحد على الذمي، فأوجبه على الحربي المستأمن أيضًا لهذه العلة. قيل له: لولا أنا أعطيناه الأمان على أن نبقيه على حكم الحرب، لأقمنا عليه، ولكن الأمان يمنع منه؛ لأن فيه خفر الأمان، ولا يجوز ذلك. فإن قيل: روي "أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله! نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : أوفِ بنذرك". قيل له: معناه عندنا: أنه نذر قبل فتح مكة، والناس هناك في الجاهلية، وكان نذره بعد إسلامه، فكأنه اشتبه عليه، هل يلزمه الوفاء به بعد الإمكان، وقد كان وقت النذر غير ممكن؟ والدليل عليه: أنه لو كان نذره في حال كفره، لكان ذلك النذر كفرًا، لأنه نذر اعتكافًا للأصنام، ومحالٌ لزوم الوفاء بذلك، فدل على ما وصفنا. * وأما الطلاق والعتق، فالذمي والمسلم فيهما سواء، لما فيهما من حق الآدمي، والمسلم والكافر لا يختلفان في حقوق الآدميين.

стр. 3339

مسألة: [حلف لا يشتري بدرهم معين خبزًا، ثم اشترى به] قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يشتري بهذا الدرهم خبزًا، فاشترى به خبزًا: لم يحنث إلا أن يكون دفعه قبل الشراء إلى صاحب الخبز، ثم قال له: بعني بالدرهم الذي دفعته إليك خبزًا، فباعه: فيحنث بذلك). قال أحمد: قال محمد في "الجامع الكبير": في رجل قال: إن بعت عبدي هذا بهذه الألف درهم، وهذا الكرُّ الحنطة لألفٍ وكر أشار إليهما في يد المشتري، فهما هدي، ثم باعه بهما: فعليه أن يتصدق بالكر، وليس عليه أن يتصدق بالألف درهم. وهذا خلاف ما رواه أبو جعفر؛ لأن محمدًا قد أحنثه في اليمين حين ألزمه صدقة الكر، وإنما لم تلزمه صدقة الدراهم، لأنه حنث في اليمين، وهي في ملك المشتري لم يملكها البائع بالعقد وإن تعلق العقد عليها بعينها؛ لأنه قد كان للبائع الخيار في أن يعطيه غيرها، بمنزلة من قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه على أنَّ البائع بالخيار ثلاثًا:

стр. 3340

فيحنث في يمينه، ولا يعتق العبد؛ لأن الحنث صادف ملك الغير، كذلك ما وصفنا. وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يستدل بمسألة "الجامع الكبير" التي ذكرنا على أن من قولهم: أنَّ الدنانير والدراهم تتعين في العقد إذا أشير إليهما، إلا أنها لا تملك بالعقد. وأما الرواية التي رواها أبو جعفر، فإنها لم تقع إلينا إلا من جهته، وعسى أن يكون ذهب إلى أنه لما كان من قولهم: أنَّ الدراهم لا يستحق ملكها بالعقد إن عُيِّنت، صار تعيينها أو ترك تعيينها سواء فيما يتعلق بها من حكم اليمين إذا لم تكن مقبوضة: فلم يحنث، وإن كانت مقبوضة: تعيَّن ملكها بالعقد، فحنث. مسألة: [حلف بحرية عبده إن كان يملك قدرًا معينًا من الدراهم] قال: (ومن قال: عبده حرٌّ إن كان يملك إلا مائة درهم، فكان يملك دونها، لم يحنث). وذلك لأن المستثنى خارج من اليمين، فلا يحنث بوجوده، ولا بوجود بعضه. مسألة: [حلف ألا يضرب رجلاً في المسجد] قال: (ومن حلف أن لا يضرب رجلاً في المسجد، فضربه

стр. 3341

والمضروب في المسجد، والضارب خارج منه: فإنه يحنث). وكذلك الرامي، وكل فعل يتعلق صحته بوجود المفعول به، ألا ترى أن من كان في المسجد، فأخرج يده من المسجد، وذبح شاة في الطريق، لا يقال إنه ذبحها في المسجد، ولو كان هو خارج المسجد، والشاة في المسجد، قيل: إنه ذبحها في المسجد، وقد بينا هذه المسألة ونظائرها في "شرح الجامع الكبير". [مسألة:] (وإن حلف: لا يشتمه في المسجد، روعي في ذلك موضع الشاتم، لا المشتوم). لأن صحة الشتم لا تتعلق بوجود المشتوم، ألا ترى أنا نلعن فرعون وهامان في المسجد، فيصح إطلاق القول: بأنا لعناهما في المسجد، وليسا موجودين فيه، ونصلي على النبي ﵊ في المسجد، وليس هو موجودًا فيه؛ لأن صحة المدح والذم ليس يتعلق بوجود الممدوح والمذموم، لأن الله تعالى قد أثنى على قومٍ من الأنبياء وغيرهم وهم معدومون، وذمَّ قومًا من الكفار وهم معدومون. مسألة: [إذا علَّق الحالف فعله بإذن الغير ومات الغير قبل أن يأذن] قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يكلم رجلاً حتى يأذن له زيد، فمات

стр. 3342

زيد قبل أن يأذن له، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: قد سقطت يمينه، فإن كلمه بعد ذلك: لم يحنث، وقال أبو يوسف: قد صارت يمينه مطلقة بعد موت زيد، غير معلَّقة على شيء، فمتى كلَّمه: حنث). قال أحمد: هذه المسألة مبنية على ما قدَّمنا من الأصل في قوله: إن لم اشرب الماء الذي في هذه الكوز اليوم، فعبدي حر، فأهراق قبل الليل: فتسقط اليمين في قولهما، ولا تسقط في قول أبي يوسف، وذلك لأن هذه يمين مؤقتة، لأن قوله: حتى يأذن لي: توقيت؛ لأن: حتى: غاية، فتعلق انعقادها بآخر الوقت على ما بينا، فهذا وُجد آخر الوقت وليس هنا إذن متروك: لم يحنث. وفي قول أبي يوسف: يتأكد. وليس هذا بمنزلة قوله: إن لم أشرب الماء الذي في الكوز، فعبدي حر، فأهراق: فيحنث في يمينه في قولهم جميعًا؛ لأن هذه يمين مطلقة غير مؤقتة، فلم يتعلق انعقادها على مجيء وقت، بل هي منعقدة في الحال، فمتى فقد شرط البر فيها، حنث. * وقوله: حتى يأذن لي فلان: مؤقتة لأن الغاية توقيت، فأشبه قوله: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم. مسألة: [حلف لا يفارق رجلاً فهرب الرجل] قال: (ومن حلف أن لا يفارق رجلاً، فهرب منه المحلوف عليه: لم يحنث الحالف في يمينه).

стр. 3343

لأن يمينه إنما تناولت فعل نفسه في مفارقته، ولم يوجد منه ذلك، وإنما وجد من غيره. مسألة: [منع الزوج زوجته المعسرة من صوم كفارة اليمين] قال: (وللزوج أن يمنع المرأة من صوم كفارة اليمين إذا كانت معسرة، وكذلك للمولى منع عبده من ذلك). وذلك لأن له أن يمنعها صوم التطوع، لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها". فمنعها صوم التطوع؛ لأن ابتداء إيجابه من جهتها بالدخول، فدل ذلك على أن كل صوم تعلق وجوبه بسبب من جهتها، فللزوج منعها منه. * (وكذلك سائر ما توجبه على نفسها. * وكذلك العبد في ذلك مثل المرأة إلا في صوم الظهار إذا ظاهر العبد من امرأته، فليس لمولاه منعه من الصوم، لما فيه من حق المرأة في الجماع، ولا تصل إليه إلا بالكفارة). مسألة: [قال: إن كلمتُ عبد فلان فامرأتي طالق] قال أبو جعفر: (ومن قال: إن كلَّمت عبد فلانٍ فامرأتي طالق ولا

стр. 3344

ينوي عبدًا بعينه، ولفلانٍ عبدٌ فباعه، ثم كلمه: لم يحنث). وذلك لأن قوله: إن كلمت عبد فلان: لم يتعلق بعبد بعينه، وإنما تناولت اليمينُ عبدًا يكون ملكًا لفلان يوم الحنث، بمنزلة قوله: عبدًا لفلان: فاليمين متعلقة بالصفة، وهو أن يكون عبدًا مضافًا إلى فلان بالملك يوم الحنث. مسألة: (ولو قال: إن كلمت عبد فلان هذا فامرأتي طالق، فباع فلان عبده ذلك، وكلمه الحالف: لم يحنث أيضًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويحنث في قول محمد). وجه قولهما: أنَّ ظاهر لفظ اليمين يدل على أنه امتنع من كلامه لأجل المولى، لولا ذلك لقال: إن كلمت هذا العبد، ولم يحتج إلى إضافته إلى ملك المولى، وإضافته إياه إلى ملكه، تدل على أنَّ المقصد في اليمين وجود ملكه فيه وقت الكلام. وكذلك قالا إذا قال: إن دخلت دار فلان هذه وهو في الدار: أبين منه في العبد؛ لأن الدار ليست ممن تعادى أو توالى، فيمتنع من دخولها من أجلها، بل المقصد فيها الامتناع من دخولها من أجل صاحبها، إلا أن العبد في معنى الدار في باب الملك، فلذلك كان بمنزلتها في باب تعلق اليمين فيه بالملك. وقال محمد: هو بمنزلة قوله: إن دخلت هذه الدار فعبدي حرٌّ؛ لأن اليمين تعلقت بالعين في الحالتين. مسألة: قال: (ولو قال: إن كلمتُ امرأة فلان فعبدي حرٌّ ولم ينو واحدة

стр. 3345

بعينها، ولفلان زوجة، فبانت منه، ثم كلمها: لم يحنث). لما ذكرنا في العبد، وأنه بمنزلة قوله: امرأة لفلان. * (ولو كان قال: امرأة فلان هذه، فالمسألة على حالها: حنث في قولهم جميعًا). وذلك لأن اليمين تعلقت بعينها، وهي ممن تُعادى وتُوالى، وليست ملكًا للزوج فيتعلق اليمين فيها بالملك. ومن هذا الوجه فارقت العبد؛ لأن اليمين في العبد تعلقت بالملك، فاعتبر فيها بقاء الملك. مسألة: (والصديق بمنزلة المرأة فيما يعين، وما لم يعين)؛ لأنه ليس ناك ملك يتعلق به اليمين. مسألة: (ولو قال: إن كلمت صاحب هذا الطيلسان فامرأتي طالق، فباع صاحب الطيلسان طيلسانه، ثم كلمه: حنث في قولهم جميعًا). لأن ذكره للطيلسان تعريف لصاحبه، كقوله: إن كلمت هذا القائم، أو هذا القاعد. مسألة: [قال: يوم أكلمك فعبدي حرٌّ] قال أبو جعفر: (ومن قال لرجل: يوم أكلمك فعبدي حرٌّ، فكلمه ليلاً أو نهارًا: عتق عبده).

стр. 3346

وذلك لأن اليوم قد يكون عبارة عن وقت مطلق، ويكون عبارة عن بياض النهار، فإذا عُلق ب معنى لا يمتد في الوقت، فقد دل على أن مراده الوقت المطلق، وأنه لم يرد به بياض النهار، فلما لم تكن الحرية مما يمتد في الوقت، صار قوله: يوم أكلمك: بمنزلة قوله: حين أكلمك، و: وقت أكلمك. ويدل على ما قلنا: قول الله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾، ومراده: الوقت؛ لأنه قد عُقِل منه الليل والنهار جميعًا. مسألة: [قال: ليلة أكلمك فعبدي حر] قال: (ولو قال: ليلة أكلمك فعبدي حر، فكلمه نهارًا: لم يحنث). وذلك لأن الليل عبارة عن سواد الليل، هذا هو الأغلب والأشهر من معناه، وإن كان قد يطلق ويراد به الوقت، كما قال الشاعر: وكنا حسبنا كل سوداء تمرة .... ليالي لاقينا جذام وحميرا وكما قال الآخر: ليالي تُصطاد الرجال بفاحم. وإنما أراد به الوقت، ولكن ذلك ليس يكاد يطلق إلا في الجمع؛ لأنه لا يقال: ليلة لاقينا جذام وحميرا: إلا والمراد به سواد الليل. وإنما جاز إطلاق ذلك في الليالي؛ لأن جمع الليالي يتناول الأيام أيضًا، فلما تناول الوقتين جميعًا، صار كالوقت المطلق.

стр. 3347

مسألة: [قال لزوجته: يوم يقدم فلان فأمرك بيدك] قال أبو جعفر: (ولو قال لامرأته: يوم يقدم فلان فأمرك بيدك، فقدم فلان ليلاً: لم يجب لها بذلك أمر). قال أحمد: وذلك لأن تمليك الأمر معنى يمتد في الوقت، ألا ترى أنه يجوز أن يقول: أمرك بيدك يومًا، فيكون الأمر مؤقتًا باليوم، فدل ذلك من لفظه على أنَّ مراده بياض النهار، دون الوقت المطلق. وليس هذا كقوله: يوم أكلمك فعبدي حر؛ لأن الحرية لا تتوقت باليوم، ألا ترى أنه لو قال: أنت حر اليوم: كان حرًا أبدًا، ولو قال: أمرك بيدك اليوم، كان الأمر مؤقتًا باليوم، فإيقاع الحرية إنما له وقت واحد، لا يمتد ولا يتوقت، وتمليك الأمر يصح توقيته على ما وصفناه. مسألة: [حلف لا يشمُّ الريحان] قال: (ومن حلف أن لا يشمُّ الريحان، فشمَّ الورد والياسمين: لم يحنث). وذلك لأن الله تعالى فرق بين ما ينبت على ساق، وبين الريحان بقوله تعالى: ﴿والحب ذو العصف والريحان﴾، فالريحان ما لا يكون على ساق، وما يكون في أول حال خروجه من الأرض ريحانًا، مثل الآس ونحوه.

стр. 3348

مسألة: قال: (ومن حلف لا يشتري بنفسجًا ولا نية له: فهذا على دهن البنفسج. ولو حلف لا يشتري وردًا: فهذا على ورقه، لا على دهنه). وهذا محمولٌ على عرف الناس وعادتهم؛ لأن المتعارف من ذلك، كالمنطوق به في اليمين. مسألة: [حلف لا يأكل فاكهة] قال: (ومن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل عنبًا أو رمانًا أو خيارًا أو قِثاء: لم يحنث، وإن أكل تفاحًا أو بطيخًا أو مشمشًا: حنث، وهذا كله قول أبي حنيفة. وقال أبي يوسف ومحمد: يحنث في العنب والرمان والرطب). لأبي حنيفة: أن الله تعالى عطف النخل والرمان على الفاكهة بقوله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾، وعطف الفاكهة على العنب، بقوله: ﴿فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبًا وزيتونًا ونخلاً وحدائقً غلبًا وفاكهةً وأبًا﴾، ومعلوم أنَّ الشيء لا يُعْطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره، فاقتضى ظاهر العطف أن لا تكون هذه الأشياء المعطوفة على الفاكهة من الفاكهة، إلا أن تقوم الدلالة على أنها منها.

стр. 3349

فإن قيل: قد قال: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾، ولم يدل على أنهما ليسا منهم. قيل له: قوله: ﴿وملائكته﴾: لم يرد به جبريل وميكال وإن كانا منهم، إذ ليس يمتنع أن يُطلق لفظ الملائكة، ومراده بعضهم، فلم يدخلا قط في مراد اللفظ الأول، ولذلك أفردهما بالذكر، فليس في ذلك عطفٌ للشيء على نفسه. ونحن فإنما علمنا أنهما من الملائكة بدليلٍ غير الآية، ولو خلينا وظاهر الآية، لم يكن نحكم بأنهما منهم، فإن قامت دلالة على أن الرطب والرمان والعنب من الفواكه: ألحقناها بها، وإلا فظاهر اللفظ يدل على أنها ليست منها. مسألة: [حلف لا يأكل اللحم] قال: (ومن حلف لا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا طريًا: لم يحنث في قولهم، إلا فيما روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه يحنث). وذلك لما وصفناه من أن الأيمان محمولة على العرف، ولا يقال في العرف لآكل السمك: إنه أكل لحمًا.

стр. 3350

مسألة: [حلف لا يشتري رطبًا] قال: (ومن حلف أن لا يشتري رطبًا، فاشترى كباسة بسرٍ فيها رطبٌ: لم يحنث). وذلك لأن عقد الشراء إنما تناول البُسر، ودخل الرطب فيه على وجه التبع، كمن اشترى حنطة وفيها حبات شعير، فلا يقال له: إنه اشترى الشعير، وكما لو كان فيها تِبن يسير، لا تخلو الحنطة منه، لا يقال: إنه اشترى تِبنًا. وليس ذلك بمنزلة قوله: لا آكل رطبًا، فأكل بُسرًا فيه رطب؛ لأنه لا يتبعه في الأكل، لأنه مأكول على حياله، وأما عقد البيع فإنما تناول لفظ الحنطة فحسب. مسألة: [حلف لا يركب دابةً لرجل، فركب دابة عبده] قال: (ومن حلف لا يركب دابةً لرجل، فركب دابة عبدٍ لذلك الرجل مأذون له في التجارة، وعليه دين أو لا دين عليه: لم يحنث في قوله أبي حنيفة وأبي يوسف، وحنث في قول محمد). وجه قولهما: أنَّ الدابة مضافة إلى العبد في الإطلاق دون المولى، كما

стр. 3351

يضاف ثوبه الذي عليه إلى العبد في الإطلاق دون المولى، فيقال: هذا قميص العبد، وهذا منديل العبد، كذلك الدابة، ألا ترى أنك لا تقول لدابة عبد الأمير: إن هذا مركب الأمير. ويدل على أن اليمين في ذلك متعلقة بالإضافة دون الملك: أنه لو قال: لا أدخل دار فلان، فدخل دارًا هو ساكن فيها: حنث وإن لم يملكها. وقد قال النبي ﵊: "من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع"، فأضاف المال إليه، وجعل ملكه لمولاه.

стр. 3352

مسألة: [أوجب على نفسه فعل عبادة في يوم معين، ففعلها قبله] قال: (ومن أوجب لله على نفسه أن يصوم الخميس، أو يصلي الخميس، فصام أو صلى الأربعاء: أجزأه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يجزه في قول محمد. ولو قال: لله عليَّ أن أتصدق غدًا بدرهم، فتصدَّق به قبل غدٍ: أجزأه عندهم جميعًا). قال أحمد: هذا الذي ذكر أبو جعفر هو قول أبي يوسف، وأما أبو حنيفة فلا تُعرف عنه رواية في ذلك، وقد ذكر محمد المسألة في الجامع الكبير وقال: يجزيه في قول أبي يوسف، ولم يذكر قول أبي حنيفة، ولا يبعد أن يكون قوله مثل قول أبي يوسف. وجه قول أبي يوسف: أنَّ النذر سبب للإيجاب، وقد يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه، لأجل وجود سببه. والدليل على أن النذر سبب للإيجاب: اتفاقهم جميعًا على جواز تقديم الصدقة قبل مجيء الوقت المضاف إليه إيجابها، فلولا أن النذر قد صار سببًا للوجوب، لما جاز تقديمها، كما لا يجوز تقديم الزكاة قبل وجود النصاب، وإذا ثبت ذلك وجب جواز الصلاة والصوم قبل مجيء الوقت المضاف إليه الوجوب، وقد بيَّنَّا هذه المسألة في "شرح الجامع".

стр. 3353

مسألة: [حلف لا يشرب من الفرات] قال: (ومن حلف أن لا يشرب من الفرات، فأخذ من مائه في إناء فشربه: لم يحنث في قوله أبي حنيفة). لأن من أصله: أنَّ اليمين متى انتظمت حقيقة متعارفة، ومجازًا متعارفًا: كانت محمولة على الحقيقة، وانتفى دخول المجاز فيها، ومعلوم أنَّ حقيقة اللفظ في قوله: إن شربت من الفرات، إنما تقتضي ابتداء شربه منه، ألا ترى أنه لو كرع فيه: حنث في قولهم، وكما لو قال: إن شربت من هذا الكوز: كان ذلك على أن يكون ابتداء شربه من الكوز، والكرع في النهر متعارف، فحصلت اليمين عليه، وانتفى المجاز، لاستحالة دخول المجاز والحقيقة في اليمين. ويدل على أنَّ حقيقة الشرب من النهر إنما هو بأن يكرع فيه: قول الله تعالى: ﴿فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده﴾. فلم يجعل الذي غرف بيده شاربًا؛ لأنه أخبر بدءًا في أول الآية أنَّ الشرب منه محظور. فإن قيل: استثنى منه الغرف، فلذلك لم يدخل في الحكم.

стр. 3354

قيل له: استثناء الغرف من الطعم، لا من الشرب من النهر، لأنه يليه * (قال أبو يوسف ومحمد: يحنث)، فقد يقول الناس: شربنا من الفرات، وإنما يشربون منه بإناء. وهذا مثل ما تقدم في قوله: إن أكلتُ من هذه الحنطة شيئًا، فعبدي حرٌّ: أنه على القضم عند أبي حنيفة، وعندهما على القضم وعلى أكل خبزها أيضًا. مسألة: [حلف لا يشرب من ماء هذا النهر، فغرف منه] قال: (ولو قال: إن شربتُ من ماء هذا النهر فعبدي حر: حنث). وذلك لأن اليمين تناولت الماء على الإطلاق دون النهر، وفي المسألة الأولى تناولت شربًا على وصف، وهو أن يكون من النهر الذي هو الفرات. مسألة: (ولو قال: إن شربت من هذا الكوز فعبدي حرٌّ، فصب ماءه في كوز آخر، ثم شربه: لم يحنث في قولهم جميعًا). وذلك لأن المتعارف والحقيقة في هذه اليمين أن يكون ابتداءُ شربه من الكوز المحلوف عليه، فتناولت يمينه شربًا على وصف، فلا يدخل فيها غيره.

стр. 3355

مسألة: قال: (ولو قال: إن شربت من الفرات فعبدي حر، فكرع في نهر يأخذ من الفرات، أو شرب منه بإناء: لم يحنث؛ لأن الفرات اسم للنهر، وهو لم يشرب من ذلك النهر). مسألة: قال: (ولو قال: امرأته طالق إن شربتُ من ماءٍ فراتٍ، فشرب من ماء النيل: حنث). لأن: "فراتًا": في هذا الموضع صفة للماء، لا للنهر، إذ هو اسم لكل ماء عذب، قال الله تعالى: ﴿وأسقيناكم ماءً فراتًا﴾. مسألة: [حلف لا يجلس على الأرض] قال: (ومن حلف: لا يجلس على الأرض، فبسط عليها حصيرًا، ثم جلس عليه: لم يحنث). وذلك لأنه لم يجلس على الأرض، وإنما جلس على الحصير، ألا ترى أنَّ من دخل دار الأمير، فرآه جالسًا على فراشه، لم يصح له أن يقول: رأيتُه جالسًا على الأرض. مسألة: [حلف لا يجلس على السطح] (ولو حلف لا يجلس على سطح، ففرش عليه حصيرًا: ثم جلس

стр. 3356

عليه: حنث). ألا ترى أنَّ الناس يقولون: قد صرنا ننام على السطح من الحر، وليس يمكننا أن ننام على السطح من البرد، ولا يريدون به مباشرة السطح بأبدانهم، ألا ترى أنك تقول: رأيتُ فلانًا جالسًا على السطح، وقائمًا على السطح، ولا يُعقل من ذلك مباشرة أرض السطح ببدنه. مسألة: [حلف لا ينام على هذا الفراش] قال: (ولو حلف أن لا ينام على هذا الفراش، فجعل عليه مَحبِسًا، ثم نام عليه: حنث). وذلك لأنه كذا يُنام على الفراش في الغالب، فيقال فلان نائم على فراش ديباج وخَزٍّ وإن كان فوقه محبس من غيره. قال أحمد: والمحبس هو الذي يسميه الناس اليوم مِقْرَمة. قال أبو جعفر: (وإن جعل عليه فراشًا آخر، ثم نام عليه، فإن محمدًا قال: لا يحنث، ولم يحك فيه خلافًا).

стр. 3357

وذلك محمول على العرف والعادة، وفي العادة أن من طرح فراش ديباج فوق حصير، فنام عليه، لا يقال هو نائم على الحصير، بل يقال هو نائم على الديباج. * قال: (وروي عن أبي يوسف في الإملاء: أنه حانث). لأنه يقال: هو نائم على فراشين، كما يقال: هو لابس لقميصين. مسألة: [حلف لا ينام على هذا السرير] قال: (ولو حلف أن لا ينام على هذا السرير، فجعل عليه سريرًا آخر، ثم نام على الأعلى منهما: لم يحنث في القولين جميعًا). ألا ترى أنه لو وضع سرير أبنوس، فوق سرير ساج، فجلس عليه، أنه لا يقال: هو جالس على سرير ساج، بل يقال: هو جالس على سرير أبنوس. (وفرق أبو يوسف بينهما؛ لأنه قد يقال: هو نائم على فراشين، ولا يقال: هو جالس على سريرين). مسألة: قال أبو جعفر: (ومن قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق، فأذن لها فخرجت، ثم رجعت إليها، ثم خرجت منها بغير

стр. 3358

إذنه: حنث). قال أحمد: وذلك لأن (الباء) للصفة، ويمينه مطلقة إلا في خروج مستثنى بصفة، وهو أن يكون بإذنه، فمتى وجد خروج بهذه الصفة، فهو خارج من يمينه، وما لم يكن بهذه الصفة من الخروج، فهو داخل في اليمين. مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قال: إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك: فأذن لها، فخرجت، ثم رجعت إليها، فخرجت منها بغير إذنه: لم يحنث). قال أحمد: "إلا أن": لها موضعين: أحدهما: أنها بمنزلة: "حتى": فيما يتوقت، كقول الله تعالى: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم﴾. وكقوله: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، معناه: حتى يأتين. ومسألتنا من هذا القبيل؛ لأن ما أدخل عليه: "إلا أن": يتوقت، وهو

стр. 3359

ترك الخروج؛ ألا ترى أنه لو قال: إن خرجت من هذه الدار إلى شهر فعبدي حر: كانت يمينه مؤقتة بالشهر، وإذا كان كذلك، صار قوله: إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك: بمنزلة قوله: حتى آذن لك، فصارت اليمين مؤقتة بالإذن، وصار الإذن غايةً ليمينه، بمنزلة توقيته شهرًا، أو نحوه، فمتى وُجدت الغاية سقطت اليمين؛ لأنه ليس على ما بعدها عقد يمين. والموضع الآخر: أن يكون: "إلا أن": بمعنى الشرط في دفع الإيقاع، وهو أن يدخل على ما لا يتوقت، مثل قوله: أنت طالق إلا أن يقدم فلان، فالطلاق الذي دخلت عليه لا يتوقت، فصار بمنزلة قوله: أنت طالق إن لم يقدم فلان، فإن قدم فلان: بطلت اليمين، وإن مات فلان قبل أن يقدم: طلقت باليمين. مسألة: [إذا علق الزوج الطلاق بإذن، ثم نهاها بعد الإذن] قال أبو جعفر: (ولو قال لها: إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني، فأذن لها، فلم تخرج حتى نهاها، ثم خرجت منها بغير إذنه بعد ذلك: حنث). وذلك لما قدمناه من أن اليمين مُطْلَقةٌ في كل خروج، إلا خروج مستثنى بصفة، وهو أن يقارنه الإذن. مسألة: قال: (ولو قال: إن خرجت منها إلا أن آذن لك، فلم تخرج حتى نهاها، ثم خرجت بغير إذنه: لم يحنث).

стр. 3360

وذلك لأن الإذن لما كان غاية ليمينه، ثم وُجد: سقطت اليمين، فلا يضرُّها بعد ذلك خروجها بغير إذنه؛ لأنها خرجت وليس عليها عقد يمين. مسألة: [حلف أن لا يكلم فلانًا فكتب إليه] قالك (ومن حلف أن لا يكلم فلانًا، فكتب إليه كتابًا، أو أرسل إليه رسولاً بشيءٍ كلَّمه به: لم يحنث). لأن الله تعالى قد أنزل الكتاب على رسوله، ولم يكلمه به؛ لأن موسى ﵇ هو الذي كلمه الله تعالى، دون غيره من الأنبياء، وقد أرسل الله تعالى إلينا الرسل، ولم يكلمنا. مسألة: قال: (وإذا قال لعبده: إن بشَّرتني بقدوم فلان فأنت حرٌّ، فبشَّره بقدومه: عَتَق)؛ لوجود شرط اليمين. * (ولو كان الحالف قد علم بذلك قبل أن يقوله له عبده: لم يعتق). لأن البشارة هي خبرٌ على وصف، وهو أن يقع له به الاستبشار، وما

стр. 3361

قد علمه، لا يحدث له الاستبشار بخبره. * (وكذلك قوله: إن أعلمتني بقدومه). هذا على أن يخبره وهو لا يعلم؛ لأنه لا يصح أن يُعلمه ما هو عالم به. * قال: (ولو قال: إن أخبرتني أنَّ زيدًا قد قدم فأنت حرٌّ، فأخبره بذلك: حنث، سواء كان قدم، أو لم يَقدم). لأنه حلف على خبر على الإطلاق، واسم الخبر يتناول الصدق والكذب، لأنه يقال: أخبره بخبر كذب، وأخبره بخبر صدق، ولا يختص بأحد الوجهين دون الآخر، وليس كالإعلام؛ لأنه لا يقال إعلام باطل. * قال: (وإن قال: إن أخبرتني بقدوم زيد، والمسألة على حالها: فهذا على الصدق). لأنه عقد يمينه على خبرٍ يقارنه قدوم زيد، لأن الباء للصفة، فإذا لم يكن بهذه الصفة: لم يحنث، والبشارة على الصدق في سائر الوجوه؛ لأنه خبرٌ على صفة، وهو أن يحصل به استبشار له حقيقة، والكذب لا يحصل به ذلك في الوجود، وهو فإنما عقد يمينه على خبرٍ يحصل له بذلك في الحقيقة، ولا يلحقه تنغيص ببطلانه. مسألة: قال: (ومن حلف أن لا يشتري بهذا الدرهم إلا دقيقًا، فدفعه إلى

стр. 3362

رجل، ثم اشترى منه ببعضه دقيقًا، وببعضه خبزًا: لم يحنث حتى يشتري به كله غير الدقيق). قال أحمد: المستثنى خارج من اليمين، واليمين مطلقة فيما عدا المستثنى، وشراء الدقيق خارج من اليمين، لأنه داخل في الاستثناء، فإذا اشترى ببعضه دقيقًا: لم يحنث، وبقي البعض الآخر من الدرهم داخلاً في اليمين، إلا أنه وُجد به بعض شرط اليمين، بمنزلة من قال: لا أشتري بهذا الدرهم شيئًا، فاشترى ببعضه: فلا يحنث. مسألة: قال: (ومن حلف أن لا يشتري هذا العبد، فاشتراه شراءً فاسدًا: حنث). وذلك لأن الاسم يتناوله في العرف والعادة؛ لأن الناس يتبايعون البياعات الفاسدة، كما يتبايعون الصحيحة. وأيضًا: فإن البيع الفاسد عندنا يُملك به عند اتصال القبض به، فصار كالصحيح؛ لأن المقصد في هذا اليمين أن لا يشتريه شراء يتعلق به إيجاب الملك. مسألة: قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يتزوج هذه المرأة، فتزوجها نكاحًا فاسدًا: لم يحنث).

стр. 3363

وذلك لأن المقصد بعقد النكاح ما يحصل له من ملك البضع، واستباحة الوطء، وذلك لا يحصل أبدًا بالنكاح الفاسد. وليس كالشراء الفاسد؛ لأنه يحصل به ملك المشتري إذا اتصل به القبض. مسألة: قال: (ومن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه شراء فاسدًا، وهو في يد بائعه: لم يعتق وإن قبضه بعد ذلك). وذلك لأنه قد حنث بنفس العقد، وصادف الحنث ملك غيره، فلم يعتق، والقبض وقع بعد انحلال اليمين، وعلى أن القبض ليس بشراء، فلم يعتق. قال: (ولو كان اشتراه وهو في يده: عتق). مسألة: قال أبو جعفر: (ولو قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه على أنَّ بائعه بالخيار ثلاثة أيام، ثم انقطع الخيار الذي كان فيه لبائعه: عتق). قال أحمد: هذا ينبغي أن يكون قول أبي يوسف وحده؛ لأن من أصله: أنه لم يحنث بنفس العقد. وفي قول محمد: ينبغي أن لا يعتق؛ لأن الحنث قد وقع بنفس العقد قبل بطلان الخيار؛ لأن من أصله أنه لو قال: إن اشتريت هذا العبد فامرأتي طالق، فاشتراه على أنَّ بائعه بالخيار ثلاثًا: أنها تطلق بنفس العقد.

стр. 3364

وفرَّق أبو يوسف بين العقد الواقع على شرط الخيار، وبين العقد الفاسد؛ لأن العقد الفاسد يوجب الملك إذا اتصل به قبضٌ، وشرط خيار البائع يمنع وقوع الملك للمشتري وإن قبض. مسألة: قال أبو جعفر: (ومّن قال لعبده: إن دخلتُ هذه الدار فأنت حرٌّ، فباعه، فدخلها، ثم اشتراه، ثم دخلها بعد ذلك: لم يعتق، وسقطت يمينه). وذلك لأن شرط اليمين وجد في غير ملكه، فانحلت اليمين، ولم يعتق؛ لأنه لم يصادف ملكًا. ولا فرق بين وجود شرط الحنث في الملك أو غير الملك في باب أن اليمين تنحل به، وذلك لأنه جعل شرط اليمين وجودًا مطلقًا غير مقيد بملكه، فإن قصرناه على وجوده في ملكه، كنا قد زدْنا في شرط اليمين ما ليس في اللفظ، ولا تجوز الزيادة في شرط اليمين بغير لفظ؛ لأن اليمين لا تثبت بنيةٍ لا لفظ معها. فإن قيل: في العرف إنه إنما أراد إيقاع العتق في ملكه، فينبغي أن يكون وجود الشرط في الملك معتبرًا في باب انحلال اليمين. قيل له: لا حظَّ للعرف في إيجاب الزيادة في شرط اليمين؛ لأن العرف إنما يعمل في تخصيص اللفظ، لا في الزيادة في الشرط، ألا ترى أنه لو قال لعبد غيره: إن دخلتُ الدار فأنت حر، أو قال له: أنت حر: أنَّا لا نجعل ذلك بمنزلة قوله: إن ملكتك فأنت حر، من أجل أن العتق لا

стр. 3365

يصح إلا في ملك، ولا نزيد في شرط اليمين ما ليس فيها. * قال أبو جعفر: (وإن لم يدخل الدار بعد البيع حتى رجع إلى ملكه، ثم دخلها: حنث). وذلك لأن زوال ملكه لا يبطل اليمين؛ لأنه لم يخص شرط اليمين بحال الملك، فيكون مقصورًا عليه. وأيضًا: فإن اليمين عندنا قد يصح ابتداؤها في غير ملك، فلا يُسقطها زوال الملك. مسألة: [إذا حلف بالصلاة في مسجد معين ففعلها في غيره] قال: (ومن جعل لله عليه أن يصلي ركعتين في مسجدٍ بعينه، فصلاهما في غيره: فقد بَرَّت يمينه، ولا شيء عليه، وسواء أوجبها في المسجد الحرام أو غيره). قال: (وروي عن أبي يوسف: أنه إذا أوجبها في مكانٍ، فصلاها في أفضل منه، أو مثله من الأماكن: أجزأه، وإن صلاها في مكانٍ ليس مثله في الفضل: لم تجزه). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عطاء عن جابر "أن رجلاً قام يوم فتح مكة فقال: يا رسول الله! إني نذرتُ لله إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. قال النبي ﷺ : صلِّ هاهنا، فأعادها على النبي صلى
следующие страницы →