Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
قد علمه، لا يحدث له الاستبشار بخبره.
* (وكذلك قوله: إن أعلمتني بقدومه).
هذا على أن يخبره وهو لا يعلم؛ لأنه لا يصح أن يُعلمه ما هو عالم به.
* قال: (ولو قال: إن أخبرتني أنَّ زيدًا قد قدم فأنت حرٌّ، فأخبره بذلك: حنث، سواء كان قدم، أو لم يَقدم).
لأنه حلف على خبر على الإطلاق، واسم الخبر يتناول الصدق والكذب، لأنه يقال: أخبره بخبر كذب، وأخبره بخبر صدق، ولا يختص بأحد الوجهين دون الآخر، وليس كالإعلام؛ لأنه لا يقال إعلام باطل.
* قال: (وإن قال: إن أخبرتني بقدوم زيد، والمسألة على حالها: فهذا على الصدق).
لأنه عقد يمينه على خبرٍ يقارنه قدوم زيد، لأن الباء للصفة، فإذا لم يكن بهذه الصفة: لم يحنث، والبشارة على الصدق في سائر الوجوه؛ لأنه خبرٌ على صفة، وهو أن يحصل به استبشار له حقيقة، والكذب لا يحصل به ذلك في الوجود، وهو فإنما عقد يمينه على خبرٍ يحصل له بذلك في الحقيقة، ولا يلحقه تنغيص ببطلانه.
مسألة:
قال: (ومن حلف أن لا يشتري بهذا الدرهم إلا دقيقًا، فدفعه إلى
стр. 3362
رجل، ثم اشترى منه ببعضه دقيقًا، وببعضه خبزًا: لم يحنث حتى يشتري به كله غير الدقيق).
قال أحمد: المستثنى خارج من اليمين، واليمين مطلقة فيما عدا المستثنى، وشراء الدقيق خارج من اليمين، لأنه داخل في الاستثناء، فإذا اشترى ببعضه دقيقًا: لم يحنث، وبقي البعض الآخر من الدرهم داخلاً في اليمين، إلا أنه وُجد به بعض شرط اليمين، بمنزلة من قال: لا أشتري بهذا الدرهم شيئًا، فاشترى ببعضه: فلا يحنث.
مسألة:
قال: (ومن حلف أن لا يشتري هذا العبد، فاشتراه شراءً فاسدًا: حنث).
وذلك لأن الاسم يتناوله في العرف والعادة؛ لأن الناس يتبايعون البياعات الفاسدة، كما يتبايعون الصحيحة.
وأيضًا: فإن البيع الفاسد عندنا يُملك به عند اتصال القبض به، فصار كالصحيح؛ لأن المقصد في هذا اليمين أن لا يشتريه شراء يتعلق به إيجاب الملك.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يتزوج هذه المرأة، فتزوجها نكاحًا فاسدًا: لم يحنث).
стр. 3363
وذلك لأن المقصد بعقد النكاح ما يحصل له من ملك البضع، واستباحة الوطء، وذلك لا يحصل أبدًا بالنكاح الفاسد.
وليس كالشراء الفاسد؛ لأنه يحصل به ملك المشتري إذا اتصل به القبض.
مسألة:
قال: (ومن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه شراء فاسدًا، وهو في يد بائعه: لم يعتق وإن قبضه بعد ذلك).
وذلك لأنه قد حنث بنفس العقد، وصادف الحنث ملك غيره، فلم يعتق، والقبض وقع بعد انحلال اليمين، وعلى أن القبض ليس بشراء، فلم يعتق.
قال: (ولو كان اشتراه وهو في يده: عتق).
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولو قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فاشتراه على أنَّ بائعه بالخيار ثلاثة أيام، ثم انقطع الخيار الذي كان فيه لبائعه: عتق).
قال أحمد: هذا ينبغي أن يكون قول أبي يوسف وحده؛ لأن من أصله: أنه لم يحنث بنفس العقد.
وفي قول محمد: ينبغي أن لا يعتق؛ لأن الحنث قد وقع بنفس العقد قبل بطلان الخيار؛ لأن من أصله أنه لو قال: إن اشتريت هذا العبد فامرأتي طالق، فاشتراه على أنَّ بائعه بالخيار ثلاثًا: أنها تطلق بنفس العقد.
стр. 3364
وفرَّق أبو يوسف بين العقد الواقع على شرط الخيار، وبين العقد الفاسد؛ لأن العقد الفاسد يوجب الملك إذا اتصل به قبضٌ، وشرط خيار البائع يمنع وقوع الملك للمشتري وإن قبض.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ومّن قال لعبده: إن دخلتُ هذه الدار فأنت حرٌّ، فباعه، فدخلها، ثم اشتراه، ثم دخلها بعد ذلك: لم يعتق، وسقطت يمينه).
وذلك لأن شرط اليمين وجد في غير ملكه، فانحلت اليمين، ولم يعتق؛ لأنه لم يصادف ملكًا.
ولا فرق بين وجود شرط الحنث في الملك أو غير الملك في باب أن اليمين تنحل به، وذلك لأنه جعل شرط اليمين وجودًا مطلقًا غير مقيد بملكه، فإن قصرناه على وجوده في ملكه، كنا قد زدْنا في شرط اليمين ما ليس في اللفظ، ولا تجوز الزيادة في شرط اليمين بغير لفظ؛ لأن اليمين لا تثبت بنيةٍ لا لفظ معها.
فإن قيل: في العرف إنه إنما أراد إيقاع العتق في ملكه، فينبغي أن يكون وجود الشرط في الملك معتبرًا في باب انحلال اليمين.
قيل له: لا حظَّ للعرف في إيجاب الزيادة في شرط اليمين؛ لأن العرف إنما يعمل في تخصيص اللفظ، لا في الزيادة في الشرط، ألا ترى أنه لو قال لعبد غيره: إن دخلتُ الدار فأنت حر، أو قال له: أنت حر: أنَّا لا نجعل ذلك بمنزلة قوله: إن ملكتك فأنت حر، من أجل أن العتق لا
стр. 3365
يصح إلا في ملك، ولا نزيد في شرط اليمين ما ليس فيها.
* قال أبو جعفر: (وإن لم يدخل الدار بعد البيع حتى رجع إلى ملكه، ثم دخلها: حنث).
وذلك لأن زوال ملكه لا يبطل اليمين؛ لأنه لم يخص شرط اليمين بحال الملك، فيكون مقصورًا عليه.
وأيضًا: فإن اليمين عندنا قد يصح ابتداؤها في غير ملك، فلا يُسقطها زوال الملك.
مسألة: [إذا حلف بالصلاة في مسجد معين ففعلها في غيره]
قال: (ومن جعل لله عليه أن يصلي ركعتين في مسجدٍ بعينه، فصلاهما في غيره: فقد بَرَّت يمينه، ولا شيء عليه، وسواء أوجبها في المسجد الحرام أو غيره).
قال: (وروي عن أبي يوسف: أنه إذا أوجبها في مكانٍ، فصلاها في أفضل منه، أو مثله من الأماكن: أجزأه، وإن صلاها في مكانٍ ليس مثله في الفضل: لم تجزه).
وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عطاء عن جابر "أن رجلاً قام يوم فتح مكة فقال: يا رسول الله! إني نذرتُ لله إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ركعتين.
قال النبي ﷺ : صلِّ هاهنا، فأعادها على النبي صلى
стр. 3366
الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثًا، فقال النبي ﷺ : شأنك إذن".
فثبت بذلك أن تعيينه الصلاة بمكانٍ، لا يوجب تعلُّقها به.
فإن قيل: إنما أجاز له ذلك؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في بيت المقدس، لما روى جماعة عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
قيل له: فلم يقل له ﵊: صلِّ في المسجد الحرام، وإنما قال له: "صلِّ هاهنا"، وذلك يقتضي جوازها في جميع مكة، وليست الصلاة في مكة في غير المسجد الحرام بأفضل منها في مسجد بيت المقدس.
وأيضًا: فإن معنى قوله: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام": إنما هو في المكتوبة؛ لأن فضيلة الصلاة في المسجد إنما هي المكتوبة التي تُصلَّى جماعة في المسجد.
يدل عليه ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
стр. 3367
وفي حديث ابن مسعود: "لأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد".
وأيضًا: فإنا لم نجد في الأصول صلاة يتعلق وجوبها بمكان حتى لا يصح أداؤها في غيره، والنذور محمولة على أصولها في الفروض، فلما لم يكن في الأصول صلاة متعلقة بمكان، وجب أن لا يتعلق وجوبها بالمكان المذكور.
وأيضًا: فإن قربة المكان لا يتعلق بها الإيجاب، كما أنَّ قربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب، ألا ترى أن من نذر صوم يوم عاشوراء، ثم أفطر فيه، جاز له أن يقضيه في غيره وإن كان صوم عاشوراء أفضل من غيره، والمعنى الجامع بينهما: أنَّ كل واحد منهما ليس من شرائط صحة النذر؛ لأنه يصح بغير ذكرِ وقتٍ ولا مكانٍ.
مسألة: [حكم ما لو أوجب على نفسه إتيان المسجد النبوي]
قال: (ومن أوجب على نفسه إتيان مسجد النبيِّ ﵊؛ أو إتيان بيت المقدس، أو المشي إلى واحد منهما: لم يلزمه بذلك شيء، ولا يشبهان المسجد الحرام في هذا).
وذلك لأن القياس يمنع وجوب الإحرام بقوله: علي المشي إلى بيت الله تعالى، إلا أنا ألزمناه إياه بالأثر، وبأن اللفظ قد صار عبارة عن إيجاب إحرام، وذلك غير موجود في غيره من المساجد.
стр. 3368
مسألة: [ما يلزم من أوجب على نفسه صوم يوم العيد ونحوه]
قال: (ومن أوجب على نفسه صوم يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام التشريق: أفطر، وقضى في وقتٍ يحلُّ فيه الصوم).
وذلك لقوله الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾، فاستفدنا من ذلك:
لزوم الوفاء بما يقوله الإنسان ما لم تقم الدلالة على حظره، فلما كان الصوم في نفسه قربة، وإضافته إلى الوقت المنهي عنه ليس بقربة، أسقطنا عنه الوفاء بما ليس بقربة، وألزمناه الصوم لإمكان الوفاء به من وجهٍ على غير الوجه المحظور.
ووجه آخر: وهو أنَّا لمَّا وجدنا قُربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب، وصار ذكره للوقت وتركه سواء فيما يلزم من حكم الإيجاب، وجب أن لا يمنع كون الوقت منهيًا عنه من صحة الإيجاب.
والدليل على أن قُربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب: أنه لو قال: لله علي صوم يوم عاشوراء، أو: يوم عرفة، وصومهما أفضل من صوم غيرهما من الأيام: جاز له إذا أفطر فيهما أن يقضيهما في غير عاشوراء أو عرفة.
فلو كانت قربة الوقت مما يتعلق به الإيجاب، لوجب أن يكون عليه قضاؤه في عاشوراء مستقبلاً، أو في يوم عرفة من القابل، فلما صح أنَّ قربة الوقت لا يتعلق بها الإيجاب، وصار فيما يتعلق به من حكم الوجوب
стр. 3369
بمنزلة النذر المطلق، وجب أن لا يمنع كون الوقت منهيًا عنه من صحة الإيجاب، وأن يصير في هذا الوجه بمنزلة النذر المطلق.
فإن قيل: لما كان صوم يوم النحر منهيًا عنه، وجب أن لا يلزم بالنذر، كالمرأة إذا أوجبت صوم يوم حيضها، وكمن قالت: لله عليَّ أن أصوم يومًا آكل فيه، وبمنزلة مَن قال: لله عليَّ أن أصوم بالليل.
قيل له: الفصل بينهما: أنَّ النهار مما يصح فيه الصوم، وليس هناك مانع منه إلا كون الوقت منهيًا عن صومه، والنهي إذا تعلق بالوقت لم يمنع صحة النذر؛ لأنه لا خلاف أنَّ صوم أيام التشريق منهيٌّ عنه، ولا خلاف أيضًا أنه مما يصح صومه؛ لأن مخالفينا يجيزون صوم هذه الأيام للمتعة، ونحن أيضًا نجعل صومها صومًا صحيحًا وإن كان ناقصًا.
فقد ثبت من اتفاق الجميع أنَّ النهي إذا تعلق بالوقت، لم يمنع صحة الصوم، وأنه مخالفٌ لصوم يوم الحيض، وصوم الليل، وصوم يومٍ قد أكل فيه؛ لأن هذه الأوقات لا يصح صومها بحال.
[مسألة:]
قال: (فإن أفطر في هذه الأيام: فعليه كفارة يمين إن كان أراد يمينًا، وروي عن أبي يوسف أنه قال: عليه القضاء، ولا كفارة عليه).
وجه قول أبي حنيفة: ما حدثنا محمد بن بكر قالك حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال أخبرني عبيد الله بن زحر أنَّ أبا سعيد الرعيني أخبره أنَّ عبد الله بن مالك أخبره أنَّ عقبة بن عامر أخبره "أنه سأل النبيَّ ﵊ عن
стр. 3370
أختٍ له نذرت أن تحج حافية، غير مختمرة، فقال: "مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام".
وحُدِّثنا عن أبي داود حدثنا حجاج بن أبي يعقوب حدثنا أبو النضر حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس قال: "جاء رجل إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إن أختي نذرت يعني أن تحج ماشية، فقال رسول الله ﷺ : إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها".
فأمرها في هذا الحديث بالركوب، وكفارة اليمين للركوب، وأمرها – في حديث آخر عن ابن عباس، وقد قدَّمنا ذكر سنده – بالهدي.
فدلَّ ذلك على أنَّ نذر القربة قد يجوز أن يشتمل على معنى الإيجاب، وبمعنى اليمين أيضًا.
فإن قيل: فهذا الخبر يقتضي أن يكون يمينًا، سواء أراد اليمين أو لم يُرِدها.
قيل له: هو كذلك، إلا أنَّ الدلالة قد قامت على أنه إذا لم يُرِدْ به اليمين، لم يكن يمينًا.
وأيضًا: فإن هذا اللفظ يصلح أن يراد به اليمين، ألا ترى أنه لو قال: لله عليَّ أن أدخل هذه الدار اليوم، وأراد اليمين: كان يمينًا، فيكون
стр. 3371
الموجب قربة لا تمنعه من أن يريد به اليمين.
فإن قيل: لا يجوز أن تكون لفظة واحدة للإيجاب واليمين، لأنهما معنيان مختلفان، لا يجوز دخولهما تحت اللفظ، ولأنه إذا أراد به اليمين كان بمنزلة قوله: والله لأفعلنَّه، فلا يجوز أن يكون للإيجاب.
قيل له: ما تعلَّق باللفظ من حكم اليمين إنما هو إيجاب الكفارة بالحنث، وكذلك لزوم الوفاء بالقربة الموجبة بالنذر، هو من طريق الإيجاب، فليس ما تحت اللفظ مختلفًا من جهة الوجوب، فلم يمنع أن يكونا موجبين بلفظ واحد.
* وذهب أبو يوسف إلى ما ذكرنا، من أن لفظًا واحدًا لا يجوز أن يراد به المعنيان جميعًا.
* * * * *
стр. 3372
كتاب أدب القاضي
مسألة: [تسوية القاضي بين الخصمين في كل شيء]
قال أبو جعفر: (وينبغي للقاضي أن ينصف الخصمين في مجلسهما، والنظر إليهما، والمنطق، ولا يرفع صوته على أحدهما ما لم يرفعه على الآخر، ولا يطلق وجهه لأحدهما في شيء من المنطق لا يفعل بالآخر مثله).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أن عليه التسوية بين الخصمين، والدليل عليه: قول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾.
فأفاد بقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾: وجوب التسوية
стр. 3373
بين الخصوم؛ لأن القسط هو العدل.
قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾، يعني العدل، وأكده بقوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوه أو تعرضوا﴾.
قال ابن عباس: هو الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون لي القاضي، وإعراضه لأحدهما دون الآخر.
وقد وردت السنة عن رسول الله ﷺ بمثل ما دلت عليه الآية، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن مهران الدنيوري قال: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عباد بن كثير عن أبي عبد الله عن عطاء بن يسار عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال:
"من ابتلى بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ومقعده أو مجلسه، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لم يرفع على الآخر".
وحدثنا عبد الباقي حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا عبد الرحمن بن
стр. 3374
صالح حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: "أتى رجل عيًا ﵁، فأضافه، فقرب إليه في خصومة فقال علي ﷺ نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه".
فأوجب بذلك التسوية بينهما.
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل حدثنا محمد بن مصفى حدثنا بقية حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قام فينا يوم تبوك، فقال:
إياكم والإقراد، قالوا: يا رسول الله! وما الإقراد؟ قال: يكون أحدكم أميرًا أو عاملًا، فتأتي الأرملة واليتيم والمسكين، فيقول: اقعد حتى أنظر في حاجتك، يتركون مقردين، لا تقضى لهم حاجة، ويأتي الرجل الغني أو الشريف، فيقعده إلى جنبه، فيقول: ما حاجتك؟ فيقول: حاجتي كذا وكذا، فيقول: اقضوا حاجته، وعجلوا بها".
فقد دل هذا على وجوب التسوية بينهم في التقدم إليه.
стр. 3375
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يشد على عضد أحدهم، ولا يلقنه حجته).
وذلك لأن فيه ترك التسوية، وإيجابه لأحدهما على الآخر.
مسألة: [تجنب القاضي البيع والشراء في مجلس القضاء].
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يشتري ويبيع في مجلس القضاء لنفسه، ولا بأس بذلك منه في غير مجلس القضاء).
والأصل في ذلك: أن كل ما شغل قلبه عن شيء من أمر القضاء، فالواجب عليه أن يتركه.
والدليل عليه: ما حدثنا عن أبي داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان".
فأفادنا بذلك أن كل ما شغل قلبه عن شيء من أمر القضاء، فينبغي أن يتجنبه في حال القضاء.
ويدل عليه أيضًا: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن يوسف التركي قال: حدثنا كثير بن يحيى صاحب البصري.
قال عبد الباقي: وحدثنا أخو خطاب قال: حدثنا خالد بن خداش
стр. 3376
قالا: حدثنا القاسم بن عبد الله بن عمر حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طوالة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان".
فهذا أيضًا يدل على ما ذكرنا؛ لأنه إنما أمره بذلك ليقبل بهمه وفكره على القضاء، ولا يكون له مانع من استيفاء حجج الخصوم، وفهم معانيهم.
[مسألة:]
قال: (ولا ينبغي أن يسار أحد الخصمين).
وذلك لأن فهي ترك التسوية، وهو أيضًا يوجب التهمة.
مسألة: [كيفية بداية الفصل بين الخصمين].
قال: (وإذا تقدم إليه الخصمان، فإن ابتدأهما، فقال: ما لكما؟ أو تركهما حتى يبتدئاه المنطق: فلا بأس بذلك).
قال أحمد: يجوز له أن يبتدئهما؛ لأنه لا يمنع المساواة بينهما، ولأن
стр. 3377
فيه ضربًا من التأنيس لهما، وتسكينًا لروعهما، وإزالة للحصر عن المدعي إن كان ممن يخشى منه الحصر.
وإن تركهما: فلا بأس أيضًا حتى يبتدئا هما؛ لأن على القاضي أن يقضي بما يسمع، وليس عليه أن يحملهما على الخصومة.
[مسألة:]
قال أبو جعفر: (فإذا تكلم صاحب الدعوى: أسكت الآخر حتى يفهم حجته، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطق الآخر).
وذلك لأن ازدحامهما على الكلام، يمنع القاضي من فهم الدعوى.
ويدل عليه أيضًا: ما روي عن النبي ﵊ أنه قال لعلي ﵁: "إذا قضيت بين اثنين، فلا نقض للأول حتى تسمع كلام الآخر".
فهذا يدل على أنه إنما يسمع قول الآخر بعد قول الأول، وأنهما لا يتكلمان في حالة واحدة.
стр. 3378
مسألة: [لزوم تفريغ القاضي ذهنه لسماع الحجج].
قال: (وليس ينبغي للقاضي أن يقضي إلا مقبلًا على الحجج، مفرغًا نفسه لها، فإن دخله هم أو غضب أو نعاس: كف عن ذلك حتى يذهب عنه ذلك).
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".
وفي حديث أبي سعيد: "لا يقضي إلا وهو شبعان ريان".
والمعنى في جميع ذلك: أنه لا يأمن مع هذه الأحوال الإخلال باستيفاء حجج الخصوم، وأن يكون ذلك مانعًا له من إدراك حقيقة الحكم فيما يجب عليه إنقاذه.
مسألة: [إمهال الخصوم لأداء حججهم].
قال: (ولا ينبغي له تعجيل الخصوم عن حججهم، ولا التخويف لهم).
وذلك لأن فهي بخس حقهم في المبالغة في استيفاء الحجج، والإدلاء بها، ولا ينبغي له أن يمنعهم حقهم في ذلك؛ لأنه منصوب لإيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم، فكيف يجوز له أن يبخسهم حقًا هو لهم؟
стр. 3379
مسألة: [استحباب إحضار القاضي أهل العلم في مجلسه ليصوبوه].
قال: (وإن كان خيرًا له أن يقعد عنده العلماء من أهل الفقه والصلاح: قعدوا معه، وإن كان يدخله حضر من جلوسهم معه، أو شغل عن أمور الناس: جلس وحده).
قال أحمد: يجوز له أن يقعدهم عنده، ليشاور فيما ينويه مما يشكل عليه، وليستعين برأيهم واجتهادهم في إمضاء أحكامه.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أسلم بن سهل حدثنا محمد بن خالد بن عبد لله حدثنا أبي عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبي العالية "عن عقبة بن عامر قال: جاء الخصمان إلى رسول الله ﵊ فقال: اقض بينهما يا عقبة، قلت: يا رسول الله! أقضي بينهما وأنت حاضر؟ قال: اقض بينهما، فإن أصبت: فلك عشر حسنات، وإن أخطأت: فلك حسنة واحدة".
وقد روي نحو هذه القصة لعمرو بن العاص، وقد "أمره النبي ﵊ أن يقضي بحضرته"، لينبهه على خطئه إن أخطأ.
стр. 3380
وحدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا داود بن عمرو عن حسان بن عطية قال: "لما ولي فضالة بن عبيد القضاء قال لأصحابه: أحضروني كما كنتم تحضرون، وكان بين رجلين تلاح، فأخذ أحدهما بلحية صاحبه فنتفها، فاختصما إلى فضالة، فقال: خذ من لحيته، فإن لم تف، فخذ مما ولي ذلك من وجهه وشاربه وحاجبه، وأشفاره، ورأسه.
فقال له رجل من أصحابه: لو أن رجلًا جنى على رجل، أكنت آخذ به أخاه؟
قال: فعرف الذي قال، قال: فلذلك أمرتكم أن تحضروني".
فله في إحضار أهل العلم أكبر الفوائد؛ لما ذكرنا، ولأنه لا يأمن أن يزل، فيقضي بغير الحق، فينبهوه عليه.
* قال: (وإن كان يدخله حصر من جلوسهم معه، أو شغل عن أمور الناس: جلس وحده).
وذلك لأن الحصر يشغل خاطره، ويقطعه عن فهم حجج الخصوم وكلامهم. وقد نهاه النبي ﷺ أن يقضي وهو غضبان، والحصر أولى أن يمنعه.
مسألة: [تجنب القاضي ما يتعبه].
قال: (ولا ينبغي له إتعاب نفسه بطول الجلوس).
стр. 3381
لأن ذلك يقطعه عن فهم ما يحتاج إليه واستقصائه.
مسألة: [تنظيم القاضي لدخول الرجال والنساء عليه].
قال: (وينبغي له أن يقدم الرجال على حدة، والنساء على حدة).
لأن ذلك أصون للفريقين، وكما جعل الرجال على حدة، والنساء على حدة في الصلاة.
* قال: (وإن رأى أن يجعل لكل فريق يومًا على ما يرى من كثرة الخصوم: فلا بأس بذلك).
وذلك لأنه أبعد من اجتماع الرجال والنساء في مجلس واحد، واختلاط بعضهم ببعض.
مسألة:
قال: (ويقدم الناس على منازلهم في مجيئهم إلى مجلسه).
لما في حديث أبي هريرة الذي قدمنا، أن النبي ﵊ قال: "إياكم والإقراد، يكون أحدكم عاملًا أو أميرًا، فتأتي الأرملة والمسكين واليتيم، فيقول: اقعد حتى أنظر في حاجتك، ويأتي الغني أو الشريف فيقعده إلى جنبه، ويقول: ما حاجتك؟ اقضوا حاجته، وعجلوا بها".
فقد دل هذا الخبر على أن من جاء أولًا استحق النظر في أمره، لأنه
стр. 3382
نهاه عن تأخير قضاء حاجة المسكين الذي جاءه أولًا، وتقديم حاجة الغني عليه؛ لأن السابق قد استحق ذلك قبل مجيء الآخر، فلا يسقط مجيء الآخر حقه في التقديم.
مسألة:
قال: (وله أن يقدم الغرباء إذا رأى ذلك ما لم يضر بأهل البلد).
وإن رأى أن يسوي بينهم: فعل، وذلك لأنه إذا خاف أن يلحق الغريب بمقامه ضرر: جاز له أن يقدمه، إذ ليس فيه ضرر على غيره، فإن كان فيه ضرر على غيره: سوى بينهم، إذ ليس أحدهما بأولى به من الآخر.
مسألة: [شهود القاضي الجنازة وعيادته المريض].
قال: (ولا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة، ويعود المريض، ويجيب دعوة الجماعة).
وذلك لأن هذه سنن مندوب إليها، فلا يوجب القضاء عليه تركها، ولأن هذه الأشياء لا تعلق لها بشيء من أمور الخصوم؛ لأن الناس كلهم متساوون فيه.
وقد "كان النبي ﷺ يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويجيب الدعوة"، وهو أفضل الحكام، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان
стр. 3383
لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
[مسألة: إجابة القاضي الدعوة].
قال: (ولا يجيب الدعوة الخاصة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا بأس بأن يجيب الدعوة الخاصة للقرابة).
وذلك لأن يطمع الناس فيه، ويوجب التهمة.
وكما لا يجب غير القرابة في الدعوة الخاصة، كذلك القرابة.
ولمحمد: أن في ذلك صلة الرحم، وهو مأمور بها، فلا يمنعه منها القضاء، وكما جاز أن يقبل الهدية من ذي الرحم المحرم، ولا يقبلها من غيره، كذلك إجابة الدعوة.
وأيضًا: في الفرق بين الدعوة الخاصة والعامة، أنه ليس له أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر، ويجوز له أن يضيفهما جميعًا، وأن يتخذ دعوة عامة للناس.
مسألة: [قبول القاضي للهدية]
قال: (ولا ينبغي له أن يقبل الهدية إلا من ذي رحم محرم منه).
وذلك لما روى أبو حميد الساعدي "أن رسول الله عليه الصلاة
стр. 3384
والسلام بعث ابن اللتبية على الصدقة، فلما رجع، قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقال النبي ﷺ : "هلا جلس في بيت أبيه وأمه، حتى تأتيه هديته".
وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "هدايا الأمراء غلول".
* ويقبل من ذي المحرم؛ لأن هناك سببًا يوجب له قبول الهدية غير القضاء، وهو الرحم، وأما الأجنبي، فظاهر أمره أنه أهدى إليه للقضاء، ولأن قبوله للهدية يطمع الناس فيه.
مسألة: [لا يخلو القضاء بأحد الخصمين]
قال: (ولا ينبغي له أن يخلو في منزله بأحد الخصمين دون الآخر).
وذلك لما في حديث علي ﵁ "أن النبي صلى الله عليه
стр. 3385
وسلم نهى أن يضيف أحد الخصمين".
ولأنه يوجب تهمته.
مسألة: [جواز القضاء في المنزل]
قال: (لا بأس بأن يقضي في منزله، وحيث أحب، إلا أن الأحسن أن يقضي حيث الجماعة).
إنما جاز له أن يقضي في منزله، لما روي "أن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب اختصما إلى زيد بن ثابت في منزله، قال زيد بن ثابت: هلا بعثت إلي يا أمير المؤمنين، فأتيتك، فقال عمر: في بيته يؤتى الحكم".
وقعوده حيث الجماعة أفضل؛ لأنه أجدر أن لا يحجب عنه أحد.
وقد روى أنس "أن النبي ﷺ كان يقضي بين الناس على باب مسجد الكعبة".
مسألة: [القضاء بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة]
قال: (وينبغي له أن يقضي بما في كتاب الله تعالى، فإن أتاه شيء ليس في كتاب الله تعالى: قضى فيه بما أتى فيه عن رسول الله ﵊، فإن لم يجده فيه: نظر فيما أتاه عن أصحاب رسول الله عليه
стр. 3386
الصلاة والسلام، فقضى به).
وذلك لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾.
وقال الله تعالى: ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.
وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾.
وقال تعالى: ﴿فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾.
مسألة: [لا يخالف القاضي الإجماع، والأدلة على حجية الإجماع].
وإذا اجتمعت الصحابة على شيء اتبعه وأخذ به، لا يجوز له خلافهم، لقيام الدلائل الموجبة لصحة الإجماع.
فمنها: قول الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾.
فأمر بإتباع سبيلهم.
стр. 3387
وقال: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس﴾.
ومعنى قوله: وسطًا: أي عدولًا، كما قال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم .... إذا طرقت إحدى الليالي بمعضل
فقد دلت هذه الآية على صحة الإجماع من وجهين:
أحدهما: قوله: وسطًا، والوسط: العدل، ومن كان عدلًا: لزم قبول قوله؛ لأنا نعلم أنه لا يقول إلا حقًا.
والثاني قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾.
ولا يكونون شهداء عليهم إلا وهو محكوم بصحة قولهم وشهادتهم، كالرسول لما جعل شهيدًا عليهم، لزمهم قبول قوله.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾.
ومن كان بهذه الصفحة لا يجوز عليهم الاجتماع على ضلال.
стр. 3388
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على ضلال".
وهذا الخبر وإن كان من أخبار الآحاد، فإنه قد استفاض في الأمة، وتلقاه السلف وأهل العلم بالقبول، وترك النكير على راويه.
وقال النبي ﷺ : "من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".
وقال: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة".
وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ".
وقال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب".
стр. 3389
في أخبار كثيرة من نظائر ذلك تدل على صحة الإجماع، وتوجب لزومه، وترك مخالفته، والكلام في صحة الإجماع يطول ويكثر، وإنما ذكرنا منه جملة.
مسألة: [اختيار القاضي من أقاويل الصحابة حال اختلافهم].
قال أبو جعفر: (فإن كانوا قد اختلفوا فيه: تخير من أقاويلهم أحسنها في نفسه، ولم يكن له أن يخالفهم جميعًا، ويبتدع شيئًا من رأيه).
وذلك أنه لما صح أنهم لا يجتمعون على ضلال، فقد ثبت أن الحق لا يخرج من أقاويلهم، وأن ما خرج من أقاويلهم، وأن ما خرج عن أقاويلهم فهو خطأ، لأنه لو جاز أن يخرج الحق عن أقاويلهم، لكانوا قد أجمعوا على خطأ، وقد أمنا ذلك منهم بالدلائل الموجبة لصحة الإجماع.
وله أن يختار من أقاويلهم ما غلب على ظنه أنه الحق، وذلك لأنهم لما اختلفوا فيه على وجوه مختلفة، ولم يعنف بعضهم بعضًا فيما ذهب إليه، ولم يظهر النكير عليه، فقد سوغوا فيه الاجتهاد، وأجازوا اعتقاد أحد الأقاويل على حسب ما غلب في ظن المجتهد.
ويدل عليه قول النبي ﵊: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
مسألة: [اجتهاد القاضي فيما لم يجد فيه نصًا]
قال أبو جعفر: (فإن لم يجد في كتاب الله، ولا فيما جاء عن رسول
стр. 3390
الله ﵊، ولا عن أحد من الصحابة: اجتهد رأيه في ذلك، وقاسه بما جاء عنهم، ثم يقضي بما يغلب على ظنه أنه الحق).
وذلك لما روي "عن معاذ أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله تعالى، قال: فإن لم يكن في كتاب الله تعالى؟ قال: ففي سنة رسول الله ﵊، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو، فضرب صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله".
وقد روي هذا من طرق تركت ذكر أسانيدها خوف الإطالة.
وروى أبو هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإن اجتهد فأخطأ كان له أجر".
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى القاضي فاجتهد، فأصاب، كان له عشر أجور، فإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر واحد".
وروي عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ مثله.
стр. 3391
والكلام في الاجتهاد يطول ويكثر، وليس يحتمله هذا الكتاب، ولكني لم أحب أن أخليه من جملة تدل عليه، وقد روي عن أبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وسائر الصحابة القول في الاجتهاد، وعلى الترتيب الذي ذكرناه، وعلى أنه لا خلاف بين الصدر الأول، ومن بعدهم من التابعين، وفقهاء الأمصار فيه.
مسألة: [مشورة القاضي للفقهاء عند الإشكال].
قال أبو جعفر: (فإن أشكل عليه: شاور رهطًا من أهل الفقه، ثم نظر إلى أحسن أقاويلهم، وأشبهها بالحق، فقضى به).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾.
وقال: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.
وقال: ﴿فبشر عباد (١٧) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾.
مسألة:
قال أبو جعفر: (وإن رأى خلاف في رأيهم أحسن وأشبه بالحق: قضى به).
قال أحمد: هذا على شريطة أن يكون القاضي من أهل الاجتهاد، وعالمًا بطريق القياس ووجوهه، فيكون كواحد منهم، يجوز له أن يخالف
стр. 3392
عليهم إذا رأى ذلك.
فأما إن كان غير عالم بالفقه، وطرق الاجتهاد والقياس: فغير جائز له مخالفتهم جميعًا، بل عليه أن يجتهد حينئذ في تقليد أوثقهم في نفسه، وأعلمهم عنده، مثل العامي إذا نزلت به نازلة.
مسألة: [نقضه لما قضى إذا تبين مخالفته للكتاب والسنة والإجماع].
قال أبو جعفر: (وإن قضى بقضاء، ثم تبين له أن غير ما قضى به أولى مما قضى به؛ لأن الذي قضى به خلاف الكتاب والسنة والإجماع: أبطله).
وذلك لأن قضاءه كان من طريق الظن، وهذا يقين، فيلغي الظن، ويرجع إلى اليقين.
وأيضًا: فقد بان أنه اجتهد في غير موضع الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا يسوغ مع النص والإجماع.
مسألة: [تغير اجتهاد القاضي في مسألة بعينها وقد قضى في الأولى]
قال: (وإن كان على غير ذلك: لم يبطله، وقضى في المستأنف بالذي يراه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف).
وذلك لأن القضاء الأول كان من طريق الاجتهاد، فلا يدفعه باجتهاد مثله، وهذا نظير قولهم فيمن كان معه ثوبان، في أحدهما نجاسة، لا يعلم أيهما هو، أنه يتحرى، فإن تحرى وصلى في أحدهما، ثم أداه اجتهاده إلى أن الآخر هو الطاهر: لم يلفت إلى ذلك؛ لأن الأول قد جعل محكومًا بطهارته من طريق الاجتهاد، فلا ينقض هذا الحكم باجتهاد مثله.
стр. 3393
ولو تيقن النجاسة في الثوب الذي صلى فيه: بطل حكم اجتهاده، وأعاد الصلاة؛ لأنه تعقب اجتهاده باليقين.
وكن اجتهد في القبلة، فصلى إلى جهة، ثم أداه اجتهاده إلى جهة أخرى: فلا تبطل صلاته الأولى؛ للعلة التي وصفنا.
وأيضًا: في حديث أبي بكر ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: "لا يقضين في أمر واحد بقضاءين".
فهذا ينفي فسخ القضاء الأول من سائر الوجوه، إلا أن تقوم الدلالة عليه.
وأيضًا: فإن أصحاب رسول الله ﷺ لما اختلفوا في أحكام الحوادث، ولم يعنف بعضهم بعضًا في مقالته، فقد دل ذلك من أمرهم على أنه غير جائز فسخ قضاء من قضى بمذهبه من طريق الاجتهاد؛ لأنه إذا لم يجز له النكير عليه، ففسخ قضائه أولى أن يكون ممنوعًا.
وأيضًا: "قال عمر في مسألة المشركة: لا شيء للأخوة من الأب
стр. 3394
والأم، ثم شرك بينهم وبين الأخوة من الأم في العام المقبل، فقيل له في ذلك، فقال: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا".
قال عمر: "قضيت في الجد قضايا مختلفة، لم آل فيه عن الحق".
* قال أبو جعفر: (وقال محمد: إن كان قضى به باجتهاد، وهو مما يسوغ فيه الاجتهاد: فالقول فيه كما قالا.
وإن كان إنما قضى به تقليدًا لفقيه بعينه، ثم تبين له أن غيره من أقوال الفقهاء أولى مما قضى به: نقضه، وقضى بما يراه فيه).
قال أحمد: من مذهب محمد، وهو قول أبي يوسف فيما كان يحكيه أبو الحسن الكرخي ﵀: أن من كان من أهل لاجتهاد، لا يسوغ له تقليد غيره في حكم الحادثة، فيشبه أن يكون القول الذي حكاه أبو جعفر في هذه المسألة عن محمد من هذا الأصل؛ لأنه لما لم يجز له تقليده، أجاز له فسخه إذا رأى الصواب في غيره.
стр. 3395
مسألة: [حكم نقض القاضي قضاء من سبقه]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز له أن ينقض قضاء من تقدمه من القضاة إذا كان مما يختلف فيه الفقهاء).
قال أحمد: هذا الإطلاق صحيح فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد من الأقاويل: فإن حكم الحاكم به لا ينفذه، ولا يصححه وإن اختلف الفقهاء فيه.
وذلك نحو القضاء بالشاهد واليمين، فهذا مما لا يسوغ الاجتهاد فيه، لمخالفته الكتاب، والسنن الثابتة، فإن حكم به حاكم، ثم رفع إلى آخر: أبطله.
وقال محمد بن الحسن: من حكم ببيع أمهات الأولاد: أبطلت حكمه.
وكان أبو الحسن الكرخي ﵀ يحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يبطل بيع أمهات الأولاد إذا حكم به حاكم.
ومن المذاهب الشنيعة الفاحشة: ما يحكى عن الشافعي ﵁: أنه جائز للرجل بأن يتزوج بابنته من الزنى، فهذا العقد لا يصححه حكم
стр. 3396
الحاكم؛ لأنه ليس من دين أهل الإسلام، ولا يليق بشريعة الرسول ﵊، وهو بمذهب المجوس أشبه.
ومما لا يسوغ الاجتهاد فيه: قول من يقول: إن سهم ذوي القربى يستحقه الفقراء والأغنياء منهم، مع اتفاق الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ على أنه للفقراء منهم.
والمسائل التي لا يسوغ الاجتهاد فيها كثيرة، مع اختلاف الفقهاء فيها، وذكرها يؤدي إلى الإطالة، وإنما أردنا بما ذكرنا التنبيه على أصل المقالة.
* وإنما قلنا إنه لا يتعقب بالنقض مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ لما بينا في قضاء نفسه إذا رأى بعد ذلك خلافه.
وقد روى الشعبي "أن النبي ﷺ كان تنزل به القضية، فيقضي فيها برأيه، ثم ينزل القرآن على غير ما قضى به، فيستأنف، فيحكم بحكم القرآن, ولا يرد قضاءه".
стр. 3397
وقال الشعبي: "أيما قاض قضى، فجاء قاض بعده، فلا ينظرن فيما قضى، وليوله من ذلك ما تولى".
مسألة: [النظر في أمر تعديل الشهود وتزكيتهم]
قال أبو جعفر: (وإذا شهد عنده من لا يعرفه على رجل بشهادة، فلم يطعن فيه الخصم: قضى بشهادته، ولم يسأل عنه إذا كملت عدة الشهود.
وإذا طعن الخصم في الشهود: لم يقض بشهادتهم حتى يعدلوا عنده في السر، ويزكوا عنده في العلانية، وهذا قول أبي حنيفة).
قال أحمد: هذا القول من مذهب أبي حنيفة محمول على ما كان عليه حال الناس في زمانه، وذلك لأن ظاهر أمرهم كان العدالة، لأنه كان في القرن الثالث، وقد قال النبي ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب".
فلما كان كذلك حال الناس في ذلك الوقت، وكان الإسلام يوجب العدالة حتى يحدث ما يوجب زوالها، وجب أن يكون أمره على ظاهر حاله، وما أوجب له الإسلام من عدالته.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، ما خلا مجلودًا حدًا، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينا في
стр. 3398
ولاء أو قرابة".
وقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في فرية".
ويدل على أن ظاهر الإسلام يوجب العدالة: قبول النبي ﷺ شهادة الأعرابي في رؤية الهلال، حين شهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، ولم يسأل عن حاله.
* فإن طعن فيه الخصم: سأل عنه، من قبل أن ذلك من حق المشهود عليه، لأنه يزعم أنه قد حدث ما يمنع قبول شهادته، فينبغي أن يستظهر له.
* فأما قوله: إنه يسأل عنهم في السر، ويزكيهم في العلانية: فإن معناه: أن يسأل عنهم في السر؛ لأنه أبلغ في الوصول إلى حقيقة حاله،
стр. 3399
لأن المسؤول في العلانية ربما لم يخبر بحقيقة ما يعلمه من حاله إلا لمحاباة للمسؤول عنه، أو خوفًا منه، أو ما جرى مجرى ذلك، فلذلك قال: يسأل عنهم في السر.
ومعنى قوله: ويزكيهم في العلانية: أن القاضي يظهر تزيته، وما بلغه من صلاح أمره.
لكن إن كان عند إنسان ممن لم يسأل عنه: ما يوجب الجرح: أخبر القاضي به، لئلا يقدم على قبول شهادته.
* (وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فإن القاضي لا يقضي بشهادتهم حتى يسأل عنهم).
وذلك لأن الشهادات تسقطها الشبه، كالحدود، فينبغي له أن يستظهر فيها، كما يستظهر في الحدود في المسألة عن حال المقر بالزنى، والتثبت في أمره، كذلك الشهادة.
وأيضًا: فإن قبول شهادة العدول حق لله تعالى، ألا ترى أن المشهود عليه، لو رضي بأن تقبل عليه شهادة غير العدول: لم يلتفت إليه، فثبت أن اعتبار العدالة في شهادة الشهود من حق الله تعالى، فوجب أن يسأل عنهم، كما اتفقوا على أن عليه المسألة عن حال الشهود في الحدود؛ لأنها من حقوق الله تعالى.
والذي عندي: أن أبا حنيفة لو شاهد حال الناس، وما اشتملت عليه الكافة من فساد الأديان، وقبح الأفعال، لأوجب المسألة عن الشهود، ولم يحمل أمرهم على ظاهر العدالة.
* وإنما فرق أبو حنيفة بين الشهادة على الحدود وغيرها في المسألة عن الشهود؛ لأن الحدود قد أمر بالاحتياط فيها، وأمر بدرثها بالشبهة،
стр. 3400
وأمر في شهود الزنا بأربعة من الشهداء، ولا يثبت إلا بإقرار أربع مرات، ولا يقبل في سائرها شهادة النساء، فاحتاط أيضًا فيها بالمسألة عن الشهود.
مسألة:
قال أبو جعفر: (لا ينبغي له أن يلقن شاهدًا، ولكن يدعه حتى يشهد بما عنده).
وذلك لأن عليه أن يقضي بما سمع، لما روي عن النبي ﵊ في حديث أم سلمة أنه قال: إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع".
وقال الله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾.
فلا ينبغي للقاضي أن يغيرها عن وجهها بتلقينه إياها، وذلك لأنه لا يأمن أن يتلقن بعض ما يقول على جهة الظن، بأنه موافق لما عنده، وهو في الحقيقة مخالف له.
* قال: (وقال أبو يوسف: لا أرى بأسًا أن يقول له: أتشهد بكذا؟).
وذلك لأنه ربما حصر عن إقامتها على جهتها، وقد عرف القاضي المعنى الذي يريده، فيتثبته.
следующие страницы →