← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

الحاكم؛ لأنه ليس من دين أهل الإسلام، ولا يليق بشريعة الرسول ﵊، وهو بمذهب المجوس أشبه. ومما لا يسوغ الاجتهاد فيه: قول من يقول: إن سهم ذوي القربى يستحقه الفقراء والأغنياء منهم، مع اتفاق الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ على أنه للفقراء منهم. والمسائل التي لا يسوغ الاجتهاد فيها كثيرة، مع اختلاف الفقهاء فيها، وذكرها يؤدي إلى الإطالة، وإنما أردنا بما ذكرنا التنبيه على أصل المقالة. * وإنما قلنا إنه لا يتعقب بالنقض مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ لما بينا في قضاء نفسه إذا رأى بعد ذلك خلافه. وقد روى الشعبي "أن النبي ﷺ كان تنزل به القضية، فيقضي فيها برأيه، ثم ينزل القرآن على غير ما قضى به، فيستأنف، فيحكم بحكم القرآن, ولا يرد قضاءه".

стр. 3397

وقال الشعبي: "أيما قاض قضى، فجاء قاض بعده، فلا ينظرن فيما قضى، وليوله من ذلك ما تولى". مسألة: [النظر في أمر تعديل الشهود وتزكيتهم] قال أبو جعفر: (وإذا شهد عنده من لا يعرفه على رجل بشهادة، فلم يطعن فيه الخصم: قضى بشهادته، ولم يسأل عنه إذا كملت عدة الشهود. وإذا طعن الخصم في الشهود: لم يقض بشهادتهم حتى يعدلوا عنده في السر، ويزكوا عنده في العلانية، وهذا قول أبي حنيفة). قال أحمد: هذا القول من مذهب أبي حنيفة محمول على ما كان عليه حال الناس في زمانه، وذلك لأن ظاهر أمرهم كان العدالة، لأنه كان في القرن الثالث، وقد قال النبي ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب". فلما كان كذلك حال الناس في ذلك الوقت، وكان الإسلام يوجب العدالة حتى يحدث ما يوجب زوالها، وجب أن يكون أمره على ظاهر حاله، وما أوجب له الإسلام من عدالته. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، ما خلا مجلودًا حدًا، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينا في

стр. 3398

ولاء أو قرابة". وقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في فرية". ويدل على أن ظاهر الإسلام يوجب العدالة: قبول النبي ﷺ شهادة الأعرابي في رؤية الهلال، حين شهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، ولم يسأل عن حاله. * فإن طعن فيه الخصم: سأل عنه، من قبل أن ذلك من حق المشهود عليه، لأنه يزعم أنه قد حدث ما يمنع قبول شهادته، فينبغي أن يستظهر له. * فأما قوله: إنه يسأل عنهم في السر، ويزكيهم في العلانية: فإن معناه: أن يسأل عنهم في السر؛ لأنه أبلغ في الوصول إلى حقيقة حاله،

стр. 3399

لأن المسؤول في العلانية ربما لم يخبر بحقيقة ما يعلمه من حاله إلا لمحاباة للمسؤول عنه، أو خوفًا منه، أو ما جرى مجرى ذلك، فلذلك قال: يسأل عنهم في السر. ومعنى قوله: ويزكيهم في العلانية: أن القاضي يظهر تزيته، وما بلغه من صلاح أمره. لكن إن كان عند إنسان ممن لم يسأل عنه: ما يوجب الجرح: أخبر القاضي به، لئلا يقدم على قبول شهادته. * (وأما في قول أبي يوسف ومحمد: فإن القاضي لا يقضي بشهادتهم حتى يسأل عنهم). وذلك لأن الشهادات تسقطها الشبه، كالحدود، فينبغي له أن يستظهر فيها، كما يستظهر في الحدود في المسألة عن حال المقر بالزنى، والتثبت في أمره، كذلك الشهادة. وأيضًا: فإن قبول شهادة العدول حق لله تعالى، ألا ترى أن المشهود عليه، لو رضي بأن تقبل عليه شهادة غير العدول: لم يلتفت إليه، فثبت أن اعتبار العدالة في شهادة الشهود من حق الله تعالى، فوجب أن يسأل عنهم، كما اتفقوا على أن عليه المسألة عن حال الشهود في الحدود؛ لأنها من حقوق الله تعالى. والذي عندي: أن أبا حنيفة لو شاهد حال الناس، وما اشتملت عليه الكافة من فساد الأديان، وقبح الأفعال، لأوجب المسألة عن الشهود، ولم يحمل أمرهم على ظاهر العدالة. * وإنما فرق أبو حنيفة بين الشهادة على الحدود وغيرها في المسألة عن الشهود؛ لأن الحدود قد أمر بالاحتياط فيها، وأمر بدرثها بالشبهة،

стр. 3400

وأمر في شهود الزنا بأربعة من الشهداء، ولا يثبت إلا بإقرار أربع مرات، ولا يقبل في سائرها شهادة النساء، فاحتاط أيضًا فيها بالمسألة عن الشهود. مسألة: قال أبو جعفر: (لا ينبغي له أن يلقن شاهدًا، ولكن يدعه حتى يشهد بما عنده). وذلك لأن عليه أن يقضي بما سمع، لما روي عن النبي ﵊ في حديث أم سلمة أنه قال: إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بما أسمع". وقال الله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾. فلا ينبغي للقاضي أن يغيرها عن وجهها بتلقينه إياها، وذلك لأنه لا يأمن أن يتلقن بعض ما يقول على جهة الظن، بأنه موافق لما عنده، وهو في الحقيقة مخالف له. * قال: (وقال أبو يوسف: لا أرى بأسًا أن يقول له: أتشهد بكذا؟). وذلك لأنه ربما حصر عن إقامتها على جهتها، وقد عرف القاضي المعنى الذي يريده، فيتثبته.

стр. 3401

مسالة: (ولا ينبغي له أن يتعنت الشهود). لأن النبي ﷺ قال: "إنما أقضي بما أسمع"، فينبغي له أن يمسك عنه حتى يشهد، ولأن التعنت ربما خلط عليه الشهادة وإن كانت صحيحة. وكما لا يجوز له أن يتعنت أحد الخصمين؛ لأن فيه معونة لأحدهما على صاحبه، كذلك في الشهادة. مسألة: قال: (ولا بأس بأن يفرق بين الشهود إذا اتهمهم). وذلك لأن ذلك مما يزيل التهمة، وفيه ضرب من الاحتياط للشهادة. وقد روي عن علي ﵁ أنه فرق بين جماعة ادعى عليهم قتل رجل، فسألهم واحدًا واحدًا عن حاله، وحال المقتول، فاختلفت أقوالهم، فأقروا بقتله. مسألة: قال أبو جعفر: (ويقبل تعديل الواحد، وجرح الواحد). وذلك أن هذا شيء من أمر الدين، فيقبل فيه خبر الواحد، وليس

стр. 3402

ذلك بشهادة؛ لأنه لو كان شهادة، لوجب أن يستوفي فيها شرائط الشهادة في اعتبار اللفظ، وحضور خصم، وما جرى مجراه. ويدل عليه: أنه غير محكوم به، ألا ترى أنه لا يستحل بالجرح ولا التعديل، فدل عليه أن طريقه الخبر، فيقبل فيه خبر الواحد؛ إذا كان من أمر الدين. ويدل عليه: حديث زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتابة اليهود، فكنت أكتب له إذا كتب إليهم، وأقرأ له إذا كتبوا إليه". والمعنى: أن ذلك كان من طريق الخبر، فكذلك ما وصفناه. * وأما محمد: فإنه قال: لما كانت صحة الشهادة موقوفة على التزكية، وجب أن لا يقبل فيها إلا ما يقبل في الشهادة. مسألة: [اجتماع الجرح والتعديل في الشاهد] قال أبو جعفر: (وإن عدله رجلان، وجرحه واحد: أخذ بقولهما، وأبطل قوله الآخر الواحد). وذلك لأن قول الاثنين مما يوجب الحكم، ويقبل في الحقوق، فهو

стр. 3403

آكد من قول الواحد الذي لا يقبل إلا من طريق الخبر، ولا يثبت به حكم. فإن قيل: فهلًا مثله في الخبرين المتضادين، إذا رويا عن النبي ﵊، أن أحد الخبرين إذ رواه اثنان، والخبر الآخر رواه واحد، أن خبر الاثنين أولى بالقبول، كما قلت في خبر الجرح والتعديل. قيل له: الفصل بينهما: أن الخبرين المتضادين إذا وردا، وجب عرضهما على الأصول، فما شهدت له الأصول منهما، فهو أولى بالاستعمال، لأنا متى خلونا من أخبار الآحاد، كان لنا أصول نرد إليها حكم الحادثة من طريق الاجتهاد، فإذا ورد خبر عار مما يرده: كان عندنا مقدمًا على النظر. فإذا ورد خبران متضادان، وروى أحدهما اثنان، والآخر واحد: فلا يخلو النظر حينئذ من أن يكون شاهدًا بخبر الاثنين، أو مع الواحد، فيكون الذي معه النظر أولى بالقبول؛ لأن شهادة الأصول آكد من انضمام مخبر آخر بخبر مثل خبره، إذ كان انضمامه إليه لا يوجب وقوع العلم بصحة مخبره، وهذا المعنى معدوم في الجرح والتعديل، إذ ليس هناك أصل يفزع إليه غير الخبر، فإذا صار لأحدهما ضرب من الرجحان: كان أولى.

стр. 3404

مسألة: [ما يشترط في قبول ترجمة المترجم] قال أبو جعفر: (ويقبل في الترجمة بمن لا يفهم كلامه قول واحد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يقبل فيها إلا ما يقبل في الشهادة). وجه قولهما: ما قدمنا في جواز قبول تزكية واحد. ويدل عليه: حديث زيد بن ثابت في قراءته كتب اليهود، وقبول النبي ﵊ ترجمته. فإن قيل: إن هذا من جهة الإخبار، لا من جهة ما يوجب الحكم. وما ذكرنا من الترجمة تتعلق بها الأحكام، فينبغي أن لا يقبل فيها إلا ما يقبل في الشهادات. قيل له: الترجمة لا توجب حكمًا، وطريقها الخبر أيضًا، فلا فرق بينه وبين ما ذكرت، ولو كانت الترجمة والتزكية محمولتين على الشهادة لوجب أن لا يقبل فيهما إلا ما يقبل في الشهادات في سائر الوجوه، فلا تقبل شهادة في الزنى إلا بتزكية أربعة، وترجمة أربعة؛ لأن شهادة الزنى كذلك حكمها. مسألة: [اتخاذ القاضي كاتبًا، وبيان ما يكتب] قال أبو جعفر: (وينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا من أهل العفاف والصلاح، ثم يقعده حيث يرى ما يكتب وما يصنع، ثم يكتب خصومة كل

стр. 3405

خصمين، وما كان بينهما من الشهادة في صحيفة، ثم يطويها ويخزمها، ثم يختمها بخاتمه، ثم يكتب عليها: خصومة فلان وفلان، ويؤرخه، ويجعل خصومة كل شهر في قمطر على حدة). وذلك لأن كاتب القاضي مؤتمن على ما جعل إليه، فينبغي أن يكون عدلًا، كالقاضي نفسه. ويكتب ما يجري، ليكون أثبت وآكد، ولأنه لا يؤمن عليه النسيان، فتبطل حقوق الناس وحججهم، ويختم الصحيفة، ليأمن عليها التغيير والزيادة والنقصان. مسألة: [السؤال عن الشهود] قال: (وإن قدر على مباشرة السؤال عن الشهود: فعل). لأنه أحوط، وأحرى بثلج الصدر فيما يورد عليه فيهم. * قال: (وإن لم يقدر على ذلك: ولاه رجلين عدلين). لأنه آكد وأحوط. * (وإن ولاه واحدًا: كذلك جاز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف).

стр. 3406

كما قلنا في المزكين والمترجم. (ولم يجز في قول محمد)، حتى يولي عليه اثنين، كما قال في المزكين. مسألة: [إذا وجد القاضي في ديوانه صحيفة فيها شهادة شهود] قال أبو جعفر: (وإذا وجد القاضي في ديوانه صحيفة فيها شهادة شهود، لا يحفظ أنهم شهدوا بها عنده: فإنه يقضي بذلك في قول أبي يوسف ومحمد). وذلك لأنه كان في يده، وتحت ختمه، فظاهر حاله الصحة، ألا ترى أن الإنسان قد يروي الحديث الذي يجده في كتابه بخطه وإن لم يذكر أنه سمعه بعينه. فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا أصلًا لما ذكرنا من الحكم، بدلالة أنه قد يجوز له أن يروي حديثًا يجده في كتاب غيره، وفيه سماعه، ولا يجوز مثله فما يجده في ديوان قاض قبله، حتى يشهد به الشهود. قيل له: هما وإن افترقا من هذه الجهة، فإنما كانت جهة الاستشهاد به: أن الغالب في مثله أنه حق. قال: (وقال أبو حنيفة: لا يقضي بذلك حتى يذكر). لقول الله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾.

стр. 3407

وقال: ﴿فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾. فدل على أن الذر من شرط صحة الشهادة، فإذا وجب اعتبار الذكر في الشهادة، فالقضاء أولى بذلك. مسألة: [ما يجده القاضي في ديوان من قبله] قال أبو جعفر: (وما وجده في ديوان القاضي الذي كان قبله من ذلك: لم يلتفت إليه، ولم يقض به إلا أن تقوم البينة على قضائه به وهو قاض قبل أن يعزل). وذلك لأن وجوده إياه في ديوانه، لا دلالة فيه على أنه قد قضى به، إذ لا يمتنع أن يوضع في ديوانه ما لم يقض به، وأن يزور عليه. وكما لا يقضي بخط شاهدين وجده في كتاب دون أن يشهدا به. وكما لا يقضي على رجل يجد في صك خطًا يشبه خطه، ويغلب في ظنه، حتى تقوم البينة عليه. مسألة: [لا يكون الكاتب ذميًا ولا عبدًا ولا ...] قال: (ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا ذميًا، ولا عبدًا ولا مكاتبًا، ولا محدودًا في قذف، ولا أحدًا ممن لا تجوز شهادته). قال أحمد: أما الذمي: فلقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا

стр. 3408

تتخذوا بطانة من دونكم﴾. روي "أن عمر بلغه أن أبا موسى اتخذ كاتبًا ذميًا، فكتب إليه ينهه عن ذلك، وقال: قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾، وقال الله تعالى: ﴿ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا﴾ ". وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "إنا لا نستعين بمشرك". وأما سائر من ذكر: فلأن شهادتهم لا تجوز، وسبيل كاتب القاضي أن يكون عدلًا، جائز الشهادة، كالقاضي نفسه؛ لأنه مؤتمن على الأحكام والحقوق. مسألة: [كتاب القاضي إلى القاضي، وحكم العمل به] قال أبو جعفر: (ومن أتاه بكتاب قاضي بلد سوى بلده: فإنه ينبغي له أن يسأل الذي جاءه بالكتاب البينة على كتاب القاضي، أنه كتابه، وخاتمه، ثم يقرأه على الشهود بمحضر المكتوب إليه، والمكتوب فيه، بعد أن يشهد الشهود أن القاضي الذي كتبه إليه قد كان قرأ عليهم).

стр. 3409

قال أحمد: الأصل في جواز قبول كتاب القاضي إلى القاضي: اتفاق الفقهاء. ولأن الكتاب يقوم مقام خطاب الكاتب في الأداء عنه، ألا ترى "أن النبي ﷺ قد كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الإسلام"، فكان ذلك كخطابه لهم. و"كتب لعمرو بن حزم كتابًا يشتمل على كثير من الأحكام". و"كتب إلى أقيال اليمن كتبًا". فدل على أن الكتاب يقوم مقام خطاب الكاتب. وأيضًا: فكما جازت الشهادة على الشهادة، جاز كتاب القاضي إلى القاضي، وذلك لأن الشهود الناقلين للشهادة، ينقلون قول شهود الأصل، فكذلك كتاب القاضي يقوم مقامه فيما أنبأ عنه، إلا أن ذلك لا يثبت عند المكتوب إليه إلا بشهادة شهود، يشهدون على أنه كتابه وخاتمه، كما لا تثبت شهادة شهود الأصل عند الحاكم إلا بأن ينقلها إليه الذين شهدوا عنده، ويحتاجون أن يشهدوا بما في الكتاب، فإذا شهدوا بما فيه، حينئذ فك القاضي الكتاب، وقرأه. * وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أن هذا كتابه وخاتمه: قبله وإن لم يعلموا ما فيه. لأبي حنيفة: أن الشهادة على المجهول لا تصح، بدلالة أنهم لو قالوا: نشهد أن لفلان على هذا حقًا، لم يقبله، وكذلك إذا لم يعلموا

стр. 3410

ما في الكتاب. وأيضًا: لم يختلف أصحابنا أنهم لو شهدوا على رجل بمال في صك، وهم لا يدرون ما في الصك: أن شهادتهم لا تجوز، كذلك كتاب القاضي. وفرق أبو يوسف بينهما، بأن الكتاب بمنزلة الخطاب، يثبت حكمه بنفسه، والصك لا يثبت حكمه إلا بالإشهاد عليه، أو الإقرار به بالقول، وإنما احتيج إلى حضور المشهود له والمشهود عليه، من قبل أن ذلك شهادة عليه، فلا يقبل إلا بمحضر منه، ومن خصمه المدعي وإن لم يتوجه عليه بنفس هذه الشهادة الحق المدعي، كما أن الشهادة على الوكالة بالخصومة لا تقبل إلا بمحضر منه وإن لم يتوجه عليه حق بنفس الوكالة. * ولا يحتاج القاضي الذي كتب إلى حضور المشهود عليه بالحق في حال شهادة الشهود عنده بالحق المدعى؛ لأنه لا يحكم بهذه الشهادة، ولا يتوجه بها حق على المشهود علي، وهو بمنزلة شاهدي الأصل، إذا شهدا على أنفسهما. فلا تفتقر صحة الإشهاد على الشهادة إلى حضور المشهود عليه. * حتى إذا وصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه: احتاج حينئذ في صحة سماع شهادة شهود الكتاب إلى حضور الخصم، كما يحتاج إلى حضوره إذا حضر الشهود الذين يشهدون على شهادة شهود الأصل. مسألة: [حكم كتاب القاضي إلى القاضي حال موت الأول أو عزله] قال أبو جعفر: (وإن مات القاضي الكاتب أو عزل: لم ينبغ للقاضي

стр. 3411

المكتوب إليه إنفاذ كتابه). قال أحمد: وذلك لأن كتابه يقوم مقام خطابه، وخطابه بعد العزل: لا يثبت بعد حكم، وبعد الموت: يخرج كتابه من أن يكون بمنزلة الخطاب، لأن خطابه قد بطل. فإن قيل: فينبغي على هذه القضية أن لا يجوز كتاب القاضي إلى القاضي رأسًا؛ لأن كتابه إذا قام مقام خطابه، وهو لو خاطب به غير بلده الذي هو حاكم فيه: لم يكن لخطابه حكم، كذلك كتابه. قيل له: كتابه ينبئ عن خطابه الذي كان منه في موضع حكمه، وذلك القول صحيح، والكتاب ينبئ عنه، فصار كأنه يخاطبه في موضع قضائه وحكمه. فإن قال قائل: هلا جعلته بمنزلة الشاهدين على شهادة شاهدين، أن موت الأولين لا يمنع قبول شهادتهما. قيل له: الفصل بينهما: أن موت شاهدي الأصل: لا يبطل شهادتهما، ولا يخرجهما من أن يكونا من أهل الشهادة، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا عند قاض بحق، ثم مات قبل إمضاء الحكم بشهادتهما: أنه يمضي الحكم بشهادتهما، ولا يبطلها موتهما، فكذلك الشاهدان على شهادتهما، يجوز لهما نقلها بعد موتهما. وأما موت القاضي، فإنه يبطل قوله الذي لم يمضه، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا عند حاكم بحق الرجل، فلم يمض الحكم بشهادتهما حتى مات: أن الحاكم الثاني الذي ولي لا يلتف إلى السماع الذي تقدم

стр. 3412

من الحاكم الميت بشهادة الشهود، فلذلك كان ذلك على ما وصفنا. مسألة: [حكم كتاب القاضي إلى القاضي حال موت الثاني أو عزله] قال أبو جعفر: (وإن مات القاضي المكتوب إليه، أو عزل: لم يتبع لقاض غيره أن يجيز ذلك الكتاب). وذلك لأنه هو المخاطب به، ولم يخاطب به الثاني، فلا يجوز له إنفاذه، ألا ترى أن شهودًا لو شهدوا عند حاكم، فلم يحكم بشهادتهم حتى عزل، وولى حاكم غيره: أن الثاني لا يمضي تلك الشهادة، ولا يعتد بذلك السماع. مسألة: [مجالات العمل بكتاب القاضي إلى قاض آخر]. قال أبو جعفر: (وكتب القضاة إلى القضاة جائزة في سائر الحقوق، إلا في الحدود والقصاص). وذلك: لأن الكتاب قائم مقام الكاتب، ولا يجوز إثبات الحدود والقصاص بما يقوم مقام غيره، كالشهادة على الشهادة، وشهادة النساء. وكل ما جازت فيه شهادة النساء، والشهادة على الشهادة، قبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وما لم يجز فيه ذلك: لم يجز فيه كتاب القاضي.

стр. 3413

وقد روي عن الزهري قال: "مضت السنة من رسول الله ﵊، والخليفتين من بعده، أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص". مسألة: [شروط قبول كتاب القاضي إلى غيره من القضاة] قال: (ولا ينبغي لقاض أن يقبل كتاب قاض إليه في حق الرجل على رجل حتى ينسبه إلى أبيه وإلى جده، أو إلى تجارة يعرف بها، وحتى لا يكون في قبيلته أحد يقع الإشكال في أمره). وذلك: لأنه لا يحصل معلومًا إلا بأحد وجهين: إما النسبة إلى أبيه وجده، أو إلى أبيه وفخذه، وذلك لكثرة من يتفق على اسمه واسم أبيه، ويبعد أن يتفق على اسمه، واسم أبيه، وجده، أو فخذه، إلا شاذًا نادرًا. * قال: (ولا يقبل الكتاب بالنسبة إلى أبيه، وإلى بكر بن وائل، وإلى همدان، وتميم). وذلك لأن هذه قبائل عظام، كثيرًا ما يشترك فيها الرجلان على

стр. 3414

اسم، ونسب واحد. وقولهم: تميم، وهمدان: بمنزلة قولهم: عربي، فلا يحصل معلومًا متميزًا من غيره، وكقوله: من بني آدم. مسألة: [ذكر حدود الدار في كتاب القاضي] قال: (ولا يقبل كتابه في دار حتى يحدها في كتابه بأربعة حدودها، أو بثلاثة). وذلك لأنها لا تحصل معلومة متميزة من غيرها إلا بحصر حدودها. ويكتفى بذكر ثلاثة حدود؛ لأنه ليس يكاد يشاركها في ذلك دار غيرها. قال: (ولو نسبها إلى شيء معروف، مما هي مشهورة به: لم يقبل ذلك في قول أبي حنيفة). لأنها مجرد الحدود، وكتاب القاضي إلى القاضي لا يجوز بحق مجهول، كما لا تجوز الشهادة بحق مجهول. مسألة: [كتاب القاضي في العبد] (ولا يقبل كتاب القاضي في عبد ولا أمة). وذلك لأن الشهادة لا تصح عليهما بالحلية، فيحصل الكتاب في

стр. 3415

مجهول، ألا ترى أنهم لو تنازعوا في عبد: لم يقبل الحاكم شهادة أحد عليه إلا بعد إحضاره، حتى تقع الشهادة على عينة، وليس كالدور والعقار؛ لأنها تصير معلومة بالتحديد، ولا هي كالشهادة على الأموات والغائبين؛ لأنها تحصل معلومة بالنسب، والخصم الذي يحضر عنه، تقع الشهادة عليه، فيقوم مقامه. * (وأجازه أبو يوسف في العبد، وقال: يؤخذ به كفيل، ويسلم إليه العبد، ويختم في عنقه، ثم يبعث به القاضي الذي كتب إليه، حتى يشهد الشهود عليه عنده بعينه، ثم يكتب له كتابًا آخر على ذلك إلى القاضي الذي كان كتب إليه، فإذا ثبت ذلك عنده: قبله، وقضى به، وسلم العبد إلى الذي جاءه بالكتاب، وأبرأ كفيله). وهذا استحسان من قوله، ووجهه أنه قد يمكنه أن يتوصل إلى إيصاله إلى حقه في هذا الوجه من غير ضرر على أحد، فيوصل إليه بذلك. * ولم يفعل ذلك في الأمة؛ لأنها فرج لا يجوز تسليمها إلى من لم يثبت له ملكها، وهو يزعم أنه يستبيح فرجها، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا لرجل بأمه في يدي رجل: أن القاضي يضعها على يدي عدل؛ احتياطًا للفرج، ولا يفعل مثله في العبد. مسألة: [اتخاذ القاضي قاسمًا ليقسم حصص الشركاء] قال أبو جعفر: (وينبغي للقاضي أن يتخذ قاسمًا إن رأى ذلك، من غير أن يكره الناس على أن لا يقسم لهم غيره). وذلك لأن القاضي منصوب لإيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم، وفي

стр. 3416

القسمة تمييز الحقوق، وإيصالها إلى مستحقها، فإن رأى القاضي أن ينصب لذلك من يثق بأمانته ودينه، ورأى فيه صلاحًا: فعل. ولا يكره الناس على قسمته خاصة دون غيره، كما لا يجوز له إجبارهم على أن يكون هو القاسم بينهم إذا تراضوا أن يقتسموا فيما بينهم حقوقهم من غير قاض. وأيضًا: فإن القاسم أجير، ولا يجوز للقاضي إكراه الناس على أن لا يستأجروا إلا رجلًا بعينه، كما لا يجوز له إكراههم على أن لا يبايعوا، ويشاوروا إلا رجلًا بعينه. مسألة: [أجرة القاسم على الشركاء جميعًا] قال أبو جعفر: (وأجر القاسم على الشركاء جميعًا على رؤوسهم في قول أبي حنيفة). وذلك لأن الأجرة تستحق للعمل، لا للملك، والعمل لهم جميعًا سواء غير مختلف، وذلك لأن النصيب القليل لا يتميز إلا بمساحة من النصيب الكثير، فهو عامل لهم جميعًا على السواء. وأيضًا: فجائز أن يكون تمييز النصيب القليل أشق وأكثر عملًا من تمييز النصيب الكثير، أو جائز أن يكون تمييز الكثير أشق وأكثر عملًا، فقد تساويا من هذا الوجه، فينبغي أن يكونا سواء فيما يلزمهما من الأجر. * (وقال أبو يوسف ومحمد: هو على مقادير أنصبائهم). لأنه عامل في النصيبين بحسب القلة والكثرة، ألا ترى أن غنمًا بين رجلين استأجرا رجلًا لرعيها: أن الأجر عليهما على مقادير أنصبائهما.

стр. 3417

مسألة: [جعل الحاكم أجرة لقاسم من بيت المال] قال: (وإن قدر الحاكم أن يجعل رزق القاسم من بيت المال: فعل، لأن تصرفه من جهة الحاكم). ألا ترى أن أحدهما إذا أبى القسمة: أجبر عليها، فيرزقه كما يرزق كاتبه، وكما يرتزق هو. * قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يشرك بين قسامه). وذلك لأنه أجدر أن لا يتحكموا على الناس فيما يطلبون من الأجر. مسألة: [اعتبار شهادة القاسم] قال أبو جعفر ﵀: (ومن شهد عنده من قسامه على قسمة قسمها بين قوم بأمره: أجاز شهادته). قال أحمد: إنما يعني أنه شهد مع غيره. (وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف). وذلك لأن قسمته بأمر الحاكم: حكم من الحاكم، فكأنهما شهدا على حكم الحاكم، فتجوز شهادتهما. والدليل على أن قسمتهما حكم: أن الحاكم يجبر عليها إذا أباها أحد الشركاء. (وقال محمد: لا تجوز شهادته). لأنه يشهد على فعل نفسه، وشهادة الرجل غير جائزة على نفسه.

стр. 3418

مسألة: [دعوى الغلط في القسمة] قال: (ومن ادعى غلطًا في قسمة: لم تعد له القسمة، وسئل البينة على ذلك). وذلك لأن القسمة بمنزلة سائر العقود إذا عقدها الإنسان على نفسه، فهي محمولة على الصحة، ولا يجوز دعوى الخيار فيها، كما لو ادعى خيار شرط، أو خيار رؤية، أو خيار عيب. ولأن كل متعاقدين دخلا في عقد، فدخولهما فيه اعتراف منهما بصحته، فلا يصدق بعد ذلك على ما يوجب فسخه وفساده. * قال: (فإن أقام عليه بينة: قبلت بينته). لأنه يثبت بها لنفسه حقًا، وهو الخيار في فسخها وإعادتها، كما لو أقام البينة على قعد قد عقده، وأنه وقع على فساد من أجل مجهول، أو شرط فاسد: قبلت بينته، ولا تقبل دعواه دوران البينة. مسألة: [اقضاء القاضي بعلمه] قال أبو جعفر: (وما رآه القاضي من حقوق الناس في مصره الذي هو قاض عليه، بعد ما استقضى: قضى فيه بعلمه، ولم يحتج في ذلك إلى غيره). ووجه ذلك: أنه لما اتفقت الأمة على جواز الاقتصار على قاض واحد في إنفاذ الأحكام، ولم يحتج إلى انضمام غيره إليه: دل على أن قوله مقبول فيه، وأنه جائز له الحكم بعلمه، ألا ترى أن الشاهد الواحد لما لم

стр. 3419

يقبل قوله وحده، احتيج في صحة شهادته انضمام غيره إليه. وأيضًا: لو قضى بشيء مختلف فيه على أحد وجوه الاختلاف، وقال: ذلك رأي: كان قوله مقبولًا، وإسجاله به صحيحًا، وحكمه به نافذًا. ومعلوم أنه لو كان قضى بخلاف الحق عنده: لم ينفذ حكمه إن كان مختلفًا فيه، فدل ذلك على لزوم قوله فيما كان من طريق الحكم، مما ليس هو بخصم فيه. ولا تلزم عليه الحدود؛ لأن الإمام خصم فيها كالشهود، إذ هي حق لله تعالى خالصًا، لا حق لآدمي فيها. ولا خلاف بين أصحابنا أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود، إلا في حد القذف خاصة؛ لأن المطالبة بإقامته من حقوق الآدميين، والمعنى في سائر الحدود ما قدمنا من أن القاضي وسائر المسلمين خصم فيها، إذ كانت حقًا لله تعالى خالصًا، كالشهود أنفسهم، وكان القاضي فيها بمنزلة الشاهد. فإن قيل: فحد السرقة لا يثبت إلا بمطالبة المسروق منه، وليس الناس كلهم خصومًا في إثباته، فواجب أن يكون بمنزلة حد القذف. قيل له: هذا لا يخرجه من أن يكون حقًا لله تعالى خالصًا، كحد الزنى والشرب، وإنما لم يثبت بمطالبة غير المسروق منه، من قبل أن القطع متعلق بثبوت الملك، ولا يكون أحد غير المسروق منه خصمًا في إثبات

стр. 3420

المال، فإنما تعلق ثبوت الحكم بخصومته من حيث تعلق الملك، وهذا الخصم في المال دون غيره. وأما حد القذف فإن المطالبة بنفس الحد إلى المقذوف دون غيره، ولا أن هناك معنى غيره من أجله تعلقت الخصومة به. ألا ترى أن المسروق منه، لو أثبت السرقة على السارق، ثم قال: لست أطالب بالقطع: لم يلتفت إلى قوله، وقطع، ولو قال المقذوف بعد إثبات القذف: لست أطالب بالحد: لم يحد القاذف حتى يطالب به. * فإذا رأى القاضي رجلًا على زنى، أو سرقة، أو شرب خمر، لم يقم عليه الحد حتى يشهد عنده في الزنى أربعة شهداء سواه، وفي غير الزنى شاهدان غيره؛ لأنه لا يجوز أن يكون شاهدًا حاكمًا، إلا أن يرفعه إلى من هو فوقه، فيشهد هو مع ثلاثة على الزنى، ومع آخر على السرقة، وشرب الخمر. فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ قال: "واغد يا أنس على امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها". فأجار له رجمها وحده. قيل له: ليس هذا إقامة حد بعلمه، إنما هو بإقرار المقر، وإنما معنى قولنا: إنه لا يقضي بعلمه فيه: أنه إذا شاهده على الزنى، أو الشرب: لم يقم عليه الحد. وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "لو وجدت

стр. 3421

رجلًا على حد من حدود الله، لم أحده أنا، ولم أدع له حدًا، حتى يكون معي شاهدًا غيري". وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "أرأيت لو رأيت رجلًا قتل، أو سرق، أو زنى؟ قال: أرى شهادتك بشهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت". وروي "عن ابن عباس ﵄، أن معاوية سأله عن ذلك، فأجاب فيه بمثل ذلك". ومثل هذا القول إذا استفاض عن السلف: كان إجماعًا لا يسع خلافه. مسألة: [القضاء بعمله فيما رآه في غير مصره، أو قبل توليه القضاء] قال أبو جعفر: (وما رآه في غير مصره، أو قبل أن يلي القضاء، ثم ولي القضاء، فخوصم إليه: لم يحكم فيه بعلمه في سائر الحقوق، في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم فيه بعلمه، كما يحكم إذا علمه بعد القضاء). قال أحمد: روي نحو قول أبي حنيفة عن عمر بن الخطاب، وعن شريح.

стр. 3422

وأيضًا: فإن علمه قبل القضاء، كان شهادة، فلا يجوز أن يجعله حكمًا، وذلك أنه قبل ولايته القضاء، لم يكن لعلمه حكم، إلا مع شاهد آخر يشهد به عند حاكم، فيمضيه، فلا يجوز له أن يجعل قوله ذلك حكمًا، فينفذه بعد أن لم يكن ينفذ به وحده، وكان لا ينفذ حتى ينفذه غيره؛ لأنه يصير حينئذ بمنزلة من قضى لنفسه. ألا ترى أن أصحابنا جميعًا يقولون: إن محدودًا في قذف، لو ولي القضاء، فقضى بقضية، ثم ولي غيره ممن لا يرى قبول شهادة المحدود في قذف، أنه لا يجوز قضاؤه فيما لم يكن من رأيه، لأنه بفعل نفسه أجاز قضيته، وهو ليس من أهل القضاء، ولو رفع قضاؤه إلى من يرى جواز شهادة المحدود في القذف، فأجازه: لم يكن لأحد من القضاة بعد ذلك فسخه. * وقال أبو يوسف ومحمد: علمه قبل القضاء، وبعد القضاء: سواء، يجوز له أن يقضي به. قال أحمد: وقول محمد مرجوع عنه، على ما حكاه ابن سماعة من أن قوله الآخر: إن القاضي لا يقضي بعلمه في شيء، سواء علمه قبل القضاء، أو بعده. مسألة: [من لا يحكم بشهادته للتهمة] قال أبو جعفر: (ولا يحكم بشهادة خصم، ولا جار إلى نفسه، ولا

стр. 3423

دافع عنها، ولا بشهادة أعمى). والأصل فيه: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا حامد بن محمد حدثنا شريح حدثنا مروان عن يزيد أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يجوز في الإسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور، ولا خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه، ولا القانع لأهل البيت، ولا ظنين، ولا قرابة". فدل هذا الخبر على أن من شأن الشهادة ردها بالتهمة، والشبهة؛ لأن الوجوه المذكورة في الخبر مما رد به الشهادة، إنما هي جهات التهمة. وأيضًا: فالخصم إنما يريد تصحيح دعواه بشهادته لنفسه، فهذه شهادة لنفسه، وكذلك الجار إلى نفسه، والدافع عنها. * وأما الأعمى فإنما لم تجز شهادته لأن سبيل الشهادة أن تكون على اليقين والمعاينة، ولا تصح على الاستدلال، والأعمى إنما يشهد

стр. 3424

باستدلال؛ لأن الصوت قد يشبه الصوت، وهو فإنما يفرق بينهما من جهة غلبة الرأي. والدليل على أن من شأن الشهادة وقوعها على المعاينة: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا عبد الله بن محمد بن ميمون البلخي الحافظ حدثنا يحيى بن موسى- يعرف: بخت- حدثنا محمد بن سليمان بن مسلول حدثنا عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: "سئل النبي ﷺ عن الشهادة، فقال: ترى هذه الشمس فاشهد، وإلا فدع". قال عبد الباقي: وحدثنا محمد بن يونس بن المبارك قال: حدثنا سليمان الشاذلوني حدثنا محمد بن سليمان المخزومي حدثنا عن عبيد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "لا تشهد على شهادة حتى تكون أضوأ من الشمس". فثبت بذلك أن حكم الشهادة أن تكون على المعاينة واليقين، وأنها لا تثبت بالاستدلال وغلبة الرأي. وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾. وهذا يقتضي علم الحقيقة، لا غلبة الظن، وغالب الظن وإن كان قد يسمى علمًا في حال، فإنه ليس بحقيقة، وإنما يقال ذلك فيه مجازًا؛ لأن العلم على الحقيقة هو اعتقاد الشيء على ما هو به، وغالب الظن قد يكون

стр. 3425

على خلاف ذلك. فإن قيل: فقد يجوز له الإقدام على وطء جاريته، وزوجته بسماع صوتها، إذا غلب في ظنه أنها هي. قيل له: لأن ذلك قد يسوغ الإقدام عليه باجتهاد الرأي، وغالب الظن، ألا ترى أنه يجوز الإقدام عليه بخبر الواحد، ولا يجوز للشهود إقامة الشهادة بخبر مخبر أخبرهم به وإن كان عدلًا، وكذلك لا يجوز بغلبة الظن واجتهاد الرأي. [مسألة:] قال: (فإن استشهد عن ذلك وهو بصير، ثم عمي: لم تقبل شهادته أيضًا في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: تقبل). وجه قولهما: ما دللنا عليه من بطلان شهادة الأعمى، وأنه يشهد عن اجتهاد وغلبة رأي، لا عن حقيقة علم، فكذلك إذا شهد بعد ما عمى، فالعلة المانعة من جواز شهادته موجودة، وهي أن يؤديها باستدلال. وكما لو شهد عليه وبينهما حائل من حائط أو ستر: لم تقبل شهادته، كذلك العمى من حيث كان حائلًا بينه وبين المشهود عليه، وجب أن يمنع قبول شهادته. وأيضًا: فمعلوم أن حال الأداء، حكمه أن يكون آكد وأولى بالاستظهار فيها من حال التحمل، والدليل على ذلك: اتفاقنا جميعًا أنه قد يصح تحمل الشهادة على حال لا يصح أداؤها، مثل أن يستشهد وهو صبي، أو عبد، أو كافر، فيصح تحمله لها، ويقبل منه أداؤها وهو بالغ حر مسلم، ولو شهد في حال الرق والكفر والصغر: لم تقبل. فصار حكم الشهادة أن تكون في حال الأداء آكد منها في حال

стр. 3426

التحمل، فلما اتفق الجميع على أن العمى مانع من صحة التحمل، وجب أن يكون مانعًا من الأداء. فإن قال: ليس شرط صحة الأداء معاينة المشهود عليه، لأنها قد تصح مع موت المشهود عليه، ومع غيبته، وليس العمى الحائل بينهما بأكثر من غيبته وموته. قيل له: هذا غلط لا تصح الشهادة عندنا، إلا بحضور المشهود عليه، أو من يقوم مقامه، ويكون خصمًا عنه، ولا يجوز عندنا شهادة على غائب، ولا ميت، إلا أن يكون عنه خصم حاضر تقع الشهادة عليه. وأيضًا: فإنما يحتاج أن يعتبر حال الشاهد في نفسه، فإن كان على صفة يصح أن يكون شاهدًا: صحت الشهادة، وإن كان على صفة لا يصح أن يكون شاهدًا: لم تصح، والعمى صفة في الشاهد تمنع صحة شهادته، وموت المشهود عليه وغيبته لا تخرج الشاهد من صفة الشهادة، فلذلك قبلت الشهادة عليهما. وقد تقدم الكلام في شهادة المحدود في قذف، في كتاب الحدود. مسألة: [من لا يجوز للقاضي أن يقضي له] قال: (ولا يقضي القاضي لنفسه، ولا لأحد من آبائه وإن بعدوا، ولا لأحد من أولاده وإن سفلوا، ولا لزوجته، ولا لأحد ممن لا تجوز له شهادته). وذلك لأن كل هؤلاء لا تجوز لهم شهادته، فقضاؤه أحرى أن لا

стр. 3427

يجوز لهم؛ لأن القضاء في هذا الباب أولى بنفي التهمة من الشهادة، إذ كان الحكم يمضي فيه بقوله دون غيره. [مسألة: تفسير القاضي للخصم ما ثبت عنده عليه] قال: (وينبغي له أن يفسر للخصم إذا أراد أن يقضي عليه ما قد ثبت عنده عليه). لكي يأتي بحجة إن كانت له في دفعه. مسألة: [الصفات التي تشترط لاختيار القاضي] قال: (ولا ينبغي له أن يولي القضاء إلا الموثوق به في عفافه، وعقله، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنة والآثار، ووجوه الفقه). وذلك لما روي أن النبي ﷺ حين أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن، سأله عن وجوه القضاء، واستبرأ حاله فيها. وروي نحوه عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود. ولأن من شرط القضاء العدالة، كما كان من شرط الشهادة، بل أولى بذلك إذ كان قول القاضي أنفذ من قول الشاهد.

стр. 3428

ويحتاج أيضًا أن يكون عالمًا بوجوه القضاء، لئلا يقضي بخلاف الحق. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "القضاة ثلاثة: فواحد في الجنة، واثنان في النار، فالذي في الجنة: قاض قضى بحق. وقاض قضى بغير الحق وهو يعلم، فهو في النار. وقاض قضى وهو لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار". رواه الأعمش عن سعد بن عبيد ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﵊. مسألة: [اشتراط معرفة القاضي بالسنة والفقه] قال: (ولا يولي صاحب رأي ليس له علم بالسنة والأحاديث، ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه). وذلك لأن القول بالرأي والاجتهاد لا يصح إلا في الفروع التي ليس فيها نصوص، ومن لم يعرف السنن وأصول الأحكام المنصوص عليها، لا يدري لعله يستعمل الرأي والاجتهاد في موضع لا يسوغ ذلك فيه. وكذلك من عرف الحديث لم يعرف الفقه: لا يجوز له القضاء، ولا الفتيا، لأن في الحديث ناسخًا ومنسوخًا، وعامًا وخاصًا، ولا يتحصل له

стр. 3429

تمييز ذلك، ووضعه مواضعه إلا بالتفقه. ولذلك قال النبي ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". فأخبر ﵊ أنه قد يحمل الفقه، ويحفظه من لا يعرفه، ولا يفقه معناه. مسألة: [يشترط في المفتي كما يشترط في القاضي] قال: (ولا ينبغي أن يفتي إلا من كان هكذا). لقول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾. ولقول النبي ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا". * قال أبو جعفر: (إلا أن يفتي رجل بشيء قد سمعه). قال أحمد: وذلك لأنه في هذه الحال مقلد، وقد يجوز للجاهل أن يقلد العالم.

стр. 3430

مسألة: [لا يكون الأعمى قاضيًا] قال أبو جعفر: (ولا يصلح أن يلي القضاء أعمى). وذلك لأنه لا تجوز شهادته، فقضاؤه أحرى أن لا يجوز. مسألة: [لا يولي غيره إلا أن يجعل له ذلك] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للقاضي أن يولي القضاء إلا أن يكون ذلك قد جعل إليه). وذلك لأنه إنما ولي الحكم والفصل بين الخصوم، وتوليته لغيره القضاء لا تنتظمها ولايته؛ لأنها ليست من الحكم، وهو كمن وكل رجلًا لبيع عبده، فلا يجوز له توكيل غيره، لأنه إنما وكل بالبيع، وتوكيله غيره ليس من البيع. مسألة: [تأخيره إنفاذ القضاء إن طمع باصطلاح الخصمين] قال أبو جعفر: (وإذا طمع القاضي أن يصطلح الخصمان: فلا بأس عليه بتردادهما المرة والمرتين، وإن لم يطمع في ذلك: أنفذ القضاء). وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك: "أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﵊ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في

стр. 3431

بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك فقال: يا كعب. فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال النبي ﷺ : قم فاقضه". وروي في بعض ألفاظ هذا الحديث: "أنه لازمه في المسجد". قال أحمد: وهذا الخبر ينتظم عدة أحكام: منها: جواز اللزوم للدين. ومنها: جواز لزوم الغريم في المسجد. ومنها: أن النبي ﷺ لم ينكر ارتفاع أصواتهما في المسجد، إذ كان كعب مطالبًا بحقه، وهو نظير ما روي عن النبي ﵊: "إن لصاحب الحق اليد واللسان". ومنها: أن النبي ﷺ أمره بالصلح. ومنها: أنه أشار إليه بيده، وقامت إشارته مقام كلامه. ومنها: أنه أمره بحط النصف، فقال: "قد فعلت"، فدل ذلك على معنيين:

стр. 3432

أحدهما: أن قوله: "قد فعلت": لما خرج مخرج الجواب: كان كقوله: قد أبرأته من النصف. والثاني: أنه أجاز براءته بقوله، من غير قبول المبرأ. * ومما يدل على أن للقاضي أن يردهما للصلح: قول الله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾. ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾. وقال عمر بن الخطاب: "ردوا الخصوم كي يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بينهم الضغائن". * وأما إذا لم يطمع في الصلح: فإنه ينفذ القضاء؛ لأن الحق قد توجه لصاحبه، فلا يجوز له تأخيره إذا لم ير الصلح. * قال: (وإن أنفذ القضاء من غير ترداد للخصوم: كان في سعة من ذلك).

стр. 3433

لما روي عن النبي ﵊ في قضايا كثيرة، أنه أمضاها حين اختصموا إليه. فمنها: ما روته أم سلمة في قصة الرجلين اللذين اختصما في مواريث قد درست، فقضى لأحدهما على صاحبه. وحديث "الأشعث بن قيس حين خاصم رجلًا من حضر موت، ففصل النبي ﷺ القضية بينهما بعد أن قال: شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك". مسألة: [الترافع إلى القضاء بعد تحكيم الخصمين رجلًا قضى بينهما] قال أبو جعفر: (وإن حكم الخصمان رجلًا، فقضى لأحدهما على الآخر، ثم رفع ذلك إلى القاضي: نظر فيه، فإن كان موافقًا لرأيه: أمضاه، وإن كان مخالفًا: لم يمضه). قال أحمد: الأصل في جواز التحكيم: قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾. ولما "سأل الأوس رسول الله ﷺ أن يمن على بني قريظة، قال لهم: أما ترضون أن يحكم فيها رجل منكم، قالوا:

стр. 3434

نعم. فحكم رسول الله ﷺ في بني قريظة سعد بن معاذ. ولما جاء سعد بن معاذ، قال لهم: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم بما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا، للناحية التي فيها رسول الله ﵊، وهو معرض عنه إجلالًا له. فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال فإني أحكم فيها بأن يقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله ﵊: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة". فحكمه رسول الله ﵊، وقبل حكومته، وأخبر بأنها حكم الله تعالى. وحكم عمر وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عمر ورجل- كان ساومه في فرس، فنفق تحته- شريحًا، فحكم بينهما. * فإذا قضى لأحدهما على الآخر، ثم رفع إلى قاض: فإن وافق رأيه: أمضاه، وإلا: لم يمضه: من قبل أن هذا بمنزلة الاصطلاح منهما عليه؛ لن برضاهما نفذت حكومته عليهما، فكأنهما اصطلحا عليه، فإذا رفع

стр. 3435

إلى القاضي: أمضاه إن رأى ذلك، وإلا: أبطله. ومما يدل على جواز التحكيم: أن على المسلمين كلهم إقامة الإمام الذي ينصب الحكام، فإذا ولى رجلًا القضاء، فكأن المسلمين كلهم ولوه ذلك، فإن اصطلح رجلان على حكم: جاز لهما ذلك، وكان حاكمًا في حقهما، غير حاكم في حق غيرهما. مسألة: [حكم الشهادة على الشهادة] قال: (ولا تجوز الشهادة على الشهادة في حد، ولا قصاص، وتجوز في الأموال، وفيما حكمه حكم الأموال). وإنما جازت الشهادة على الشهادة في الأموال، وفي كل حق لا تسقطه الشبهة: باتفاق السلف وفقهاء الأمصار، ولا تجوز فيما تسقطه الشبهة، كما لا تجوز شهادة النساء فيه، والمعنى الجامع بينها: أن المرأتين أقيمتا مقام رجل واحد بقوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، ثم لم تقبل شهادتهما فيما يسقط بالشبهة، ووردت به السنة عن النبي ﷺ . كذلك الشهادة على الشهادة، لما قامت مقام شهادة الأصل، وجب أن لا تقبل في كل حق يسقط بالشبهة.
следующие страницы →