Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك فقال: يا كعب. فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار له بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال النبي ﷺ : قم فاقضه".
وروي في بعض ألفاظ هذا الحديث: "أنه لازمه في المسجد".
قال أحمد: وهذا الخبر ينتظم عدة أحكام:
منها: جواز اللزوم للدين.
ومنها: جواز لزوم الغريم في المسجد.
ومنها: أن النبي ﷺ لم ينكر ارتفاع أصواتهما في المسجد، إذ كان كعب مطالبًا بحقه، وهو نظير ما روي عن النبي ﵊: "إن لصاحب الحق اليد واللسان".
ومنها: أن النبي ﷺ أمره بالصلح.
ومنها: أنه أشار إليه بيده، وقامت إشارته مقام كلامه.
ومنها: أنه أمره بحط النصف، فقال: "قد فعلت"، فدل ذلك على معنيين:
стр. 3432
أحدهما: أن قوله: "قد فعلت": لما خرج مخرج الجواب: كان كقوله: قد أبرأته من النصف.
والثاني: أنه أجاز براءته بقوله، من غير قبول المبرأ.
* ومما يدل على أن للقاضي أن يردهما للصلح: قول الله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾.
ويدل عليه أيضًا قوله: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾.
وقال عمر بن الخطاب: "ردوا الخصوم كي يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بينهم الضغائن".
* وأما إذا لم يطمع في الصلح: فإنه ينفذ القضاء؛ لأن الحق قد توجه لصاحبه، فلا يجوز له تأخيره إذا لم ير الصلح.
* قال: (وإن أنفذ القضاء من غير ترداد للخصوم: كان في سعة من ذلك).
стр. 3433
لما روي عن النبي ﵊ في قضايا كثيرة، أنه أمضاها حين اختصموا إليه.
فمنها: ما روته أم سلمة في قصة الرجلين اللذين اختصما في مواريث قد درست، فقضى لأحدهما على صاحبه.
وحديث "الأشعث بن قيس حين خاصم رجلًا من حضر موت، ففصل النبي ﷺ القضية بينهما بعد أن قال: شاهداك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك".
مسألة: [الترافع إلى القضاء بعد تحكيم الخصمين رجلًا قضى بينهما]
قال أبو جعفر: (وإن حكم الخصمان رجلًا، فقضى لأحدهما على الآخر، ثم رفع ذلك إلى القاضي: نظر فيه، فإن كان موافقًا لرأيه: أمضاه، وإن كان مخالفًا: لم يمضه).
قال أحمد: الأصل في جواز التحكيم: قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾.
ولما "سأل الأوس رسول الله ﷺ أن يمن على بني قريظة، قال لهم: أما ترضون أن يحكم فيها رجل منكم، قالوا:
стр. 3434
نعم. فحكم رسول الله ﷺ في بني قريظة سعد بن معاذ.
ولما جاء سعد بن معاذ، قال لهم: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم بما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا، للناحية التي فيها رسول الله ﵊، وهو معرض عنه إجلالًا له.
فقال رسول الله ﷺ : نعم.
قال فإني أحكم فيها بأن يقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء.
فقال رسول الله ﵊: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة".
فحكمه رسول الله ﵊، وقبل حكومته، وأخبر بأنها حكم الله تعالى.
وحكم عمر وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عمر ورجل- كان ساومه في فرس، فنفق تحته- شريحًا، فحكم بينهما.
* فإذا قضى لأحدهما على الآخر، ثم رفع إلى قاض: فإن وافق رأيه: أمضاه، وإلا: لم يمضه: من قبل أن هذا بمنزلة الاصطلاح منهما عليه؛ لن برضاهما نفذت حكومته عليهما، فكأنهما اصطلحا عليه، فإذا رفع
стр. 3435
إلى القاضي: أمضاه إن رأى ذلك، وإلا: أبطله.
ومما يدل على جواز التحكيم: أن على المسلمين كلهم إقامة الإمام الذي ينصب الحكام، فإذا ولى رجلًا القضاء، فكأن المسلمين كلهم ولوه ذلك، فإن اصطلح رجلان على حكم: جاز لهما ذلك، وكان حاكمًا في حقهما، غير حاكم في حق غيرهما.
مسألة: [حكم الشهادة على الشهادة]
قال: (ولا تجوز الشهادة على الشهادة في حد، ولا قصاص، وتجوز في الأموال، وفيما حكمه حكم الأموال).
وإنما جازت الشهادة على الشهادة في الأموال، وفي كل حق لا تسقطه الشبهة: باتفاق السلف وفقهاء الأمصار، ولا تجوز فيما تسقطه الشبهة، كما لا تجوز شهادة النساء فيه، والمعنى الجامع بينها: أن المرأتين أقيمتا مقام رجل واحد بقوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، ثم لم تقبل شهادتهما فيما يسقط بالشبهة، ووردت به السنة عن النبي ﷺ .
كذلك الشهادة على الشهادة، لما قامت مقام شهادة الأصل، وجب أن لا تقبل في كل حق يسقط بالشبهة.
стр. 3436
مسألة: [القضاء بشاهد ويمين]
قال أبو جعفر: (ولا يقضي بشاهد ويمين في شيء).
قال أحمد: وذلك لأنه خلاف كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾.
فعقلنا من الآية امتناع جواز شهادة رجل واحد، كما عقلنا منها امتناع جواز شهادة امرأتين، لا رجل معهما.
فمن حكم بشاهد ويمين، فهو كمن حكم بشهادة شاهد واحد بلا يمين، وكمن حكم بشهادة امرأتين، إذ كان من مفهوم لفظ الآية بطلان جميع ذلك.
ولا ينجيهم من مخالفة الآية، دعواهم أنه قد كان يجوز أن يصل بلفظ الآية: أو شاهد ويمين؛ لأن قد كان يجوز أيضًا أن يقول: أو امرأتين، أو شاهد واحد.
ثم لم ينفك القائل بجواز شهادة شاهد من مخالفة الآية، وكذلك القائل بجواز شهادة امرأتين دون الرجال.
* وقد قبل جماعة من التابعين شهادة رجل واحد من غير يمين
стр. 3437
الطالب منم: إياس بن معاوية، أجاز شهادة عاصم الجحدري وحده.
وقال الشعبي: "إذا رضي الخصمان بشهادة رجل واحد: جازت عليهما".
وقابل الشاهد واليمين بهذه المنزلة في مخالفة الكتاب.
فإن قائل: إن الذي في الآية: جواز شهادة الرجلين، والرجل والمرأتين، وليس فيها نفي للحكم على غيرهم، فهو موقوف عل الدليل، فليس إذا في قبول الشاهد واليمين مخالفة للآية.
قيل له: هذا غلط من وجوه:
أحدها: قوله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾: فأوجب قبول الرجل، والمرأتين عند عدم الرجلين، والرجلان معدومان في حال قبول الشاهد واليمين، ففي قبوله: نفي ما اقتضت الآية وجوبه، فلم تنفك من مخالفة الآية، إذا كنت مسقطًا لوجوب اعتبار الرجل والمرأتين، في حال عدم الرجلين بإجازتك شهادة الواحد.
وأيضًا: إن أحدًا لا يمنع أن يقول: من قبل في الديوان شهادة امرأتين،
стр. 3438
أو شهادة رجل واحد من غير يمين الطالب: فهو مخالف لمفهوم؟؟؟ الآية، فكذلك من قبل الشاهد واليمين.
وأيضًا: فإن حكم إثبات الديون بالبينات مأخوذ من الآية، فقد؟؟؟ بما ذكر حكم جميع ما يجوز أن يستحق به الدين من البينة، فلم تبق بينة يستحق بها على الغير إلا ما ذكر فيها، فمن قبل ما دونها، فهو مخالف لحكمها.
وأخرى: وهو أنه معلوم أن ذلك خطاب للحكام في قبو البينة التي تستحق بها الديون، وهو على الوجوب، فمن اقتصر على ما هو دونه من العدد: فقد خالف ما اقتضته الآية من حكم الوجوب.
كما أن من اقتصر في جلد القاذف على أقل من ثمانين، وفي جلد الزاني على أقل من مائة: فهو مخالف للآية.
ويدل عليه: أنه أمرنا عند عدم الرجلين بالاستظهار في أمر النساء بامرأتين، وقال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾، فكيف لا يكون مخالفًا للآية من قبل شهادة رجل واحد مع يمين الطالب، وهو لو قبل شهادته مع امرأة واحدة، كان مخالفًا لها بتركه الاستظهار، باعتبار العدد المذكور فيها.
ألا ترى أن من اقتصر في الزنى على أقل من أربعة شهداء: فهو مخالف للآية، كذلك من اقتصر في الديون على أقل من شاهدين، أو رجل وامرأتين.
стр. 3439
فإن قيل: لو قرن إلى لفظ الآية شاهدًا، ويمين الطالب لم يمتنع، فكذلك لا يمتنع إثباته بخبر يروى فيه، كما قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾.
وقال النبي ﵊: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها".
وكما قال: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه﴾.
"ونهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع".
وكقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، ووردت السنة بالمسح على الخفين.
وكما قلت في الوضوء بنبيذ التمر، مع قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا
стр. 3440
ماء فتيمموا﴾.
فكذلك لا يمتنع أن يعترض بما روي في الخبر في الشاهد واليمين على الآية؛ لأنه لو قرنه إلى الآية صح.
قيل له: أما الخبر الذي يروى في الشاهد واليمين، فلم يرد من جهة صحيحة، لما سنبينه فيما بعد.
ولو ورد من وجه يسكن إليه، لم يصح الاحتجاج به رأسًا لو لم يعترض على الآية، فكيف إذا خالف ظاهر الآية؟
ولو ورد من وجه لو انفرد عن الآية كان مقضيًا لإيجاب ما تضمنته من الحكم: لما جاز قبوله إذا ورد معارضًا للآية، إذ كان طريقه أخبار الآحاد، وسنفصل هذه الوجوه إن شاء الله إذا انتهينا إلى ذكره، والكلام فيه.
فنقول مع تسليم الخير، وجواز استعماله لو انفرد عن الآية: إنه لما ورد معارضًا لمفهوم لفظ الآية على الوجه الذي ذكرنا: لم يجز الاعتراض به عليها، وذلك لأن قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، يقتضي أن يكون ما يقطع به الحكم العدد المذكور فيه، والشاهد واليمين، لا ينتظمهما هذا اللفظ.
ولا يصح عطفهما عليه؛ لأن الطالب لا يجوز أن يكون مستشهدًا على ما يحلف عليه، إذ كان المدعي لا يصلح أن يكون شاهدًا، إذ معقول في
стр. 3441
الشرع وفي مفهوم خطاب أهل اللغة الفرق بين الشاهد والمدعي، فإن المدعي للشيء: لا يكون شاهدًا فيه.
وإذا كان هذا هكذا، فغير جائز أن يقول تقدير الآية: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، أو شاهد ويمين؛ لأن الحالف المدعي ليس بشاهد، ولا ينتظمه اللفظ، ولا يصح عطفه عليه.
* وجهة أخرى: وهي أن فيه نسخ حكم الآية، لأنك تقبل الشاهد واليمين في كل موضع يقبل فيه الرجل والمرأتان، فليس فيه تخصيص الآية، وإنما فيه نسخها، وذلك لأن التخصيص على وجهين: تخصيص الحال، وتخصيص الاسم.
فتخصيص الحال: كقوله: ﴿وأرجلكم﴾، فورد الخبر بالمسح في حال لبس الخفين، دون حال ظهور الرجلين.
وتخصيص الاسم: كقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، فورد الخبر بالنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، وعن بيع ما لم يقبض، فخص بعض البياعات، وبقي البعض على حكم الآية.
стр. 3442
وخبر الشاهد واليمين خارج من هذين الوجهين، فهو على وجه النسخ، لا على وجه التخصيص؛ لأنه لا موضع تقبل فيه شهادة الرجل والمرأتين، إلا قبلت فيه الشاهد واليمين، فأسقطت به مقتضى الآية من وجوب استشهاد الرجلين، أو الرجل والمرأتين.
فإن قيل: ما جاز ضمه إلى الآية في خطاب واحد، لا يكون نسخًا.
قيل له: هذا غلط؛ لأنه لا يستحيل أن يقال: صلوا إلى الكعبة، وإن شئتم إلى بيت المقدس، ثم قالت الأمة: إن الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالتوجه إلى الكعبة، وكذلك سائر ما نسخه الله من الأحكام، لا يستحيل ورود الخطاب به على وج التخيير بينه وبين الناسخ، ثم لم يمنع جواز ذلك فيه في الابتداء، من أن يكون الأمر الثاني ناسخًا للأول.
* وأما قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، وقول النبي ﵊: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"، ففيه جوابان:
أحدهما: أن هذا لم يكن قط لفظ عموم يمكن استعمال ظاهرة لو لم يرد خبر في تخصيصه، وذلك لأنه علق الحكم فيه بوصف مجمل مفتقر إلى البيان، وهو قوله في نسق الخطاب: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين﴾، والإحصان لفظ مجمل، لا يصح استعماله على ظاهره، ولأن الإحصان لا
стр. 3443
يقع إلا بنكاح صحيح، فيحتاج أن تثبت صحة النكاح.
والثاني: أن قوله ﵊: "لا تنكح المرأة على عمتها"، قد روي من طريق التواتر، وتلقاه الناس بالقبول، فاستعملناه في تخصيص الآية، لا في نسخها، وأخرجنا به بعضها، وبقينا البعض على ما اقتضاه ظاهرها، كما قلنا في قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾، و"نهى النبي ﵊ عن بيع ما ليس عنده".
* وأما قوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا﴾، و"نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، والحمر الأهلية"، ففيه جوابان أيضًا:
أحدهما: تخصيص العموم على الوجه الذي ذكرنا.
والآخر: أنه لم يكن وقت نزول الآية محرم غيرها، والآية إنما تضمنت الإخبار عما كان محرمًا في الحال، فليس في نزول تحريم أشياء غيرها، ما يوجب نسخ الآية.
* وأما جواز الوضوء بنبيذ التمر مع قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾: فليس مما ذكرنا في شيء؛ لأن قوله: ﴿فلم تجدوا ماء
стр. 3444
فتيمموا﴾: مقتضاه وظاهره: امتناع جواز التيمم مع وجود جزء من الماء، لأن قوله: ماء: لفظ منكر، ويتناول أجزاء منه، قليلًا كان أو كثيرًا، مخالطًا كان لغيره أو منفردًا، فلما كان نبيذ التمر ماء إذ لا يمتنع أحد أن يقول: فيه ماء: امتنع جواز التيمم بالطاهر، مع وجود نبيذ التمر.
وأيضًا: فإن استعمال الخبر مع الآية جار على الأصل الذي ذكرنا، من امتناع جواز الاعتراض بأخبار الآحاد على ظاهر الآية إلا بأحد وجهي التخصيص، وهو تخصيص الاسم، أو تخصيص الحال، وخبرنا من القبيل الثاني؛ لأنه خص ذلك بحال دون حال، وهو حال عدم الماء والنبيذ جميعًا، فليس في استعمال خبر نبيذ التمر ما يوجب نسخ حكم الآية.
فإن قيل: فقد قبلتم شهادة القابلة وحدها في الولادة، وشهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال، وحكمتم بالنكول، وإقرار المدعى عليه، ولم تكونوا به مخالفين للآية، فلم تنكروا مثله في الشاهدة واليمين؟
قيل له: هذا كلام من لم يفهم ما قدمنا، وذلك لأن الآية إنما وردت في شأن المداينة، فكلف المدعي تصحيح دعواه بما ذكر من عدد الشهود، فقلنا لا يجوز أن يستحق المدعي بينة يقيمها إلا على الشرط المذكور في الآية.
فأما الولادة، فحكمها موقوف على الدلالة، إذ لم نجد لها في الآية ذكرًا.
وأما الاستحقاق بإقرار المدعى عليه، والنكول: فليس مما نحن فيه من شيء، من قبل أن الآية إنما أفادت أن الاستحقاق من جهة المدعي ببينة يقيمها: هو ما كان بالوصف المذكور فيها، فأما ثبوت الحق من جهة
стр. 3445
المدعي عليه، فلم يجر له ذكر في الآية.
* ويدل على أن الشاهد واليمين مخالف للآية، قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، فأوجب ذلك بطلان اليمين والشاهد من وجهين.
أحدهما: أنه قال: ﴿ممن ترضون من ...﴾، وليس المدعي ممن ترضى لاستحقاق ما يدعيه بقوله، ومن أوجب استحقاق المال بقوله من لا يرضى، فقد خالف حكم الآية.
ومن فحش مذهب القائل بالشاهد واليمين، أنه يستحلف المدعي إن كان ذميًا مع شهادة المسلم، ويوجب له الحق، وزعموا أن يمين الطالب قائمة مقام المرأتين، فينبغي أن تقبل المرأتان إذا كانتا من أهل الذمة، كما قبل يمين الذمي، بل شهادة المرأتين الذميتين أبعد من التهمة من يمين الطالب الذمي، وينبغي أن يكون الذمي ممن نرضى من الشهداء، حتى إذا شهد على مسلم كان مقبول الشهادة.
فإن قال: فإنما قبلت يمينه، لا شهادته.
قيل له: فاقبل يمين الذمي إذا كان شاهدًا، واحكم به؛ لأن ذميًا يحلف لغيره، ويشهد بما يحلف عليه، آكد من أمر ذمي يحلف لنفسه.
فإن قيل: لأن الذمي إذا كان شاهدًا، فيمينه لغو.
قيل له: وكذلك الذمي، إذا كان مدعيًا، فيمينه لغو؛ لأنه لا يمين عليه إذا كان هو المدعي، ألا ترى أنه لو حلف خمسين يمينًا من غير شاهد ولم
стр. 3446
يستحق شيئًا.
والوجه الثاني الذي ذكرنا من دلالة الآية أيضًا: قوله: ﴿من الشهداء﴾.
والشاهد الواحدة لا يتناوله اسم الشهداء، وقال أيضًا في نسق الآية: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾.
[أدلة بطلان الحكم بالشاهد واليمين من جهة السنة]
ويدل على بطلان الحكم بالشاهد واليمين من جهة السنة: حديث الأشعث بن قيس: "أنه كان بينه وبين رجل خصومة، قال: فاختصما إلى رسول الله ﵊، فقال لي: شاهداك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك".
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "شهودك، أو يمينه".
وفي بعضها: "بينتك، أو يمينه".
فكل صحيح يجوز أن يكون قد قال هذه الألفاظ كلها، حين كرر الأشعث القول بأنه لا يبالي أن يحلف، فنفى ﵊ أن يستحق ما ادعى إلا بشاهدين، أو يمينه في حال الجحود.
فإن قيل: فلم يذكر الرجل والمرأتين، وهو يستحق بذلك مع ترك ذكرهم في الخبر، فكذلك الشاهد واليمين.
стр. 3447
قيل له: قوله: "شاهداك": ينتظم الرجل والمرأتين، وذلك لأن الشاهدين في الشرع قد صار اسمًا للرجل والمرأتين، بقوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، ومعناه: فإن لم يكن الشهيدان رجلين، فالشهيدان رجل وامرأتان.
وأيضًا: قد قال لفظًا آخر: "شهودك"، فدخل فيه الرجل والمرأتان.
وأما الإقرار والنكول: فلم يدخلا فيه؛ لأن الرجل كان منكرًا للحق غير مقر، ولا ناكل.
وعلى أن ظاهر الخبر ينفي ذلك كله، فلا تثبت شيئًا غير ما في الخبر إلا بدلالة.
* ويدل عليه أيضًا: حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﵊: "لو أعطي الناس بدعاويهم، لادعى ناس دماء ناس وأموالهم، ولكن البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه".
فهذا الخبر يدل على وجوه على بطلان الحكم بالشاهد واليمين:
أحدهما: حكمه ﵊ بأن لا يعطى أحد شيئًا بدعواه، ويمين الطالب: دعواه؛ لأن مخبره في الحالين واحد: حلف، أو ادعى ولم يحلف، واليمين تأكيد لدعواه، فامتنع الأخذ بيمينه.
والثاني: أن دعواه: قوله، فلما منع أن يستحق بها، استدللنا بذلك على أنه غير جائز لأحد أن يستحق بقوله على غيره شيئًا.
стр. 3448
والثالث: قوله: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه": فأفاد أن البينة غير اليمين، وجعلها على المدعي، وجعل اليمين على المدعى عليه، فلا جائز نقل اليمين عن موضعها، كما لم يجز نقل البينة عن موضعها.
فإن قيل: يمين الطالب مع شاهده بينة.
قيل له: وكأن النبي ﷺ قال: اليمين على المدعي، واليمين على المدعى عليه: على قولك، وهذا خلف من القول.
وأيضًا: قد فرق بين البينة واليمين، فكيف تكون اليمين بينة؟
وأيضًا: عطفها على البينة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، فالظاهر يقتضي أن يكون غيرها، إلا أن تقوم الدلالة على دخولها في معناها.
وأيضًا: قد بين النبي ﵊ معنى البينة في خبر الأشعث حين قال: "شاهداك، أو يمينه"، فالبينة ما فسره النبي ﷺ .
وأيضًا: قد اتفقوا على أن المدعي لو لم يكن له شاهد واحد: لم يستحلف، واستحلف المدعى عليه، فدل على أن البينة ليست هي اليمين، وأن اليمين غير البينة، فلا جائز أن يستحلف المدعي بحال إذا كان قوله: "واليمين على المدعى عليه": عامًا لجميع الأيمان، وفي سائر الأحوال؛ لأنه اسم للجنس بإدخال الألف واللام عليها، فلم يبق هناك يمين تكون على المدعي.
стр. 3449
وأيضًا: قد وردت السنة برد شهادة الظنين، والجار إلى نفسه، واتفق عليه أهل العلم، فكيف يجوز أن يستحق بيمينه، وتقوم يمينه مقام شاهد؟
وشاهده لو كان ظنينا في شهادته، كانت شهادته مردودة، فالذي يدعيه لنفسه، أحرى أن يكون قوله ويمينه مردودين، وكيف لا يكون متهمًا في يمينه، وهو متهم في دعواه؟
وأن من استجار أن يدعي ما ليس له بحق: لم يمنع تجويز حلفه عليه، فإن كان مهتمًا في نفس دعواه، فواجب أن يكون كذلك في يمينه.
وأيضًا: فإن البينة موضوعة للاستحقاق، واليمين لنفي الدعوى للاستحقاق، فلو جاز أن يستحق باليمين، جاز أن تقبل البينة على نفي الحق، وذلك باطل عن الجميع.
* وأما الأخبار المروية في الشاهد واليمين: فإنها واهية ضعيفة، لفساد طرقها على مذهب أهل النقل، وسمعت بعض أهل المعرفة بالحديث، يقول: جهدت أن أجد حديثًا في الشاهد واليمين، فلم أجده.
стр. 3450
ولو استقام سندها، واتصل نقلها: لم يجز الاعتراض بها على القرآن على أصلنا.
فأحدها: ما روي في ذلك حديث سيف بن سليمان المكي عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد".
وهذا عندهم حديث منكر؛ لأن قيس بن سعد لا تعرف له رواية عن عمرو بن دينار، ولأن سيف بن سليمان ضعيف، لا يحتج بروايته في إثبات السنن.
وذكر عن علي ابن المديني أنه قال: غلط سيف في هذا الحديث، إنما هذا حديث: "أن جارتين كانتا تخرزان".
والحديث المعروف الذي رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس "أن النبي ﷺ قضى أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
стр. 3451
الثاني: وروي عن ربعية عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﵊ مثله.
قال عبد العزيز الدراوردي: فلقيت سهيلًا، فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه.
قال سليمان بن بلال: فقلت له: إن ربيعة يرويه عنك، فقال: إن كان هذا يرويه عني، فهو كما قال، فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني.
ومثل هذا لا يحتج به عاقل في إثبات شرعية، يعترض بها على مخالفة القرآن.
الثالث: وقد روى عثمان بن الحكم عن زهير بن محمد عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي ﵊ مثله، وهذا يفسد الحديث الأول.
وهو أيضًا في نفسه فاسد، من قبل أن ربيعة رواه عن سهيل بن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه عثمان بن الحكم عن زهير عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت.
ولو كان هذا صحيحًا عنه، لقال لعبد العزيز حين سأله: ليس عندي عن أبي هريرة، وإنما عندي عن زيد بن ثابت.
стр. 3452
وعثمان بن الحكم: عندهم واه، لا يحتج بروايته.
وهو أيضًا منكر، من جهة أن أبا صالح لا تعرف له رواية عن زيد بن ثابت.
فإن قيل: نسيانه بعد روايته لا يبطل حديثه، وقد ذكر أن سهيلًا أصابته علة، فنسي أكثر حديثه.
قيل له: إن اعتبرت جواز النسيان، فجائز أن يكون نسي في ابتداء روايته، فروى ما ظن أنه قد سمعه، وإنما أصله عن غير النبي ﵊.
* ويدل على فساد حديث سهيل: ما حدثنا ابن قانع قال: حدثنا حماد بن محمد قال: حدثنا شريح قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا سوار القاضي قال: قلت لربيعة: قولكم في شهادة شاهد، ويمين صاحب الحق، قال: وجدت ذلك في كتاب سعد.
* وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك قال: حدثنا أبو الجماهير محمد بن عثمان التنوخي قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن إسماعيل بن عمرو بن سعد بن عبادة عن أبيه، أنهم وجدوا في كتاب سعد بن عبادة: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد".
стр. 3453
ولو كان حديث سهيل صحيحًا عند ربيعة، لما لجأ في سؤال سوار إياه إلى ما وجد في كتاب سعد.
ورواه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﵊.
ووافقه على وصله إبراهيم بن اليسع عن جعفر بن محمد، وقد خالفهما في ذلك الحفاظ، فلم يذكروا فيه جابرًا، مثل مالك وسفيان الثوري، روياه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﵊، فحصل هذا الخبر مرسلًا على أصلهم.
وقد روي عن عبد المنعم بن بشير عن عبد الله بن عمرو عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵊، وعبد المنعم لا يحتج به عندهم.
* ومما يدل على فساد هذا الحديث: أن ذلك لم يزل مستنكرًا في الأمة، السلف والخلف، لا نعلم أحدًا من أهل العلم قضى به فيما بلغنا.
وقد قال الزهري: "إن معاوية أول من قضى باليمين مع الشاهد"، وأنه بدعة، وكان الأمر على غير ذلك.
стр. 3454
فلو كان ثابتًا عن النبي ﵊، كيف كان يخفى على الزهري؟ وهو من أجل علماء أهل المدينة في عصره، ولم يرد القضاء باليمين مع الشاهد إلا من طريق أهل المدينة.
فهذه الأخبار كلها مختلطة ظاهرة الاختلال والفساد على مذهب أهل النقل، وعلى أصلنا: لو استقام سنده من طريق الآحاد: لم يصح قبوله في مخالفة القرآن له.
* وعلى أنا لو سلمنا لهم صحة نقلها، لما صح الاحتجاج بها، وذلك لأن قوله: "قضى رسول الله ﵊ باليمين مع الشاهد": لا يمكن استعمال حكمه بحال؛ لأنه إنما ذكر فعلًا كان من النبي ﵊، ولم يذكر المحكوم به، ولا المحكوم عليه أوله، وهذا مثل رواية راو لو روى أن النبي ﵊ قضى بالخيار، أو قضى بفسخ بيع، أو قضى بالشفعة، ولم يذكر فيه جوارًا، ولا شركة، فهذا حكم مجهول لا يصح اعتبار غيره به، حتى تعلم حقيقته، إذ ليس هو عموم لفظ من النبي ﵊، فيعتبر فيه لفظه، وإنما كانت قضية خاصة، لا يدري ما هي؟.
وأيضًا: فلما كان ذلك قضية من النبي ﵊ في شيء بعينه، يجوز أن يكون على معنى تقول به وتحبذه، فسقط الاحتجاج به، لإمكان أن يكون واردًا على الوجه الذي يصح عندنا، وهو أن يكون قبل
стр. 3455
شهادة الطبيب أو المرأة في عيب لا يطلع عليه غيرهما، واستحلف المشتري بعد ذلك بالله ما رضي بالعيب، فيكون قاضيًا في رد المبيع بشاهد واحد، مع يمين المشتري.
وإذا احتمل أن يكون القضاء بالشاهد واليمين على هذا الوجه، سقط الاحتجاج به؛ لأن مخالفنا ليس بأسعد في صرفه إلى ما يدعيه منا إلى ما يوافق قولنا، إذ ليس هو عموم لفظ من النبي ﵊، فينتظم جميع ما يتناوله الاسم.
فإن قيل: كل قضية وقعت من النبي ﵊ في شيء لحكم من الأحكام، فذلك الحكم لازم في سائر الأشياء مما هو من نظائره، إلا أن يقوم الدليل على أنه مقصور على بعض الأشياء دون بعض.
قيل له: هذا إذا لم يختلف حكم ما يقع القضاء فيه، فأما إذا كان مختلفًا، فيقبل في بعضها شهادة شاهد، ولا يقبل في بعض، فغير جائز الحكم بورود قضية مبهمة، حتى يعلم من أي القبيلتين هي، ثم يعتبر في نظائرها من المسائل.
وأيضًا: فإنه ليس يمتنع أن يكون معنى قولهم: قضى باليمين مع الشاهد: أنه قضى باليمين والبينة، وقضى باليمين والشاهدين، وأطلق اسم الشاهد، وأراد به الجنس لا العدد؛ لأن اسم الشاهد قد يطلق على الجماعة، كما يقال للجماعة: رسول، وعدل وخصم، ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿فقولا إنا رسول رب العالمين﴾، وقال تعالى: ﴿وهل
стр. 3456
أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب﴾، فكذلك الشاهد قد قال أهل اللغة إنه يصح إطلاقه، ويراد به الجنس، فيتناول الجماعة، وتكون فائدته حينئذ: أنه قضى باليمين في موضعها، وبالبينة في موضعها، كما روي عن شريح في قوله تعالى: ﴿وفصل الخطاب﴾: قال: الشهود والأيمان، ومعلوم أنه لم يرد به جمعها جميعًا في حال واحدة.
وأيضًا: يحتمل أن يكون معناه: قضى باليمين على المدعى عليه، مع شاهد المدعي، وأبان أن وجود شاهده وعدمه سواء في باب وجوب اليمين على المدعى عليه.
ويحتمل أن يريد: أنه قبل بينة المدعي، وادعى المدعى عليه قضاء المال، فحلف المدعي ما اقتضى.
ويحتمل أن يكون قضى بشهادة خزيمة بن ثابت، الذي جعل شهادته بشهادة رجلين وحده بالمال، وحلف المدعي بالله ما اقتضى، لدعوى المدعى عليه ذلك.
стр. 3457
مسألة: [القضاء في الزنى]
قال أبو جعفر: (ولا يقضى في الزنى بأقل من أربعة رجال).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهم أربعة منكم﴾.
وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾.
وقال النبي ﵊ لهلال بن أمية حين قذف امرأته: "ائتني بأربعة يشهدون، وإلا فحد في ظهرك".
مسألة: [حكم الأخذ بشهادة من رد القاضي شهادته سابقًا]
قال أبو جعفر: (ومن رد القاضي شهادته لتهمة اتهمه بها، أو لأنه زوج لامرأة شهر بها: لم يقبله بعد ذلك أبدًا).
قال أحمد: وذلك لأن الذي جاء بالشهادة هو من أهل الشهادة، فلما
стр. 3458
حكم الحاكم ببطلانها: لم يجز بعد ذلك قبولها؛ لأن الحاكم لا يجوز له فسخ حكمه إلا بحكم مثله.
وأيضًا: فإنه لما ردها لتهمة، فلم ترتفع التهمة من جهة الحكم، فلا يجوز قبولها أبدًا.
* قال: (فإن كان ردها لكفر أو رق، أو صبا، ثم أسلم الكافر، وأعتق العبد، وبلغ الصبي: قبل شهادتهم تلك إن أعادوها).
قال أحمد: وذلك لوجهين:
أحدهما: أن المعنى الذي من أجله رددنا شهادته: محكوم يزاوله؛ لأن الحاكم يجوز حكه بالعتق، والبلوغ، والإسلام، فلما كانت هذه الأشياء مما يجوز ثبوته من طريق الحكم، ثم حكم به الحاكم، فقد حكم بزوال ما من أجله ردت شهادتهم: فجازت.
وليس كذلك الشهادة المردودة للتهمة؛ لأن زوال التهمة لا يكون من طريق الحكم.
والوجه الآخر: أن هؤلاء ليسوا بشهود أصلًا؛ لأن بطلان شهادتهم واقعة من جهة الحكم، إذ الرق والصغر والكفر، مما يصح به الحكم، فلما لم يكونوا شهودًا: لم يقع من الحاكم حكم أصلًا ببطلان شهادة أقاموها، فإذا شهدوا بعد زوال تلك الحال، فإنما ابتدؤوا الشهادة في الحال، فيقبلها، إذ ليس هناك مانع من قبولها.
ويدلك على أنهم ليسوا من أهل الشهادة: أن أربعة عبيد أو كفار، لو شهدوا على رجل بالزنى: حدوا، ولو كانوا فساقًا: لم يحدوا؛ لأنهم من
стр. 3459
أهل الشهادة.
مسألة: [حكم طلب المدعي استحلاف الخصم]
قال أبو جعفر: (وإذا طلب المدعي من القاضي استحلاف خصمه فيما خاصمه إليه فيه: استحلفه له: وقف قبل ذل على أن بينهما مخالطة أو ملابسة، أو لم يقف).
وذلك لقول النبي ﵊: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
ولم يفرق بين من قد خالطه قبل ذلك، أو لم يخالطه.
وقال النبي ﵊ في قصة الأشعث بن قيس: "ألك بينة؟ قال: لا. قال: فيمينه".
وكذلك في حديث وائل بن حجر، ولم يسأله هل كان بينهما مخالطة أم لا.
مسألة:
قال أبو جعفر: (ولا يستحلف في الحدود).
قال أحمد: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في نفي الاستحلاف في
стр. 3460
الحدود التي هي حقوق الله تعالى، والمعنى فيها عند أبي حنيفة: أنها لا يصح بذلها من جهة الحكم.
وعند أبي يوسف ومحمد: أن ما لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء: لم يحكم فيه بالنكول؛ لأن النكول قائم مقام الإقرار ليس بصريحه، فلا يصح أخذه بما يقوم مقامه غيره.
فقال أبو حنيفة على هذا الأصل: لا يستخلف في دعوى النكاح، والفيء في الإيلاء، والرجعة بعد الطلاق، وفي دعوة الرق، والولاء، والاستيلاء، والنسب، والمعنى في جميع ذلك: أنه لا يصح بذله من جهة الحكم، والنكول بذل، فلا يصح أخذه بالنكول، وإذا لم يؤخذ بالنكول: لم يصح الاستحلاف عليه؛ لأنه يمكنه أن ينكل، ولا يلزم به شيء، فلا تكون اليمين حينئذ حقًا للمدعي، لأنها لو كانت حقًا له، لم يصح له إسقاطها عن نفسه بغير حق يلزمه، فثبت أن ما لا يصح أخذه بالنكول: لا يستحلف عليه.
وأيضًا: لما لم يصح بذلها: أشبهت الحدود، فلم يستحلف فيها، كما لا يستحلف في الحدود.
والدليل على أن النكول بذل: أن المدعى عليه مخير مع براءته من الحق بين أن ينكل أو يحلف، وهذه صورة البذل، أن يكون مخيرًا بين فعله وتركه مع عدم لزوم الحق، كالهبة لما كان الإنسان مخيرًا بين فعلها وتركها، من غير حق يلزمه، صار ذلك بذلًا.
وأيضًا: فلما لم يثبت للنكول حكم بنفسه، دون انضمام معنى آخر إليه، وهو قضاء القاضي به: كان بذلًا، كالهبة لما لم يثبت حكمها إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو القبض: كانت بذلًا، كذلك النكول.
стр. 3461
وينفصل الإقرار من النكول بالوجهين اللذين ذكرنا:
أحدهما: أنه غير مخير في الإقرار؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الحق عليه، أو ليس عليه، فإن كان عليه: لم يسعه غير الإقرار، وإن لم يكن عليه: لم يسعه الإقرار، لأنه كذب.
وأيضًا: فإن الإقرار حكمه ثابت بنفسه، لا يحتاج في صحته إلى انضمام معنى آخر إليه، فلم يكن بذلًا؛ لأن حكم البذل في الأصول لا يصح بنفسه إلا بانضمام معنى آخر إليه، كالهبة في حاجتها إلى القبض، والنكول في افتقاره إلى حكم الحاكم.
ومعنى قولنا: إنه لا يصح بذله من طريق الحكم: أن رجلًا لو سرق، فقال للمسروق منه: اقطع يدي، فقطعها: لم يكن هذا حدًا.
وكذلك لو قذفه، فقال: اجلدني، فجلده: لم يكن ذلك حدًا، وكان له أن يطالب عند الحاكم بحده.
ولو وجب له قبله قصاص في اليد، فقال: اقطع يدي، فقطعها: كان مستوفيًا لحقه من القصاص.
فهذا معنى قولنا: إنه لا يصح بذله من جهة الحكم، أو يصح.
وكذلك لو أن امرأة بذلت بضعها لرجل، فوطئها: لم يكن لبذلها تأثير، وكان الحد واجبًا عليه، وكذلك لو أرق نفسه لرجل، أو بذل له ولاء العتق، أو الاستيلاد: لم يكن لبذله حكم، فلم يصح أخذها بالنكول على قوله.
فإن قيل: والنفس لا يصح بذلها للإتلاف من جهة الحكم، ويستحلفه أبو حنيفة فيها.
قيل له: النفس يصح بذلها من جهة الحكم؛ لأن رجلًا لو قال لرجل:
стр. 3462
اقتلني، فقتله: لم يكن عليه شيء، فقد صح لبذله حكم.
وقد روي عنه: أن عليه الدية استحسانًا.
ولسنا نعني بصحة البذل الإباحة، وإنما المعنى فيه ما قلنا، من ثبوت حكم بذله لما بذل.
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما يستحلفان في ذلك كله، إلا في الحدود خاصة، والنكول عندهما قائم مقام الإقرار، وليس بصريح الإقرار، ومنزلتهما من الإقرار كمنزلة الشهادة على الشهادة من شهادة الأصل، فما لا يحكم فيه بالشهادة على الشهادة: لم يصح أخذه بالنكول، وما يجوز أن يؤخذ فيه بالشهادة على الشهادة: جاز أخذه بالنكول.
ومع ذلك يستحلفان في النفس وما دونها، فإذا نكل: حكمًا عليه بالدية.
ولو أن شاهدين على شهادة شاهدين شهدا بقتل عمد: لم يحكما فيه بقود ولا دية.
مسألة: [حكم الناكل بعد تكرار اليمين عليه]
قال أبو جعفر: (من جبت عليه يمين في شيء، فنكل ولم يحلف: كرر عليه القاضي ذلك ثلاث مرات، يعلمه فيها أنه إن لم يحلف قضى عليه، فإذا لم يحلف بعد ثلاث: قضى به عليه، إلا في دعوى القصاص في النفس، فإن أبا حنيفة يحبسه حتى يقر، أو يحلف).
стр. 3463
قال أحمد: يروى الحكم بالنكول عن عثمان، وابن عباس، وأبي موسى ﵃.
والدليل على وجوب الحكم بالنكول فيما وصفنا: أن قطع الخصومة من حق المدعي، والدليل عليه: أن القاضي يحول بين المدعى عليه وبين تصرفه وأشغاله؛ لإحضاره للخصومة، وإذا كان كذلك، ولم يجز عندنا رد اليمين على المدعي للدلائل الموجبة، كذلك لم يجز حبسه ووقوف الخصومة؛ لأن فصل الخصومة من حق المدعي، فينبغي أن يلزمه الحق المدعى بالنكول إذا لم ير هناك وجهًا ثالثًا.
وجهة أخرى: وهي اتفاق الجميع على أن النكول قد أوجب للمدعي حقًا:
فقال قائلون: هو رد اليمين على المدعي.
وقال آخرون: الحبس.
وقلنا: لزوم الحق للمدعي، فلا جائز أن يكون ذلك الحق هو رد اليمين؛ لأن المدعي لا حق له في رد اليمين عليه.
ولا يجوز أيضًا أن يكون الحبس؛ لأنه لا فائدة له فيه، فلا يبقى هناك حق يلزمه غير الحق المدعى، فوجب أن يكون الحق الذي لزمه بالنكول، هو الحق المدعى.
وأيضًا: فإن الحبس لا يجب إلا على وجه العقوبة، ولم يفعل ما
стр. 3464
يستحق به العقوبة، فلا يجوز حبسه.
والدليل على بطلان قول من قال برد اليمين: قول النبي ﵊: "لو أعطي الناس بدعاويهم، لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
ودلالة هذا الخبر على ما ذكر من وجوه:
أحدهما: أنه منع أن يعطى أحد بدعواه شيئًا، ويمينه: دعواه، لا فرق بينهما، إلا أنها في أحد الوجهين: دعوى لا يمين معها، وفي الآخر: دعوى معها حلف بالله تعالى، ولا يخرجه حلفه عليه من أن يكون خائفًا على الدعوى، وقد منع أن يعطى أحد شيئًا بدعواه.
فإن قيل: فالمدعى عليه منكر، ولا يبرأ من حق المدعي إلا باليمين، فقد افترق حكم الإنكار باليمين، وحكمه إذا حلف عليه، فكذلك المدعي.
قيل له: لا يستحق المدعى عليه بيمينه شيئًا، وإنما يقطع الخصومة في الحال، ولا يبرأ بها أيضًا من الحق؛ لأن المدعي لو أقام البينة بعد ذلك: قبلت بينته، وإنما منعنا أن يستحق أحد بدعواه شيئًا، وليس المدعى عليه مدعيًا، ولا يستحق بيمينه شيئًا، فهذا سؤال ساقط.
والوجه الثاني من دلالة الخبر: أن دعواه لم كانت قوله، ولم يجز أن يستحق بها شيئًا، وجب أن لا يستحق بيمينه أيضًا، إذ كانت قوله.
وأيضًا: كل قول يتهم فيه قائله: لا يجوز أن يكون حجة في
стр. 3465
الاستحقاق، ألا ترى أن الشهادة إذا جر بها الشاهد مغنمًا: لم تجز، فكذلك الحالف، لا يجوز أن تكون يمينه حجة في الاستحقاق لنفسه.
وأيضًا: قال الله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، وهو فليس يرضى في الشهادة لنفسه في استحقاق ما يدعيه، كذلك لا يجوز أن يكون رضا في الاستحقاق بيمينه.
فإن قيل: إذا رضي الخصم برد اليمين عليه، هلا حلفته؟
قيل له: ليس لرضا الخصم تأثير في تغيير الحكم؛ لأنه لو رضي بأن يشهد عليه فاسق أو ذمي: لم يعمل برضاه في ذلك.
ووجه آخر: وهو قوله: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه": ومعلوم أن المدعى عليه هو الذي يدعى عليه في ذمته، أو في يده، بدلالة أنهما إذا تقدما إلى الحاكم: طالب الخارج والمدعي للدين بإقامة البينة، فإن لم تكن له بينة: طالب المدعى عليه باليمين، فصح أنه هو المراد بالخبر.
وقوله: "اليمين على المدعى عليه": قد يشمل سائر الأيمان؛ لأنه يتناول الجنس، فلا يبقى يمين إلا وقد انطوت تحت اللفظ، وهي على المدعى عليه، ولم يبق هناك يمين يكون على المدعي.
وأيضًا: قول النبي ﵊ في حديث الأشعث بن قيس،
стр. 3466
وحديث وائل بن حجر: "شاهداك، أو يمينه"، وفي بعض الألفاظ: "بينتك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك"، فنفى بذلك أن يكون اليمين على المدعي بحال.
فإن قيل: لم يمنع ذلك ثبوت الحق له بالنكول وبالإقرار.
قيل له: عموم الخبر ينفي جميع ذلك، وإنما أثبتنا حكم النكول والإقرار بدلالة أخرى.
وأيضًا: تبين أنك إذا لم يثبت لك الحق من جهته بإقرار، أو بما يقوم مقامه، فلا حق لك إلا ببينة تقيمها، أو يمينه، فنفى بذلك أن يستحق بيمينه شيئًا.
وأيضًا: اليمين جعلت في الأصل لنفي الدعوى، لا للاستحقاق؛ لأن المدعى عليه إنما هو ناف لدعوى المدعي، ليس يروم بجحوده استحقاق شيء، والبينة موضوعة للاستحقاق، فلو جاز أن تجعل اليمين للاستحقاق، لجاز أن تكون البينة للنفي.
وأيضًا: فيمين المدعى عليه الخصومة، وهي حق عليه لقوله: "اليمين على المدعى عليه"، فإذا لزمه قطع الخصومة باليمين، فامتنع منها: وجب أن يقطعها بلزوم الحق، ولا يحبس، إذ ليس تنقطع بالحبس.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ قال للأنصار: "أتلحقون وتستحقون دم صاحبكم؟ ".
стр. 3467
قيل له: قد أنكر جماعة من السلف هذا اللفظ، منهم عمرو بن شعيب، وعبد الرحمن بن بجيد، وقالوا: لقد وهم سهل بن أبي حثمة في هذه اللفظة.
ولو ثبتت كانت على جهة النكير، كقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾، وقد يبنا ذلك فيما سلف من القسامة.
وعلى أنه كيف يحتج خصم بهذا الحديث وهو لا يحكم به في الحقوق على الوجه الذي ورد في القسامة، وذلك لأنه روي "أن النبي ﷺ كتب إلى اليهود أن يحلف منكم خمسون رجلًا، فقالوا: نحلف، فقالت الأنصار: لا نرضى بأيمان اليهود، فقال لهم: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ".
فقد بذلك المدعي عليهم اليمين.
ولا خلاف أن اليمين لا ترد على المدعي في سائر الحقوق، مع بذلك المدعى عليه اليمين، وأن عدم رضا المدعي بيمين المدعى عليه، لا يوجب رد اليمين عليه.
فإن قيل: روي: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا في القسامة".
стр. 3468
قيل له: ليس ذلك عن النبي ﵊، والذي عن النبي ﵊ مطلق، ليس فيه ذكر القسامة، إنما روي ذلك عن بعض السلف.
وعلى أنه لو ثبت، كان معناه: إلا في القسامة، فإن اليمين على من لم يدع عليه القتل.
وأيضًا: إلا في القسامة، فإنه لا يبرأ من الدية مع اليمين.
فصل: [في بيان وجه تكرار اليمين على الناكل]
وأما وجه تكرار القول عليه ثلاثًا: فلأن النكول لا يتعلق به لزوم الحق إلا بقضاء القاضي به، فيحتاط له بتكرار اليمين عليه، فعسى أن يحلف، ولأن اليمين حق قد لزمه، فيأمره بالخروج منه، كما أنه لو أقر بالمال، أو قامت علي البينة، أمره بالخروج منه، وكرر ذلك عليه، فإن أبى: حبسه حينئذ إن طلب المدعي حبسه، كذلك لزوم المال بالنكول.
مسألة: [نكول المدعى عليه عن اليمين في دعوى القصاص]
قال أبو جعفر: (إن ادعى عليه قصاصًا في نفس، فإن أبا حنيفة كان يقول: يحبسه حتى يحلف، أو يقر).
قال أحمد: كان القياس عنده: أن يحكم عليه بالقصاص بالنكول؛
стр. 3469
لأنه مما يصح بذله من جهة الحكم على ما بينا، إلا أنه ترك القياس فيه، فلم يأخذه بالنكول؛ استعظامًا لأمر الدم، ولأنه قد خولف به سبيل سائر الحقوق في استعظام أمرها.
ألا ترى أنه تجب القسامة إذا وجد قتيل في محلة، ولا يجب مثله في سائر الأشياء، وأن العشرة يقتلون بالواحد، ولا قطع يدان بيد، ولا يلزم متلف المال أكثر مما أتلف، فاستحسن ألا يأخذ النفس بالنكول.
وأيضًا: فإن اليمين في النفس قد يجوز أن تكون حقًا بنفسها، ألا ترى أن أهل المحلة إذا أبوا أن يحلفوا: حبسوا، هذا مع لزوم الدية، فلما جاز أن تكون اليمين حقًا للمدعي منفردًا عن الدية حتى يجبروا عليها، جعل اليمين في هذا الموضع كالحق المدعى في باب حبس المدعى عليه بها.
وأيضًا: فإن الحبس قد يجب في الأصول للتهمة، وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن النبي ﵊ حبس رجلًا في تهمة"، ونكوله عن اليمين يوجب تهمة، فيحبسه بها.
ألا ترى أن أبا حنيفة يقول في البينة إذا قامت بقود أو حد: إنه يحبس المدعى عليه، حتى يسأل عن الشهود، ولا يكلفه الحبس في هذا الموضع: سديد على أصله، وليس كذلك سائر الحقوق، لما وصفنا، لأن
стр. 3470
التهمة بكون المال عليه، لا توجب حبسه ولا عقوبته، وليس هو أيضًا في معنى النفس، لاختصاصها بما وصفنا.
* قال أبو جعفر: (فإن كانت دعوى في قصاص فيما دون النفس، فإن يقضي عليه في ذلك بالدية، ولا يقضي عليه فيه بقصاص في قول أبي حنيفة).
قال أحمد: وليس هذا قول أبي حنيفة المشهور عنه في الأصول، بل جوابه في الأصول في هذه المسألة: أنه يقضي عليه بالقصاص فيما دون النفس بالنكول، وفرق بين النفس وما دونها، فلم يحكم في النفس بشيء، وحبسه وحكم فيما دونها بالقصاص، والقياس فيهما جميعًا عنده أن يحكم بالقصاص؛ لأنها مما يصح بذله من جهة الحكم، إلا أنه ترك القياس في النفس لما وصفنا، وأخذ فيما دونها بالقياس.
وأيضًا: فإن ما دون النفس قد يجب فيه المال من غير شبهة، وهذا كرجل يقطع يد الرجلين اليمنى منهما، فتقطع يده لهما، ويقضى عليه بدية بينهما، ولا يجب مثله في النفس.
فإن قيل: فهلا حكم في النفس إذا نكل عنها بالدية، إذ لم يحكم بالقصاص.
قيل له: لأن النكول عنها يوجب القصاص، وليس شبهة في سقوطه، وإنما توقف عن قتله؛ استعظامًا لأمر الدم على ما وصفنا، فلم يجز الحكم بالمال مع وجود ما يوجب القصاص.
следующие страницы →