← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 16546

شرح مختصر الطحاوي للجصاص

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (3 930 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وحديث وائل بن حجر: "شاهداك، أو يمينه"، وفي بعض الألفاظ: "بينتك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك"، فنفى بذلك أن يكون اليمين على المدعي بحال. فإن قيل: لم يمنع ذلك ثبوت الحق له بالنكول وبالإقرار. قيل له: عموم الخبر ينفي جميع ذلك، وإنما أثبتنا حكم النكول والإقرار بدلالة أخرى. وأيضًا: تبين أنك إذا لم يثبت لك الحق من جهته بإقرار، أو بما يقوم مقامه، فلا حق لك إلا ببينة تقيمها، أو يمينه، فنفى بذلك أن يستحق بيمينه شيئًا. وأيضًا: اليمين جعلت في الأصل لنفي الدعوى، لا للاستحقاق؛ لأن المدعى عليه إنما هو ناف لدعوى المدعي، ليس يروم بجحوده استحقاق شيء، والبينة موضوعة للاستحقاق، فلو جاز أن تجعل اليمين للاستحقاق، لجاز أن تكون البينة للنفي. وأيضًا: فيمين المدعى عليه الخصومة، وهي حق عليه لقوله: "اليمين على المدعى عليه"، فإذا لزمه قطع الخصومة باليمين، فامتنع منها: وجب أن يقطعها بلزوم الحق، ولا يحبس، إذ ليس تنقطع بالحبس. فإن قيل: روي أن النبي ﷺ قال للأنصار: "أتلحقون وتستحقون دم صاحبكم؟ ".

стр. 3467

قيل له: قد أنكر جماعة من السلف هذا اللفظ، منهم عمرو بن شعيب، وعبد الرحمن بن بجيد، وقالوا: لقد وهم سهل بن أبي حثمة في هذه اللفظة. ولو ثبتت كانت على جهة النكير، كقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾، وقد يبنا ذلك فيما سلف من القسامة. وعلى أنه كيف يحتج خصم بهذا الحديث وهو لا يحكم به في الحقوق على الوجه الذي ورد في القسامة، وذلك لأنه روي "أن النبي ﷺ كتب إلى اليهود أن يحلف منكم خمسون رجلًا، فقالوا: نحلف، فقالت الأنصار: لا نرضى بأيمان اليهود، فقال لهم: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". فقد بذلك المدعي عليهم اليمين. ولا خلاف أن اليمين لا ترد على المدعي في سائر الحقوق، مع بذلك المدعى عليه اليمين، وأن عدم رضا المدعي بيمين المدعى عليه، لا يوجب رد اليمين عليه. فإن قيل: روي: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا في القسامة".

стр. 3468

قيل له: ليس ذلك عن النبي ﵊، والذي عن النبي ﵊ مطلق، ليس فيه ذكر القسامة، إنما روي ذلك عن بعض السلف. وعلى أنه لو ثبت، كان معناه: إلا في القسامة، فإن اليمين على من لم يدع عليه القتل. وأيضًا: إلا في القسامة، فإنه لا يبرأ من الدية مع اليمين. فصل: [في بيان وجه تكرار اليمين على الناكل] وأما وجه تكرار القول عليه ثلاثًا: فلأن النكول لا يتعلق به لزوم الحق إلا بقضاء القاضي به، فيحتاط له بتكرار اليمين عليه، فعسى أن يحلف، ولأن اليمين حق قد لزمه، فيأمره بالخروج منه، كما أنه لو أقر بالمال، أو قامت علي البينة، أمره بالخروج منه، وكرر ذلك عليه، فإن أبى: حبسه حينئذ إن طلب المدعي حبسه، كذلك لزوم المال بالنكول. مسألة: [نكول المدعى عليه عن اليمين في دعوى القصاص] قال أبو جعفر: (إن ادعى عليه قصاصًا في نفس، فإن أبا حنيفة كان يقول: يحبسه حتى يحلف، أو يقر). قال أحمد: كان القياس عنده: أن يحكم عليه بالقصاص بالنكول؛

стр. 3469

لأنه مما يصح بذله من جهة الحكم على ما بينا، إلا أنه ترك القياس فيه، فلم يأخذه بالنكول؛ استعظامًا لأمر الدم، ولأنه قد خولف به سبيل سائر الحقوق في استعظام أمرها. ألا ترى أنه تجب القسامة إذا وجد قتيل في محلة، ولا يجب مثله في سائر الأشياء، وأن العشرة يقتلون بالواحد، ولا قطع يدان بيد، ولا يلزم متلف المال أكثر مما أتلف، فاستحسن ألا يأخذ النفس بالنكول. وأيضًا: فإن اليمين في النفس قد يجوز أن تكون حقًا بنفسها، ألا ترى أن أهل المحلة إذا أبوا أن يحلفوا: حبسوا، هذا مع لزوم الدية، فلما جاز أن تكون اليمين حقًا للمدعي منفردًا عن الدية حتى يجبروا عليها، جعل اليمين في هذا الموضع كالحق المدعى في باب حبس المدعى عليه بها. وأيضًا: فإن الحبس قد يجب في الأصول للتهمة، وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن النبي ﵊ حبس رجلًا في تهمة"، ونكوله عن اليمين يوجب تهمة، فيحبسه بها. ألا ترى أن أبا حنيفة يقول في البينة إذا قامت بقود أو حد: إنه يحبس المدعى عليه، حتى يسأل عن الشهود، ولا يكلفه الحبس في هذا الموضع: سديد على أصله، وليس كذلك سائر الحقوق، لما وصفنا، لأن

стр. 3470

التهمة بكون المال عليه، لا توجب حبسه ولا عقوبته، وليس هو أيضًا في معنى النفس، لاختصاصها بما وصفنا. * قال أبو جعفر: (فإن كانت دعوى في قصاص فيما دون النفس، فإن يقضي عليه في ذلك بالدية، ولا يقضي عليه فيه بقصاص في قول أبي حنيفة). قال أحمد: وليس هذا قول أبي حنيفة المشهور عنه في الأصول، بل جوابه في الأصول في هذه المسألة: أنه يقضي عليه بالقصاص فيما دون النفس بالنكول، وفرق بين النفس وما دونها، فلم يحكم في النفس بشيء، وحبسه وحكم فيما دونها بالقصاص، والقياس فيهما جميعًا عنده أن يحكم بالقصاص؛ لأنها مما يصح بذله من جهة الحكم، إلا أنه ترك القياس في النفس لما وصفنا، وأخذ فيما دونها بالقياس. وأيضًا: فإن ما دون النفس قد يجب فيه المال من غير شبهة، وهذا كرجل يقطع يد الرجلين اليمنى منهما، فتقطع يده لهما، ويقضى عليه بدية بينهما، ولا يجب مثله في النفس. فإن قيل: فهلا حكم في النفس إذا نكل عنها بالدية، إذ لم يحكم بالقصاص. قيل له: لأن النكول عنها يوجب القصاص، وليس شبهة في سقوطه، وإنما توقف عن قتله؛ استعظامًا لأمر الدم على ما وصفنا، فلم يجز الحكم بالمال مع وجود ما يوجب القصاص.

стр. 3471

قال أبو جعفر: (قال أبو يوسف ومحمد: الحكم في النفس وما دونها إذا نكل عنها بالدية). لأن القصاص لا يؤخذ بالنكول، كما لا يؤخذ بالشهادة على الشهادة، وشهادة النساء، والمال، يجوز أخذه بالنكول، والقصاص يجوز أن يتحول مالًا بعد ثبوته. مسألة: [صيغة الاستحلاف] قال أبو جعفر: (ويستحلف المدعى عليه للمدعي: بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. وإن اكتفى بالأول: أجزأه). قال أحمد: وذلك لما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قال- يعني لرجل حلفه-: "احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندك شيء". يعني للمدعي، فزاد النبي ﵊ في اليمين من صفة الله

стр. 3472

تعالى ما ذكر، فدل على جواز الزيادة في لفظها على وجه التأكيد والتغليظ. فإن اقتصر على الأول: أجزأه، لقول النبي ﵊: "من كان حالفًا فيحلف بالله، أو ليسكت". * قال أبو جعفر: (ولا يستقبل به القبلة، ولا يدخله المسجد، وحيثما حلفه: فهو مستقيم). وذلك لقول النبي ﵊: "اليمين على المدعى عليه"، ولم يخصها بمكان. مسألة: [صيغة استحلاف غير المسلمين] قال أبو جعفر: (وقال محمد: ويستحلف النصراني: بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، واليهودي: بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والمجوسي: بالله الذي خلق النار). وذلك لما روي "أن النبي ﵊ قال لليهود في شأن الرجم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى؟ ". فوجب على هذا أن يستحلف النصراني على ما قال؛ لأنه يعتقد من تعظيم المسيح، أكثر مما يعتقده اليهودي في موسى، ويستحلف

стр. 3473

المجوسي بالله الذي خلق النار؛ لأنه لا يؤمن بنبي، ولا بكتاب، ويعتقد تعظيم النار. مسألة: [قيام البينة بعد استخلاف المدعى عليه] قال أبو جعفر: (من استخلفه القاضي على شيء، فحلف عليه، ثم قامت عنده البينة على ما ادعى: قبل بينته، وقضى له به). وذلك لقول النبي ﵊: "البينة على المدعي". ولم يخص به حالًا دون حال، فوجب أن تكون مقبولة قبل يمينه وبعدها. وقال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. ولم يفرق بين حال وقوع اليمين، أو قبله. وأيضًا: فإن قيام البينة في الابتداء: يسقط معه حكم اليمين، كذلك إذا حلف، ثم قامت البينة، فينبغي أن يسقط حكم يمينه. فإن قيل: قل النبي ﵊ للأشعث بن قيس: "شاهدك أو يمينه"، فأوجب أحدهما. وقال في حديث وائل بن حجر: "بينتك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك". قيل له: "شاهداك، أو يمينه": لا يدل على بطلان حكم البينة بعد اليمين، وليس إيجابه لذلك على وجه التخيير، بل معلوم أن المراد: تقديم البينة على اليمين، وانتفاء حكم اليمين معها، فمتى وجدت:

стр. 3474

فحكم اليمين ساقط معها. وقوله: "ليس لك إلا ذلك": يعني إن لم تكن لك بينة: فليس لك إلا اليمين؛ لأنه لم قال: إنه رجل فاجر، لا يبالي أن يحلف: قال: "ليس لك غيره"، يعني إذا عدمت البينة، وقد وجدت البينة، فبطل حكم اليمين. وقد روي عن عمر بن الخطاب، وشريح، وإبراهيم، وطاوس مثل قولنا، قالوا: اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة. مسألة: [حكم رد اليمين على المدعي إذا نكل عنها المدعى عليه] قال: (ومن وجبت عليه يمين، فردها على المدعي: لم يرد ذلك عليه، وقيل له: احلف، أو أقر إن شئت). قال أحمد: قد بينا أن نكول المدعى عليه، لا يوجب رد اليمين على المدعي، وأنه لا جائز لأحد استحقاق شيء يدعيه بقوله، ويمينه: قوله، فإذا كان ذلك ممتنعًا من جهة الحكم، لم يكن لرضا المدعى عليه تأثير في إجازة ما منعته الشريعة، ألا ترى أن المدعى عليه لو رضي بأن تقبل عليه شهادة الفاسق، أو أهل الذمة، أو شهادة واحد: لم يكن لرضاه تأثير، ولم تقبل عليه الشهادة، إلا على الوصف المشروط.

стр. 3475

مسألة: [من لا تقبل شهادتهم] قال أبو جعفر: (ولا تقبل شهادة الصبيان، والعبيد في شيء). قال أحمد: أما الصبيان: فإنما لم تجز شهادتهم؛ لقول الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، والصبيان بخلاف هاتين الصفتين. وأيضًا: لم يختلفوا أن شهادة الصبيان غير جائزة على الرجال في الحقوق، وإنما يجيزها من يجيزها من بعضهم على بعض في الجراح، ونحو ذلك، فلما ثبت بالاتفاق بطلان شهادتهم على الرجال، كذلك من بعضهم على بعض. وأيضًا: قال تعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وليس الصبيان من ذوي عدل. وقال عروة بن الزبير: تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض. وقال ابن عباس: حتى يكبروا.

стр. 3476

* وأما العبيد: فإن وجه بطلان شهادتهم: أن الله تعالى لما قال: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى آخر القصة، كان المفهوم من ظاهر هذا الخطاب: الأحرار الذين يملكون عقود المداينات، وأن العبيد غير داخلين فيهم، إذ هم غير مالكين لذلك، فلما كان ذلك في مضمون اللفظ، صار كالملفوظ به فيه، فكأنه قال: يا أيها الأحرار، ثم لما عطف على ذلك قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، انصرف ذلك إلى الأحرار؛ لأن الخطاب لهم، كأنه قال: من رجال أحرار، لما في مضمون الخطاب من شرط الحرية. فإذا كان الواجب بالآية استشهاد الأحرار، لم يجز إسقاط شرطها. كما أنه لما قال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾: لم يجز إسقاط شرط العدالة. وأيضًا: قال: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، ولا يجوز أن يكون العبد مرادًا به؛ لأن عليه خدمة سيده، ويجوز له إباء أن يحضر الشهادة. وأيضًا: فإن صحة الشهادة يتعلق بها ضمان عند الرجوع، فلما لم يكن

стр. 3477

العبد ممن يلزمه ضمان بالرجوع لو قبلت شهادته: علمنا أنه ليس من أهلها، كالصبي أيضًا، فصحة قبول الشهادة متعلقة بالولاية. والدليل عليه: اتفاق الجميع في بطلان شهادة المجنون، ورد شهادة الصبي على الرجال في الحقوق؛ لعدم الولاية. فلما لم يكن العبد من أهل الولاية، وجب أن لا تقبل شهادته. وأيضًا: لما كانت شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، إذ كان ميراثها على النصف من ميراث الرجل، ثم لم يكن العبد من أهل الميراث، وجب أن لا يكون من أهل الشهادة. مسألة: [ما تقبل فيه شهادة أهل الكفر] قال أبو جعفر: (وتقبل شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض؛ لأن الكفر كله ملة واحدة). قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم﴾. ومعناه: من غير أهل ملتكم؛ لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان

стр. 3478

حين قال: ﴿يأيها الذين ءامنوا﴾، فقد تضمنت الآية جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية وفي غيرها؛ لأنه لم يخص الوصية بجواز الشهادة فيها دون غيرها، وإنما قال: ﴿حين الوصية﴾، ومعناه: وقت الوصية، وقد يكون وقت الوصية إقرار بدين، وعقد بيع وغيره. فتضمنت الآية جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في هذه الأمور، وتضمنت الآية أيضًا الدلالة على جوازها على أهل الذمة، إذ لا شهادة جائزة على مسلم إلا وهي جائزة على ذمي، ثم قامت الدلالة على نسخها على المسلمين، فوجب أن تبقى دلالتها على جوازها على أهل الذمة؛ لعدم الدلالة الموجبة لنسخها. وجهة نسخ جوازها على المسلم: قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾.

стр. 3479

وذلك كله في المسلمين، فصارت تلك الشهادة منسوخًا جوازها على المسلمين، وبقي حكمها في الكفار على ما تضمنته دلالة الآية. وأيضًا: روى مجالد عن الشعبي عن جابر "أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ برجل وامرأة منهم زنيًا، فقال لهم رسول الله ﵊: "ائتوني بأربعة منكم يشهدون". رواه الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا حفص بن غياث عن مجالد. وحدثنا عبد الباقي عن قانع قال: حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل وإبراهيم بن السكن ابن أسباط وجماعة قالوا: حدثنا الحسن بن حماد قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد عن عامر عن جابر "أن النبي ﵊ أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض". * ومن جهة النظر: أن فسقهم لما كان من جهة التدين، وجب أن لا يمنع جواز شهادتهم، كما أن أهل الأهواء لما كان فسقهم من جهة التدين، لم يمنع قبول شهادتهم.

стр. 3480

وأيضًا: فإن وصية الذمي إلى الذمي جائزة، وهي أمانة لا يفر عليها الفاسق، فلما جازت وصية بعضهم إلى بعض وإن كانت أمانة، ومن شرط الوصي كونه عدلًا، وجب أن تجوز شهادتهم أيضًا بعضهم على بعض. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده﴾. فأخبر أن منهم من يصلح أن يؤتمن على مال، فجاز ائتمانهم على الشهادات فيما بينهم. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾، والكفار فاسق. قيل له: المراد به الفسق من جهة الفعل، لا من جهة التدين والاعتقاد، بدلالة جواز شهادة أهل الأهواء مع فسقهم. مسألة: قال أبو جعفر: (والكفر كله ملة واحدة). وذلك لقول الله تعالى: ﴿قل يأيها الكفرون﴾، ثم قال: ﴿لكم

стр. 3481

دينكم ولي دين﴾. فجعل جميع الكفر دينًا واحدًا، والإسلام دينًا واحدًا. ويدل عليه: قول النبي ﵊: "لا يتوارث أهل ملتين"، و"لا يرث المسلم الكافر". فجعل الإسلام ملة، والكفر كله ملة. ويدل عليه قول النبي ﵊ يوم الفتح: "الناس حيز، ونحن حيز". فإن قيل: فالكتابي حكمه مخالف عندكم لغير الكتابي في جواز مناكحته، وأكل ذبيحته. قيل له: هذا حكم فيما بيننا وبينهم، فأما فيما بينهم، فلا يختلفون عندنا. مسألة: قال: (ولا تقبل شهادة أحد من أهل الذمة على مسلم).

стр. 3482

قال أحمد: وذلك لقول الله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. وقال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. وقد أراد: من المسلمين؛ لأن الخطاب توجه إليهم بلفظ الإيمان. وقال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي الثغري قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية عن الأسود بن عامر بن عمر بن راشد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة ملة على ملة، إلا ملة المسلمين، فإنها تجوز على الملل كلها". فإن قيل: فهذا الخبر ينفي جواز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض قيل له: ليس كذلك؛ لأن الكفر كله ملة واحدة. فإن قيل: فقوله: "إلا شهادة المسلمين، فإنها تجوز على الملل كلها": يدل على أن الكفر ملل مختلفة.

стр. 3483

قيل له: ليس كذلك؛ لأنه جائز أن يكون المراد: على ملة الإسلام، وملة الكفر، وأطلق عليهما اسم الملل، لأن الاثنين قد يطلق عليهما لفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾. فإن قيل: قد أجاز الله تعالى شهادة أهل الكفر على المسلمين في الوصية في السفر، بقوله: ﴿أو ءاخران من غيركم﴾، فهلا أجزتها، وقد روي جوازها عن أبي موسى الأشعري، وجماعة من التابعين. قيل له: هي منسوخة بقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وبقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾.

стр. 3484

وذلك لأن قوله: ﴿أو ءاخران من غيركم﴾: لا دلالة فيه على تخصيص الوصية بجواز شهادة الكفار فيها؛ لأنه إما قال: ﴿حين الوصية﴾، وقد يكون حين الوصية سائر ضروب المداينات، فقد تضمنت الآية جوازها في سائر الحقوق. فلما قضى قوله: ﴿شهيدين من رجالكم﴾، وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، على قوله: ﴿أو ءاخران من غيركم﴾ في المداينات: كان كذلك حكمها في الوصية. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ "أن هذه الآية نزلت في شأن رجل من بني سهم، توفي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إلى تميم الداري، وعدي بن بداء، وهما نصرانيان، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة مخوصًا بالذهب. فاستحلفا رسول الله ﷺ : ما كتمتما، ولا اطلعتما، ثم عرف بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي بن بداء وتميم، فقام

стр. 3485

رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي، ﴿وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين﴾، وأخذا الجام". فعلى هذا التأويل: الشهادة المذكورة في الآية، إنما هي الأيمان على الوجه المذكور، وكانت الآية حينئذ إنما قصت الحال التي نزل فيها الحكم، وذكر حكم المسلمين فيها أيضًا إن جرت الحال فيهم على هذا الوصف، فإن كان هو المعنى، فلا دلالة فيها على جواز شهادة أهل الذمة في وصية ولا غيرها. وقد روي ذلك عن جماعة من السلف. مسألة: [حبس المدين إذا طلب الخصم] قال أبو جعفر: (ومن وجب عليه دين: حبسه القاضي إن سأله ذلك خصمه). وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته".

стр. 3486

قال أهل العلم: عقوبته: حبسه، ولا يحتمل غيره، لأنه معلوم أنه لا يضرب باتفاق، فلم يبق هناك عقوبة غير الحبس. وروى الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: "أتيت النبي ﵊ بغريم لي، فقال لي: الزمه، ثم قال: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك؟ ". فهذا يدل من وجهين على الحبس. أحدهما: قوله: "الزمه". والآخر قوله: "ما تريد أن تفعل بأسيرك؟ ". وروي "أن رجلًا أعتق عبدًا بينه وبين آخر، وهو موسر، حبسه النبي ﵊، حتى باع غنيمة له". وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "إن لصاحب الحق اليد واللسان". فقيل: في اليد: اللزوم، وفي اللسان: الاقتضاء. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمة".

стр. 3487

وروي الحبس في الدين عن علي ﵁، وجماعة من السلف. ومن جهة: أنه مقيم في محظور في امتناعه من القضاء مع الإمكان، فيجبر عليه بالحبس، كما يمنع من سائر المحظورات إذا واقعها، وأقام عليها. مسألة: قال أبو جعفر: (ثم يسأل عنه، فإن كان موسرًا: لم يطلقه حتى يقضيه، وإن كان معسرًا: خلى سبيله). وذلك لأن الحبس وجب على وجه العقوبة، والجبر على قضائه الدين، لقول النبي ﵊: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". فإنما أباح عقوبة الواجد، والمعسر غير ملوم على ترك القضاء، فلا يستحق العقوبة. ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.

стр. 3488

قال أحمد: ولا يمنعه أصحابنا من لزومه، لقول النبي ﵊: "لصاحب الحق اليد واللسان"، ولم يفرق بين الواجد وغيره. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. قيل له: معناه: أنظروهم، ولا دلالة فيه على أنه يصير منظرًا بنفس الإعسار. ويدل عليه: ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه: أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله". ولو كان منظرًا بنفس الإعسار، ما استحق الثواب على إنظاره؛ لأن من كان منظرًا: لا ينظر. * قال أبو جعفر: (وسواء كان ذلك الدين من قرض، أو بيع، أو صداق امرأة، أو مما سوى ذلك). قال أحمد: أما الديون التي ملك أبدالها كالقرض، وثمن المبيع ونحوهما، فإنما لم يصدق فيها على دعوى الإعسار في بدء ما رفع إلى الحاكم من وجهين: أحدهما: أنه قد حصل له ملك البدل، وصار به مليًا واجدًا لقضاء الدين.

стр. 3489

والوجه الآخر: أن دخوله في عقد المداينة اعتراف منه بلزومه، ووجوب قضائه عليه. وأما ما لم يملك بدله، مثل صداق المرأة، والكفالة: فإنما لزمه من وجه واحد، وهو أن دخوله في التزام الدين: اعتراف منه بوجوب أدائه، ولزوم مطالبته به، فلا يصدق على الإعسار، كما أن دخوله في سائر العقود اعتراف منه بصحتها، ولزوم حكمها. مسألة: [حكم شهادة أحد الزوجين للآخر] قال أبو جعفر: (ولا يقبل شهادة الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها). قال أحمد: وذلك أن لكل واحد منهما تبسطًا في مال صاحبه بعقد النكاح، ألا ترى أن مال الزوج تنتفع به المرأة في العادة، ومال المرأة ينتفع به الزوج بسبب العقد الذي بينهما، فصارت شهادة أحدهما لصاحبه كشهادته لنفسه، لأنه جار بها إلى نفسه. وقد روي عن النبي ﵊ أنه قال: "لا تجوز في الإسلام شهادة ظنين، ولا شهادة القانع لأهل البيت". فمنع شهادة القانع بغلبة الظن في مثله، أن يجر بها إلى نفسه، فالزوج والمرأة أحرى بذلك. وجهة أخرى: وهي أنه متى كثر مال الزوج، لزمه من النفقة بمقدار يساره، وتستحق به عليه منها أكثر مما تستحقه في حال العسر، وذلك

стр. 3490

سبب متعلق بعقد النكاح، فصار لها نفع في شهادتها، وإذا كثر ما لها، زاد ذلك في مهر مثلها، وقيمة بضعها، والبضع هو ملك الزوج، فكنه شهد بزيادة قيمة ما يملكه. وأيضًا: فلما كان في العادة أن مال الزوج في يد المرأة؛ لأنها وماله في داره: صارت شهادتها له شهادة بما تستحق به اليد عليه، فلا يجوز، ألا ترى أنهم قالوا: إن المودع إذا دفع الوديعة إلى امرأته: لم يضمنها؛ لأنه لا يتوصل إلى حفظها في العادة إلا بها، وما في يد المرأة، فكأنه في يد الزوج؛ لأن المرأة أيضًا في يده، فصارت شهادته لها، موجبة لاستحقاق يد نفسه على المشهود به، ولا تجوز شهادة الإنسان بما يوجب له استحقاق اليد عليه. مسألة: [عدم قبول شهادة الأصول للفروع والعكس] قال أبو جعفر: (ولا تجوز شهادة أحد لولده وإن سفلوا، ولا لوالديه وإن علوا). قال أحمد: أما شهادة الأب للابن، فإن وجه بطلانها: أن مال الابن منسوب إلى الأب بقوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك".

стр. 3491

وروي عنه ﵊ أنه قال: "إنما أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم". وروي في التفسير في قوله تعالى: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾: أنه يعني وما ولد. * وإنما لم تجز شهادة الابن للأب، لأنه منسوب إليه بالولادة، فصارت كشهادة الأب للابن، من حيث كانت النسبة بينهما من طريق الولادة. ولهذه العلة بعينها لم تجز شهادته لآبائه وإن علوا، ولا لأولاده وإن سفلوا، إذ كان بعضهم منسوبًا إلى بعض بالولادة. مسألة: [المعاصي التي ترد بها الشهادة] قال أبو جعفر: (ومن وقف على أن فيه كبيرة من الكبائر التي أوعد الله عليها بالنار: لم تقبل شهادته). وذلك لأنه مستحق في هذه الحال تسمية الفسق، وقال الله تعالى:

стр. 3492

﴿وإن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾. * قال أبو جعفر: (وإن لم يقف على ذلك، ووقف على مساوئ ومحاسن فيه: حمل أمره على الأغلب). وذلك لأن أحدًا من دون الأنبياء لا يخلو من زلة، ومن خطيئة، كما قال القائل: إن تغفر اللهم تغفر جمًا .... وأي عبد لك لا ألمًا. ولو لم تقبل إلا شهادة من لا ذنب له رأسًا، لبعد وجود واحد في الدنيا محكوم له بذلك، وذلك يؤدي إلى بطلان ما ندب الله إليه من استشهاد العدول ومن نرضى من الشهداء. مسألة: [ما تتحقق به الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر: (ولا يقبل في الشهادة على الشهادة إلا مثل ما يقبل على الشهادة على الحقوق). وذلك لأن الشاهد على شهادة غيره، ناقل لشهادة شهود الأصل إلى القاضي، كما ينقل إليه إقرار المقر، تلك الشهادة إلى القاضي إلا بشاهدين، كما لا ينتقل إقرار المقر بالحق إليه إلا بشاهدين.

стр. 3493

مسألة: [متى تقبل الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر: (ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا على شهادة ميت، أو غائب بينه وبين القاضي المسافة التي تقصر في مثلها الصلاة، أو مريض لا يستطيع إتيان القاضي). وذلك لأن الشهادة على الشهادة قائمة مقام شهادة الأصل، وبدل منها، وشهود الأصل إذا كانوا حضورًا، يمكنهم إتيان القاضي، فعليهم إقامتها، فلا يصح لبدلها حكم مع وجود المبدل عنه، كما لا يصح للتيمم حكم مع وجود الماء المفروض به الطهارة، ولا يصح صوم الكفارة مع وجود الرقبة، في نظائرها من المسائل. وأيضًا: فالقياس يمنع جواز الشهادة على الشهادة، وذلك لأن الشاهد إنما تصح شهادته إذا نقل حقًا على المشهود عليه يطالب به عند القاضي، فأما نقله ما ليس بحق على إنسان: فليس يصح، ولا يثبت له الحكم. وليست الشهادة التي عند شهود الأصل حقًا عليهم للمشهود عليه، بدلالة أنه لا تصح الخصومة فيها، ولا المطالبة بها، والجبر عليها، فكان القياس أن لا تصح الشهادة على الشهادة بحال، إلا أن الفقهاء قد اتفقوا على جوازها إذا كان وصفها على ما ذكرنا، فسلمناه للاتفاق، وما عداه فمحمول على القياس. * ولهذه العلة بعينها قالوا: لا تصح الشهادة على الشهادة، إلا أن يحملهم إياها شهود الأصل بلفظ تحميل الشهادة، والأمر بها على وجه التوكيل. ولا يصح نقلهم لها إذا كان بخلاف ذلك. ولا تجوز إذا شهد رجلان على شهادتهما لغيرهما أن يشهدا؛ لأنهما

стр. 3494

لا يحملاهما إياها. ويحتاج في صحة تحميل الشهادة أن يقول له: اشهد على شهادتي أني أشهد: أن لفلان على فلان كذا. ولامتناع جواز الشهادة على الشهادة إذا سمعاهما يشهدان غيرهما، ولم يشهداهما. ووجه آخر: وهو أن الشهادة ليس لها حكم بنفسها حتى يقضي بها القاضي، فلا يجوز لغيرهما أن يشهد على شهادتهما، حتى يشهداهما. وليست الشهادة على الشهادة في هذا، كالشهادة على العقود والإقرارات؛ لأن هذه الأشياء حكمها ثابت بنفسها، ولا تحتاج في ثبوتها إلى قضاء القاضي بها، فأشبه في هذا الوجه: القتل، والغصب، يسع من شاهد ذلك وعاينه: أن يشهد به وإن لم يأمره الغاصب بالشهادة عليه. ويشبه ذلك قضاء القاضي إذا قال: حكمت لفلان على فلان بألف درهم، فيسع من شهد من الشهود أن يشهد على قضائه وإن لم يشهده؛ لأن حكمه ثابت لازم كإقرار المقر، والقتل والغصب. مسألة: [حكم الشهادة على شهادة غير العدل] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي للرجل أن يشهد على شهادة من ليس عنده بعدل). قال أحمد: وذلك لأن من الفقهاء من يحمل أمر الشهود على

стр. 3495

العدالة، حتى يتبين غيره، ولا يسأل عنهم حتى يظهر له غيره، فلا يأمن الشاهد عنده على شهادة من ليس بعد أن يمضي القاضي الحكم بشهادته، فيكون قد قضى بشهادة غير العدول. مسألة: [سؤال القاضي عن المشهود على شهادته] قال أبو جعفر: (وإن شهد عند القاضي على شهادة رجل ولم يعدله عنده، سأل القاضي عن المشهود على شهادته، كما يسأل عنه لو كان شهد عنده بنفسه). قال أحمد: وهذا على قول من يرى المسألة عن الشهود، فأما من يجعلهم عدولًا في الظاهر، حتى يتبين غيره، فإنه لا يسأل عنهم على ما تقدم بيانه فيما سلف. * قال أبو جعفر: (فإن عدل عنده الشاهد على شهادته: قبل تعديله إن كان ممن يصلح للتعديل ويحسنه). وذلك لأن نقله لشهادته، لا يمنع صحة تعديله، إذ لا فرق بين تعديله وتعديل غيره. فإن قيل: يريد أن يصحح بتعديله شهادة نفسه، فينبغي أن لا يقبل تعديله. قيل له: وما عليه في تصحيح شهادة نفسه؟ أليس إنما تصح شهادته بعدالته؟ فواجب على قضيتك أن لا تصح لأحد شهادة؛ لأنه لولا صلاحه

стр. 3496

وعدالته في نفسه، لم تقبل شهادته. ويدل على سقوط هذا الاعتبار: أن شاهدين لو شهدا عند القاضي على رجل بحق، وعدل أحدهما صاحبه: قبل تعديله إن كان أهلًا لذلك وإن كان تعديله يصحح شهادته، إذ لا تجوز شهادته إلا بصحة شهادة صاحبه. مسألة: [العدد المشترط في الشهادة على الشهادة] قال أبو جعفر: (ويقبل القاضي شهادة شاهدين على شهادة شاهدين، إذا كان كل واحد منهما يشهد على شهادة كل واحد من ذينك الشاهدين). قال أحمد: وذلك لأنهما ناقلان لكلاهما؛ كما ينقلان إقرار المقر، ولو شهدا على شهادة أحدهما: جازت شهادتهما فلا تمنع شهادتهما على شهادة الآخر من نقل شهادة صاحبه. فإن قيل: تريد أن تصحح شهادة أنفسهما بنقل شهادة الآخر. قيل له: ويجوز لهما تصحيح شهادة أنفسهما، ألا ترى أن الفاسق غير مقبول الشهادة، وإذا تاب وأصلح: قبلت شهادته، وإنما صحح شهادة نفسه بفعله، وكل شاهدين يشهدان عند قاض، فهما قاصدان إلى تصحيح شهادتهما. أرأيت لو شهد رجل وابنه بشهادة، أما كانت تجوز شهادتهما من أجل أن كل واحد منهما يقصد تصحيح شهادة ابنه، أو أبيه بإقامته الشهادة معه؟ فلما جاز ذلك بالاتفاق، مع وجود ما ذكرت من الاعتدال، دل ذلك

стр. 3497

على سقط هذا السؤال. مسألة: [عدم أخذ القاضي كفيلًا من وارث دفع إليه الميراث] قال أبو جعفر: (ولا يأخذ القاضي من وارث لميت دفع إليه ميراثه، ولا من غريمه، ومن موصى له، كفيلًا بشيء مما دفع إليهم، وقال أبو حنيفة: هذا شيء احتاطت به القضاة، وهو ظلم). قال أحمد: وذلك لأن الوارث، والغريم، والموصى له قد استحقوا أخذ المال، لا نعلم هناك مستحقًا غيرهم، فلا معنى لمطالبتهم بإقامة كفيل لغيرة مستحق. قال أحمد: وأبو يوسف ومحمد: يأخذان منه كفيلًا؛ احتياطًا للميت. مسألة: [الاستحلاف على العلم] قال أبو جعفر: (ومن ورث دارًا أو عبدًا، فادعاه رجل، وطلب يمينه عليه: استحلف له على علمه). وذلك لأنه يدعي استحقاق ملك الميت، وهو خصم عنه، فكأنه مستحلف على فعل غيره، فتكون يمينه على العلم. والأصل فيه: "استحلاف النبي ﵊ في القسامة: بالله

стр. 3498

ما قتلناه، ولا علمنا قاتلًا". فما كان على فعل الحالف: كان على البتات، وعلى فعل غيره: على العلم. ويدل عليه: ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمود بن خالد قال: حدثنا الفريابي قال: حدثنا الحارث بن سليمان قال: حدثني كردوس عن الأشعث بن قيس "أن رجلًا من كندة، ورجلًا من حضرموت، اختصما إلى النبي ﵊ في أرض من اليمن، قال الحضرمي: يا رسول الله! أرضي اغتصبنيها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين"، وساق الحديث. فقد سأله الحضرمي استحلافه على العلم، ولم ينكره النبي ﷺ ، فصار ذلك أصلًا في نظائره مما يستحلف فيه على العلم، إذا كانت اليمين فيه على فعل الغير. مسألة: [نسيان القاضي لما قضى به، وللمدعي بينة على ذلك] قال أبو جعفر: (ومن ادعى عند القاضي قضاءه به، وهو لا يذكر

стр. 3499

ذلك، وسأله المدعي إحضار بينة تشهد له على ذلك، فإن أبا يوسف قال لا يسمع من بينته إن شهدت عنده على ذلك، وقال محمد: يسمع من بينته عليه، ويقضي به). وجه قول أبي يوسف: أن الشهادة تسقطها الشبهة والتهمة، ولا شبهة أكثر من شهادتهم على فعله، وهو لا يذكره، فصار ذلك شبهة في سقوطها. ويدل عليه: أنه لو شهد عنده شاهدان بحق، فلم يقض بشهادتهما حتى تطاول الزمان، وشهد عنده شاهدان أن الأولين قد كانا أقاما الشهادة عنده بذلك، وهو لا يذكره: لم يلتفت إليه. وكذلك لو أن شاهدين عدلين قالا لرجل: قد كنت أشهدتنا على شهادتك: أن لفلان على فلان ألف ردهم، وهو لا يذكر ذلك: لم يسعه أن يشهد عند القاضي بما قالا. وكذلك لو رأى خطة ولم يذكر الشهادة: لم يسعه إقامتها. ويدل عليه "حديث عمار حين قال لعمر في شأن التيمم: أما تذكر يا أمير المؤمنين أنا كنا في الإبل، فأجنبت، فتمعكت في التراب كما يتمعك الحمار، ثم سألت النبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، وتسمح بهما وجهك وذراعيك". فلم يقنع عمر قول عمار، إذ لم يكن ذاكرًا لما ادعى مشاهدته، ولم

стр. 3500

ينزل على قوله، في أن الجنب يتيمم، وقد كان من مذهب عمر قبول أخبار الآحاد، إلا أنه لما ذكر حالًا شاهدها عمر، ولم يذكرها، لم يقبله. * وفرق أبو يوسف بين ذلك، وبين ما يجد في ديوانه مما لم يذكره، قال: لأن ذلك كان تحت خاتمه، وفي يده، وها هنا إنما يريد الحكم بقول غيره فيما لا يذكره من قضيته. * وجه قول محمد: أنه يسمع من بينته على قضاء غيره، فكذلك على قضاء نفسه، إذ لا يمتنع جواز النسيان عليه، وقد قبل النبي ﷺ قول أبي بكر وعمر حين صدقا ذا اليدين في قوله: "قصرت الصلاة، أم نسيت؟ ". وقبل عمر قول أنس وغيره في أمانة الهرمزان حين قال له: أتكلم بكلام حي، أو كلام ميت؟ فقال: تكلم بكلام حي. * ولأبي يوسف: أنه لم يكن جرى هناك من النبي ﵊ قضية، فأنسيها، ثم قضى بها بقول غيره، وإنما نسي ﵊ ركعتين من الصلاة، وليس يمتنع أن يكون حين أخبروه: ذكر،

стр. 3501

فعمل على علمه بعد الذكر، وكذلك خبر عمر. مسألة: [حكم قبول خبر القاضي لتنفيذ ما أمر به] قال أبو جعفر: (وإذا قال القاضي لرجل: اقطع يد هذا، فإنه قد سرق ما يجب فيه القطع، وقد حكمت به عليه، أو قال: فارجمه؛ لأنه زنى، أو قال: قد قضيت عليه لهذا بألف ردهم: فإن قول القاضي مقبول في ذلك كله، في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد بأخرة: لا يسعه حتى يشهد مع القاضي عدل آخر، ويكون القاضي عدلًا، وفي الزنى: يشهد معه ثلاثة). وجه قول أبي حنيفة: أن القاضي مسلط على ذلك، أمين فيه، يملك القضاء به، فقبل قوله فيه، كما يقبل قول الوكيل بالبيع والطلاق، وسائر العقود التي تتعلق صحتها بفعله وحده إذا قال: قد أمضيته وعقدته. والمعنى في جميع ذلك: أنه يملك إيقاعه في الحال، كذلك القاضي لما كان يملك القضاء بهذه الحقوق عليه في الحال، وجب أن يكون مصدقًا فيها. ولذلك قالوا: إنه لو عزل، ثم أخبر بذلك: لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه لا يملك القضاء بها في الحال، كما أن الوكيل إذا عزل، ثم قال: قد كنت عقدت: لم يلتفت إلى قوله. وكما أن المطلق لامرأته طلاقًا رجعيًا، إذا قال قبل مضي ثلاث حيض: قد كنت راجعتها أمس: كان مصدقًا؛ لأنه يملك الرجعة في

стр. 3502

الحال، ولو مضت ثلاث حيض، ثم قال: قد كنت راجعتها قبل انقضاء العدة: لم يصدق، إذ كان غير مالك لها في الحال. ويدل عليه أيضًا: قول النبي ﵊: "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". ومعلوم أن الرجم لا يكون به وحده، بل به وبجماعة غيره، لقول الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾، فقد تضمن الخبر جواز قبول قوله عليها في صحة إقرارها بما يوجب رجمها، إذ قد أجاز لهم أن يرجموها بقوله، لأنه لم يقل له: ارجمها إلا وقد أجاز له أن يجيز غيره بما يوجب عليها من الرجم، ليرجمها معه. ويدل عليه أيضًا: قول علي ﵁: "الرجم رجمان: رجم سر، ورجم علانية". فرجم السر هو الذي يبدأ الإمام، ثم الناس، فقد أجاز لهم رجمها بقوله. * وقال محمد: لم يكن هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ ، في أن يصدق على غيره بغير بينة؛ لأنه ﵊ كان مأمون الغيب، وقد اتفقنا على أنه لا يقول إلا حقًا، ومن سواه جائز عليه السهو والغلط والكذب في إخباره.

стр. 3503

ويدلك على ذلك: حديث أبي برزة الأسلمي "أن أبا بكر غضب على رجل من المسلمين، واشتد غضبه. قلت: يا خليفة رسول الله! اضرب عنقه، فقال: أو كنت فاعلًا؟ قال: قلت: نعم، ولئن أمرتني لفعلت. قال: ويحك! إن ذلك- والله- ما بقي لأحد بعد محمد ﵊". * * * * * *

стр. 3504

كتاب الشهادات مسألة: [الشهادة على الخبر المستفيض] قال أبو جعفر: (وجائز للرجل أن يشهد على موت رجل ممن قد اشتهر موته، أو أخبره بذلك من يثق به، ممن ذكر له أنه قد عاينه، من رجل أو امرأة). قال أحمد: الموت، والنكاح، والدخول، والنسب، لا خلاف بين أصحابنا في جواز إقامة الشهادة عليها بالخبر المستفيض، ذلك لأن طريق إثباتها الخبر والاشتهار، ألا ترى أنك تشهد على نسب أبي بكر وعمر وعامة السلف وموتهم، وتعلم أن عائشة كانت زوج رسول الله ﷺ ، وأنه كان دخل بها، فهذه أمور يصير الخبر المستفيض فيها كالمعاينة. فإن لم تكن معاينة، وأخبره بذلك من يثق به، أنه عاينه ميتًا: جاز للشاهد أن يشهد بموته أيضًا؛ لأنه لما كان طريقه الخبر: سقط فيه اعتبار العدد، كسائر أخبار الآحاد. [مسألة:] قال: (ولا يجوز للرجل أن يشهد على الولاء المشهور في قول أبي

стр. 3505

حنيفة، وجائز له ذلك في قول أبي يوسف ومحمد). لأبي حنيفة: في إثبات الولاء: إثبات العتق؛ لأنه من أحكامه، وبه تتعلق صحته، والعتق لا يثبت بالخبر المستفيض، فكذلك ما يتعلق به الولاء. وليس كالنسب؛ لأن النسب يتعلق بالفراش، والفراش يصح ثبوته من جهة الاستفاضة. وأيضًا: فالولادة قد تثبت بقول امرأة واحدة، فهي أولى بأن تثبت بالاستفاضة. قال أحمد: وأما أبو يوسف: فإنه قد حكي عنه أنه كان لا يثبت الولاء في رجل أو امرأة بعينها بالخبر المشهور؛ لما فيه من إثبات عتقهما. وإنما يقبل فيه خبر الاستفاضة إذا كان له أبوان أو ثلاثة في الإسلام في الولاء، ويكون مشهورًا، فيصير حينئذ بمنزلة النسب؛ لقول النبي ﵊: "مولى القوم من أنفسهم". وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
следующие страницы →